إدفيك جريديني وأنطون سعادة: علاقة مشرقة أوصلتها الظروف إلى طريق مسدود

الحب عنده انعكاس لقوة الحياة

أنطون سعادة
أنطون سعادة
TT

إدفيك جريديني وأنطون سعادة: علاقة مشرقة أوصلتها الظروف إلى طريق مسدود

أنطون سعادة
أنطون سعادة

قَلّ أن أثار زعيم ومفكر عقائديّ مشرقيّ، من غبار التأييد أو الاعتراض، مقدار ما أثاره خلفه أنطون سعادة، مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي. لكن اشتداد الخلاف حول فكره وتجربته السياسية، لم يمنع الجميع من احترامه وتقدير فكره الإشكالي، وهو الذي قدم أطروحة بالغة الأهمية في علم الاجتماع السياسي، كما أن رفضه المساومات وصموده الصلب في وجه الأعاصير، قد حوّله بالنسبة إلى محازبيه ومعتنقي فكره، إلى أيقونة حقيقية أكسبتها محاكمته الصورية وإعدامه الشبيه بالاغتيال، هالة من القداسة عصيَّة على الإمحاء. وإذا كانت هذه الهالة هي مصدر الصعوبة في الكتابة عن الجانب العاطفي من شخصية الزعيم، الأمر الذي قد يثير ريبة البعض من العقائديين القائلين بتنزيه رموزهم عن الأهواء «الأرضية» العارضة، فقد وجدتُني على العكس من ذلك، معنياً بإماطة اللثام عن الجانب العاطفي المرهف من شخصية الرجل الذي تم إخفاء رقته خلف صورة نمطية بالغة الجدية والصرامة. وقد اتضح لي من خلال رسائله إلى إدفيك جريديني، أن وراء تلك الملامح الصارمة للقائد السياسي، كان ثمة قلب دافئ يهتز لأقل نأمة حب أو تنهيدة شغف أو هبة ريح.

ولقد أكد سعادة من خلال مواءمته الناجحة بين صلابة الموقف ورقة المشاعر، الوجه النموذجي لثنائية الفروسية والعشق، أو الحب والموت، التي جسدها عنترة العبسي في توزعه الضدّي بين لمعان السيوف ولمعان ثغر الحبيبة، كما اختزلها أبو فراس الحمداني بقوله: «نحن قوم تذيبنا الأعين النجل، على أننا نذيب الحديدا»، ثم أعاد الشاعر الإسباني غارسيا لوركا صياغتها على طريقته في وصف صديقه مصارع الثيران بالقول: «كان قاسياً مع المهاميز ولطيفاً مع السنابل».

والواقع أن عملَي سعادة القصصيين «عيد سيدة صيدنايا» و«فاجعة حب»، اللذين كتبهما في أوائل ثلاثينات القرن الفائت، قد جسدا الانسجام التام بين آرائه النظرية وسلوكه الشخصي. فالصورة المثالية التي رسمها المؤلف لبطله إبراهيم، «المحب لله حباً خالياً من الرهبة والمعتني بقوته البدنية»، والذي أحب نجلا ووعدها بالزواج ووفى بوعده لها، هي نسخة مطابقة عن سعادة نفسه في علاقته بالدين ونظام القيم والوفاء بالعهود. وفي «فاجعة حب» تنقسم شخصية سعادة بين الراوي نفسه، وبين شقيقه سليم، الذي رفض الانجرار خلف غرائزه الشخصية واهباً نفسه للموسيقى والفن، كما لحب دعد التي لم ير أهلها في زواجها منه ما يجلب لها الثروة أو الجاه، وصولاً إلى موته المأساوي تحت ضربات الحمى.

