في حمّام صيدا

في حمّام صيدا
TT

في حمّام صيدا

في حمّام صيدا

في اللّغة العربيّة التي يصفها الشّاعر الرّوسي يفغيني يفتشينكو: «وكأنّ الطّبيعة سكبت فيها كلّ حنانها»، ليست ثمّة في لغتنا كلمتان قريبتان، إحداهما من الأخرى، وشديدتا التّنافر من كلمتي «الأثَرَة» و«الإيثار». لا يشبه الصّباحُ في صيدا صباحاً في بيروت أو بغداد أو كلّ العالم، فرطوبة البحر تُعطي الهواء لمعاناً خفيفاً، ليقبع كلّ شيء في القلعة التّاريخيّة عند الشّاطئ تحت غطاء صمغيّ مصنوع من الماضي. لكن المدينة ليست في قلعتها أو في سوقها، بل هي كائنة في حمّاماتها القديمة.

تدخل حمّام صيدا، وكأنّك تهبط فجأة إلى مغارة في قلب جبل، حيث السّيادة الصّامتة للظّلّ، وحيث الصّخور ليست حجارة وحسب، فهي تشبه بيضات طائر خرافيّ عملاق. هل تخيّلتم سماع نبض قلب جبل؟ عند كلّ بيضة لا بدّ أن يصغي الزائر إلى هذا النّبض، وتسكن موسيقى ظلام قلب الجبل وضياؤه في وجدانه وسريرته، وتبقى تتردّد.

لا يهمّني من المكان عمره أو هندسته وطريقة بنائه، الذي يعنيني في حمّام صيدا، النّاس. كيف يمكنني التواصل مع جمهور من النساء والرجال ماتوا قبل مئات أو ألوف السنين؟ باستطاعة المرء بواسطة الفن إبطاء الزمن أو العودة به إلى الوراء، وهكذا تخيّلت نفسي أستحمّ وكانت نظافة بدني أو روحي هي آخر ما فكّرت به.

الدم الروحي

هنالك صورة غير مرئيّة لقطرة ماء شفيفة يقتسمها جميع من دخلوا المكان، وجميع من استحمّوا فيه، وجميع السّائحين الذين مرّوا بالمكان. قطرة ماء تشبه التفّاحة التي قطفتها أمنا حوّاء، والتي سوف يقتسمها الجميع فتكفيهم. الفرق هو أن تفّاحتي (قطرة الماء) سوف تزيل الرِّجس عن خطيئتنا، بمن فيهم أمّنا الأولى وأبونا... من يدخل هذا المكان تصيّرهُ القطرةُ فرخاً يسكن بيضة الطائر العملاق، وتبرئه عند باب الخروج طائراً يشقّ بجناحيه الفضاء.

الرواية هي «موبي ديك» أو الحوت الأبيض لهيرمان ميلفل، وعنوان الفصل هو «عصر الأكر الشّحمية»، حيث يشبّه الكاتب الحوضَ الذي يتجمّع فيه زيت الحوت في السّفينة التي كان يعمل فيها بحمّام قسطنطين، الإمبراطور اليونانيّ الذي شيّد حمّامات عامّة ليجبر شعبه على الاستحمام، وكانت تسخّن بواسطة أشعّة الشّمس، من أجل أن تكون الفكرة ويكون الحلم بإهابٍ إلهيّ، وكان الإمبراطور معنيًّا بلا شيء غير الشّعور بالرّفقة بين أبناء قومه، وهي المنزلة التي ينتقل فيها الدّم الروحي من إنسان إلى إنسان.

يتدحرج شحم الحوت إلى حوض واسع في السّفينة، ويقوم العمّال بعَصره ليصير سائلاً. يقول ميلفل: «كنت أغسل يدي بين تلك الكرات النّاعمة اللّطيفة... وأستنشق ذلك العطر الخالص الذي لم تشبْه شائبة - حقّاً وصدقاً - كأنّه رائحة البنفسج في الرّبيع». وتطوف في وجدانه في تلك السّاعة خواطر، هي الأفكار ذاتها التي بلغتني وأنا أتملّى دكّات حمّام صيدا الحجريّة: «أصدقكم القول إنّني عشت لحظة وكأنّني في حقل مسكيّ؛ نسيت كلّ شيء... في ذلك الزّيت الذي لا يحدّه تعبير غسلت يديّ وقلبي معاً؛ حين كنت أستحمّ في ذلك الحمّام شعرت شعوراً سماويّاً بأنّي بريء من كلّ نيّة سيّئة أو من كلّ نكد أو حقد أو أيّ شيء من ذلك». لا توجد لحظات أسمى من تلك التي يتقرّب فيها اثنان، رجل وامرأة، ويعلن الحبّ بينهما عن سطوته على كلّ شيء في الوجود، ويترك الاثنان عندها كلّ ما هو ذاتيّ وأنانيّ وينتميان إلى الرّفاقيّة العامة بين البشر. عندما يقول الفتى أو الفتاة: «أنا أحبّ»، فإن الكلام يظهر إلى الملأ بصوت شديد التّجريد، شديد الخطابيّة، وتصير عند ذلك موسيقى شجيّة تقول ما معناه: «نحن نحبّ». في اللّغة العربيّة التي يصفها الشّاعر الرّوسي يفغيني يفتشينكو «وكأنّ الطّبيعة سكبت فيها كلّ حنانها».

