ما حاجتُنا لتكميم التاريخ؟

كتابُ «جيجك» الأحدث ليس سوى لعبة فنتازية لا جدوى منها

جيجك
جيجك
TT

ما حاجتُنا لتكميم التاريخ؟

جيجك
جيجك

لم أزل أعتقدُ أنّ كتاب الموضة والإيمان والفنتازيا في الفيزياء الكونية الجديدة Fashion, Faith, and Fantasy in the New Physics of the Universe هو أحد أعظم الكتب التي قرأتها في الخمس سنوات الماضية، فضلاً عن كونه أكثرها إمتاعاً. المثير في الكتاب الذي ألّفه الفيزيائي الأشهر روجر بنروز، حامل «نوبل»، أنّه يتناول موضوعات فكرية دسمة تتجاوز نطاق المشغل الفيزيائي المعروف بصرامته العلمية. الأطروحة الرئيسية في كتاب بنروز هذا هو أنّ بعضاً من الأفكار والنظريات التي صارت تحظى بشعبية واسعة وتأييد كبير داخل المجتمع الفيزيائي المعاصر، وبلغت حدّ أنها قد تُعتَمَدُ على نطاق واسع قبل أن تتوفر لها أدلة تجريبية كافية أو حتى تُثبتَ صحّتُها بشكل مؤكّد. يوجّه بنروز في كتابه نقداً قاسياً لهذا التوجّه الذي يرى فيه ابتعاداً عن المنهج العلمي الصارم والحيادية الفكرية.

في سياق معرفة مغزى المفردات الواردة في عنوان كتاب بنروز سأتناول فقط مفردة الموضة. تُعَدُّ نظرية الأوتار (String Theory) المثال الأبرز لـ«الموضة Fashion» في الفيزياء المعاصرة. يعترفُ بنروز بجمال هذه النظرية وأناقتها الرياضياتية؛ لكنه يشدّدُ على أنها أصبحت مهيمنة بشكل غير مبرر، حيث اعتبرها العديدُ من الفيزيائيين المقاربة الأكثر ترجيحاً للوصول إلى «نظرية كل شيء»، على الرغم من غياب أي دليل تجريبي مباشر يدعمها حتى الآن. يرى بنروز أن هذا الانجراف وراء (الموضة) قد يؤدي إلى تضييق مجال البحث وتهميش الأفكار والنظريات البديلة التي قد تكون أكثر دقة في وصف الواقع.

بالنسبة لبنروز، يتوجّبُ أن تكون الأناقة الرياضياتية بحد ذاتها دافعاً للبحث؛ ولكن يجب أن تُكمّلها الأدلة المادية والتحقق التجريبي. يردفُ بنروز في هذا الشأن بأنّ الافتتان الزائد بالأفكار «العصرية» يهدّدُ بتقليص الحرية الفكرية ويشجّعُ على اتباع الاتجاه السائد (الموضة السائدة. لا فرق!!) بدلاً من البحث عن الحقيقة الموضوعية. العلم في نهاية المطاف ليس لعبة ذهنية خالصة. إنّه أفكار وسياسات وأموال واقتصاد وتقنيات واستراتيجيات ومكانة دولية. ربما المثال التقني الأكثر معاصرة هو الحوسبة الكمومية Quantum Computing؛ حيث يجري تطبيق واسع النطاق لمفاهيم نظرية الكم في الحوسبة، والناتج المتوقّع هو الحاسوب الكمومي الذي يبشّرُ بثورة في العلوم والتقنيات، وكذلك البيولوجيا الكمومية التي لم تزل في أطوارها الأولى من مسار مبشّر بنتائج مثيرة. لن ترتضي حكومة مسؤولة في العالم أن تبذل أموالاً طائلة على ألاعيب فنتازية لا تنتهي بتطبيقات مشهودة ومؤثرة في صناعة المشهد العالمي.

*****

في سياق الموضة الفكرية الذي عرضته أعلاه يمكن النظر إلى أحدث كتب الفيلسوف السلوفيني سلافوي جيجك Slavoj Zižek: «تكميم التاريخ: فلسفة مادية جديدة» Quantum History: A New Materialist Philosophy، المنشور حديثاً. الكتاب محاولة (يراها جيجك مثيرة وغير مسبوقة) لربط مفاهيم الفيزياء المتقدّمة (ميكانيك الكم بالتحديد) بالفكر السياسي والتاريخي. يسعى جيجك في هذا العمل الضخم إلى تحديث المادية الجدلية الماركسية من خلال استعارة مفاهيم ميكانيك الكم، ليخلص إلى أن الواقع ذاته «غير مكتمل»، وأنّ التاريخ ملئ بالاحتمالات الجذرية التي لم تتحقق، والتي يشبّهُها بحالات التراكب الكمومي Quantum Superposition. يقدم الكتاب رؤى (يحسبها جيجك ثورية!!) حول اللايقين Indeterminacy في الواقع الإنساني والسياسي، وهو بفعله هذا يستثير نقداً مستوجباً من غير كثير تفكير وتمحيص حول الاستخدام الكيفي والاعتباطي لمفاهيم الكم المعقّدة في سياق فلسفي غير علمي.

