نصوص مفتوحة بمذاق السخرية الصيني

بفضل الصين طريق حرير أدبي يصلها بالعالم العربي

نصوص مفتوحة بمذاق السخرية الصيني
TT

نصوص مفتوحة بمذاق السخرية الصيني

نصوص مفتوحة بمذاق السخرية الصيني

ليس هناك من شيء أضخم من الصين إلا الأدب الصيني. لكن كليهما محجوب خلف ستار من طبقتين، إحداهما مصنوعة من الاستشراق؛ فالصين بالنسبة للمستشرقين موطن الغرابة القصوى والانقطاع عن العالم، كما بدا في رحلات المغامر الإيطالي ماركو بولو. والطبقة الثانية من الحجاب نسجها التحفظ السياسي الصيني منذ بداية الحقبة الشيوعية، التي رأت أن تظهر للعالم بالقناع الذي يرضيها لا بالوجه الحقيقي. مركزية صناعة النشر حصرت صورة الصين في كتب الأدباء المتوافقين سياسيّاً والقليل من قصص الأطفال المصورة وبعض كتب التراث البعيد.

ولم تزل السينما الأمريكية تقدم الصين بلداً غريباً معزولاً، على الرغم من أن المنتجات الصينية بأيدي جميع البشر في كل أنحاء العالم اليوم، أما صورة الصين والأدب الصيني في المخيلة العربية فقد ظلا محكومين بالانتقاء المزدوج من الغرب والسلطة الصينية باستثناء مبادرات فردية لمفكرين عرب أقاموا في الصين من أمثال هادي العلوي.

مؤخرًا بدأ القناع يتزحزح عن وجه الصين، ورأينا مع منح «نوبل» لـمو يان وجهاً من الكتابة الأكثر عمقاً، لكن يظل مو يان ضمن الحالة التقليدية للاتصال الثقافي العربي الصيني عبر الغرب. ورغم أن روايته «الذرة الرفيعة الحمراء» قد تُرجمت إلى العربية قبل حصوله على «نوبل» عام 2012، إلا أنها لم تتزحزح من قائمة انتظار النشر في المجلس الأعلى للثقافة بمصر إلا بفضل فوزه بـ«نوبل»، فصدرت في بداية عام 2013 بتوقيع حسانين فهمي حسين.

اختلف الأمر بعد ذلك التاريخ، والآن يجري تعبيد ما يشبه طريق حرير أدبي يصل الصين بالعالم العربي، بمساهمة من الصين نفسها التي اهتمت منذ سنوات بتقديم وجهها الثقافي عبر دعم الترجمة.

وقد ترجمت مؤسسة واحدة هي «بيت الحكمة» حتى الآن نحو 500 عنوان من الأدب الصيني في سنوات قليلة، تكشف عن التنوع الشاسع لأدب شعب عريق، بما يؤكد أن مو يان ليس مجرد استثناء في الكتابة الصينية المعاصرة.

من بين الأسماء اللافتة التي عرَّفت بها المؤسسة وانغ شياوبو عبر روايته «العصر الذهبي» التي صدرت في تعاون بين «بيت الحكمة» و«منشورات المتوسط» في ترجمة علي ثابت. يتكون «العصر الذهبي» من أربع روايات قصيرة منفصلة متصلة، وهي نفسها جزء من ثلاثية تضم جزأين آخرين «العصر الفضي» و«العصر البرونزي».

ومثلما لا يجري وصف هاتف «هواوي» إلا عبر علاقته بـ«آيفون»، رأى بعض النقاد الغربيين في شياو بو «كافكا صينياً»، ورأى البعض أن يجعلوه مزيجاً من كافكا وجويس، أو ينقِّبوا داخله عن دوستويفسكي، لكنه في الواقع كاتب أصيل له صوته الخاص، وإن كان من حقيقة يؤكدها الكاتب الذي لم يعش سوى 45 عاماً، فهي تتعلق بوجه مختلف لأدب صيني غير معزول. شياوبو الذي رحل عام 1997 تكشف إحالاته المعرفية بداخل الرواية عن كاتب عاش في قلب الثقافة العالمية وهضمها وكتب نصه الخاص.

وعن المؤسسة نفسها صدر مؤخراً كتاب يحمل عنواناً طويلاً: «عن المختبئين في زوايا التاريخ وعلاقتهم السرية... حكايات الطائر الأزرق» لكاتب آخر هو لي جينغ تزه، في ترجمة لمحمد عبدالحميد، راجعها وقدم لها د. أحمد السعيد.

يعيد هذا الكتاب التأكيد على الوجه الجديد والغني للأدب الصيني، عبر 445 صفحة من القطع المتوسط تتوالى عبرها نصوص من الكتابة العابرة للأنواع الأدبية، وإن كان لا بد من تصنيف دقيق؛ فهي تنتمي إلى جنس «المقالة السردية».

في الكتاب يمتزج السرد بالنقد، والاقتباس بالتأليف، ولا نستطيع أن نعزل الخيالي فيه عن التاريخي، أو نعزل الجد عن المزاح.

من الواضح كذلك أن الكاتب المولود عام 1964 منفتح على الفلسفة الظاهراتية بما تتيحه من طاقات تأمل للأشياء الصغيرة واكتشاف العلاقات بين المتنافرات. ومثلما يحتفي بالأشياء قليلة الأهمية، يحتفي بالأشخاص المغمورين الذين لا يهتم بهم التاريخ الرسمي عادة، لينتهي إلى التساؤل حول خيالية وواقعية التاريخ، ومفهوم الحقيقة المراوغ الذي يسمح بأن تكون حكاية نعدها «خيالية» أكثر تاريخية من التاريخ ذاته.

وفي تقديمه يشير أحمد السعيد إلى تناغم الشكل والمضمون بالكتاب: «... مثلما يصعب اعتماد سردية واحدة عن التاريخ البشري ترتضيها في كل مكان بالعالم يصعب أن نضع تصنيفاً أدبياً دقيقاً لهذا العمل». ويعده كتاب نثر، وهذا الشكل شائع في الصين، وكتاب نقد أدبي، وكتاب تحليل فكري وبحث تاريخي، وكذلك رواية خيالية تنتمي إلى الواقعية السحرية أو الواقعية الخيالية عند مويان.

في هذه الكتابة الهجين يُفجِّر لي جينغ تزه طاقات الشعر في اللغة ذاهباً إلى أبعد من الموضوع؛ فعلى سبيل المثال، يتأمل عادة حرق البخور وأثرها في النفس فيصل إلى رؤية لعلاقة الشعر بالواقع: «ما لم يسبح القلب خارج البدن ويتحول إلى دخان مثل البخور، فإنه يرتجف قليلًا في خضم السكون، ويرافق البخور بشخصه، مثل زهرة أو نهر أو مشهد يتوافق مع قصيدة، لا تستطيع القصائد أن تستنفد الزهور أو الأنهار أو المشاهد، بينما يمكن أن تحول إلى زهرة، نهرًا أو مشهدًا طبيعيًا موضع نظر».

نحو ربع الكتاب احتفال مبهج بالبخور والعطور والورود، عبر التعليق على فقرات من الكتاب التراثي الياباني الأقدم «كتاب الوسادة» أو رواية اليابان الأولى «حكايات جينجي»، لكن الكتابة لا تمضي في طريق الرائحة وحدها، بل تتعدد مداخل النص فنرى صورة الفارسي في المخيلة الصينية، عبر ما يراه تزه من تناقض في حكاية من حكايات «كتاب الوسادة» تتحدث عن فارسي فقير. ويعد ذلك عدم توافق، كأن نكتب عن سقوط الثلوج وسطوع القمر في الوقت ذاته، إذ لا يوجد في المخيلة الصينية فارسي فقير، لينتهي إلى التأكيد على أن مصادفات عدم التوافق قليلة في «كتاب الوسادة» بينما الروح الغالبة هي التوافق، حيث كانت اليابان في عصر «كتاب الوسادة» تشبه الصين إبان أسرة تانغ حيث كانت الحياة نقية وبسيطة «وكانت قطرات الندى لا تزال حاضرة فوق الزهور»، بينما تقوم جماليات الحاضر على الاختلاف «فقط التنافر والاختلاف هو ما يمكن أن يحيي أرواحنا، وهما فقط يمكن أن يلفتا نظرنا إلى شيء ما».

ولا يترك لي جينغ تزه القارئ يطمئن إلى أفق واحد للتوقع؛ فبعد حكايات عن عجائبية رائحة العنبر وتتبع كيفية تخلقه في أمعاء الحوت بسبب المرض أو الجروح الناتجة عن ابتلاع أشياء صلبة، يوقظنا على صلة العنبر بالبراز، وهكذا تدمر المعرفة جمال الأشياء، ثم يعود ليؤكد أن العنبر كان قوة محركة للتجارة البحرية المزدهرة بين الصين والجزيرة العربية، ذلك لأن القوة الأصلية التي تدفع جزءاً من البشر للتعرف على الجزء الآخر ليس النيات الحسنة أو الرغبة في المعرفة، بل تخيل الأشياء الغريبة الموجودة لدى الجانب الآخر!

ومن الحكايات السحرية عن محظية عطرة إلى سؤال توجه به رجل إلى الياباني يوكيو ميشيما: «سيد ميشيما، أنت كاتب روايات، لماذا تدرب جسدك ليكون بهذا الشكل الجميل»، وجواب ميشيما: «سأموت في النهاية بجرح في بطني، ولا أريد أن يكون شكلي قبيحاً عندما يحدث هذا»، وينتهي لي جينغ تزه إلى أن «الجمال ليس الخير، والجمال لا يسبق الخير، ولم يقرن أحد الجمال بالخير. الجمال هو الجمال، والأهم أن تبدو جميلاً عندما تأكل وعندما تموت، لهذا يفضل الناس أحيانًا القيام بأمور شريرة وعبثية من أجل إدراك الجمال».