الأثرة والإيثار

ليست ثمّة في لغتنا كلمتان قريبتان، إحداهما من الأخرى، وشديدتا التّنافر من كلمتي «الأثَرَة» و«الإيثار». الأولى تعني الأنانيّة وحبّ الذات، والإيثار هو أعلى المكارم. عند ساعات الحبّ العظيمة تخلع الكلمة الأولى شكلها، وتتطهّر منه، كما أن ما يقوم به المحبّون في حياتهم يعود بفضله إلى هذه المعادلة. ونعود إلى السيّد ميلفل، بارئ ملحمة موبي ديك: «عصراً! عصراً! عصراً! طوال الصّباح كلِّه. عصرتُ ذلك الشّحم حتى كدت أذوب فيه؛ عصرت ذلك الشّحم حتى استولى عليّ نوع فذّ من الجنون، ووجدتني أعصر ـ دون أن أدري ـ أيدي زملائي العاملين معي في الحوض، ظانّاً أن أيديهم كرات لطيفة. ولّد هذا العمل فيّ شعوراً فيّاضاً ودّياً حبيباً متحبباً حتّى إنّني في النّهاية أصبحت أشدّ على أيديهم وأنظر في عيونهم في حنان كأنّني أقول لهم؛ آه يا رفاقي الأعزّاء لِمَ نظلّ بعد اليوم نستطعم أيّ صور الجفاء الاجتماعي أو نتعرّف إلى أقلّ الحسد أو نكد الطّبع! هيّا بنا يشدّ بعضنا على أيدي بعض، بل نعتصر أنفسنا بعضها في بعض، لنعتصر أنفسنا جميعاً نحن الآدميين في حليب اللّطف الوديع وزيته، وكلّ هذا كان من حصّتي، وأنا أتأمّل اللُّحمة البشريّة تعجن خبز المحبّة الدّائمة في حمّام صيدا، وهذه تَكفي البشر جميعاً طعاماً وماءً، كأنهم تحوّلوا إلى طيور يكفيها القليل من الحَبّ للعيش، فهي لا تكتنز شيئاً ولا تخزنه ولا تطلب أكثر من زاد اليوم.

لم يكن البطل الحقيقيّ لملحمة الحوت الأبيض هو الكابتن الحقود آخاب، ولا الرّاوي إسماعيل ذو الأصول الدّينيّة المسيحيّة. اختار المؤلّف رجلاً من أكَلة لحوم البشر اسمه «كويكوج» مثلاً أعلى من بين مئات الشّخصيات التي حكى عنها في الرّواية، وكان المشهد الذي يُلقي فيه كويكوج بنفسه فجراً في البحر الصاخب لينقذ أحد البحّارة من الغرق، دليلاً على أن أسمى ما لدينا هو الإيثار، الذي هو أعلى مراتب الحبّ، فمن يبلغه يكن حامل الرّاية.

\"\"

