«جاذبية الصفر»... توظّيف التاريخ والميثولوجيا في سرد الخراب

عبد الإله يروي أحداث مائة عام من تاريخ العراق الحديث

«جاذبية الصفر»... توظّيف التاريخ والميثولوجيا في سرد الخراب
TT

«جاذبية الصفر»... توظّيف التاريخ والميثولوجيا في سرد الخراب

«جاذبية الصفر»... توظّيف التاريخ والميثولوجيا في سرد الخراب

يتبادر إلى الذهن أولاً، ونحن نقرأ رواية «جاذبية الصفر» للكاتب القاص والروائي والمترجم لؤي عبد الإله، سؤال: هل ما يكتبه الكتّاب العرب في المهاجر يعدّ أدباً مهجرياً كما سبق في القرنين التاسع عشر والعشرين، بما أطلق عليه أدب المهجر؟ أظن أن الأمر مختلف الآن، فما كان في السابق يحتكم إلى اشتراطات الكتابة غير ما هي عليه الآن، كما يحتكم إلى المكان والزمان المنقطع في اتصاله مع الوطن العربي، وكأن أدب المهجر آنذاك شكّل حالة مختلفة في رؤيته للعالم عمّا يُكتب في الوطن، وكتاب عيسى الناعوري «أدب المهجر» يلقي بظلاله على ذاك الأدب بتوسع، في حين أنّ ما يُكتب اليوم في المهاجر لا يُعد أدبياً مهجرياً، إذا سلّمنا أن الكتابة اليوم هي عابرة للأزمنة والأمكنة، كما هي عابرة للأنواع.

تقوم رواية «جاذبية الصفر»، التي صدرت عن دار «دلمون الجديدة» في دمشق للعام 2023، وتقع في 512 صفحة، على تمهيد وثمانية وعشرين مظروفاً أو رسالة، وعنوان الرواية جاء مستلاً من عنوان المظروف الثالث. ولعل عنوان الرواية «جاذبية الصفر» هو إشارةُ العودة إلى نقطة البداية في تسلسل الأحداث، وعلى القارئ أن يرتّب الأحداث في الرواية من جديد كما هو الواقع في حقيقته، أي تسلسلاً منطقياً وليس افتراضياً أو تخيّلاً كما اشتغل عليه الكاتب، أو لعلها تشير إلى أحداث متسلسلة بدأت منذ احتلال بريطانيا للعراق وانتهاء بحكم صدام حسين، وكأن صدام قد أعاد حركة التاريخ إلى نقطة الصفر.

وأحداث الرواية في أغلبها تقوم على لحظات التذكّر، أو ما يسمّى في تقنيات الرواية الحديثة الاسترجاع، ذاك الماضي المحمّل بالحرب والهزيمة والدمار والخيانة والقتل والفقر، أما الحاضر فهو حاضر بائس يراقب تحولات اللحظة الراهنة في قلق وترقّب مستمر، حيث يجتمع عدد من الشخصيات المهاجرة إلى بريطانيا، في بيت الدكتورة عالية إحدى شخصيات الرواية، وتلك الشخصيات قادمة أو مهاجرة من العراق إلى لندن، وهي شخصيات لا تنتمي إلى طائفة أو مذهب أو آيديولوجيا، وإنما جمعتهم أُسر وصداقات في مجالس ومقاهٍ وأرصفة في مدينة لندن، ينشغلون في أحاديث وحوارات فيما بينهم عن الحرب وعبثية الحياة والمستقبل المجهول، وكثيراً ما يجد القارئ أن ثرثارتهم أشبه ما تكون بـ ثرثرة فوق النيل» لنجيب محفوظ.

