بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم

ألهمته «الكوميديا الإلهية» التي غيرت اللغة الإيطالية وأرهصت بعصر التنوير

بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم
TT

بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم

بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم

نادرون في تاريخ الأدب، قديمه وحديثه، أولئك الذين قدّر لهم أن يحوزوا المكانة التي احتلها دانتي أليغييري، على الصعيدين الإيطالي والعالمي. فلقد استطاع أليغييري من خلال عمله الأشهر «الكوميديا الإلهية»، أن يقدم للبشرية جمعاء ملحمة شعرية بالغة التميز، توائم بين نفاذ البصيرة وقوة التخييل، وبين تعبيرات الحياة اليومية التي نقلت اللغة الإيطالية من طور إلى طور. لكن ما لا يمكن إغفاله في هذا السياق هو أن ذلك السفْر الأدبي الخلاق لم تقف وراءه موهبة دانتي الصرف وثقافته الواسعة فحسب، بل الأطياف الأثيرية الساحرة لبياتريس بورتيناري، التي ألهمته رغبة الاتحاد الأبدي بها في الفكرة والتصور، وحمله حبها اليائس إلى معارج وكشوف لم تتَح مشاهدتها وتنكُّب دروبها إلا لقلة قليلة من البشر.

ولد دانتي ألغييري في فلورنسا عام 1265، وفي عائلة عُرف عنها دعمها للبابوية، وسط صراع الأخيرة العنيف مع العائلات والقوى السياسية المناوئة لها. وإذ توفيت أمه غابرييلا وهو لم يتجاوز السادسة من عمره، عمد أبوه أليغييرو إلى الزواج من امرأة أخرى رُزق منها العديد من الأطفال. ولأن عائلته النافذة كانت منخرطة في الصراع على السلطة في فلورنسا، فقد تورط دانتي بشكل مباشر في ذلك الصراع، وخاض إلى جانب حزب الغويلفيين المناوئ لسلطة البابا، العديد من المعارك التي توجها انتصارهم الحاسم على خصومهم الغيبيليين في موقعة كامبالدينو. وبعد أن تبوأ دانتي العديد من المناصب، عادت الأمور لتنقلب تماماً بعد ذلك، حيث حقق الغيبيليون الغلبة على خصومهم الغويلفيين وسيطروا على فلورنسا عام 1301. ثم ما لبث المنتصرون أن عاقبوا الشاعر، بإبعاده إلى رافينا عام 1302، متوعدين إياه بالموت في حال عودته متسللاً إلى مدينته الأم. لكن دانتي استطاع رغم قسوة الإبعاد، أن يحول منفاه القسري إلى فرصة ثمينة للإخلاد إلى صوت أعماقه، مسترداً عبر «الكوميديا الإلهية» حبه المفقود وأحلامه المجهضة ووطنه النائي.

دانتي

وإذا كان البحث عن بياتريس الأعماق هو الدافع المباشر الذي حدا بدانتي إلى إنجاز كتابه الملحمي، الذي نقله إلى العربية، وفي ترجمتين متباعدتين على المستوى الزمني ومتميزتين لغةً وتقديماً، كل من الكاتب المصري حسن عثمان والشاعر العراقي كاظم جهاد، فإن الدافع الآخر كان متعلقاً ببحثه عن العدالة التي افتقدها المؤلف على أرض الواقع، في ظل تحلل القيم وانهيار الأخلاق، والصراع على النفوذ بين السلطتين الدينية والزمنية، عند ذلك المفترق المفصلي من تاريخ الغرب.

