«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية

عبد الإله يقدم 3 أجزاء سردية موازية للمعلنة في الكتاب

«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية
TT

«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية

«حين تغيرنا عتبات البيوت»... جماليات المقالة القصصية

يفتتح الروائي والقاص «لؤي عبد الإله» المقالات الصحافية التي كتبها بين عامي 2020 بتقريض لغة الحوار بين عناصر الوجود «كم من الأشياء تدعونا للتحاور معها وكم سعيدة تلك المخلوقات التي تؤمن مثل الأطفال بوجود الحياة في كل الجمادات حولها» (ص10). وللحوار في الكتاب أبعاد خطابية تضاف للأبعاد الفكرية والثقافية، تلك هي حوارية الأجناس النثرية تحت مظلة السرد بوصفه نظاماً للحكي وأداة معرفية للتفكير في العلوم الإنسانية.

العنوان الذي اختاره المؤلف عتبة نصية «حين تغيرنا عتبات البيوت» ما هو إلا قصة قصيرة جداً تحكي أثر الزمكانية في تشكيل الهوية السردية، هي قصة الاغتراب المكاني والوجودي اللذين عاشهما عبد الإله، وتغييره للعتبات مرات عدة منذ مغادرته العراق منتصف السبعينات حتى استقراره في العاصمة لندن، منتصف الثمانينات.

قُسِّم الكتاب إلى 3 أجزاء أو فصول، الأول عنوانه «نصوص»، فيه اقتراب من فكرة حوارية الأجناس النثرية التي أشير اليها، والثاني بعنوان «مقاربات نقدية»، فيه عدد من المقالات، يبرز فيها التحليل والتفسير النقديين، والفصل الثالث «انطباعات بصرية»، فيه مقاربة لبعض الأعمال المسرحية والتشكيلية.

تبلغ «نصوص» ثلثي الكتاب، بينما يبقى الثلث الأخير للمقاربات النقدية، ما يبين احتفاء المقالات بالنسق السردي الذي يغني تلقي الآراء، وبإمكانه إنشاء حوارية بين الذاتية والموضوعية في كتابة المقال الصحافي. لا تنزاح المقالات بعضها عن بعض إلا بقدر محدود، فتتشاكل أسلوبية، أغلبها بين إشهارية العلامة المقالية، وفيها إبلاغ لمعلومة أو تثقيف لتوجه وسلوك أعينهما، أو إدلاء برأي في كتاب أو مسألة فلسفية ووجودية، وبين ضمنية العلامة السردية الإيحائية.

يؤكد المؤلف على حوارية «عتبات البيوت» المكانية مع نظرية «طقوس العبور» الزمانية للمفكر الأنثروبولوجي «أرنولد فان غنب». قارب الموضوعين، بدءاً من المقال الذي حمل عنوان الكتاب في فصل نصوص، وعاد لذكر طقوس العبور في آخر مقالة بعنوان «طقوس العبور حقيقتنا وحقيقة العالم تفلتان من أيدينا». في كلتا المقالتين تم تقليب فكرتي العتبة والعبور على وجهيهما بالسرد والوصف تارة، وبالشرح والتعليق والموازنة والتحليل والتأويل تارة أخرى، غير أنه في المقال الأول تكلم بشكل مجمل عن تصوراته للعتبات وطقوس العبور. أما المقال الأخير فقد خصص للكلام عن معرض طقوس العبور، الذي نظم بالعاصمة البريطانية عام 1998، وفيه قراءة نقدية لنصوص روائية في ضوء العتبات الزمكانية.

بإمكاني كقارئة تقسيم المقالات إلى 3 أجزاء سردية موازية لتلك المعلنة في الكتاب، وهي أولاً «سرديات المكان والزمان»، وثانياً «سرديات السيرة والسيرة الشخصية»، وثالثاً «سرديات تفاصيل الحياة اليومية». السرديات الزمكانية هي المهيمنة على فصول الكتاب، وتدخل ضمنها المقالات التي تصنف أنها تاريخية وسياسية، ففي كل منها يدخل المؤلف للموضوع الذي يريد أن يناقشه مدخلاً سردياً، مثل الكلام عن شخصية روائية أو حبكة قصصية أو أعمال روائية معينة، في مقال «حين تغيرنا عتبات البيوت» يسرد المدخل بما يعرف بضمير الشخص الثالث: «تقودني الذاكرة من وقت إلى آخر إلى تلك العتبة الملاصقة لباب خشبي سميك تعج فوقه حفريات الماضي العريق وعليها يجلس ذلك الطفل باطمئنان كامل. إنه هنا ضمن البيت وخارجه متمتعاً بشعور الحماية الناجم عن موقع العتبة نفسها» (ص19). يشكل الحنين إلى بيت الطفولة جزءاً حيوياً من صورة المكان في الذاكرة والوجدان، فالسارد يتمثل صورة عتبة بيته القديم في مستهل كلامه، وينتقل بعد المدخل لشرح فكرته وتبسيطها، ثم ما يلبث أن يأتي بالمثل بكلامه عن ملحمة «الكوميديا الإلهية». يفترض «دانتي» برزخاً فاصلاً بين الجحيم والفردوس، يلبث فيه المذنبون بعد أن يقضوا عقوبتهم في الجحيم إلى أن تشملهم الرحمة ويدخلوا النعيم، بعدها يرحل صوب الطقوس والقصص الديني، مثل حديثه عن سحور رمضان بوصفه عتبة فاصلة بين لحظات الشبع والتهيؤ للصيام، وقد مر مروراً سريعاً على قصة الإسراء والمعراج.

يفضل الكاتب الإقامة في بيت المتخيل، يدخل عالم رواية «الحرب والسلام»، يحدثنا عن حكاية الأمير «أندريه» والكونت «بيير»، يسردها سرداً وصفياً مختصراً لشخصيتهما ما قبل التغيير وما اتسما به بعد التحبيك الذي ينقلهما نحو عتبة أخرى، ويقدم قراءته للفكرة الكامنة وراء المتخيل: «فجأة ينساق الفرد في طريق كان يعتبره قبل يوم واحد حماقة كبرى، كأن ما يحكم الفرد في نهاية المطاف قبضة اللاعقلانية، هنالك في تلك العتبة يحصل التحول» (ص22)، فالحكاية وليس منطق العلم من بإمكانه التعبير عن طقوس العبور في إيقاع تناوبي يزاول الترحال بين الملفوظات النصية من الإقناع إلى التمثيل، ومن الذاكرة إلى استكشاف المجهول، يتلون إيقاع المقالات بألوان الفكر من المنطق الاستدلالي إلى القياس الذهني إلى ملكة التصور الحسي حيث تستقر النصوص عند هذه الملكة التي تحيل فرضيات التاريخ والواقع إلى مسرح كبير للعب وتبادل الأقنعة.

ومن المقالات التي يبرز فيها السرد التاريخي للأحداث والشخصيات المقالة المعنونة «مكر التاريخ»، وفيها يستهل الحديث عن هزيمة «نابليون» في معركة واترلو، ثم يستقرئ نتائج تلك المحاولة الفاشلة لغزو أوروبا بعد قرنين من الزمن: «الحلم الذي أخذه نابليون إلى القبر بدأ بالتحقق على الأرض بعد مرور ما يقرب 130. هذا الحلم هو ظهور أوروبا المتحدة» (ص25)، ينتقل بعدها إلى قصة التجربة الاشتراكية، وقد بدأت من فرنسا وفشلت فيها واستقرت في روسيا، ومن ثم سقوط التجربة عالمياً وما نتج عنه من عواقب انفراد أميركا بالهيمنة على العالم.

مقالة أخرى يقترب موضوعها من السابقة هي «من يصوغ مسار التاريخ»، يتكلم فيها عن دور الطغاة في تحريك عجلة التاريخ بوتيرة متصاعدة ودفعها نحو عتبات فاصلة من أمثال «نابليون» و«هتلر» و«هنري الثامن». يقول: «لم تبن الجمهوريات الديمقراطية إرثاً كبيراً في بناء الأمم وبناء دولها، بل هم الطغاة من قاموا بهذه المهمة» (ص34). يبقى المؤلف على تواصل مع فكرة العتبة في أغلب المقالات التي تناول فيها سرديات الأزمنة والأمكنة، فالعتبة نسق يستجيب للتحولات في بنيته مع استبدال الفواعل والأحداث.

