ما حاجتُنا لتكميم التاريخ؟

كتابُ «جيجك» الأحدث ليس سوى لعبة فنتازية لا جدوى منها

جيجك
جيجك
TT

ما حاجتُنا لتكميم التاريخ؟

جيجك
جيجك

لم أزل أعتقدُ أنّ كتاب الموضة والإيمان والفنتازيا في الفيزياء الكونية الجديدة Fashion, Faith, and Fantasy in the New Physics of the Universe هو أحد أعظم الكتب التي قرأتها في الخمس سنوات الماضية، فضلاً عن كونه أكثرها إمتاعاً. المثير في الكتاب الذي ألّفه الفيزيائي الأشهر روجر بنروز، حامل «نوبل»، أنّه يتناول موضوعات فكرية دسمة تتجاوز نطاق المشغل الفيزيائي المعروف بصرامته العلمية. الأطروحة الرئيسية في كتاب بنروز هذا هو أنّ بعضاً من الأفكار والنظريات التي صارت تحظى بشعبية واسعة وتأييد كبير داخل المجتمع الفيزيائي المعاصر، وبلغت حدّ أنها قد تُعتَمَدُ على نطاق واسع قبل أن تتوفر لها أدلة تجريبية كافية أو حتى تُثبتَ صحّتُها بشكل مؤكّد. يوجّه بنروز في كتابه نقداً قاسياً لهذا التوجّه الذي يرى فيه ابتعاداً عن المنهج العلمي الصارم والحيادية الفكرية.

في سياق معرفة مغزى المفردات الواردة في عنوان كتاب بنروز سأتناول فقط مفردة الموضة. تُعَدُّ نظرية الأوتار (String Theory) المثال الأبرز لـ«الموضة Fashion» في الفيزياء المعاصرة. يعترفُ بنروز بجمال هذه النظرية وأناقتها الرياضياتية؛ لكنه يشدّدُ على أنها أصبحت مهيمنة بشكل غير مبرر، حيث اعتبرها العديدُ من الفيزيائيين المقاربة الأكثر ترجيحاً للوصول إلى «نظرية كل شيء»، على الرغم من غياب أي دليل تجريبي مباشر يدعمها حتى الآن. يرى بنروز أن هذا الانجراف وراء (الموضة) قد يؤدي إلى تضييق مجال البحث وتهميش الأفكار والنظريات البديلة التي قد تكون أكثر دقة في وصف الواقع.

بالنسبة لبنروز، يتوجّبُ أن تكون الأناقة الرياضياتية بحد ذاتها دافعاً للبحث؛ ولكن يجب أن تُكمّلها الأدلة المادية والتحقق التجريبي. يردفُ بنروز في هذا الشأن بأنّ الافتتان الزائد بالأفكار «العصرية» يهدّدُ بتقليص الحرية الفكرية ويشجّعُ على اتباع الاتجاه السائد (الموضة السائدة. لا فرق!!) بدلاً من البحث عن الحقيقة الموضوعية. العلم في نهاية المطاف ليس لعبة ذهنية خالصة. إنّه أفكار وسياسات وأموال واقتصاد وتقنيات واستراتيجيات ومكانة دولية. ربما المثال التقني الأكثر معاصرة هو الحوسبة الكمومية Quantum Computing؛ حيث يجري تطبيق واسع النطاق لمفاهيم نظرية الكم في الحوسبة، والناتج المتوقّع هو الحاسوب الكمومي الذي يبشّرُ بثورة في العلوم والتقنيات، وكذلك البيولوجيا الكمومية التي لم تزل في أطوارها الأولى من مسار مبشّر بنتائج مثيرة. لن ترتضي حكومة مسؤولة في العالم أن تبذل أموالاً طائلة على ألاعيب فنتازية لا تنتهي بتطبيقات مشهودة ومؤثرة في صناعة المشهد العالمي.