أما بالنسبة لبياتريس، فليس ثمة ما نعرفه عن هويتها الفعلية سوى كونها ابنة الوجيه الفلورنسي فولكو بورتيناري، وأنها كانت مجايلةً لدانتي، وتسكن قصر أبيها الواقع على مقربة من بيوت عائلة ألغييري. وحين التقاها دانتي عن طريق الصدفة وهما في التاسعة من العمر، شغف بها من النظرة الأولى، ثم لم تبارح ملامحها الآسرة مخيلته بعد أن ذهب كلٌّ منهما إلى مصير مختلف. وهنا تتعدد الروايات حول مآل الأمور بين الطرفين، حيث يتحدث البعض عن أن الفتاة اليانعة كانت متقلبة المشاعر إزاء الفتى الموله بها، بحيث تبتسم له تارة ثم تشيح بوجهها عنه تارة أخرى. وإذ أقدمت بياتريس على الزواج من الرجل الثري سيمون دي باردي، لم يلبث دانتي بدوره أن أقدم على الزواج من جيما دوناتي، التي أنجبت له ثلاثة أطفال ذكور وطفلة واحدة، اختارت في صباها أن تكون راهبة، وأن تحمل اسم بياتريس، كلفتة تضامن رمزي مع قلب أبيها المثلوم . وقد عاد دانتي والتقى امرأة أحلامه وهو في الثامنة عشرة من عمره، لكنها لم تولهِ وفق الدارسين، أي اهتمام ينم عن إعجابها به أو تقديرها لموهبته الأدبية.

الرحلة إلى عالم الآخرة

وإذ تموت بياتريس في أوج شبابها، يقع دانتي في هاوية الوحشة والأسى العميقين. فبموتها «صارت فلورنسا مدينة ثكلى، كما بكت عليها الشمس والنجوم، وبارتحالها تزلزلت الأرض وتسربلت الطبيعة بالسواد». إلا أنه وقد وجد في القراءة والدرس ملاذه الأنجع، ما لبث أن تصالح مع رحيل محبوبته المبكر الذي أتاح لها أن تعود إلى المصدر النوراني الذي انبثقت عنه، فيما بات من جهته قادراً هذه المرة على امتلاكها بالكامل، مستردةً في قلبه وذاكرته وفضائه التخييلي. ولعل ثنائية الترابي - السماوي هي التي سوغت لدانتي أن يحتفظ بحبه لبياتريس منزهاً عن الشهوة وربقة الجسد، دون أن يتحرج في الوقت ذاته من إقامة علاقات عاطفية متفاوتة العمق مع نساء أخريات ورد ذكرهن في الكوميديا، مثل جنتوكا العذراء الجذابة، وليزيتا القوية الواثقة، وبيترا الباردة كالصخور الغارقة في المياه، وفيوليتا المشتقة من مجرى الورود.

وليس غريباً أن يجد دانتي في بياتريس دليلته الأمثل في المحطات الثلاثة التي تتشكل منها رحلته المتخيلة إلى عالم الآخرة، وهي «الجحيم» و«المطهر» و«الفردوس»، لأن ذلك الاختيار هو سبيله الوحيد لاستعادة حبيبته المفقودة التي رأى فيها انعكاساً لروح الأنوثة الكونية المصفاة من كل شائبة. أما اختيارها فيرجيل بالذات لكي يؤازر دانتي في متاهتي «الجحيم» و«المطهر»، فلم يكن ضرباً من ضروب الصدفة، بل هو ترجمة طبيعية لتأثر دانتي البالغ بصاحب «الإنيادة». وإذا كانت رحلة الشاعرين قد توقفت عند نهاية الفصل الثاني، لأن دانتي المترع بالإيمان لم يكن قادراً على اصطحاب صديقه إلى الفردوس، باعتباره لم يدخل المسيحية ولم يعتنق فكرة المسيح المخلص.

وإذ ينجح فيرجيل الذي يرمز إلى أقصى ما يستطيع العقل البشري بلوغه، بتخليص دانتي من وحوش الغرائز التي رافقته في مرحلتي «الجحيم» و«المطهر»، فإنه يتركه وحيداً على مدخل الفردوس ليكمل ما تبقى له من الطريق، مزوداً بإلهامه المجرد وإرادته الظافرة. أما بياتريس، التي دفعتها العذراء مريم إلى مساعدة الرجل الذي أحبها بكل جوارحه، فقد طلبت من الملائكة أن ينظروا بعين العطف إلى الشاعر الذي ساندته في الحياة الدنيا وقادته إلى الطريق المستقيم. ومع أنها أفصحت غير مرة عن لومها له لأنه «انساق بعد انتقالها إلى عالم الأرواح وراء غيرها من النساء، واتجه إلى مسالك الزلل»، فهي لم تتردد في الاعتراف بأن إلهامه الإلهي وملكاته الطيبة، هما اللذان أمليا عليها النزول إلى «الجحيم»، والتضرع لفرجيل لكي يخلصه من الأخطار.

