بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم

ألهمته «الكوميديا الإلهية» التي غيرت اللغة الإيطالية وأرهصت بعصر التنوير

بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم
TT

بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم

بياتريس ودانتي: الحب ولو متخيلاً... الخلاص الأمثل من شرور العالم

نادرون في تاريخ الأدب، قديمه وحديثه، أولئك الذين قدّر لهم أن يحوزوا المكانة التي احتلها دانتي أليغييري، على الصعيدين الإيطالي والعالمي. فلقد استطاع أليغييري من خلال عمله الأشهر «الكوميديا الإلهية»، أن يقدم للبشرية جمعاء ملحمة شعرية بالغة التميز، توائم بين نفاذ البصيرة وقوة التخييل، وبين تعبيرات الحياة اليومية التي نقلت اللغة الإيطالية من طور إلى طور. لكن ما لا يمكن إغفاله في هذا السياق هو أن ذلك السفْر الأدبي الخلاق لم تقف وراءه موهبة دانتي الصرف وثقافته الواسعة فحسب، بل الأطياف الأثيرية الساحرة لبياتريس بورتيناري، التي ألهمته رغبة الاتحاد الأبدي بها في الفكرة والتصور، وحمله حبها اليائس إلى معارج وكشوف لم تتَح مشاهدتها وتنكُّب دروبها إلا لقلة قليلة من البشر.

ولد دانتي ألغييري في فلورنسا عام 1265، وفي عائلة عُرف عنها دعمها للبابوية، وسط صراع الأخيرة العنيف مع العائلات والقوى السياسية المناوئة لها. وإذ توفيت أمه غابرييلا وهو لم يتجاوز السادسة من عمره، عمد أبوه أليغييرو إلى الزواج من امرأة أخرى رُزق منها العديد من الأطفال. ولأن عائلته النافذة كانت منخرطة في الصراع على السلطة في فلورنسا، فقد تورط دانتي بشكل مباشر في ذلك الصراع، وخاض إلى جانب حزب الغويلفيين المناوئ لسلطة البابا، العديد من المعارك التي توجها انتصارهم الحاسم على خصومهم الغيبيليين في موقعة كامبالدينو. وبعد أن تبوأ دانتي العديد من المناصب، عادت الأمور لتنقلب تماماً بعد ذلك، حيث حقق الغيبيليون الغلبة على خصومهم الغويلفيين وسيطروا على فلورنسا عام 1301. ثم ما لبث المنتصرون أن عاقبوا الشاعر، بإبعاده إلى رافينا عام 1302، متوعدين إياه بالموت في حال عودته متسللاً إلى مدينته الأم. لكن دانتي استطاع رغم قسوة الإبعاد، أن يحول منفاه القسري إلى فرصة ثمينة للإخلاد إلى صوت أعماقه، مسترداً عبر «الكوميديا الإلهية» حبه المفقود وأحلامه المجهضة ووطنه النائي.

دانتي

وإذا كان البحث عن بياتريس الأعماق هو الدافع المباشر الذي حدا بدانتي إلى إنجاز كتابه الملحمي، الذي نقله إلى العربية، وفي ترجمتين متباعدتين على المستوى الزمني ومتميزتين لغةً وتقديماً، كل من الكاتب المصري حسن عثمان والشاعر العراقي كاظم جهاد، فإن الدافع الآخر كان متعلقاً ببحثه عن العدالة التي افتقدها المؤلف على أرض الواقع، في ظل تحلل القيم وانهيار الأخلاق، والصراع على النفوذ بين السلطتين الدينية والزمنية، عند ذلك المفترق المفصلي من تاريخ الغرب.

