رامبو... الانقلاب الأكبر على الشعر الفرنسي

سيرة جديدة تجاوزت الألف ومائتي صفحة من القطع الكبير

آرثر رامبو
آرثر رامبو
TT

رامبو... الانقلاب الأكبر على الشعر الفرنسي

آرثر رامبو
آرثر رامبو

استمتعت كثيراً هذا الصيف بقراءة سيرة رامبو التي كتبها الباحث جان جاك لوفرير. وهي أضخم سيرة ظهرت عن هذا الشاعر حتى الآن، إذ تجاوزت الألف ومائتي صفحة من القطع الكبير! ومنذ البداية يحق للمرء أن يتساءل: هل بقي شيء لم نكتشفه بعد عن رامبو؟ ألا تكفي مئات الكتب التي ظهرت عنه في مختلف اللغات من فرنسية وإنجليزية خصوصاً؟ ثم كيف يمكن لشاعر لم يمارس كتابة الشعر أكثر من أربع أو خمس سنوات على أكثر تقدير (بين السادسة عشرة والعشرين) أن يشغل العالم كله إلى مثل هذا الحد؟ كيف لشاعر يمكن حصر قصائده في ديوان صغير الحجم أن يبقى حاضراً بكل هذه القوة إلى يومنا هذا؟ ما هو سر هذا اللغز المحيّر؟ يقول المؤلف على صفحة الغلاف الأخير للكتاب: ولد آرثر رامبو في مدينة «شارلفيل» في شمال فرنسا عام 1854، ومات في مارسيليا عام 1891 عن عمر لا يتجاوز السابعة والثلاثين عاماً. وكل أعماله الشعرية تنحصر في مائة صفحة، على الأكثر. ولكن على الرغم من مرور أكثر من قرن على موته فإن قصائده لا تزال تمارس قدرة انفعالية هائلة على القراء، ولا تزال تحتفظ بحداثة حقيقية وكأنها كتبت البارحة. إن أعماله الشعرية تقع خارج كل أدب معروف وربما تعلو على كل أدب ممكن، كما قال الناقد فيليكس فينيون عام 1886 عن «الإشراقات». ولكن فيرلين يعتقد أن هذا الكلام ينطبق على كل أشعار رامبو وليس فقط على الإشراقات. إنه شعر يقع خارج كل شعر، شعر خالص يعلو على الشعر... انتهى كلام الناقد جان جاك لوفرير.

الشيء الطريف الذي نكتشفه في هذه السيرة الجديدة هو أن رسالة رامبو المشهورة باسم «رسالة الرائي» كانت قد بيعت مؤخراً للمكتبة الوطنية الفرنسية بمبلغ ثلاثة ملايين فرنك فرنسي!.. وهي لا تتجاوز الثلاث أو أربع صفحات. ومعلوم أنها أصبحت لاحقاً بمثابة النص المؤسس وشبه المقدس للحداثة الشعرية الفرنسية. في الواقع أنها مؤلفة من رسالتين متتاليتين، الأولى موجهة إلى أستاذه جورج إيزامبار، والثانية إلى صديقه بول دومني، ولكنهما تشكلان رسالة واحدة في نهاية المطاف. وفيها يدين الرثاثة الشعرية العتيقة والرومانطيقية الباهتة إن لم نقل المائعة ويقوم بأكبر انقلاب على الشعر الفرنسي. كما أنه يدشن الأدب الجديد ويرسم الخطوط العريضة لشعر المستقبل: أي لشعره هو بالذات. ولكن هل نعلم أن رامبو عندما أرسلها عام 1871 إلى صديقه لم يكن يمتلك ثمن الطابع البريدي لكي يضعه عليها فاضطر هذا الأخير إلى دفعه لكي يستطيع تسلمها؟ والآن تباع بثلاثة ملايين فرنك فرنسي! وهذا يذكرنا بقصة الرسام فان غوخ، الذي تباع لوحاته الآن بمئات الملايين من الدولارات في حين أنه كان يتضوَّر جوعاً عندما كان يرسمها!... مهما يكن من أمر فإن رامبو صفّى حساباته مع معظم الشعراء السابقين أو المعاصرين له في هذه الرسالة الشهيرة ودعا إلى انطلاقة جديدة في الكتابة الشعرية. بل إن هذه الرسالة تشكل قطيعة مطلقة مع الماضي. من هنا يمكن أن نفهم جملته الشهيرة: ينبغي أن نكون حديثين بشكل مطلق. ينبغي أن نقطع مع ماضي الشعر والنثر على حد سواء. ينبغي أن نجرب كتابة لم تُجرب من قبل قط. لم يعرف تاريخ الشعر ثورة راديكالية في مثل هذا الحجم والمستوى، ربما ما عدا لوتريامون، ذلك المجنون الآخر، أكاد أقول ذلك الوحش الآخر للشعر... بل إن رامبو طبق هذه الثورة الراديكالية الجنونية على نفسه عندما دعا صديقه إلى حرق - أو تمزيق - ديوانه الشعري الأول الذي كان مودعاً عنده! ولحسن الحظ فإنه لم يفعل. ولو أنه فعلها لكانت قد حصلت كارثة حقيقية، جريمة! لو أنها فعلها لكنا قد خسرنا بعضاً من أجمل قصائد الشعر الفرنسي في براءاته الأولى. آه من البراءات الأولى! آه من الطراوات الأولى!