في القسم الأول من قصيدة الأرض الخراب نقرأ كلاماً للسيّدة ماري، وكانت تتذكّر رحلة قامت بها إلى حيث يسكن ابن عمّها الأرشيدوق: (الأبيات 14 - 16) «أخذني على زلّاقة فأصابني الخوف. قال، ماري ماري، تمسّكي بإحكام، وانحدرنا نزولاً». ثم يقول الشّاعر ساخراً من الهلع الذي تملّك ماري: (الأبيات 20 – 30) «يا ابن آدم أنت لا تقدر أن تقول أو تحزر، لأنك لا تعرف غير... ظلّك في الصّباح يخبّ وراءك أو ظلّك في المساء ينهض كي يلاقيك ولسوف أريك الخوف في حفنة من تراب». الخوف الحقيقيّ هو ليس نشوة الرّعب التي تصاحب ركوب الزلّاقة عندما تنحدر مسرعة في المنعطفات، كما أنه ليس ذلك الذّعر الجنونيّ الذي يشلّ أعصاب وعظام الإنسان عندما يفكّر بالمجاعة. من المعتقدات الصّينية التّقليديّة أن الأمراض تنتج عندما يستنفد الجسد الطّاقة، وهي ليست ذلك النّوع من الطّاقة التي تُدرّس في كتب الأحياء، بل نسخة صوفيّة منها، التي أدعوها طاقة الحُبّ. تعلّمتُ من زيارتي إلى حمّام صيدا أن الخوف الأهمّ في حياتنا هو الجوع إلى الحُبّ، لأن الحال عندها تجعلنا نعيش في عالم وهميّ ولا نكترث بما يجري من حولنا، الخطر النّووي مثلاً، والوحش المسمّى Godzilla الذي يعمل بالطّاقة النّووية والذّكاء الاصطناعيّ القاتل، وكذلك الأوبئة والجفاف وغير ذلك مما يهدّد شمس الحياة بالانطفاء، ويتوعدّ البشر والحيوان والنّبات بالفناء.

يريد الفنّان إعادة إنتاج الحضارة بأساليبَ جديدةٍ تمنح الإنسان وجميع الكائنات فيه وضعاً مغايراً يعطي كلّ شيء في الوجود تعريفاً جديداً، ويعيش الفنّانون في حالة حلُم دائمة في سبيل تحقيق ذلك. هل يمكننا القول إن العالم المُنتج بواسطة الفنّ هو التّعبير الواقعيّ للجنّة التي تخبرنا بها كتب الأنبياء؟ أكل آدم تفّاحته الشّهيرة وأُخرج بسبب ذلك من الجنّة، ونأكل نحن من تفّاحة الفنّ ونعود نسكن الجنّة ثانية، ولن يرغمنا هذه المرّة أحد على المغادرة.

جئتُ إلى مدينة صيدا في ضيافة سيّدةٍ صيداويّة بسيّارة تاكسي قدِمت خصّيصاً إلى الفندق، وأوصلتني إلى المدينة. ثم زرتُ الحمّام القديم، وصارت في قلبي كلّ الكلمات التي قلتها في هذا المقال، وعندما حانت ساعة العودة، اعتذرتُ من مضيّفتي أن تجهّزَ سيّارةَ الأجرة لي، واخترتُ أن أعود بباص يحيط بي الركّاب فيه من كلّ جانب. يقول محمد خضيّر: «ليس هناك أجمل وأشمل وأدفأ من كلمة (النّاس)». في حمّام صيدا كان النّاس الأقدمون يحيطون بي من كلّ جانب، وامتدّ زمان هؤلاء إلى عهد آدمَ، فيا لسعادتي أنني عاشرت في المكان أمّي وأبي...



كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟
TT

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

كتّابنا قرأوا ماركيز... لكن هل تأثروا به حقاً؟

حين سُئل ماركيز عن سبب عدم انتشار رواية «مائة عام من العزلة» شعبياً في فرنسا، أجاب: «ربما بسبب الديكارتية. أنا أقرب إلى حماقات رابليه مني إلى صرامة ديكارت. في فرنسا فرض ديكارت نفسه. ربما لهذا السبب لم يصل الكتاب إلى الشعبية التي بلغها في بلدان أخرى».

إجابة ماركيز تبدو صادمة جداً، وغريبة في الوقت نفسه. فما علاقة ديكارت الفيلسوف الفرنسي الشهير برواية تُترجم إلى الفرنسية، وكيف أخضع ديكارت فرنسا وسيطر عليها كلياً حتى لا تتمكن من تقبل رواية من طراز «مائة عام من العزلة»؟

من جانب آخر، أستطيع أن أضع ثقافتنا الآن في مواجهة سؤال يشبه ما قاله ماركيز عن كبرياء الفرنسي العقلاني الذي رفض تذوق رواية من أميركا اللاتينية لأنها صدمت أركان العالم العقلي الذي بناه ديكارت للفرنسيين لـ«حمايتهم من الوهم والتأكيد على عالم التجربة المحدود الذي نعيش فيه».