يفتتح الكاتب لؤي عبد الإله روايته بقول هوميروس: «الآلهة تحوكُ النحسَ لشعبٍ ما، كي تملكَ الأجيالُ اللاحقةُ شيئاً ما تغنّي عنه». وهذا المفتتح عتبة صغرى أمام عتبات كبرى تقوم عليها الرواية، أو هو مفتتح يوقع القارئ في فخ الكتابة، عن حقبة تاريخية معاصرة مرّ بها العراق منذ الاحتلال البريطاني إلى لحظة سقوط بغداد، أي ما يقارب من مائة عام، وليس هذا يعني أنها رواية تاريخية، بل هي روايةُ تسريد التاريخ، حيث تكشف عن أحداث مرّ بها العراق من زاوية، ومن زاوية أخرى تكشف عن مجتمع مهاجر انشغل بهموم الحرب كما انشغل في ثرثراته اليومية.

في فصل «تمهيد» من الرواية أشبه ما يكون مفتتحاً لمتواليات سردية تقوم على لحظات التذكّر في استدعاء الماضي، وعلى اللحظة الراهنة في إدارة الحوار بين الشخصيات، ففي التمهيد يلعب القدر أو الصدفة الحتمية انتهاك خصوصية الآخر، ذاك المسافر، العائد من برلين إلى لندن، يأخذ حقيبة شخص آخر، تلك الحقيبة التي تشبه حقيبته، «فلونها الأسود وحجمها وعلامتها التجارية لا تشي بأنها حقيبة أخرى». (ص7) وعند وصوله البيت يكتشف أنها ليست حقيبته، فيدفعه الفضول إلى فتحها، وسط دهشة زوجته التي قرأ في عينيها «التوقف عن المضيّ في العبث بأشياء شخص غريب». (ص8) إلا أن تبريره لزوجته يأتي في باب الفضول ليس أكثر، فيجد في الحقيبة «رزماً متجاورة من المظاريف القديمة، قابعةً في قاع الحقيبة، ومخبّأةً تحت ورق بلاستيكي سميك وشفاف، غطى بالضبط طولها وعرضها». (ص8)، سحب الرزمة فكانت عبارة عن «مظاريف خمسة مشدودة معاً بشريطٍ فضّي على شكل صليب، وعلى وجه الأول منها نُقشت كلماتٌ إنجليزيةٌ غامضة في معناها وطريقة كتابتها.استطعتُ أن أقرأ اسم المرسَل إليه فقط، من دون أن يكون هناك أثر لعنوانه: ج. م». (ص8)

يفتح السارد المظاريف فيجد ثمانية وعشرين مظروفاً، يقوم بترجمتها، ومن هنا تبدأ فصول الرواية، ولكل فصل عنوان، ولبعض الفصول عناوين وتواريخ، وتلك العناوين تكشف عن أحداث تتعلق بغزو العراق عام 1990، وانتهاء بسقوط بغداد أو العراق، وهذا التمهيد أشبه ما يكون بإزاحة الستار عن مسرحية مشغولة بمشاهد سينمائية.

لا تحمل الرواية إدانة مباشرة لـصدام حسين ونظامه البائد، وإنما تلك المشاهد الساخرة التي تلقي ظلالها على شخصية صدام حسين تشير إلى فعل الإدانة، في حين تفتقد الرواية لفعل الإدانة للاحتلال الأمريكي تحت أي مسوغ من مسوغات الحرب على العراق، وتترك للقارئ موقفه من الحرب والمحتل معاً.

ما يسجّل لهذه الرواية تميّز الكاتب بالإمساك بخيوط شخصياتها وأحداثها، وهي الرواية التي جاءت في 512 صفحة، أي رواية بهذا الحجم قد تُرهق القارئ في تفاصيلها الصغيرة، وكأن الكاتب سعى إلى إنجاز عمل ملحمي روائي بحجم الكارثة التي حلّت بالعراق، ولو عمل على إصدار الرواية في أجزاء ثلاثة لخفف من وطأة القراءة المشتبكة بتفاصيل الحرب وحياة شخصياتها، وإن كانت الرواية أشبه ما تكون بحلقات أو حبّات عِقد محكمة الصنع إن فرطت حلقة أو حبّة ينفرط العِقد كله، وهذا قد يبرر للكاتب أن يصدر روايته بهذه الحجم. كما يسجّل للكاتب تميّزه باستخدام تقنيات السرد الحديث، من استرجاع واستباق وقطع وحوار ومونولوج وتقارير إخبارية ووثائق وغيرها، وقد وظّفها توظيفاً متقناً، وإن دلّ على شيء فإنما يدل على وعي الكاتب في لحظة الكتابة السردية، كما يدلّ على مرجعيته الثقافية الواسعة، كي تستوعب كل تلك الأحداث، وأيضاً ما يسجّل للكاتب تلك اللغة الشاعرية التي ترقى بخيال القارئ وذوقه، وهي من محمولات العمل الأدبي السردي المتقن.

