رامبو... الانقلاب الأكبر على الشعر الفرنسي

سيرة جديدة تجاوزت الألف ومائتي صفحة من القطع الكبير

آرثر رامبو
آرثر رامبو
TT

رامبو... الانقلاب الأكبر على الشعر الفرنسي

آرثر رامبو
آرثر رامبو

استمتعت كثيراً هذا الصيف بقراءة سيرة رامبو التي كتبها الباحث جان جاك لوفرير. وهي أضخم سيرة ظهرت عن هذا الشاعر حتى الآن، إذ تجاوزت الألف ومائتي صفحة من القطع الكبير! ومنذ البداية يحق للمرء أن يتساءل: هل بقي شيء لم نكتشفه بعد عن رامبو؟ ألا تكفي مئات الكتب التي ظهرت عنه في مختلف اللغات من فرنسية وإنجليزية خصوصاً؟ ثم كيف يمكن لشاعر لم يمارس كتابة الشعر أكثر من أربع أو خمس سنوات على أكثر تقدير (بين السادسة عشرة والعشرين) أن يشغل العالم كله إلى مثل هذا الحد؟ كيف لشاعر يمكن حصر قصائده في ديوان صغير الحجم أن يبقى حاضراً بكل هذه القوة إلى يومنا هذا؟ ما هو سر هذا اللغز المحيّر؟ يقول المؤلف على صفحة الغلاف الأخير للكتاب: ولد آرثر رامبو في مدينة «شارلفيل» في شمال فرنسا عام 1854، ومات في مارسيليا عام 1891 عن عمر لا يتجاوز السابعة والثلاثين عاماً. وكل أعماله الشعرية تنحصر في مائة صفحة، على الأكثر. ولكن على الرغم من مرور أكثر من قرن على موته فإن قصائده لا تزال تمارس قدرة انفعالية هائلة على القراء، ولا تزال تحتفظ بحداثة حقيقية وكأنها كتبت البارحة. إن أعماله الشعرية تقع خارج كل أدب معروف وربما تعلو على كل أدب ممكن، كما قال الناقد فيليكس فينيون عام 1886 عن «الإشراقات». ولكن فيرلين يعتقد أن هذا الكلام ينطبق على كل أشعار رامبو وليس فقط على الإشراقات. إنه شعر يقع خارج كل شعر، شعر خالص يعلو على الشعر... انتهى كلام الناقد جان جاك لوفرير.

الشيء الطريف الذي نكتشفه في هذه السيرة الجديدة هو أن رسالة رامبو المشهورة باسم «رسالة الرائي» كانت قد بيعت مؤخراً للمكتبة الوطنية الفرنسية بمبلغ ثلاثة ملايين فرنك فرنسي!.. وهي لا تتجاوز الثلاث أو أربع صفحات. ومعلوم أنها أصبحت لاحقاً بمثابة النص المؤسس وشبه المقدس للحداثة الشعرية الفرنسية. في الواقع أنها مؤلفة من رسالتين متتاليتين، الأولى موجهة إلى أستاذه جورج إيزامبار، والثانية إلى صديقه بول دومني، ولكنهما تشكلان رسالة واحدة في نهاية المطاف. وفيها يدين الرثاثة الشعرية العتيقة والرومانطيقية الباهتة إن لم نقل المائعة ويقوم بأكبر انقلاب على الشعر الفرنسي. كما أنه يدشن الأدب الجديد ويرسم الخطوط العريضة لشعر المستقبل: أي لشعره هو بالذات. ولكن هل نعلم أن رامبو عندما أرسلها عام 1871 إلى صديقه لم يكن يمتلك ثمن الطابع البريدي لكي يضعه عليها فاضطر هذا الأخير إلى دفعه لكي يستطيع تسلمها؟ والآن تباع بثلاثة ملايين فرنك فرنسي! وهذا يذكرنا بقصة الرسام فان غوخ، الذي تباع لوحاته الآن بمئات الملايين من الدولارات في حين أنه كان يتضوَّر جوعاً عندما كان يرسمها!... مهما يكن من أمر فإن رامبو صفّى حساباته مع معظم الشعراء السابقين أو المعاصرين له في هذه الرسالة الشهيرة ودعا إلى انطلاقة جديدة في الكتابة الشعرية. بل إن هذه الرسالة تشكل قطيعة مطلقة مع الماضي. من هنا يمكن أن نفهم جملته الشهيرة: ينبغي أن نكون حديثين بشكل مطلق. ينبغي أن نقطع مع ماضي الشعر والنثر على حد سواء. ينبغي أن نجرب كتابة لم تُجرب من قبل قط. لم يعرف تاريخ الشعر ثورة راديكالية في مثل هذا الحجم والمستوى، ربما ما عدا لوتريامون، ذلك المجنون الآخر، أكاد أقول ذلك الوحش الآخر للشعر... بل إن رامبو طبق هذه الثورة الراديكالية الجنونية على نفسه عندما دعا صديقه إلى حرق - أو تمزيق - ديوانه الشعري الأول الذي كان مودعاً عنده! ولحسن الحظ فإنه لم يفعل. ولو أنه فعلها لكانت قد حصلت كارثة حقيقية، جريمة! لو أنها فعلها لكنا قد خسرنا بعضاً من أجمل قصائد الشعر الفرنسي في براءاته الأولى. آه من البراءات الأولى! آه من الطراوات الأولى!