بالنسبة لنا كقراء في ثقافة أخرى مختلفة عن الثقافة الفرنسية في كل شيء، أُعجبنا بأعمال ماركيز جميعها. لقد اعتبرنا كتاب أميركا اللاتينية صانعي رواية بامتياز. وانتشرت كتب ماركيز وبورخيس وكورتاثار وفوينتس وساباتو وغيرهم من الكتاب بيننا وما زلنا نقرأها. لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه هو: هل أضافت روايات ماركيز على أقل تقدير إيقاعاً جديداً على أعمال روائية تكتب وتنشر عندنا؟ أو بعبارة أكثر دقة: هل استفدنا من الواقعية السحرية في تغيير وجهة نظر الروائي العربي تجاه الواقع الذي يعيش فيه، ويكتب عنه؟ وإذا كان ماركيز فسر عدم انتشار روايته شعبياً في فرنسا بسبب التفكير العقلاني الذي يتمتع به الفرنسي فكيف نفسر انتشار رواية الواقعية السحرية بين القراء، ومن ضمنهم كتاب روائيون، دون أن نستطيع تحديد ملامح هذا التأثر الفني بهذا الاتجاه الفني الرائد، أعني هل لدينا نماذج روايات استلهمت الواقعية السحرية وقربت لنا الواقع بطريقة مختلفة بحيث جعلتنا نراه من زاوية أخرى؟ من خلال متابعتنا لما يكتب هنا وهناك، وجدنا أن هناك فجوة كبيرة بين الإعجاب بماركيز واستلهام تراث الواقعية السحرية. كما أن هناك اهتماماً قليلاً بمنهج الواقعية السحرية كفن يحاول أن يعلمنا تحطيم الحدود الشكلية للأشياء، والأهم من هذا يسعى الروائي الذي يستلهم الواقعية السحرية إلى التقليل من سيطرة العقل على العالم. وهذا أحد أهداف الواقعية السحرية المهمة.

ولو كان ماركيز متابعاً للأعمال الروائية الصادرة عندنا ربما لتعجب من عدد القراء المعجبين بأدبه مع قلة التأثر بهذا النوع من الأدب. لا أعرف كيف سيفسر ماركيز هذه الظاهرة الغريبة التي تندرج ضمن الإعجاب بأدبه دون أي تأثر بما كتب. فما زلنا نفكر بالعالم وكأنه كتلة تخضع لتفسير واحد وعلينا تصديق هذا التفسير... هذا ما يجعلني أقول إن ماركيز منفي عندنا كما نفته فرنسا قبلنا حين وضعته في سجن عقلها الديكارتي.

لكن كيف فهمنا الواقعية السحرية في نهاية المطاف. هل هناك رواية عربية تعاملت مع الواقع من خلال وجهة نظر خاصة تقودنا إلى الشعور بالعالم وهو يسير بسرعة فائقة أمامه؟ أليست هذه هي رسالة ماركيز أولاً، ورسالة واقعيته السحرية قبل كل شيء؟

بهذا الوعي تنفتح الواقعية السحرية على عالم الأشياء، وهنا في إطار هذا الإحساس الشفاف بالعالم تخضع التقنية لوجهة نظر الروائي فتندمج بها وتذوب بشكل كامل. التقنية مرآة تكشف لنا حقيقة العالم وإظهاره بصورة جديدة مختلفة. لذا سيكون تساؤلي بعد كل ما قلت: هل لدينا عائق ما من حدوث التغير الجمالي الذي يجعلنا نفكر بأسلوب جديد وبعاطفة أكثر تسامحاً؟ هل مرت عاصفة روايات ماركيز دون أن تحدث التغير المطلوب في طريقتنا المتعلقة برؤية العالم من حولنا؟

ليست الواقعية السحرية تكتيكاً سردياً يستخدمه الروائي للتأثير في القراء، كما أنها ليست نقلاً مباشراً للواقع كما نراه. تقترب الواقعية السحرية من الوجودية إلى درجة يختفي الحد الفاصل بينهما. وهنا يتشابه الروائي ذو الخيال الأكثر نقاء مع الوجودي الذي يكره سيطرة الاحتمال الواحد على الواقع. نحن إذن أمام تمرد كبير يحاول تخليصنا من الإحساس المتكرر بالعالم من حولنا وكأننا نقوم بالدور نفسه كل يوم متناسين أفعالنا الإنسانية وقلقنا الوجودي الذي لا يهدأ.

