غلبرت وغوبار تعودان إلى «امرأة العِلْيَّة»

بعد أربعة عقود من صدور كتابهما الأول

سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت
سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت
TT

غلبرت وغوبار تعودان إلى «امرأة العِلْيَّة»

سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت
سوزان غوبار وساندرا إم. غلبرت

الحقيقة أن الأكاديميتين والناقدتين النسويتين ساندرا إم. غلبرت وسوزان غوبار لا تعودان إلى «امرأة العِلْيَّة»؛ أقصد العودة بمعنى تناول موضوعها في كتابهما الجديد «لا تزال مجنونة... الكاتبات الأمريكيات والخيال النسوي، 2021»، ولكنهما اختارتا عنواناً يحيل عليها، وفي الوقت نفسه يُشَكِّل رابطاً بين كتابهما الجديد وكتابهما المشترك الأول «المرأة المجنونة في العِلْيَّة: الكاتبة والخيال الأدبي في القرن التاسع عشر، 1979» الذي يعد معلماً في النقد النسوي، وعملهما الأكثر شهرةً وتأثيراً «magnum opus» من بين كتبهما الثمانية - أحدها من ثلاثة أجزاء - التي اشتركتا في تحريرها أو تأليفها بداية بـ«المرأة المجنونة في العِلْيَّة»، وانتهاءً بـ«لا تزال مجنونة/ Still Mad» أو «لا تزال غاضبة».

ففي المتن تنزاح الكلمة «mad» عن المعنى «مجنون» نحو معاني «الغضب والارتباك والتمرد» في حديث المؤلفتين عن حالهما وحال الكثير من النسويات. لكن هذا الانزياح لا يلغي إحالة العنوان إلى «امرأة العِلْيَّة» وإلى الكتاب السابق، خصوصاً من وعي وذاكرة من قرأه، أو لأَقل تظل المجنونة ويظل الكتاب ذاته أثراً عالقاً بــ«mad» العنوان، لا يمكن محوه. هذا ما حدث لي لحظة قراءة خبر صدور الكتاب الجديد، لقد ذكرني على الفور بـ«المرأة المجنونة في العَلْيّة».

المرأة المجنونة في العِلْيَّة التي يشير إليها العنوان هي بيرثا ميسون أو بيرثا روتشستر، زوجة السيد إدوارد روتشستر في رواية شارلوت برونتي «جين اير، 1847»، التي تعاني من الجنون، وترى الناقدتان أنها تلعب دور البديل لشخصية جين اير، وتجادلان بأن مواجهة جين في الرواية ليست مع السيد روتشستر ولكن مع بيرثا. في «ثورنفيلد هول» القصر الذي يقيم فيه السيد روتشستر، وحيث تأتي للعمل مربيةً ومعلمةً للفتاة الفرنسية أديل، تلتقي جين اير ببديلتها بيرثا التي تعبر بتصرفاتها عن مشاعر الغضب والتمرد الموّارة في داخل جين نفسها.

ارتباط التأليف والسلطة

في كتابهما «المرأة المجنونة في العِلْيَّة»، كانت غلبرت وغوبار تحاولان، على حد قولهما، تفحص ارتباط التأليف والسلطة، وعلى امتداد قرون، بالذكورة بهدف التنقيب والكشف عن تقاليد أدبية نسائية وموروث نسائي تعرض إمّا للطمس أو التجاهل. يمثل ما تقوم به الناقدتان في «المرأة المجنونة في العِلْيَّة» تحولاً نوعياً في الدراسات الأدبية، تحولاً من تفحص كيفية خلق الكُتّاب للشخصيات النسائية نحو التعريف بالأدب الأنثوي، وكيفية بناء الكاتبات للشخصيات النسائية، مع الأخذ بعين الاعتبار المناخات والسياقات الثقافية والسياسية للكتابة والقراءة.

يأتي «لا تزال مجنونة» بعد أربعة عقود من صدور كتابهما الأول، لتناقشا في أقسامه وفصوله «التاريخ الثقافي الكامن وراء الحركة النسوية المعاصرة التي (لا تزال مجنونة) حتى اليوم، بعد نصف قرن من الموجة الثانية من الحركة النسوية التي أطلقت على نفسها اسم حركة تحرير المرأة في الستينات» (لا تزال مجنونة، 24). ولعله من المناسب التطرق إلى نسوية الموجة الأولى، أو الموجة الأولى من النسوية قبل الكتابة عن دراسة غلبرت وغوبار للموجة النسوية الثانية.