لقد دخل الشاعر الهامشي «بول دومني» التاريخ فقط لأنه لم يمزق ديوان رامبو الأول: قصائده الغضة. شكراً له وألف شكر. لقد خلد نفسه في التاريخ لهذا السبب بالذات. كفاه فخراً أنه حافظ عليه أو قل رماه في أحد أدراجه العتيقة دون أن يعرف أهميته... ولكن عندما استشعر الأمر بعد سنوات طويلة وعرف أنه يمتلك كنز الكنوز في بيته راح يساوم عليه مادياً دور النشر لكي يفكّ ديونه... عندئذ كانت شهرة رامبو قد ابتدأت تنبثق وتصعد رويداً رويداً حتى طبقت الآفاق وقضت على كل شهرة أخرى... البعض يعتقد أن مانيفست الشعر الجديد، أي رسالة الرائي، لا ينطبق إلا على «الإشراقات» حيث تحلّل رامبو كلياً من قيود الأوزان والقوافي بل وحتى ما وراء الأوزان والقوافي... توصل إلى الشعر المطلق الذي لا شعر بعده. ولكن ماذا نفعل بـ«فصل في الجحيم»؟ وماذا نفعل بقصائد خارقة مثل «بوهيميتي»، أو «الحانة الخضراء»، أو «أحاسيس»، أو سواها؟ وهي من أوائل ما كتب. فـ«فصل في الجحيم» يمكن اعتباره كقصيدة نثرية أو كقصيدة تفعيلة في بعض الأحيان، أما القصائد الأولى، التي ذكرنا عناوين بعضها فكانت لا تزال تتبع الوزن والقافية تماماً. كانت مخلصة لعمود الشعر الفرنسي. لكن ما أجملها وما أطيبها! سوف أثبت إحداها في آخر هذا المقال. في الواقع أن رامبو، وكما تقول الناقدة سوزان برنار، كان يتحلّل في كل مرحلة من قيود جديدة حتى وصل أخيراً إلى شكل شعري حر تماماً من كل قيود. لقد خلع قيوده وأصفاده كلياً وتحول الشعر لديه إلى هواء منبث، إلى أثير... ولا ريب في أن «الإشراقات» تجسد هذا الشكل الشعري الذي سعى إليه رامبو واعياً أو غير واع منذ البداية. ولكنه لم يستطع أن يتوصل إليه إلا في خاتمة مساره الشعري. وهذا أمر طبيعي: فالانفلات من كل القيود ليس عملية سهلة، ولا يمكن أن يتمّ دفعة واحدة وإنما على مراحل. وشعراء الحداثة العربية ابتدأوا هم أيضاً بكتابة الشعر العمودي الموزون، ثم انتقلوا إلى قصيدة التفعيلة كحل وسط، قبل أن ينتهوا أخيراً إلى قصيدة النثر... وبالتالي فإن التطور الذي مرّ به رامبو يعتبر نموذجاً كلاسيكياً لكل ما حصل بعده.