بعد هذه المقدمة لا بد من التوقف عند وجهة نظر محددة طرحها الناقد فاضل ثامر في كتاب «المقموع والمسكوت عنه في السرد العربي». الحقيقة أحسست بأن الواقعية السحرية التي تحدث عنها ثامر في كتابه تختلف جذرياً عن الواقعية السحرية التي أشار ماركيز إليها في بعض أحاديثه ومقالاته وأعماله الروائية.

فعلى مستوى المفهوم استخدم فاضل ثامر ثلاث مفردات هي الغرائبي والفانتازي والواقعي السحري ظناً منه أنها كلمات مترادفة. والحقيقة أن هناك فرقاً بينها لا بد من إيضاحه، فما يستخدم في مجال النقد هو «Magico»؛ أي الواقعية السحرية، وهذا المصطلح هو الأكثر شهرة والأكثر استخداماً في إسبانيا وفي أميركا اللاتينية، والأدق في التعبير عن هذه المدرسة الفنية.

أما الغرائبي فهي مفردة تشير إلى ما هو غريب عن الواقع، وهي ليست أفضل من كلمة «الفانتازي»؛ هذه الكلمة المعربة التي تعني الوهم، ولا علاقة لهاتين الكلمتين بالواقعية السحرية. ولو عدنا إلى ماركيز فقد حاول تببين وجهة نظره التي ترتبط بالخيال كمفهوم نقدي قبل كل شيء.

إذن استخدام هذه الكلمات الثلاث مترادفاتٍ خطأ نقدي لا بد من الانتباه له. ولا يمكن بأي حال من الأحوال الاعتقاد أن الواقعية السحرية هي مجرد أسلوب أدبي يمكن تعلمه بل هي وجهة نظر فكرية تنتقد أي تفكير يحاول السيطرة على الواقع ويفرض عليه طابعاً واحداً. إن قوة الرواية تأتي من هذا الإيمان بأن الحياة تنوع مذهل يصدم الإنسان ويدفعه للتساؤل والحيرة إزاء ما يراه.

لكن إذا عدنا لوجهة نظر فاضل ثامر فسنرى أن الواقعية السحرية شيء آخر يختلف كثيراً عما قدمه ماركيز، وما تحدث عنه. وفاضل ثامر يضرب مثلاً للواقعية السحرية بماركيز نفسه.

أظن أن الخطأ النقدي الثاني الذي وقع فيه فاضل ثامر هو محاولته تفسير ظهور الواقعية السحرية وكأن هذا النمط من السرد خضع لمنطق السبب والنتيجة، إذ لعبت الظروف في دفع الروائي إلى اللجوء لسرد غير تقليدي تماشياً مع تغييرات العصر. يقول فاضل ثامر «إن القاص العربي لم يعد قادراً على تصوير معاناة الإنسان في عالم شديد التعقيد بالأدوات الواقعية أو التقليدية التي كان معتاداً عليها، خاصة بعد أن راح هذا الإنسان يتعرض لسلسلة من الضغوط والإحباطات والعذابات التي لا يمكن قهرها أو مواجهتها» (ص 2).

هذا أحد أسباب تفضيل الروائي العربي للواقعية السحرية. لنتابع كي نتعرف على أسباب أخرى يعرضها الناقد لنا، يقول أيضاً: «كما يسهم هذا المنحى في تحرير السرد العربي من الرتابة والتقليدية والفوتغرافية والآلية ويكسبه المزيد من الشفافية والرهافة والفنية» (ص 3).

إذن هناك سبب فني أيضاً دفع الروائي لاختيار أسلوب الواقعية السحرية، ثم نصل إلى النقطة الأخيرة التي يقول فيها فاضل ثامر: «إضافة إلى ما تقدم فإن هذا المنحى الغرائبي والسحري والفنطازي يعيد سرد ما انقطع بين السرد العربي الحديث والموروث السردي والحكائي العربي القديم» (4).

الواقعية السحرية هي منحى أدبي لجأ إليه الروائي ليتمكن من وصف واقعه بأسلوب لا تستطيع الأدوات التقليدية فعله. وكانت هناك أسباب خارجية دفعت الروائي لممارسة هذا اللون من السرد، أهمها إمكانية تصوير الواقع بشكل أفضل كما بينا. لكن هل هذه الأسباب كل ما جعلت ماركيز هو ماركيز؟ هل هذه هي كل أسرار الواقعية السحرية التي عرضها لنا فاضل ثامر بأمانة كبيرة؟

أين الوعي النقدي بالواقعية السحرية كما تكشف عنها أحاديث ماركيز؟ أين فاعلية الخيال التي ترفض الاحتمال الواحد وتقدم الحياة على أنها أكثر رحابة وأكثر جمالاً؟ أين الصدمة التي تعرض لها ماركيز وهو يلمس في لحظة قصيرة فناء ماكوندو مدينته الأثيرة عنده؟

أسئلة أخرى لن نجد أجوبتها في الصورة التي رسمها فاضل ثامر لهذا المنهج السردي الرائع الذي أجد فيه صرخة ضد عقلانية الاحتمال الواحد.