لقد دخل الشاعر الهامشي «بول دومني» التاريخ فقط لأنه لم يمزق ديوان رامبو الأول: قصائده الغضة. شكراً له وألف شكر. لقد خلد نفسه في التاريخ لهذا السبب بالذات. كفاه فخراً أنه حافظ عليه أو قل رماه في أحد أدراجه العتيقة دون أن يعرف أهميته... ولكن عندما استشعر الأمر بعد سنوات طويلة وعرف أنه يمتلك كنز الكنوز في بيته راح يساوم عليه مادياً دور النشر لكي يفكّ ديونه... عندئذ كانت شهرة رامبو قد ابتدأت تنبثق وتصعد رويداً رويداً حتى طبقت الآفاق وقضت على كل شهرة أخرى... البعض يعتقد أن مانيفست الشعر الجديد، أي رسالة الرائي، لا ينطبق إلا على «الإشراقات» حيث تحلّل رامبو كلياً من قيود الأوزان والقوافي بل وحتى ما وراء الأوزان والقوافي... توصل إلى الشعر المطلق الذي لا شعر بعده. ولكن ماذا نفعل بـ«فصل في الجحيم»؟ وماذا نفعل بقصائد خارقة مثل «بوهيميتي»، أو «الحانة الخضراء»، أو «أحاسيس»، أو سواها؟ وهي من أوائل ما كتب. فـ«فصل في الجحيم» يمكن اعتباره كقصيدة نثرية أو كقصيدة تفعيلة في بعض الأحيان، أما القصائد الأولى، التي ذكرنا عناوين بعضها فكانت لا تزال تتبع الوزن والقافية تماماً. كانت مخلصة لعمود الشعر الفرنسي. لكن ما أجملها وما أطيبها! سوف أثبت إحداها في آخر هذا المقال. في الواقع أن رامبو، وكما تقول الناقدة سوزان برنار، كان يتحلّل في كل مرحلة من قيود جديدة حتى وصل أخيراً إلى شكل شعري حر تماماً من كل قيود. لقد خلع قيوده وأصفاده كلياً وتحول الشعر لديه إلى هواء منبث، إلى أثير... ولا ريب في أن «الإشراقات» تجسد هذا الشكل الشعري الذي سعى إليه رامبو واعياً أو غير واع منذ البداية. ولكنه لم يستطع أن يتوصل إليه إلا في خاتمة مساره الشعري. وهذا أمر طبيعي: فالانفلات من كل القيود ليس عملية سهلة، ولا يمكن أن يتمّ دفعة واحدة وإنما على مراحل. وشعراء الحداثة العربية ابتدأوا هم أيضاً بكتابة الشعر العمودي الموزون، ثم انتقلوا إلى قصيدة التفعيلة كحل وسط، قبل أن ينتهوا أخيراً إلى قصيدة النثر... وبالتالي فإن التطور الذي مرّ به رامبو يعتبر نموذجاً كلاسيكياً لكل ما حصل بعده.