يلاحظ المؤلف أن النظرية الشعرية الجديدة التي أتى بها رامبو لم تؤثر على شعراء جيله، بل ولم يسمعوا بها على الإطلاق! وهذا شيء لا يكاد يُصدَّق بالنسبة لنا نحن المعاصرين. ولكن أليس الرواد يجيئون دائماً قبل الأوان؟ من عرف أهمية نيتشه في وقته أو هولدرلين أو كافكا أو فان غوخ أو بعض المجانين الآخرين؟ لا أحد تقريباً. ولكن شعراء القرن العشرين راحوا يعدون «رسالة الرائي» بمثابة إنجيل الحداثة الشعرية الفرنسية بل والعالمية. راحوا يتمسكون بها حرفياً. نضرب على ذلك مثلاً: السرياليين.

فرامبو دعا، كما نعلم، إلى خلخلة جميع الحواس، وإلى الانخراط في كل التجارب الحياتية البوهيمية والهيجانية الجنونية قبل كتابة حرف واحد في الشعر. والسرياليون راحوا يطبقون نظريته حرفياً ويمارسون كل أنواع الشذوذ والجنون في شوارع باريس ومقاهيها، وأثاروا عليهم غضب الرأي العام والأخلاق التقليدية المحافظة. وكثيراً ما كسروا الكؤوس والأواني في مقاهي باريس من خلال معارك صاخبة مع بعضهم بعضاً أو مع آخرين. وهي معارك مفتعلة لا هدف لها إلا التخريب والتجريب وانتهاك كل القوانين الاجتماعية للبورجوازية الفرنسية المهذبة أكثر من اللزوم. بل ووصل بهم الأمر إلى حد الدخول على الكاتب الشهير «أناتول فرانس» وهو ميت مسجى في كفنه فصفعوه كفاً أو كفين على كلتا وجنتيه ثم خرجوا أمام ذهول الحاضرين وعدم تصديقهم لما يرون... من يستطع أن يفعل ذلك غير السرياليين؟ ولكن هناك بالطبع جوانب أخرى لهذه الثورة السريالية العظيمة التي حررت الوعي الباطني من كل القيود الدينية القمعية والعادات الاجتماعية الخانقة وجعلته ينفجر انفجاراً. ثم توصلنا أخيراً إلى الكتابة الأوتوماتيكية، أي إلى الحرية الانفلاشية الحرة التي لا حرية بعدها.

رسالة رامبو المشهورة باسم «رسالة الرائي»، التي لا تتجاوز أربع صفحات، بيعت مؤخراً للمكتبة الوطنية الفرنسية بثلاثة ملايين فرنك فرنسي

أحاسيس

في الأمسيات الزرقاء للصيف، سوف أنخرط في الدروب الضيقة،

موخوزاً بسنابل القمح، سوف أدعس الأعشاب الصغيرة:

حالماً، سوف أشعر بطراوتها على قدمي.

وسأترك الريح تبلل شعري العاري.

...

لن أنبس بكلمة، لن أفكر بشيء:

ولكن الحب اللانهائي سوف يصعد في أعماق روحي

وسوف أذهب بعيداً، بعيداً جداً، كبوهيمي،

متغلغلاً في أحشاء الطبيعة، كما لو أني مع امرأة.


مقالات ذات صلة

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

«موت المثقف»... الاغتراب والاستلاب

على غرار «موت المؤلف» للناقد الفرنسي رولان بارت، أطلق الشاعر عمر شهريار على كتابه الصادر أخيراً اسم «موت المثقف»، وهو رسالة علمية يناقش فيها حضور المثقف.

جمال القصاص
ثقافة وفنون «عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

«عين الهراتي»... كشف المهمل من التاريخ

يحيلنا الروائي العراقي خضير فليح الزيدي في روايته الجديدة «عين الهراتي» إلى فضاء سردي مشتبك مع بؤر التاريخ المنسي.

د. سمير الخليل

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended