كيليطو بين بورخيس «العربي» و«المغربي»

نصان للباحث المغربي يهدفان إلى ترسيخ فكرة واحدة

بورخيس
بورخيس
TT
20

كيليطو بين بورخيس «العربي» و«المغربي»

بورخيس
بورخيس

يستوقف قارئ التجربة الأدبية لعبد الفتاح كيليطو، تكرار الحديث عن بورخيس. التكرار القصدي الموعى به. ويتحقق بالتنويع حسب «المجالس» (المقامات كما يقول)، خصوصاً حال الحديث عن كلاسيكيات الأدب العربي «ألف ليلة وليلة»، أو عن شخصية الفيلسوف ابن رشد. فالإشارة لبورخيس، إحالة على قراءة، أقول نوعية من القراءة. قراءة الآخر للأدب العربي والافتتان به، بالرغم من تحققها انطلاقاً من لغة ليست لغتنا. إن بورخيس غير العربي يخاطب ذواتنا وعما يمثل تراثنا.

تحضر صورة بورخيس من خلال نصين. النصان يتقاطعان ويتداخلان، بل يهدفان إلى ترسيخ فكرة واحدة مؤداها: كيف تلقى بورخيس التراث العربي القديم؟ وكيف أسهم في عملية فهمه وتأويله؟ وأما النصان فهما:

_ بورخيس «العربي» (كتاب «بحبر خفي»/ دار توبقال/2018)

_ بورخيس والمغرب (كتاب «التخلي عن الأدب»/ دار المتوسط/2022)

بورخيس العربي

يركز عبد الفتاح كيليطو في مقالته/ موضوعه «بورخيس العربي»، على فكرتين أساسيتين:

* تلقي بورخيس للأدب العربي القديم مترجماً.

* ورغبة بورخيس في القراءة المباشرة لهذا الأدب، أي في أصله.

تحقق تلقي بورخيس للأدب العربي انطلاقاً من لغات يتقنها: الإسبانية، الإنجليزية، الألمانية والفرنسية. الأخيرة فسحت أمامه إمكانات سعة الذيوع والتداول، ما يضاف لما أدعوه الكفاءة اللغوية، الاستفادة من منجز المستشرقين في دراساتهم للأدب العربي (نستحضر هنا توجه طه حسين على السواء). ويستدل كيليطو بإدوار لين، وريشار بورتون، وإرنست رينان، وآسين بلا تيوس. ومثلما يستدل، يستحضر عناوين لنصوص أدبية لبورخيس تحيل على اضطلاعه على الأدب العربي القديم في لغة غير لغته، ليظل الإشكال مرتبطاً بعدم معرفته للغة العربية:

«إلا أنه، وعلى الرغم من تبوئه قمة المجد الأدبي، بقي في نفسه شيء من... اللغة العربية». (ص/71)

يذكر كيليطو في حديثه عن الرغبة في القراءة المباشرة، أن بورخيس سعى إلى ذلك وقد أدرك عامه السابع والثمانين «وبالضبط في 1986»، حيث لفت نظر القراء والباحثين العرب إلى منجزه الأدبي. وهنا أرغب تأكيد إضافة لها أهميتها. ذلك أني كقارئ، تعرفت على بورخيس أواخر السبعينات من خلال مقالة كتبها الناقد السوري خلدون الشمعة، ونشرها في مجلة «المعرفة» السورية (فبراير/1978). حملت المقالة عنوان «بورغيس وفن الخبر». ومن ضمن ما جاء فيها: «.. ابتكر بورغيس جنساً أدبياً طليعياً أطلق عليه اسم (Fiction)، وهو يجمع بين القصة والمقالة، أو بالأحرى يقوم بعملية دمج بين القصة والخبر، أو بين الأدب والتاريخ». (ص/171)

ويضيف: «يطرح بورغيس نفسه كاتباً عالمياً، أو هو يعتبر أن الجمهور الذي يخاطبه عالمي غير محلي وغير زمني (أي غير محدد بفترة تاريخية معينة). ولهذا فمادة القصة لديه كثيراً ما تعتمد على مصادر عربية وإسلامية. وقد كانت (ألف ليلة وليلة) وكتب الأخبار العربية وكتب التاريخ الإسلامي من المصادر الأثيرة لديه». (ص/171

عبد الفتاح كيليطو
عبد الفتاح كيليطو

أعتقد أن جانباً مما جاء به عبد الفتاح كيليطو، أورده خلدون الشمعة بخصوص التجربة الأدبية لبورخيس، وهو التجسيد الدال عن المشترك الأدبي والنقدي في الرأي وعلى التصور.