لي جينغ تزه يصنع جمال نصه من أمور شريرة وعبثية، حيث لا يمكن للقارئ أن يتوقع ما ستكون عليه الجملة التالية أو الفصل التالي، فالبداية الساخرة تُفضي إلى نهاية جدية وبالعكس. وقد يتناول الفصل موقفاً لشخص أهمله التاريخ لينتهي إلى علاقة مع شخص مجَّده التاريخ. هكذا، يحكي تزه عن قصة رواها أندريه مالرو عن لقائه في حانة بسنغافورة عام 1925 مع مهاجر روسي مهووس بجمع الآثار. أطلع الروسي، مالرو، على حيلة ساخرة، فهو يدفن تماثيل صغيرة جديدة متوقعاً أن يعثر عليها شخص بعد 50 عاماً، وسيظن حينها أنه عثر على كنز. ويتخيل تزه علماء آثار المستقبل وقد توهموا أنهم عثروا على أدلة جديدة تُعدِّل فهمنا للماضي وتعيد سرد التاريخ.

من قصة مالرو التي أفشى فيها سر «التحفة الزائفة» لهذا المتلاعب الروسي المغمور بالتاريخ، ينطلق تزه إلى نص أطول عن «تحفة مالرو» والتي هي مالرو نفسه، سارداً أسانيده على زيفه، وعلى تلاعبه بتاريخ الصين، كما بدا في كتبه، وقد نال عام 1996 شرف نقل جثمانه إلى البانثيون، وبرأي تزه أنه نال هذا الشرف لأنه كان يجيد تضخيم الأمور، وهي مهارة يشترك فيها معه هيمنغواي. كلاهما تمكن من توسيع دوره في التاريخ.

في النهاية يضع تزه حاشية يشكر فيها فرنان بروديل، لأن قراءته عام 1994 لكتابه «الحضارة المادية والاقتصاد والرأسمالية من القرن الخامس عشر وحتى القرن الثامن عشر» ألهمه كتابة هذا الكتاب، حيث أقنعه بأن الأحداث التي أضاءتها الدراما التاريخية ليست مهمة، بينما المهم حقاً هو الاندفاع غير الواعي للحشود الهائلة في الظلام «إنها تفاصيل الحياة العادية لعدد لا يُحصى من الأفراد المجهولين».


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي
TT

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

رحيل الشاعر والناقد العراقي مالك المطلبي

نعى اتحاد الأدباء والكتاب في العراق الشاعر والناقد مالك المطلبي، صبح هذا اليوم (الخميس)، عن عمر ناهز 85 عاماً في أحد مستشفيات بغداد.

وُلد المطلبي عام 1941 في ناحية المشرح، التابعة لمدينة العمارة، محافة ميسان، جنوب العراق، ونشأ في بيئة علمية وأدبية عُرفت بإسهاماتها في مجالات الشعر، والنقد، والترجمة، والقصة.

عمل في بداية شبابه مدرساً في محافظة ميسان، بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من جامعة بغداد، قبل أن ينتقل للعمل في الإذاعة والتلفزيون عام 1969، ثم مديراً لدائرة ثقافة الأطفال، ورئيساً لتحرير «مجلتي» و«المزمار».

حصل على شهادة الماجستير في علم اللغة من جامعة القاهرة، وبعد حصوله على الدكتوراه عمل مدرساً في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، حتى إحالته على التقاعد، ليعمل بعدها مدرساً في قسم الإعلام بجامعة الإسراء حتى وفاته.

وللمطلبي العديد من الكتب والأبحاث، من ضمنها...

«الزمن واللغة»، و«السياب ونازك والبياتي - دراسة لغوية، و«شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك» (تحقيق مشترك، و«الثوب الجسد» (تحليل لشعر السياب)، و«وهم الحدس في النظرية الشعرية» و«مرآة السرد» (مشترك) دراسة في أدب محمد خضير القصصي.

ومن مجموعاته الشعرية...

* سواحل الليل - بغداد (مجموعة شعرية) 1965.

* الذي يأتي بعد الموت (مجموعة شعرية) 1979.

* جبال الثلاثاء (مجموعة شعرية) بغداد 1981.

* ذاكرة الكتابة

* حفريات في الوعي اللامهمل (نصوص).

* جمادات متوعكة (مجموعة شعرية).

وكان آخر مؤلفاته «رباعية المشروع البصرياثي لمحمد خضير»، الصادر عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2026.

ومن أشهر أعماله كتابة سيناريو «مسلسل المتنبي» الذي أنتجه تلفزيون بغداد، وقام ببطولته النجم المصري أحمد مرعي، كما قام بتأليف «مسلسل أشهى الموائد في مدينة القواعد» عام 1999 مع المخرج عماد عبد الهادي.


العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.