نقرأ في سرديات السيرة والسيرة الذاتية حديثاً عن سيرة الشخصيات الإبداعية التي ألهمت المؤلف وتأثر بما نسجته أناملها من طروحات فكرية وتقنيات شكلية، يأتي في مقدمة تلك الشخصيات الروائي والقاص العراقي «فؤاد التكرلي»، وقد ذكره في مقالتين؛ أولهما «الإصغاء إلى روح الجماعة»، والثانية بعنوان «ثيمة العنف في قصص فؤاد التكرلي». تطرق في المقال الأول لفهم التكرلي للرواية، بوصفها حوارية أصوات ولغات، وذلك قبل ترجمة أفكار «باختين» إلى العربية واطلاع المبدعين والنقاد عليها، يتواتر السرد في المقال عن روايات «فؤاد التكرلي»؛ أحداثها وشخصياتها تارة، وعن سيرته الشخصية تارة أخرى: «كان التكرلي يقيم في تونس حينما وصلته أخبار الأثر الصاخب على عدد كبير من المنفيين العراقيين في الجزائر» (ص47)، من هؤلاء المنفيين كان «لؤي عبد الإله» الذي تأثر بتجربة التكرلي إلى درجة التماهي، خاصة أن في سيرتهما كثيراً من عتبات اللقاء مع الفارق في السن والتجربة، مثل كونهما لم ينتميا لأي من الآيديولوجيات الرائجة في تلك الحقبة، وتصوفهما في محراب الإبداع، وبعدهما عن الأضواء، إضافة إلى تجربة الاغتراب، وهي العتبة الفاصلة في سيرة الرجلين الشخصية والإبداعية.

تبلغ «نصوص» ثلثي الكتاب بينما يبقى الثلث الأخير للمقاربات النقدية ما يبين احتفاء المقالات بالنسق السردي

وقد أشاد بدور كل من «غائب طعمة فرمان» و« نجيب المانع» في كتابة الرواية الفنية في العراق، وخصّ الكلام عن أبناء ذلك الجيل من روائيين وشعراء مثل «بدر شاكر السياب» و«عبد الوهاب البياتي»، الذين ولدوا في عشرينات القرن الفائت وتمكنوا من تشييد نهضة أدبية وثقافية عند عتبة منتصف القرن وما تلاه: «إنه أول جيل يدخل مدارس الدولة العراقية الناشئة بمدارسها ومناهجها، وتتفتح عيناه على الغرب عبر الاحتلال البريطاني أولاً، ثم الانتداب فالاستقلال المقنن» (ص158)، وقد بلغ إعجاب عبد الإله بجيل التأسيس أنه لم يذكر مبدعاً روائياً أو شاعراً من المعاصرين سوى الشاعر «فاضل السلطاني»، وحلل بعضاً من قصائده في مقالة عنوانها «المرأة الطريق إلى السماء»، ويلاحظ أنه لم يأتِ على ذكر المرأة إلا في المقال المشار إليه. ومن المفكرين والأدباء الغرب الذين مرّ على سيرتهم؛ دستويفسكي وباختين وماركس ونيتشه.

سرديات «الحياة اليومية» هي الأقل سطوعاً على لوحة النص، تأمل فيها الكاتب في تفاصيل الأشياء وهوامش الحياة، وهو يحاول تلمس دلالة تلك التفاصيل وتأثيرها على العتبات الفاصلة في حياة البشر. ومنها مقال بعنوان «العصر الرقمي يقتل المراسلة الشخصية»، وهو نوستالجيا وصفية لعصر ساعي البريد والرسائل الورقية المعطرة، ومقال «الأعشاب الضارة مجازاً» وفيه كلام عن المهمل المفيد في حياة البشر.

في مقالة عنوانها «البناء الموسيقي للرواية... ميلان كونديرا مثالاً» يقتبس عبد الإله عبارة لكونديرا جاءت في كتابه «صنعة الرواية»، وقد ذكرها في تحليله رواية «السائرون نياماً» لهرمان بروخ: «يتكون الجزء الثالث من الرواية من 5 خطوط موضوعة في شكل متناوب، هي الرواية والقصة القصيرة والقصيدة والمقالة والتقرير» (ص95)، هذا التناغم البوليفوني في الكتابة النثرية يراه القارئ لوحة نصية، ويلمسه إيقاعاً بنائياً في «حين تغيرنا عتبات البيوت».


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.