أنتقل بعد الإضافة، إلى الإشارة - حسب كيليطو - لكون بورخيس وهو يتحول من وضعية المعلم إلى تلميذ، كان يقيم في جنيف. وأما معلمه المصري، وبالضبط الإسكندراني، فألم كما قيل، ووفق حكاية كيليطو، بآثار بورخيس كاملة. وهو ما جسر «القرابة» وثبت «الحميمية» بينهما. وهنا يطرح كيليطو سؤال الاختيار: لم كان الأستاذ مصرياً؟ ألذلك علاقة بكونهم «بناة الأهرام»، وإلى احتفائهم بـ«طقوس الموت» و«مراسم الدفن». ويتوسع التساؤل ليشمل الانتماء إلى الإسكندرية. أترى لكونها تحوي «أشهر مكتبة في التاريخ؟»:

«قيل إن عدد مجلداتها يفوق حساب الأفلاك/ أو حبات رمل الصحراء». (ص/72)

إن الرغبة في تعلم اللغة العربية بالنسبة لبورخيس - وكما سلف - هدفها التعرف المباشر على «الأصول».

وهنا يطرح كيليطو السؤال «أي أصول؟»، إذ اللافت أن تركيزه الأساس تحدد في نص واحد كما قيل «ألف ليلة وليلة». النص الذي يختزل «اللسان العربي» و«الأدب العربي». ففي هذا النص يكمن سر لم يتأت له التعرف عليه وهو يقرأ النص في غير لغته: «كان يتمنى وهو على حافة الموت أن يجد فيه كلمة السر التي تتيح له ولوج العالم الآخر واكتساب حياة جديدة».(ص/73) إلا أن الموت حال دون تحقيق البغية، بغية تعلم اللغة العربية لقراءة أقوى نص دمغ الوجود الإنساني ككل.

بورخيس والمغرب

يحق الحديث عن الصورة الثانية لبورخيس في هذا القسم الأول، وكما وردت في مقالة/حكاية عبد الفتاح كيليطو «بورخيس والمغرب»، من خلال ثلاثة مستويات:

* بورخيس والمغرب، وسيغدو عند «القلب» لدوافع «المغرب وبورخيس».

* بورخيس «العربي»، وتحيلنا تفاصيله على النص السابق.

* سيرة قراءة كيليطو لأدب بورخيس.

ما ينتظم المستويات، الكاتب أو المؤلف عبد الفتاح كيليطو، من منطلق كونه متلقي التجربة الأدبية لخورخي لويس بورخيس، والأخير، بحكم كونه الأديب العالمي المقروء في/وعبر أكثر من لغة، ثم تمثله الأدب العربي القديم ومخاطبتنا من خلاله ولو تأتي في لغة ليست الأصل.

يضعنا كيليطو في المستوى الأول، أمام حكاية دعوة تلقاها من سفارة الأرجنتين بالرباط لمناسبة لقاء تكريمي للكاتب بورخيس. يتحدد موضوع الدعوة، في علاقة بورخيس بالمغرب. وإذا كان عنوان الموضوع وفق رؤية كيليطو «جميلاً وطريفاً»، فالتساؤل يتعلق بما يمكن أن يتحدث عنه. أقول التفاصيل التي تستدعي التفكير والتأويل، وهي في العمق العناصر الغائبة عن التناول. فبورخيس زار المغرب مرتين (وبالضبط مدينة مراكش مرفوقاً بماريا غوداما)، لولا أنه، حسب كيليطو، لم يكتب في/ وعن الموضوع، إلى كونه أورد ضمن قصة «البحث عن ابن رشد» إشارة لرحلة ابن بطوطة بذكر اسم آخر، أبي القاسم.

فباستثناء السابق، تبرز صعوبة تناول موضوع كهذا، وعلاقة كهذه. من ثم يؤثر كيليطو الحديث بالقلب، قلب العلاقة، إذ بدل الحديث عن «بورخيس والمغرب»، سيتم التطرق إلى «المغرب وبورخيس». وهنا سيثار جانب من الاهتمام بأدبه، إلى التأثير الذي خلفه في قرائه وعلى الأدب المغربي الحديث.

وإذا كان موضوع القلب يوحي في الظاهر بكونه أكثر قابلية للتناول، إلا أنه في العمق يطرح صعوبات أيضاً، لأن «... المادة المتاحة أكثر ثراءً، فليس من بين المثقفين المغاربة من لم يقرأ بورخيس أو لم ينو على أقل تقدير قراءته، بحيث إن الإحالة إليه شائعة، فضلاً عن تدريسه في بعض الشعب، وترجمة قسط وافر من كتبه، هذا علاوة على البحوث التي اهتمت به عندنا بأكثر من لغة». (ص/10)

إذن المادة متوافرة (وليس متوفرة)، لكن من غير الجاهز الاضطلاع عليها، والإحاطة الشمولية الكلية بها. فعدم الإلمام بالعلاقة والأثر في الأدبين الإسباني والإنجليزي، لا يتيح إمكانات الكتابة والتأويل.

وهنا يتم الانتقال إلى المستوى الثاني الموسع الذي تم تناوله سابقاً، والمتجسد في «بورخيس العربي»، أو العلاقة التي ربطت بين بورخيس والأدب العربي القديم: «بدا لي في النهاية من المناسب أن أركز على علاقته بالأدب العربي». (ص/10)

وذلك لدواعٍ تتمثل في الانتماء والانشغال بالموضوع ذاته، إلى توقع كون غاية الجهة الداعية، المسعى نفسه. ففي غياب سعة المواكبة لعلاقة بورخيس بالأدب الإسباني والإنجليزي، فإن كيليطو يؤكد أيضاً أن اضطلاعه بأدبه في العربية يعد «جزئياً» و«مبتسراً»: «فبورخيس يخاطب عدة ثقافات، وهو مثير للاهتمام لأن ألسناً وآداباً تجد نفسها فيه، بحيث إن قراءه يتوزعون حسب اللغة التي ينتمون إليها أو التي تكون أليفة لديهم». (ص/10)

من ثم يطرح كيليطو السؤال على نفسه أولاً، ثم قارئ بورخيس العربي المفترض: «أأنا القارئ المفترض لبورخيس؟.. هل كان يفكر في قارئ عربي محتمل، مثلاً، عندما نشر كتاب الألف سنة 1952؟». (ص/ 10_11)

إن المؤكد، كون المخاطب يتحدد في اللغة التي ينجز في ضوئها المكتوب، ولئن كان يتضمن «إشارات إلى الأدب العربي». إنه القارئ الأرجنتيني، الإسباني، الإنجليزي والفرنسي، ما دامت أسماء كتاب ومؤلفين فرنسيين يستشهد بها، بل إن كيليطو يؤكد بأن ترجمة أعماله إلى اللغة الفرنسية حولته إلى «كاتب عالمي». ويقر بحزم صارم، بأن القارئ العربي «لم يكن يدور في خلده على الإطلاق».. والأصل أن هذا القارئ ذاته وإلى حدود الخمسينات والستينات لم يكن على معرفة به ومنجزه الأدبي. ويورد كيليطو إشارة عدها قوية ودالة وتقتضي بحثاً أدبياً مقارناً، وتتجسد في كون المفكر والمبدع الراحل عبد الكبير الخطيبي من «الأوائل الذين أشاروا إليه» في السبعينات، حيث تعد مسرحيته «النبي المقنع» مستوحاة من قصة بورخيس «الصباغ المقنع: حكيم مرو»، والمتضمنة في كتاب «التاريخ العالمي للعار». وبذلك، تنضاف إشارة بداية الاهتمام لما جئنا به عن الناقد السوري خلدون الشمعة. وأرى أن استجلاء بدايات التعرف والاضطلاع على التجربة الأدبية لبورخيس يقتضي خصه بدراسة مفردة مستقلة.

وأما بخصوص المستوى الثالث المرتبط بسيرة كيليطو كقارئ لبورخيس، فإنه سقط في المفاجأة لما وقف على سعة ثقافته، وهو ما دعا إلى اعتباره «من المؤلفين الكبار عبر التاريخ» الذين اهتموا بالتراث العربي القديم (ألف ليلة وليلة والمعلقات)، دون المعاصر. من ثم يمكن مقارنة مساره بما جاء به المستشرقون الذين ذكروا سابقاً. وتحولت المفاجأة إلى اندهاش وانكباب على قراءة المنجز الأدبي لبورخيس، إذ وكلما ذكر مؤلف عربي إلا وتأكد بأن الخطاب موجه للذات. ويسوق كيليطو شبه خلاصة عامة بليغة عن علاقة القارئ بمؤلف ما:

«من الواضح أن القارئ لا يقترب من مؤلف، من كتاب، وهو صفر اليدين، إنه من بلد، من لغة، من زمن محدد، وله انشغالات وانتظارات، توقعات وتصورات تكونت من خلال ما سبق أن قرأه، وعلى الأخص من خلال الأدب الذي نشأ في أحضانه». (ص/12)

وتأسيساً من المفاجأة والاندهاش، يتم الانخراط في الاشتغال على بورخيس بربط حوار يحيل في جانب على الفخر كما الاعتراف: «لقد تم الاعتراف بي على الرغم من أنه لم يكن يخاطبني، وأنا ممتن له على ذلك، فكأن ما يجمعنا داخل في باب القربى والنسب. إنه ليس غريباً، أو إن غرابته في ألفته». (ص/13)

أكان عبد الفتاح كيليطو في تكرار حديثه عن بورخيس يتحدث عن ذاته؟

إن ما يستوقف في النصين، أو الصورتين، وفي القسم الأول الذي جئنا على التطرق إليه، التداخل والتقاطع المرتبط بالحديث عن خورخي لويس بورخيس. فكيليطو هدف من ذلك إلى:

1- تجسيد الثقافة الموسوعية لبورخيس، والمتمثلة في كفاءته اللغوية التي لم يكن ليعوزها سوى إتقان اللغة العربية، وهو المسعى الذي رامه في أواخر حياته. يرد في «في جو من الندم الفكري»: «تعلم بورخيس العربية وتوفي، أو ربما على الأصح تعلم العربية فتوفي». (ص/30)

2- بيان مدى الاطلاع على التراث العربي القديم، وبالضبط «ألف ليلة وليلة» في ضوء كونه يمثل بالنسبة له النص الذي يختزل ويكثف واقع الأدب العربي القديم.

3 - كتابة سيرة بورخيس كمثقف، وبالتالي سيرة علاقته بالأدب العربي إلى صلتنا به، صلة «القربى» و«النسب».

وبعد:

أكان عبد الفتاح كيليطو في تكرار حديثه عن بورخيس، يتحدث عن ذاته، يكتب سيرة تماهيها وهذا الأديب العالمي الذي خاطب الثقافات في مجموعها، وباللغات المتداولة عالمياً. يرد في كتاب «من نبحث عنه بعيداً يقطن قربنا»، وبالضبط مطلع المقالة الموسومة بـ«بأي لغة سيكون علي أن أموت؟» في شبه «ندم فكري»: «هي لحظة لا مثيل لها حينما نقرأ بورخيس للمرة الأولى. صدمة اكتشاف، تأسف على عدم مصاحبته مبكراً» (ص/57).

* كاتب مغربي


مقالات ذات صلة

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

كتب تشارلي إنجلش

الكتب مهّدت لانتصار الغرب الحاسم في الحرب الباردة

يبدو اسم كتاب صحافي «الغارديان» البريطانية تشارلي إنجلش الأحدث «نادي الكتاب في وكالة المخابرات المركزية» أقرب لعنوان رواية جاسوسيّة منه لكتاب تاريخ

ندى حطيط
ثقافة وفنون العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

العباس بن الأحنف صرخة عذرية في عصر إباحي

إذا كانت نقاط التقاطع بين صخب الحياة العباسية المدينية، وبين بوادي الحجاز التي كانت مأهولة بالحرمان وشظف العيش في العصر الأموي، هي من الندرة بمكان

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مبخرة من موقع مليحة الأثري في إمارة الشارقة

مجمرة من موقع مليحة في الشارقة

أدّت عمليات المسح والتنقيب المتواصلة خلال العقود الأخيرة في دولة الإمارات المتحدة إلى الكشف عن سلسلة من المواقع الأثرية، أبرزها موقع مليحة

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون المدينة الفاضلة

المدينة الفاضلة

كان الصينيون القدامى يتركون عظام جنودهم الذين سقطوا في الحرب، عند أسس بوابات المدينة ومبانيها الرئيسية.

حيدر المحسن
ثقافة وفنون الذاكرة مرتع للكتابة

الذاكرة مرتع للكتابة

فاز كتاب «يغتسل النثر في نهره» بجائزة «أبو القاسم الشابي» في تونس في دورتها الثلاثين 2024، الديوان الشعري الصادر عن دار خطوط وظلال للنشر والتوزيع (الأردن).

رشيد أزروال

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة
TT
20

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

«الليلة الكبيرة»... الواقع والفانتازيا يمتزجان عبر لغة ساخرة

يستدعي عنوان رواية «الليلة الكبيرة» للكاتب محمد الفولي حالة من الحنين أو «النوستالجيا» لأوبريت مسرح العرائس الأشهر الذي يحمل الاسم نفسه وتربت عليه الأجيال المتعاقبة من المصريين، واستمتعت بأشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي.

تنطلق الرواية، التي صدرت أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، من مفارقة فانتازية صارخة تجد سبيلها إلى متن شديد الواقعية، مُفجرة الكثير من المكاشفات المأساوية والساخرة في آن واحد، أو «التراجيوكوميديا»، وهو المصطلح الذي يُصدّر به الكاتب روايته، ومقتبس من قاموس «الأكاديمية الملكية الإسبانية»، ويشير إلى «العمل الدرامي الذي يجمع بين ملامح الكوميديا والمأساة».

كيان عجيب

يهبط طبق طائر فوق «أرض الموقف»، هكذا يأخذنا السطر الأول للرواية إلى عالمها الخيالي «الشاطح»، حيث يختبر سكان هذا الحي الشعبي في ليلة غير متوقعة عواقب هبوط هذا «الكيان العجيب» الذي تتقزم بجواره بنايات المنطقة، فيبدو وكأنه «درويش في مولد فضائي»، كما يصفه الراوي العليم، الذي يرصد فزع أبطال المكان من ماهية هذا الطبق العملاق بقبته الزرقاء الشفافة، ويفرض عليهم عزلة كاملة ويقطع أخبارهم عن العالم.

يبدو هبوط هذا الكائن الفضائي الفانتازي ذريعة فنية تكشف عن طبقات المجتمع الذي تقدمه الرواية بصفته عينة مصغرة لعالم عشوائي يُواجه سؤالاً كونياً عصياً على التفسير، فتختلط نوازع أبطال العمل وطرق تعاملهم مع هذا الكيان الذي هبط عليهم في «ليلة غبراء»، مُحدثاً حالة من الهرج التراجيدي والعبثي في مكان غارق بالجهل والعنف المتوارثين بين أفراده، فتقودهم ملابسات تلك الليلة الثقيلة إلى سيرة جريمة بدائية «قابيلية هابيلية»، على حد وصف الرواي.

تطرح الرواية تشريحاً مجتمعياً لتلك المنطقة العشوائية، بما يحكمها من تراتبية وهيمنة ثقافة «شريعة الغاب»، في مقابل القانون المُهمش في أعراف أصحاب المكان الذين يواجهون كائناً فضائياً يزاحمهم ويقطع وسائل الاتصال كافة عنهم. يعقد هؤلاء «مجلس حرب» مُصغّراً لمناقشة كيفية التعامل مع هذا الحدث العجيب. ويفتح غرق كل فرد من «أرض الموقف» في «بلواه السوداء الخاصة»، أفق الرواية على سرد مُتعدد الطبقات يختلط فيه الخاص بالعام، والواقعي بالغرائبي، وسرديات العالم المُتفوق في مواجهة المجتمع البدائي.