ومع ذلك فإن قسوة بياتريس الظاهرة لم تكن لتعكس أي نوع من الضغينة على دانتي الخاطئ، بل كانت السبيل الأنجع لدفعه إلى التوبة والندم والتطهر من رواسب آثامه، حتى إذا ولج بوابة الفردوس رآها رافلة هناك بحضورها المتسامي وجمالها المشع. وفيما انعكاس صورتها في مرآة الحقيقة بدا منقسماً بين الطبيعتين البشرية والإلهية، كان دانتي يشعر بأنه يولد من جديد في كنف ذلك الجمال الطهور الذي لا ينضب معينه، فهتف بها قائلاً:

عندما رأيتُ وجهك

رأيت خميلةً تفتحت فيها الورود والأزاهير

وفيما أتحرق شوقاً إليك في لهيب الحب

تنطلق روحي في عوالم سماوية

وتقيدني بحدودها اللامتناهية

فأسبح في عوالمها بأنفاس طفلٍ لم يُطِل التفكّر

رأيتُ في عينيك بريقاً يتألق بالفرح

بريقاً يفوق ما شاهدته فيهما

من قبْل ومن بَعْد

بياتريس المثل الأسمى

على أن أي قراءة معمقة لعلاقة دانتي ببياتريس، لا يمكن أن تستقيم بمعزل عن السياقات الدلالية أو الظروف التاريخية التي أنتجت مثل هذه العلاقة الفريدة، وصولاً إلى كتابة الكوميديا. فقد وجد دانتي في صورة بياتريس «نجمة الصبح التي تحيطه في صحراء الحياة»، والمثال الأنثوي الأسمى الذي يحتاج إلى اعتناقه، وسط ما يحيط به من تحلل سياسي كامل، وابتعاد للمؤسسة الكنسية عن الاستقامة، وفساد مريع للعلاقات بين البشر. وهو ما يفسر ذهاب البعض إلى الربط بين صورة بياتريس النقية وصورة مريم العذراء، أو الروح القدس، أو الكنيسة المخلّصة.

ولا نستطيع في الختام أن نفصل صورة بياتريس في مخيلة دانتي الرحبة عن صور النساء المعشوقات عند من عرفوا في أوروبا القرن الثاني عشر بالشعراء الفرسان، أو التروبادور، الذين تناهت إلى أسماعهم، سواء عبر الأندلس أو سفن التجارة المتنقلة بين ضفاف المتوسط، أخبار الشعراء المجانين في بلاد العرب، فرسموا لنسائهن صوراً مماثلة، في ترفّعها الرومانسي وتجرّدها من الدنس. ولم يكن دانتي بعيداً عن كل تلك المؤثرات، حيث تضافر الشعر مع الموسيقى والغناء لإعلاء صوت الحب، ولجعله بديلاً عن أهوال الحروب العقيمة، صليبيةً كانت أم أهلية. أما إطلالة النساء من شرفاتهن العالية على عشاقهن الوالهين في الأسفل، فقد بدت المعادل الرمزي للقارة نفسها، وهي تصبو إلى العروج الصعب من جحيم الحرب إلى فردوس الحب، ومن الموت إلى الحياة، ومن حضيض الانحطاط إلى فضاء التنوير. إذا كان البحث عن بياتريس الأعماق هو الدافع المباشر الذي حدا بدانتي

إلى إنجاز كتابه الملحمي فإن الدافع الآخر كان متعلقاً ببحثه عن العدالة

 


مقالات ذات صلة

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

ثقافة وفنون «المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة...

عمر شهريار
ثقافة وفنون الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي و...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب ستيفانوس جيرولانوس

هوسنا بأصول البشر و«اختراع تاريخ ما قبل التاريخ»

ثمة افتتان غريب اجتاح السنوات الأخيرة بتلك الكتب التي تَعِدُ بتفسير «كل شيء» عن الإنسان عبر ارتياد أغوار أصوله السحيقة.

ندى حطيط
كتب المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية يحميها الرجل

المرأة المثقفة في الرواية العربية موضوع جذّاب. إذ إن عدداً لا يستهان به من الكاتبات سجلن سيرهن أو أجزاء منها في رواياتهن

سوسن الأبطح
ثقافة وفنون دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».