ولم يكن انتصار سعادة لقضايا المرأة ودفاعه الشرس عن حقها في العلم والحرية والعدالة، لينفصل بأي حال عن إيمانه الراسخ بدورها الريادي في تربية الأجيال المتعاقبة، كما في تهيئة الأمة السورية للخروج من وهدة التخلف والتشرذم ومساعدتها على النهوض. وهو ما يفسر تعاطفه مع مي زيادة التي زجّ بها في مصحٍّ عقليٍّ بفعل مؤامرة مدبَّرة من بعض أقربائها الجشعين، ودوره الحاسم في إنهاء المأساة المؤلمة للمرأة التي لم تنجب سوريا، حسب رأيه، أديبةً بحجمها في القرون الأخيرة، رغم قوله إن استعدادها النفسي كان أقوى وأرسخ من نتاجها المنجز، مؤكداً أن ما كان ينقصها «هو الحافز الموضوعي من أي عمل عظيم أو حدث تاريخي خطير أو فكرة فلسفية سامية».

أما الجانب العاطفي من شخصية سعادة، والذي يقتصر كما يبدو على علاقتين اثنتين، وصلت أولاهما إلى طريق مسدود وتكللت الأخرى بالزواج، فكان يمكنه أن يتوارى خلف ستار سميك من النسيان لولا الجرأة البالغة التي تحلَّت بها الكاتبة والشاعرة اللبنانية إدفيك جريديني، حين عقدت العزم وبعد عقود عدة من غياب الزعيم، على إعلان العلاقة التي ربطت بينهما أمام الملأ. وقد مكّننا كتابها «رسائل حب من أنطون سعادة إلى إدفيك جريديني» من الوقوف على الجانب الأكثر شفافية ونبلاً من شخصية الزعيم، فيما استطاعت المذكرات التي أصدرتها جولييت المير، زوجة سعادة وأم بناته الثلاث ورفيقته في الحزب، أن تضعنا أمام صورة دراماتيكية مؤثرة عن حياتها القصيرة مع سعادة، وعمَّا واجهه الأخير من مكابدات ومكائد، وصولاً إلى تقديم بانوراما شاملة عن إحدى أكثر الحقب خطورة في تاريخ لبنان والمنطقة.

تستهلّ جريديني كتاب الرسائل بالإشارة إلى الصراع المحتدم باستمرار بين العقل والقلب، والذي ينتهي معظم الأحيان بمحق هذا الأخير، ومخاطبة القراء بالقول إن تلك الرسائل هي «ثروة روحية من التراث، أثمن من أن تظل مضمومة بين أوراق الورد وثنايا الحرير». بعدها تتحدث عن تعرّفها إلى الزعيم «ذي الشخصية الفذة التي تشع رجولةً وذكاءً وسط هالة من المناقبية والظُّرف»، وعن لقاءاتهما الأولى بين غابات الصنوبر في بلدة الشوير اللبنانية، وعن مبادرته غير المتوقعة إلى دَقّ اللحمة في جرن الحجر وإرسالها إليها لدى إصابتها بوعكة صحية، وصولاً إلى لقائهما في المغارة الملتفّة على نفسها مثل «دينة الجرّة»، حيث كانت القُبلة الأولى والأخيرة التي تبادلاها آنذاك، الترجمة الحسية الوحيدة لحبهما العفيف والمتعالي عن الغرائز المجردة.

وحيث يحرص سعادة على المواءمة بين مقارباته العقلانية لقضايا الأمة الشائكة، وبين وجيب قلبه الممعن في الخفقان، يكتب مناجياً حبيبته «إنَّ لي رفيقاً بعيداً عني، ولكنني أُحس بتنفسه في تنفس الأمواج، وأرى ضياء عينيه في تألق الكواكب، وأراه وجهاً لوجه في هذا التصميم الداخلي العميق الذي يجمع بين نفسين جمعاً لا تفريق بعده». وإذ يلحّ آنذاك على فكرة السفر إلى أميركا اللاتينية، بحثاً عن دعم بشري ومادي يكفل لحزبه الصمود في وجه الأخطار، لا ينفكّ يذكّر إدفيك بأن أكثر ما يشد من أزره هو مرافقتها له في رحلته كما في حياته برمّتها، متوجهاً إليها بالقول: «أنا لا أطيق السير في العالم وحدي، فما قيمة المسرات التي لا تشاركينني بها؟». واللافت أن سعادة الذي فوجئ باعتراض شقيق إدفيك وأمها على سفرها معه وارتباطها به، ولأسباب تتعلق باختلاف الدين والخوف على مستقبل الابنة، لم يحاول أبداً أن يستخدم سلطته المادية والمعنوية للضغط على العائلة وثنيها عن مواقفها. ومع أنه كان موقناً من حب إدفيك له، فهو لم يشجعها على التمرد، لأن المسألة بالنسبة له كانت مسألة حب وحياة لا مسألة تمرد، مؤكداً أن «الحب هو الرابطة الأساسية لا الزواج، وأن الزواج يكمل الحب ولا يكمل الحب الزواج».

إدفيك جريديني

ومع أن سعادة كان يحرص باستمرار على وضع العواطف الشخصية في المرتبة الثانية بعد قضيتيه الكبريين، الأمة والحزب، إلا أن رسالته السابعة عشرة إلى إدفيك شكَّلت المنعطف الحاسم الذي قرر معه إمساك زمام المبادرة بنفسه، فكتب بلا مواربة «أجزم بأنني أحبك، ولكن حبي لك ليس محور حياتي، بل سوريا هي المحور». وبعد أن يذكّرها بالقسَم الحزبي الذي أكد خلاله منح نفسه بكاملها لأمته السورية، يعود للقول: «إن مجرى حياتي آخذٌ في إيقاظي إلى المصاعب الكبيرة والصغيرة التي تقف في طريق زواجي ممن أحب الآن. لقد كانت الصعوبات من جهة أهلك، والآن أرى الصعوبات من جهتي، كأن حياتي يجب أن تكون تضحيات في تضحيات». أما رسالته الأخيرة المؤرّخة في الرابع عشر من أبريل (نيسان) عام 1938، فبدت بمثابة اعتراف نهائي بانسداد أفق العلاقة وبوجوب الفراق، مع تأكيد بقاء الصداقة والذكريات.

لم تلبث إدفيك جريديني بعد انتهاء علاقتها بسعادة أن تزوجت من المهندس توفيق شيبوب الذي التقته في البصرة عام 1940، ورحل في أوج شبابه تاركاً على عاتقها طفلين اثنين. وهي تروي في مقدمة كتاب الرسائل أن الزعيم طلب زيارتها، إثر عودته من المهجر الأميركي عام 1947، ولكنها آثرت تحاشي اللقاء، رغم الصراع الذي نشب داخلها بين الإرادة والعاطفة، متذرعةً بالقول: «إن الزعيم محب عنيد وله زوجة وطفلتان، وأنا امرأة عزلاء أعيش على ذكرى حبيب غاب، وكلانا بشر وعُرضة للحظة ضعف. فماذا لو انتفض حبنا مطالباً بحقه في الحياة؟». أما بخصوص رسائلها العاطفية إلى الزعيم، والتي أُتلفت بقرار من سعادة نفسه درءاً لتبعاتها على الطرفين، فلا تتوانى صاحبة «البيت الدافئ» عن إبداء ندمها على إتلاف مسودات تلك الرسائل، تلافياً للتبعات نفسها، كما قالت.

وإذ تجدر الإشارة أخيراً إلى أن إدفيك جريديني شيبوب، التي رحلت عن هذا العالم عام 2003، قد أصدرت غير عمل أدبي ومجموعة شعرية، فلا بد من الإشارة أيضاً إلى شغف سعادة بالشعر واهتمامه البالغ بتجارب الشعراء، وبخاصة المجددون منهم، مشيراً إلى الفوارق الكثيرة التي تميِّز النثر الشعري عن الشعر المنثور. أما سعادة الشاعر فقد ترك لنا نصوصاً عدة ناضحة بالحب والوله العاطفي الرومانسي، وهو القائل في إحدى مقطوعاته:

لقد قضى ذيّاك الربيع الذي ليس لنا

فأزهاره غير أزهارنا

وفجره غير فجرنا

ولذا لا تنبّهي الأحلام

لا تذكري شيئاً مما مضى

فإذا اضمحل الحب فماذا يبقى من الحقيقة؟


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».