تبرز شخصية الدكتورة عالية وهي تستذكر أيام بغداد وأيام الشباب، وهي تلتقي عائلتها وأصدقاءها في بيتها، ويرتدّ بنا السرد إلى الماضي من خلال السارد العليم، وتتعدد الشخصيات (لورا زوجة السارد يوسف، وأسعد وزوجته مريم وابنته أمل ووالديه، وسوزان، ومنى، والعم، وماهر، وهاجر وسارة وزوجها جوناثان وهما ابنتا الدكتورة عالية، وآدم حفيد عالية، وكريس، وعدنان، وسعاد، ووداد، وهادي، والدكتور يوسف الصباغ، وكاف، وسوزان، ومنى، والطبيب هاني، وغيرهم)، عدا عن الشخصيات السياسية والعسكرية التي خاضت الحرب في العراق، والشخصيات التي قامت بدور الوساطة قبل الحرب، أي هناك عشرات الأسماء من الشخصيات التي تتحرك على مساحة واسعة من الأحداث، والتي تمتد مائة عام من عمر العراق.

تقدم الرواية نفسها للقارئ المثقف وليس للقارئ العادي، فتقوم على ثيمات متعددة من الأساطير (مثيولوجيا) وعلى مرجعيات دينية ووثائق وتقارير صحفية، وتقترن الأساطير القديمة باللحظة الراهنة للأحداث في العراق، وفيها إسقاطات على الواقع، فيبرز اسم صدام في الرواية بـ«سَدَم» كما يلفظه الأوروبيون، وهو نوع من السخرية بشخصه، بوصفها أسطورة، فلم يعرف «سَدَم» متى ولد، ويستعير يوم ميلاده من صديقه الذي كان يسميه أمام الآخرين بـ«توأمي الذي لم تلده أمي» (ص134)، وهو يتيم الأب، وعلى لسان السارد: «لا بدّ أنه قارن نفسه بالنبي «محمد» (ص)، فهو مثله يتيم الأب قبل ولادته». (ص167) وهو أيضاً أشبه ما يكون «بسرجون» المتوفى عام 2279 قبل الميلاد، فسرجون يعود إلى «الحياة في نسخة هزلية أخرى بعد أكثر من أربعة آلاف سنة وفي بقعة الأرض نفسها». (ص168).

تنتهي الرواية بالمظروف الثامن والعشرين بعنوان «المظروف الأخير: أخبار متأخرة» على جملة: «لنشرب في صحة أحبابنا الأحياء، قالت الدكتورة عالية، وهي ترفع كأسها شبه الفارغ، وللراحلين الذكر الحسن». (ص509) هنا لا يشعر القارئ أن للرواية نهاية مغلقة، بل نهاية مفتوحة على التأويل؛ وهذا ما يدفع بالقارئ إلى إعادة ترتيب أحداثها من جديد بصورة منطقية أو واقعية كما ذكرت سابقاً.

يبقى القول أن الرواية عمل سردي ملحمي وظّف التاريخ والميثولوجيا توظيفاً متقناً ومتميزاً، وهو العمل الثاني للمؤلف بعد رواية «كوميديا الحب الإلهي».

* ناقد أردني


مقالات ذات صلة

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون «ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة،

منى أبو النصر (القاهرة:)
ثقافة وفنون الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة،

ألكسندرا ألتر
ثقافة وفنون  بودلير

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة.

هاشم صالح

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».