أما بالنسبة لبياتريس، فليس ثمة ما نعرفه عن هويتها الفعلية سوى كونها ابنة الوجيه الفلورنسي فولكو بورتيناري، وأنها كانت مجايلةً لدانتي، وتسكن قصر أبيها الواقع على مقربة من بيوت عائلة ألغييري. وحين التقاها دانتي عن طريق الصدفة وهما في التاسعة من العمر، شغف بها من النظرة الأولى، ثم لم تبارح ملامحها الآسرة مخيلته بعد أن ذهب كلٌّ منهما إلى مصير مختلف. وهنا تتعدد الروايات حول مآل الأمور بين الطرفين، حيث يتحدث البعض عن أن الفتاة اليانعة كانت متقلبة المشاعر إزاء الفتى الموله بها، بحيث تبتسم له تارة ثم تشيح بوجهها عنه تارة أخرى. وإذ أقدمت بياتريس على الزواج من الرجل الثري سيمون دي باردي، لم يلبث دانتي بدوره أن أقدم على الزواج من جيما دوناتي، التي أنجبت له ثلاثة أطفال ذكور وطفلة واحدة، اختارت في صباها أن تكون راهبة، وأن تحمل اسم بياتريس، كلفتة تضامن رمزي مع قلب أبيها المثلوم . وقد عاد دانتي والتقى امرأة أحلامه وهو في الثامنة عشرة من عمره، لكنها لم تولهِ وفق الدارسين، أي اهتمام ينم عن إعجابها به أو تقديرها لموهبته الأدبية.

الرحلة إلى عالم الآخرة

وإذ تموت بياتريس في أوج شبابها، يقع دانتي في هاوية الوحشة والأسى العميقين. فبموتها «صارت فلورنسا مدينة ثكلى، كما بكت عليها الشمس والنجوم، وبارتحالها تزلزلت الأرض وتسربلت الطبيعة بالسواد». إلا أنه وقد وجد في القراءة والدرس ملاذه الأنجع، ما لبث أن تصالح مع رحيل محبوبته المبكر الذي أتاح لها أن تعود إلى المصدر النوراني الذي انبثقت عنه، فيما بات من جهته قادراً هذه المرة على امتلاكها بالكامل، مستردةً في قلبه وذاكرته وفضائه التخييلي. ولعل ثنائية الترابي - السماوي هي التي سوغت لدانتي أن يحتفظ بحبه لبياتريس منزهاً عن الشهوة وربقة الجسد، دون أن يتحرج في الوقت ذاته من إقامة علاقات عاطفية متفاوتة العمق مع نساء أخريات ورد ذكرهن في الكوميديا، مثل جنتوكا العذراء الجذابة، وليزيتا القوية الواثقة، وبيترا الباردة كالصخور الغارقة في المياه، وفيوليتا المشتقة من مجرى الورود.

وليس غريباً أن يجد دانتي في بياتريس دليلته الأمثل في المحطات الثلاثة التي تتشكل منها رحلته المتخيلة إلى عالم الآخرة، وهي «الجحيم» و«المطهر» و«الفردوس»، لأن ذلك الاختيار هو سبيله الوحيد لاستعادة حبيبته المفقودة التي رأى فيها انعكاساً لروح الأنوثة الكونية المصفاة من كل شائبة. أما اختيارها فيرجيل بالذات لكي يؤازر دانتي في متاهتي «الجحيم» و«المطهر»، فلم يكن ضرباً من ضروب الصدفة، بل هو ترجمة طبيعية لتأثر دانتي البالغ بصاحب «الإنيادة». وإذا كانت رحلة الشاعرين قد توقفت عند نهاية الفصل الثاني، لأن دانتي المترع بالإيمان لم يكن قادراً على اصطحاب صديقه إلى الفردوس، باعتباره لم يدخل المسيحية ولم يعتنق فكرة المسيح المخلص.