يلاحظ المؤلف أن النظرية الشعرية الجديدة التي أتى بها رامبو لم تؤثر على شعراء جيله، بل ولم يسمعوا بها على الإطلاق! وهذا شيء لا يكاد يُصدَّق بالنسبة لنا نحن المعاصرين. ولكن أليس الرواد يجيئون دائماً قبل الأوان؟ من عرف أهمية نيتشه في وقته أو هولدرلين أو كافكا أو فان غوخ أو بعض المجانين الآخرين؟ لا أحد تقريباً. ولكن شعراء القرن العشرين راحوا يعدون «رسالة الرائي» بمثابة إنجيل الحداثة الشعرية الفرنسية بل والعالمية. راحوا يتمسكون بها حرفياً. نضرب على ذلك مثلاً: السرياليين.

فرامبو دعا، كما نعلم، إلى خلخلة جميع الحواس، وإلى الانخراط في كل التجارب الحياتية البوهيمية والهيجانية الجنونية قبل كتابة حرف واحد في الشعر. والسرياليون راحوا يطبقون نظريته حرفياً ويمارسون كل أنواع الشذوذ والجنون في شوارع باريس ومقاهيها، وأثاروا عليهم غضب الرأي العام والأخلاق التقليدية المحافظة. وكثيراً ما كسروا الكؤوس والأواني في مقاهي باريس من خلال معارك صاخبة مع بعضهم بعضاً أو مع آخرين. وهي معارك مفتعلة لا هدف لها إلا التخريب والتجريب وانتهاك كل القوانين الاجتماعية للبورجوازية الفرنسية المهذبة أكثر من اللزوم. بل ووصل بهم الأمر إلى حد الدخول على الكاتب الشهير «أناتول فرانس» وهو ميت مسجى في كفنه فصفعوه كفاً أو كفين على كلتا وجنتيه ثم خرجوا أمام ذهول الحاضرين وعدم تصديقهم لما يرون... من يستطع أن يفعل ذلك غير السرياليين؟ ولكن هناك بالطبع جوانب أخرى لهذه الثورة السريالية العظيمة التي حررت الوعي الباطني من كل القيود الدينية القمعية والعادات الاجتماعية الخانقة وجعلته ينفجر انفجاراً. ثم توصلنا أخيراً إلى الكتابة الأوتوماتيكية، أي إلى الحرية الانفلاشية الحرة التي لا حرية بعدها.

رسالة رامبو المشهورة باسم «رسالة الرائي»، التي لا تتجاوز أربع صفحات، بيعت مؤخراً للمكتبة الوطنية الفرنسية بثلاثة ملايين فرنك فرنسي

أحاسيس

في الأمسيات الزرقاء للصيف، سوف أنخرط في الدروب الضيقة،

موخوزاً بسنابل القمح، سوف أدعس الأعشاب الصغيرة:

حالماً، سوف أشعر بطراوتها على قدمي.

وسأترك الريح تبلل شعري العاري.

...

لن أنبس بكلمة، لن أفكر بشيء:

ولكن الحب اللانهائي سوف يصعد في أعماق روحي

وسوف أذهب بعيداً، بعيداً جداً، كبوهيمي،

متغلغلاً في أحشاء الطبيعة، كما لو أني مع امرأة.


مقالات ذات صلة

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ثقافة وفنون ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في الضاحية الجنوبية لبيروت.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد عبد الصمد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون كارلوس مانويل ألفاريز

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته».

تشارلي لي
ثقافة وفنون حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات...

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.