*****

في سياق الموضة الفكرية الذي عرضته أعلاه يمكن النظر إلى أحدث كتب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك Slavoj Zižek: «تكميم التاريخ: فلسفة مادية جديدة» Quantum History: A New Materialist Philosophy، المنشور حديثاً. الكتاب محاولة (يراها جيجك مثيرة وغير مسبوقة) لربط مفاهيم الفيزياء المتقدّمة (ميكانيك الكم بالتحديد) بالفكر السياسي والتاريخي. يسعى جيجك في هذا العمل الضخم إلى تحديث المادية الجدلية الماركسية من خلال استعارة مفاهيم ميكانيك الكم، ليخلص إلى أن الواقع ذاته «غير مكتمل»، وأنّ التاريخ ملئ بالاحتمالات الجذرية التي لم تتحقق، والتي يشبّهُها بحالات التراكب الكمومي Quantum Superposition. يقدم الكتاب رؤى (يحسبها جيجك ثورية!!) حول اللايقين Indeterminacy في الواقع الإنساني والسياسي، وهو بفعله هذا يستثير نقداً مستوجباً من غير كثير تفكير وتمحيص حول الاستخدام الكيفي والاعتباطي لمفاهيم الكم المعقّدة في سياق فلسفي غير علمي.

ينطلق جيجك في كتابه من تحدٍّ فكري أطلقه لينين حول أهمية (إعادة النظر جذرياً في المادية) على ضوء كلّ اكتشاف علمي كبير، وينتخب أسساً مفاهيمية يتأسّسُ عليها ميكانيك الكم: تراكب الحالات، وهي فكرة وجود نظام في حالات متعددة في آن واحد حتى تتم ملاحظته (أو قياسه بلغة ميكانيك الكم). يستغل جيجك هذا المفهوم ليجادل بأنّ التاريخ، في لحظاته الحرجة والسياسية، لا يسير في مسار حتمي واحد بل يبقى منفتحاً على مجموعة من الاحتمالات المتناقضة التي ستتحقق واحدة منها فقط.

هناك أيضاً مبدأ اللاتبادلية Non-Commutativity، وهي خاصية في ميكانيك الكم، حيث لا يؤدي تغيير ترتيب إجراء عمليتي قياس إلى نفس النتيجة. يوظّفُ جيجك هذا المبدأ لتأكيد أنّ موقعنا كذوات فاعلة داخل التاريخ غير محايد، وأنّ اللحظة التي «نَقِيس» فيها الواقع (بمعنى أن نؤثّر فيه على المستويين السياسي أو الفكري) ليست مجرّد ملاحظة سلبية، بل هي فعلٌ تدخّلي يساهم في خلق الواقع، تماماً كما أنّ قياس خاصية جسيم كمومي يؤدي إلى انهيار دالة موجته في لحظة القياس!!.

المفهوم الأكثر إثارة في ميكانيك الكم هو انهيار دالة الموجة Collapse of the Wave Function. يمثّلُ هذا الانهيار بالنسبة لجيجك «الفعل» السياسي الجذري (الثوري لو شاء بعضنا) الذي يحوّل حالة التراكب (الاحتمالات المتعددة) إلى واقع سياسي واحد ومتعين.

يكشف جدول محتويات الكتاب عن النطاق الطموح لجيجك؛ لكن هل هو طموح منتج أو مؤثر ويسعى لنتيجة فاعلة؟ يفتتح جيجك كتابه بمقدّمة ذات عنوان ملحمي عريض: المادية والنقد الكمومي، ثم يعقبُ المقدّمة بأجزاء ثلاثة بفصول ذات عناوين تبدو ألاعيب فنتازية. هاكم بعضها: لماذا يحتاج الهيغلي إلى ميكانيك الكم؟ ولماذا يحتاج ميكانيك الكم إلى هيغل؟ (أتساءل: لماذا هذا التلازم الثنائي بين الهيغلي وميكانيك الكم؟ إنها لعبة يمكن فيها كل شيء وأي شيء). ثم تواجهنا عناوين أخرى: من هيغل إلى هايدغر والعودة، الشيء في ذاته: لاكان، اللاتبادلية: الحقيقة والرمز، ليل العالَم، سياسة هايدغر للمحدودية، هولوغرام الكليات المتعارضة. لن ينسى جيجك تضمين الكتاب عدداً من الأقسام الملحقة تحت عنوان (المتغيرات Variations)، وهي مقالات أطول وأكثر تركيزاً على موضوعات محددة، عادةً ما يربط فيها جيجك بين الفلسفة والثقافة الشعبية. سنقرأ فيها عناوين كولاجية تجمع بين السينما والطبخ والجنس وبيتهوفن والرواقيين.