وإذ ينجح فيرجيل الذي يرمز إلى أقصى ما يستطيع العقل البشري بلوغه، بتخليص دانتي من وحوش الغرائز التي رافقته في مرحلتي «الجحيم» و«المطهر»، فإنه يتركه وحيداً على مدخل الفردوس ليكمل ما تبقى له من الطريق، مزوداً بإلهامه المجرد وإرادته الظافرة. أما بياتريس، التي دفعتها العذراء مريم إلى مساعدة الرجل الذي أحبها بكل جوارحه، فقد طلبت من الملائكة أن ينظروا بعين العطف إلى الشاعر الذي ساندته في الحياة الدنيا وقادته إلى الطريق المستقيم. ومع أنها أفصحت غير مرة عن لومها له لأنه «انساق بعد انتقالها إلى عالم الأرواح وراء غيرها من النساء، واتجه إلى مسالك الزلل»، فهي لم تتردد في الاعتراف بأن إلهامه الإلهي وملكاته الطيبة، هما اللذان أمليا عليها النزول إلى «الجحيم»، والتضرع لفرجيل لكي يخلصه من الأخطار.

ومع ذلك فإن قسوة بياتريس الظاهرة لم تكن لتعكس أي نوع من الضغينة على دانتي الخاطئ، بل كانت السبيل الأنجع لدفعه إلى التوبة والندم والتطهر من رواسب آثامه، حتى إذا ولج بوابة الفردوس رآها رافلة هناك بحضورها المتسامي وجمالها المشع. وفيما انعكاس صورتها في مرآة الحقيقة بدا منقسماً بين الطبيعتين البشرية والإلهية، كان دانتي يشعر بأنه يولد من جديد في كنف ذلك الجمال الطهور الذي لا ينضب معينه، فهتف بها قائلاً:

عندما رأيتُ وجهك

رأيت خميلةً تفتحت فيها الورود والأزاهير

وفيما أتحرق شوقاً إليك في لهيب الحب

تنطلق روحي في عوالم سماوية

وتقيدني بحدودها اللامتناهية

فأسبح في عوالمها بأنفاس طفلٍ لم يُطِل التفكّر

رأيتُ في عينيك بريقاً يتألق بالفرح

بريقاً يفوق ما شاهدته فيهما

من قبْل ومن بَعْد

بياتريس المثل الأسمى

على أن أي قراءة معمقة لعلاقة دانتي ببياتريس، لا يمكن أن تستقيم بمعزل عن السياقات الدلالية أو الظروف التاريخية التي أنتجت مثل هذه العلاقة الفريدة، وصولاً إلى كتابة الكوميديا. فقد وجد دانتي في صورة بياتريس «نجمة الصبح التي تحيطه في صحراء الحياة»، والمثال الأنثوي الأسمى الذي يحتاج إلى اعتناقه، وسط ما يحيط به من تحلل سياسي كامل، وابتعاد للمؤسسة الكنسية عن الاستقامة، وفساد مريع للعلاقات بين البشر. وهو ما يفسر ذهاب البعض إلى الربط بين صورة بياتريس النقية وصورة مريم العذراء، أو الروح القدس، أو الكنيسة المخلّصة.

ولا نستطيع في الختام أن نفصل صورة بياتريس في مخيلة دانتي الرحبة عن صور النساء المعشوقات عند من عرفوا في أوروبا القرن الثاني عشر بالشعراء الفرسان، أو التروبادور، الذين تناهت إلى أسماعهم، سواء عبر الأندلس أو سفن التجارة المتنقلة بين ضفاف المتوسط، أخبار الشعراء المجانين في بلاد العرب، فرسموا لنسائهن صوراً مماثلة، في ترفّعها الرومانسي وتجرّدها من الدنس. ولم يكن دانتي بعيداً عن كل تلك المؤثرات، حيث تضافر الشعر مع الموسيقى والغناء لإعلاء صوت الحب، ولجعله بديلاً عن أهوال الحروب العقيمة، صليبيةً كانت أم أهلية. أما إطلالة النساء من شرفاتهن العالية على عشاقهن الوالهين في الأسفل، فقد بدت المعادل الرمزي للقارة نفسها، وهي تصبو إلى العروج الصعب من جحيم الحرب إلى فردوس الحب، ومن الموت إلى الحياة، ومن حضيض الانحطاط إلى فضاء التنوير. إذا كان البحث عن بياتريس الأعماق هو الدافع المباشر الذي حدا بدانتي

إلى إنجاز كتابه الملحمي فإن الدافع الآخر كان متعلقاً ببحثه عن العدالة

 


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.