تؤسس الرواية لعبة فنية مركزية من خلال توظيف ضمير «الراوي العليم» الذي اعتمد الحس الساخر نبرةً سردية ممتدة على مدار العمل، في أسلوب «ميتا - سردي» يضع نفسه طرفاً في النزاع الدائر بما يكسر إيهام الراوي، ويجعل القارئ أمام «لغز» يتعلق بهويته، وصوته الفلسفي والنقدي المشغول بـ«الطبيعة اللغوية لسكان المنطقة». يتقاطع صوت الراوي مع الأبطال بمستويات لغوية مختلفة، من الفصحى إلى الدارجة، ليبدو أننا أمام شخصية خفية تختبر مرونة اللغة على أرضية تلك المنطقة العشوائية، حيث «اللغة بحر قد تهيج مياهه في جزء وتسكن في آخر»، كما يقول. ورغم أن الراوي يكشف عن هويته في نهاية العمل، في تطور مباغت للقارئ، فإنه يترك الباب موارباً لاحتمالات سردية لا نهائية، تثير الشكوك حول حقيقة هبوط مركبة فضائية من الأساس.

مواصفات كونية

تتمادى «لعبة اللغة» في الرواية بحيث تبدو بقواعدها ونحوها وصرفها طرفاً في تلك الأحداث الفانتازية، حيث تخرج من «معياريتها» لتبدو وكأنها عاجزة عن ملاحقة فوضى ما يحدث. ينظر أحد شخصيات النص، (الشيخ حازم)، المهجوس بقواعد النحو والصرف، بعجز حيال جنون الأحداث التي ضربت منطقته السكنية، فيشعر أنه أصبح «لا محل له من الإعراب»، ويرى العبث من حوله غير قابل للتبرير: «كأن يُرفع المجرور»، ويستطرد بقوله: «فضائيون، وشموس صفراء، وصدى وصفير، وأشعة زرقاء تخرج من عينيّ كيان غريب، وجريمة قتل تُسفك فيها الدماء علناً، هذا شيء لا يقدر أي مدقق لغوي على تصحيحه.هذه مهمة تحتاج إلى مُصحح بمواصفات كونية».

تُوظّف تحوّلات اللغة وتدريجاتها في الرواية بوصفها كائناً حياً يتلمس التحوّلات التاريخية للزمان والمكان، فيشير السرد للتطوّر التاريخي لـ«أرض الموقف» من ضاحية للباشاوات والبكوات، وصولاً إلى تحولها البطيء إلى منطقة هامشية وعشوائية، مساكنها أقرب لـ«علب الكبريت». وتبرز المفارقة الساخرة في اختيار أسماء سُكان المكان المُستعارة من المعجم العالمي: فهناك «مارادونا» و«هتلر» و«شكسبير» و«ليونيل ميسي»، الذين يعيشون على هامش العالم «محرومون، ومنبوذون ومهملون».

يجد هؤلاء أنفسهم بعد هبوط الطبق الطائر جزءاً من تدوينات المؤثرين عبر مواقع التواصل، لتصبح «أرض الموقف» بؤرة اهتمام لأول مرة في تاريخها، فاتحة سؤالاً حول المركزية في مقابل عزلة المهمشين حول العالم، وسط أوهام التواصل وتلاشي الحدود، في تقليب لسرديات العولمة الشهيرة التي تصف العالم بـ«قرية صغيرة»: «يقول البعض إننا لسنا وحدنا، وإن العالم قرية صغيرة. يقول آخرون إننا وحيدون في هذا الكون، وإن عزلتنا محتومة. كلاهما مُحق؛ فكل شيء نسبي. خذوا مثلاً هبوط الطبق الطائر في أرض الموقف نموذجاً. هذا دليل دامغ على نظرية القرية وأننا على الأرجح فلاحون كونيون».