ثم كيف نفسر إصرار الناقد على ربط الواقعية السحرية بأسلوب قديم سردي قديم يجد الناقد فيه بذوراً لواقعية سحرية قديمة. ولو أن الناقد فاضل ثامر عرف لنا الخيال، ولو أنه حلل ما قاله ماركيز عن عمله لوجد أن هناك مسافة كبيرة بين السرد الحكائي الموروث وسرد الواقعية السحرية. أظن أن مشكلة فهمنا للواقعية السحرية ينشأ من افتقار ثقافتنا للاهتمام بعنصر الخيال قبل كل شيء. إننا نجيد معركة الجدل والاستنتاج والبحث عن حقيقة وحيدة ومطلقة. وكل هذا يطبع وعينا ويجعله لا يهضم عملاً لماركيز أو بورخيس.

لست متفقاً مع الناقد في أن هناك بذوراً للواقعية السحرية في أنماط سردية قديمة يعددها الناقد فاضل ثامر مثل «ألف ليلة وليلة»، والسير والمغازي وسيرة عنترة بن شداد والسيرة الهلالية. وهنا أتساءل كيف لم تترك هذه السرديات المتنوعة فناً خاصاً بنا له ملامح واقعية سحرية قرأناها في أعمال أدبية شهيرة. فكل هذه الأنماط من السرد تضم ملامح واقعية ساذجة مطابقة للواقع أو تستخدم الوهم الذي يكرهه ماركيز أو تصف واقعاً معيناً وكأنه واقع ساكن ثابت لا ينتهي. مثل هذه الملامح السردية تحاربها الواقعية السحرية. وعلى النقد أن يقوم أولاً بتحديد المصطلحات ثم دراسة وجهة النظر النقدية الخلاقة التي تعلمنا إياها رواية حقيقية غير تقليدية وتستحق أن نقول بحق إنها رواية تعكس روح الواقعية السحرية.


هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري
TT

هل الذاكرة عقلانية؟

بلند الحيدري
بلند الحيدري

حين فاتحني الصديق الدكتور عارف الساعدي برغبته في أن أشارك في ذكرى مرور مائة عام على ميلاد الشعراء الثلاثة (السياب والبياتي وبلند الحيدري) أذهلتني الفكرة من حيث قيمة الوفاء لذاكرة الثقافة، ثم من حيث تحريك ذهني لمعنى الحديث عن ميلاد أي أحد بعد مائة عام من الحدث؛ ذاك الحدث الذي كان من حقه الأفول كما هي حال كل مواليد ذاك العام البعيد عنا زمناّ ومكاناّ ومعنى. وهذه لعبة مخاتلةٌ من ألاعيب الذاكرة التي تبتكر احتيالاتها الخاصة فتختار واحداً منا لكي يتذكر وهذا ليس اختياراّ عشوائياّ بدليل أن الذاكرة اختارت هذا الواحد لأمرٍ توسمته فيه وهو أن يحترم هدية الذاكرة، من حيث هي ذاكرةٌ ثقافيةً تحمل برهانها الخاص وعلامة ذلك هي الدهشة التي تختالنا مع مثل هذه الحالة العجائبية، وكيف اختارني عارف ليطلب مني طلباّ كهذا، وماذا لو اعتذرت منه بحجة ما، مثل أن أبتكر أي كذبةٍ يسمونها عادة بالبيضاء كي أتخلص.

بدر شاكر السياب

ولكني لم أبحث عن عذر، وكل ما قلته له هو «أبشر»، ولم أزد عليها، ولم أتردد عن استخدام كلمةٍ هي من موروثي الخاص فأنا أعيش في بيئة إذا قال أحدنا كلمة «أبشر» فهو يعلن الاحتفال بالوعد وهو وعدٌ محملٌ ببهجة البذل دون منةٍ ولا تسويف. وليس من عادتي أن أطلق «أبشر» بسهولةٍ لأنها كلمةٌ ذات حمولةٍ قيميةٍ عالية المعنى، والتراخي معها يحدث وحشةّ روحية لا تدع لحظاتك تمر دون أن تشعر بخجلٍ يحاصر معانيك وهذا ميثاق وفاء للذاكرة، تلك الذاكرة التي حركت الساعدي ومن ثم حركت الغذامي، وقد لا تكون الذاكرة هنا غريبةّ على الساعدي لأنه عراقي ولأنه شاعرٌ ولأنه معروف بالوفاء لذاكرة الثقافة العراقية ولشعراء العراق.