الموجة النسوية الأولى

ثمة اعتقاد سائد بأن الموجة الأولى من النسوية بدأت في 1848، وتؤرخُ بدايتها بانعقاد أول مؤتمر رسمي لحركة حقوق المرأة في سينيكا فولز في ولاية نيويورك بالولايات المتحدة. تزامن تشكل الموجة الأولى من الحركة النسوية مع الحركة النضالية لإلغاء الاستعباد. وكان من إنجازات ومكتسبات الموجة الأولى: التعديل التاسع عشر في دستور الولايات المتحدة الذي منح المرأة حق التصويت في عام 1920، وقد نصّ التعديل على أنه لا يمكن حرمان الفرد من حق التصويت بسبب جنسه. واتسعت قوانين ممتلكات المرأة المتزوجة بأن أصبح لها الحق في أن يكون لها ممتلكاتها المنفصلة، وفي حيازتها واستخدامها والتصرف بها.

الموجة الثانية

الموجة الثانية التي لا تزال مجنونة، التي بدأت ونمت في خمسينات القرن العشرين، هي الموضوع الذي ينصب عليها اهتمامُ الناقدتين غلبرت وغوبار، ويتعاطيان معها سرداً لتاريخها ولسير الناشطات فيها وقراءةً وتحليلاً لإنتاجاتهن الأدبية والفنية والفكرية: «لرواية قصة ما نَعُدّها الموجةَ الثانيةَ المستمرةَ من النسوية، اخترنا ما يمثلها من شاعرات وروائيات ومسرحيات وصحفيات وكاتبات مذكرات ومُنَظِّرات - اللاتي بَدَوْنَّ لنا كارزميات على نحو خاص» (لا تزال مجنونة، 3). لقد قوضت أولئك الناشطات - تقول الكاتبتان - الصورة الكاريكاتيرية السائدة لحركة المرأة بأنها بيضاء ومن الطبقة المتوسطة ونخبوية. وتوضحان أنهما اقتصرا اختيارهما على الأديبات في الولايات المتحدة مع أن كل كتبهما السابقة تدرس العلاقات العبر قومية لكتابة المرأة باللغة الإنجليزية. وكان سبب حصر تركيزهما على النسويات في بلدهما هو صدمة انتخاب رئيس شعبوي وغير مؤهل - دونالد ترمب.

ربما يمكن القول إنه لولا ترمب نفسه ما فكرتا في تأليف هذا الكتاب الذي جاءت فكرته ليكون إيماءة تضامن ومناصرة للمسيرات النسائية الحاشدة في 21 يناير (كانون الثاني) 2017 في واشنطن العاصمة والعديد من المدن الأميركية وفي مدن أخرى من العالم. هذا ما يُفهمُ مما تقولانه في الفقرة الاستهلالية من مقدمة الكتاب: «أولئك اللاتي لا يستطعن الزحف، يكتبن. بينما كان الكثير من صديقاتنا يتأهبن للذهاب إلى المسيرة النسائية... كنا نعرف أننا، وبسبب إعاقاتنا المختلفة، لن نستطيع الانضمام إليهن. وتساءلنا كيف يمكن الوقوف تضامناً معهن. وجاءت الإجابة عن هذا السؤال قبل أسبوع من المظاهرات العظيمة في واشنطن العاصمة والعديد من المدن حول العالم، عندما بدأنا التعاون على هذا الكتاب» (لا تزال مجنونة، 1).

انطلقت المسيرات الحاشدة في اليوم التالي لتنصيب دونالد ترمب رئيساَ للولايات المتحدة، احتجاجاً على خطابه السياسي ومواقفه التي عرّت عداءه للمرأة والتهديد لحقوقها. كانت تلك أضخم مسيرة تُنظمُ في يوم واحد. وكانت المسيرة في واشنطن العاصمة أكبر المسيرات الحاشدة، شارك فيها حوالى 440.000 شخص، وبلغ عدد المسيرات في الولايات المتحدة كلها 408 مسيرات، و169 مسيرة في 81 دولة أخرى.