أظنّ من تجارب سابقة أنّ كثيرين سيهلّلون لمنجز جيجك الجديد، ويرونه فتحاً فكرياً مثيراً يمتاز بجدّة غير مسبوقة. أنا لستُ من هؤلاء، وأرى الكتاب مثقلاً بخليط غير متجانس من الاستعارات الكيفية والتشبيهات الكيفية. لن أخوض في أطروحة طويلة عنوانها «نقد أطروحة جيجك في تكميم التاريخ»؛ لكنّي أكتفي بالقول إنّ استخدام جيجك لمفاهيم ميكانيك الكم يتمّ بشكل استعاري Metaphorical صرف مشحون بفنتازيا ثقيلة. مفهوم «تراكب الحالات» مثلاً في ميكانيك الكم يصف نظاماً رياضياتياً وفيزيائياً على المستوى دون الذري؛ بينما يستخدمه جيجك لوصف لحظات سياسية تاريخية كبرى في العالم المادي الكبير الذي نعيشه. هذا النقل الكيفي من العالم المجهري إلى العالم العياني للتاريخ الإنساني يفتقر إلى أي آلية ربط معقولة أو قابلة للقياس. ثمّ إنّ الكثير من العلماء والفلاسفة ينتقدون استخدام المصطلحات الكمومية (مثل اللاحتمية) كمرادف لـ«اللايقين» الفلسفي أو السياسي؛ مما يخلط بين الغموض الوجودي واللاحتمية الرياضياتية التي تحكمها قوانين إحصائية صارمة. باختصار: أرى أنّ جيجك يستبدل بلغة علمية دقيقة لغة فلسفية غامضة لخدمة مشروع آيديولوجي عنوانه (المادية الجديدة New Materialism).

يعتمد جيجك مقاربة اختزالية، وهو بمحاولته هذه في ربط الفلسفة السياسية (أو حتى الوجود الإنساني) بنظرية فيزيائية فإنّه يخاطر بالوقوع في مهاوي اختزال الفكر إلى مفاهيم فيزيائية. المفاهيم التاريخية والسياسية (مثل الصراع الطبقي، والآيديولوجيا، والفعل الثوري) هي ظواهر معقدة، ناشئة عن سياقات اجتماعية وثقافية واقتصادية متداخلة.


مقالات ذات صلة

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

ثقافة وفنون مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

مهرجان «فريز» وصياغة الوعي البصري في سوق الفن العالمي

في قلب العاصمة البريطانية، لندن، وحتى قبل أن تتساقط الأوراق الخريفية بالكامل لتفرش دروب حديقة ريجنت بسجادها الذهبي،

فيء ناصر (لندن)
ثقافة وفنون «انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

«انخدعنا»... الحب والمدينة فوق سطح العالم الروائي

تبدأ رواية «انخدعنا» (دار الشروق - القاهرة) للكاتبة المصرية دينا شحاتة من عتبة غنائية، تستعير عنوانها من أغنية للمطرب الشعبي الراحل حسن الأسمر،

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

بنية السيرة في رواية «الزعيم خرائط وأسلحة»

تنتمي هذه الرواية، وأعني بها رواية «الزعيم، خرائط وأسلحة» للروائي علي بدر، إلى ما نسميه برواية السيرة، أو الرواية السيرية فهي تجمع بين مستويين سرديين؛

فاضل ثامر
ثقافة وفنون «النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

«النبي الصغير»... تشابك المصائر بالأساطير

ينسج الكاتب الروائي المصري إيهاب عبد الحميد عالماً متخيلاً لبطل روايته «النبي الصغير» في مساحة قادرة على احتواء حكايات ملحمية وأسطورية،

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون طارق الطيب

طارق الطيب: تقديس الطيب صالح يضر بالأدب السوداني

تكتسب التجربة الأدبية للكاتب الروائي طارق الطيب خصوصية لافتة بسبب تعدد روافدها الإنسانية والثقافية، فقد وُلد في القاهرة لأب سوداني،


«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».