أما أنا فمحبٌّ للعراق وللذاكرة العراقية وهذا أكيدٌ عندي ولا شك، ولكن أن تتحرك ذاكرة مائة عام فهذه مسألة لها دواعيها الأخرى، وهي دواعٍ لن أحاول تحديدها لأني أرى أن الذاكرة تختارنا ولسنا من يختارها، وإذا هي اختارتنا دفعتنا للقبول دون تفكر، وهل تفكر الذاكرة...؟!، لن أقول نعم لأن الذاكرة تشتغل بشروطها الخاصة وشرطها غير عقلاني، إنه يحدث فقط. وإذا حدث تحقق، وستعتري الدهشة كل واحدٍ يتلقى خبراً عن ميلاد ثلاثةٍ سيكونون شعراء وسيمرون بحياة صاخبة، فيها نورٌ ونارٌ، وفيها بهجةٌ وانتصار بمثل ما فيها من وجعٍ، ولكنها ستصنع خريطةّ ثقافيةّ تلونها بألوانها الخاصة وهي ألوانٌ لا يمكن محوها وكلما غفلنا عنها أو نسيناها عادت لنا عبر سفراء لها مثل الساعدي.

وهنا نفتح صفحات الزمن ونقف نتبصر بحال مواليدَ دخلوا الدنيا غرباء وعاديين كغيرهم من أبناء جغرافيتهم، ولكنهم خرجوا من الدنيا بأصوات مدويةٍ تكتب أثرهم وتروي قصصهم، وتكتب لهم شهادات ميلاد غير تلك التي كانت لهم، وإنما هي شهاداتٌ كتبوها بدمهم وأرقهم وقلقهم وبمعانيهم التي احترقوا بها فأنضجتهم بمقدار ما أوجعتهم، وكل وجعٍ هو قصيدةٌ انتزعتها الروح من سكون النفس المكلومة لكي تتحول لقصيدةٍ ينشغل بها النقاد كما ستكون ميراثاّ إبداعياّ يوقع أجيالاّ بحبائل حيله عليهم لكي يوقعهم بصحبةٍ مع أشقياء الحياة ونسميهم صناع الحياة، أولئك الذين يموتون قبل غيرهم لأنهم كالسيف في غمده يأكل بعضه بعضاّ، كما وصف الفيلسوف الكندي أبا تمام وتوقع له موتاّ مبكراّ.

عبد الوهاب البياتي

وبعض الثلاثة عاش أطول من بعض، والسياب أسرعهم للموت وكأنه كان مستعجلاّ أكثر من رفيقيه، ولكنهم كلهم ماتوا مكفنين بالقصائد ووجع القصائد منذ صرختهم الأولى حتى صرختهم الأخيرة، أو بالأحرى صرخة الثقافة عليهم حين رحلوا وصار الكل يحبهم، وفي حياتهم كان الكل يلعنهم. هؤلاء الجنس البشري العجيب الذي لا يعيش إلا بالشقاء ولا يموت إلا تحت الشقاء، وكلهم تعرضوا للتشرد وكان لا بد لهم أن يتشردوا كي يبرهنوا على استحقاقهم الشعري، واستحقاقهم لمكانٍ أثيرٍ في الذاكرة ولكي نتحرك نحن لنتذكر أنهم ولدوا قبل مائة عام من هذه الوقفة التي نقفها عليهم وعلى صورهم في أذهاننا وأبيات قصيدهم في رؤوس أقلامنا نحن النقاد، وفي أشعار أجيالٍ من شعراء العرب ورثوا الشعر عنهم واستداموا شعلته بعد غيابهم.


رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين
TT

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

رواية أردنية عن «التنمية الذاتية» لليافعين

تلعب رواية «صيف مختلف... مذكرات سالم» للكاتبة الأردنية روند الكفارنة على وتر التنمية الذاتية لليافعين، وتخاطب فيهم الوجدان والعقل معاً.