يبدو أن فكرة الحشد والحشود سيطرت على ذهنى غلبرت وغوبار، ومنهما تسربت، بوعي أو بدون وعي إلى الكتاب، وقد تجلى ذلك في الحشد الكبير من الأسماء الأدبية والفنية والصحفية ومن أسماء المشتغلات على النظرية، فكأنما أرادتا أن يضاهي كتابهما تلك المسيرة باكتظاظه بالأسماء، أو أن يكون الجزء المعبر عن ذلك الكل متعدد الهويات العرقية والإثنية والقومية والمهنية والاهتمامات للمشاركات فيه. لقد زاد عدد أسماء الأديبات والفنانات على الأربعين، أذكر على سبيل المثال: سيلفيا بلاث، ديان دي بريما، أدريان ريتش، أودري لورد، غلوريا أنزالدوا، أندريا دوركين، غلوريا ستاينم، سوزان سونتاغ، توني موريسون، لورين هانزبري، دينيس ليفرتوف، أليس ووكر، جوديث بتلر، إيف كوسوفسكي، كيت ميليت، مارغريت آتوود، المغنية وكاتبة الأغاني نينا سيمون، جوان ديديون.

قابلَ تعددَ الأسماء والاهتمامات والاشتغالات تَشعبُ اهتمامِ المؤلفتين، إذ اجتمع في مقاربتهما للموضوع التحليل النقدي والتأريخ والسرد السيري الانتقائي بتسليط الضوء على الجوانب الخاصة والشخصية (الشخصي - سياسي) في حياة الأديبات ورصد تحولاتهن وانخراطهن في الحركة النسوية، أو حركة الحقوق المدنية أو معارضة الحرب في فيتنام، أو فيها كلها. فسيلفيا بلاث على سبيل المثال تحضر مذ كانت فتاة صغيرة وقارئة نهمة لمجلات الفتيات ثم الدوريات الموجهة لربات البيوت، وينتقل القارئ معها إلى كامبردج، حيث تُقدِّمُ نفسها أثناء دراستها الجامعية كَدُمْيَّةٍ حية في مقالة كتبتها لجريدة الجامعة بعنوان «سيلفيا بلاث تطوف بالمتاجر وتتوقع أزياء أسبوع مايو»، ثم ارتباطها بالشاب الوسيم «القذر» تيد هيوز الذي لم يكن يملك سوى بنطال واحد من نوع «دنغري» وجاكيت أسود... كانت تطلب منه دائماً غسل شعر رأسه وتنظيف أظافره وشراء ملابس أفضل... ثم زواجهما وقضاؤهما شهر العسل على طريقة شخصيات إرنست هيمنغوي، مروراً بخيانة هيوز وانفصالهما... إلى يوم 11 فبراير 1963، عندما وضعت أكواب الحليب وشرائح الخبر جانب أسرة أطفالها، وفتحت النوافذ، وأغلقت عليهم الباب بإحكام، ونزلت إلى المطبخ في الطابق الأرضي لتفتح الغاز للمرة الأخيرة في حياتها.

"لا تزال مجنونة" الكتاب الذي أُلِّفَ تضامناً مع مسيرات يناير الحاشدة، «احتشد» بالشخصيات الأدبية والفنية والصحفية والفكرية، وبالتحليل النقدي والسرد السيري وبالمعلومات التاريخية عن موجة النسوية الثانية (1950-2020). «لا تزال مجنونة/Still Mad»، أو «لا تزال غاضبة» كتاب يتميز بالغنى المعرفي وبمنح قارئه قدراً كبيراً من المتعة الذهنية الفكرية.


مقالات ذات صلة

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

ثقافة وفنون  منيرة العيدان

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل...

ميرزا الخويلدي (الكويت)
ثقافة وفنون يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

«زمن حمودة الأخير»... الإنسان والتيه

تعد الرواية التونسية من أبرز التجارب السردية العربية التي انشغلت بتصوير الواقع الإنساني، والاجتماعي، إذ استطاع الروائي التونسي أن يجعل من الإنسان محوراً أساسياً

إلهام بلحاج
ثقافة وفنون  لميعة عباس عمارة

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

تقاسيم نباتية أموية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها.

محمود الزيباوي

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».