اختارت الكاتبة أن تجعل روايتها الصادرة حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن، على صورة يوميات على لسان سالم؛ بطل القصة، إذ يبدأ حديثه باليوم الأخير في المدرسة فيقول: «هذا هو آخر يوم لنا في المدرسة، كنت أراقب السَّاعة على حائط الصفِّ وهي تقترب من آخر اختبار، رنَّ الجرس، قفزتُ من دَرجي، وناولت الأستاذ ورقة الاختبار، وانطلقتُ مُسرعاً تجاه الباب؛ مُعلناً أنَّ العطلة بدأت».

ولمجرد أن العطلة قد بدأت فلا يشغل بال سالم سوى اللعب والحلوى واللهو والنوم، معلناً أنه سيمارس هواية النَّوم حتَّى الظُّهر: «أسهَرُ حتَّى الصَّباح، فلا مدرسة، ولا مزيد من الطَّوابير الصباحيَّة. لا وجود للمدير الذي يصرُّ على انضباط الصفِّ، ورياضة الصَّباح، دون الاهتمام إن كان الطَّقس بارداً وماطراً، أو كانت حرارة شهر آب الذي يشبه خليَّة نحل، أو مُحرِّك درَّاجة ناريَّة، ودون أصوات الطَّلبة العالية، وحتَّى أستاذ الأحياء (فرج الله) بنظَّارته السَّميكة، وإشاراته الحمراء الكثيرة على دفتري، ثُمَّ من أخبره أنَّني أحبُّ مادَّتي الأحياء والجغرافيا؟».

وككثيرين من أبناء هذا الجيل فكل ما يشغل سالم هو اللعب واللهو والركض مع الرفاق، ولكن ليس كل شيء يتمناه الفرد يجده، فحين راودت سالم فكرة الراحة في الإجازة تذكر أن أمه ستدعو عمته وأبناءها لقضاء أسبوع في بيتهم، وبدأ يشكو من أبناء عمته وما يسببونه من إزعاج، كما أنه يشعر أن أمه لن تتركه دون أن تكلفه بمهام كثيرة، فيقول سالم: «عندما تكون الولد الأكبر، وتبدأ العطلة سيكون هنالك مهام كثيرة، ستستغلُّني أمِّي بعمل أشياء كثيرة لاعتقادها بأنَّ هذا يصنَعُ منِّي ولداً صالحاً، وهكذا أخبرتني أنَّه يترتَّبُ عليَّ تنظيف العِليَّة، فالعِليَّةُ تُشكِّل المخزن الرَّسميّ للعائلة، بها كلّ ما لا ترغب أمِّي في رؤيته، كانت جدَّتي ترفضُ رفضاً قاطعاً أن نقترب منها، لم تخبرني أبداً... ما المانع من عدم السَّماح لي أتجوَّل فيها ومُعاينة ما فيها؟».

وعندما بدأ سالم في تنظيف العِلّيّة لفت نظره مظروف مغلق يمكن القول إنه قد تسبب في تغيير أشياء كثيرة في شخصية سالم، وفي أحداث أيامه خلال فترة الإجازة الصيفية.

وعندما شاهد سالم رسائل كثيرة وحكى له أبوه عن الوقت الذي كانت تستغرقه المخاطبات والرسائل بين الناس، وأنهم كانوا ينتظرون أحياناً لشهر أو أكثر حتى تصلهم أخبار الغائبين أو المسافرين أخذ يفكر: «تأكَّدتُ أنَّنا نملك كثيراً من النّعَم بين أيدينا، إذا أحسنَّا ورشَّدنا استخدام التكنولوجيا، بما ينفعنا في حياتنا ومُستقبلنا. حقيقة هي نعمة كبيرة جدّاً يجب أن نشكر الله عليها».

وتختتم الكفارنة روايتها على لسان سالم الذي توصَّل إلى حكمة بعد كل ما رآه وعاشه، تُعدُّ خلاصة تجربته: «أظنُّ أنَّ الكُنوز تتعلّق بكيف تجعلنا سعداء وأنا اليوم سعيد، سعيد جدّاً، ولكنَّني توقَّفتُ عن العبث بمُكوِّنات أيّ عِليَّة في أيِّ مكان، يكفيني كلُّ ذلك، والغريب أنَّ ذلك لم يُعفِني من لعب الكاراتيه أبداً، وعندما عُدنا أخبرتني أمِّي أنَّ الدروس التي سآخذها ستكون مضاعفة لألحق بالطلَّاب الآخرين».

وللمؤلفة مجموعتان قصصيتان: «للأشياء أسماء أخرى»، و«ذاكرة متكسرة»، ورواية بعنوان «فستان أحمر».