ينطلق جيجك في كتابه من تحدٍّ فكري أطلقه لينين حول أهمية (إعادة النظر جذرياً في المادية) على ضوء كلّ اكتشاف علمي كبير، وينتخب أسساً مفاهيمية يتأسّسُ عليها ميكانيك الكم: تراكب الحالات، وهي فكرة وجود نظام في حالات متعددة في آن واحد حتى تتم ملاحظته (أو قياسه بلغة ميكانيك الكم). يستغل جيجك هذا المفهوم ليجادل بأنّ التاريخ، في لحظاته الحرجة والسياسية، لا يسير في مسار حتمي واحد بل يبقى منفتحاً على مجموعة من الاحتمالات المتناقضة التي ستتحقق واحدة منها فقط.

هناك أيضاً مبدأ اللاتبادلية Non-Commutativity، وهي خاصية في ميكانيك الكم، حيث لا يؤدي تغيير ترتيب إجراء عمليتي قياس إلى نفس النتيجة. يوظّفُ جيجك هذا المبدأ لتأكيد أنّ موقعنا كذوات فاعلة داخل التاريخ غير محايد، وأنّ اللحظة التي «نَقِيس» فيها الواقع (بمعنى أن نؤثّر فيه على المستويين السياسي أو الفكري) ليست مجرّد ملاحظة سلبية، بل هي فعلٌ تدخّلي يساهم في خلق الواقع، تماماً كما أنّ قياس خاصية جسيم كمومي يؤدي إلى انهيار دالة موجته في لحظة القياس!!.

المفهوم الأكثر إثارة في ميكانيك الكم هو انهيار دالة الموجة Collapse of the Wave Function. يمثّلُ هذا الانهيار بالنسبة لجيجك «الفعل» السياسي الجذري (الثوري لو شاء بعضنا) الذي يحوّل حالة التراكب (الاحتمالات المتعددة) إلى واقع سياسي واحد ومتعين.

يكشف جدول محتويات الكتاب عن النطاق الطموح لجيجك؛ لكن هل هو طموح منتج أو مؤثر ويسعى لنتيجة فاعلة؟ يفتتح جيجك كتابه بمقدّمة ذات عنوان ملحمي عريض: المادية والنقد الكمومي، ثم يعقبُ المقدّمة بأجزاء ثلاثة بفصول ذات عناوين تبدو ألاعيب فنتازية. هاكم بعضها: لماذا يحتاج الهيغلي إلى ميكانيك الكم؟ ولماذا يحتاج ميكانيك الكم إلى هيغل؟ (أتساءل: لماذا هذا التلازم الثنائي بين الهيغلي وميكانيك الكم؟ إنها لعبة يمكن فيها كل شيء وأي شيء). ثم تواجهنا عناوين أخرى: من هيغل إلى هايدغر والعودة، الشيء في ذاته: لاكان، اللاتبادلية: الحقيقة والرمز، ليل العالَم، سياسة هايدغر للمحدودية، هولوغرام الكليات المتعارضة. لن ينسى جيجك تضمين الكتاب عدداً من الأقسام الملحقة تحت عنوان (المتغيرات Variations)، وهي مقالات أطول وأكثر تركيزاً على موضوعات محددة، عادةً ما يربط فيها جيجك بين الفلسفة والثقافة الشعبية. سنقرأ فيها عناوين كولاجية تجمع بين السينما والطبخ والجنس وبيتهوفن والرواقيين.

أظنّ من تجارب سابقة أنّ كثيرين سيهلّلون لمنجز جيجك الجديد، ويرونه فتحاً فكرياً مثيراً يمتاز بجدّة غير مسبوقة. أنا لستُ من هؤلاء، وأرى الكتاب مثقلاً بخليط غير متجانس من الاستعارات الكيفية والتشبيهات الكيفية. لن أخوض في أطروحة طويلة عنوانها «نقد أطروحة جيجك في تكميم التاريخ»؛ لكنّي أكتفي بالقول إنّ استخدام جيجك لمفاهيم ميكانيك الكم يتمّ بشكل استعاري Metaphorical صرف مشحون بفنتازيا ثقيلة. مفهوم «تراكب الحالات» مثلاً في ميكانيك الكم يصف نظاماً رياضياتياً وفيزيائياً على المستوى دون الذري؛ بينما يستخدمه جيجك لوصف لحظات سياسية تاريخية كبرى في العالم المادي الكبير الذي نعيشه. هذا النقل الكيفي من العالم المجهري إلى العالم العياني للتاريخ الإنساني يفتقر إلى أي آلية ربط معقولة أو قابلة للقياس. ثمّ إنّ الكثير من العلماء والفلاسفة ينتقدون استخدام المصطلحات الكمومية (مثل اللاحتمية) كمرادف لـ«اللايقين» الفلسفي أو السياسي؛ مما يخلط بين الغموض الوجودي واللاحتمية الرياضياتية التي تحكمها قوانين إحصائية صارمة. باختصار: أرى أنّ جيجك يستبدل بلغة علمية دقيقة لغة فلسفية غامضة لخدمة مشروع آيديولوجي عنوانه (المادية الجديدة New Materialism).

يعتمد جيجك مقاربة اختزالية، وهو بمحاولته هذه في ربط الفلسفة السياسية (أو حتى الوجود الإنساني) بنظرية فيزيائية فإنّه يخاطر بالوقوع في مهاوي اختزال الفكر إلى مفاهيم فيزيائية. المفاهيم التاريخية والسياسية (مثل الصراع الطبقي، والآيديولوجيا، والفعل الثوري) هي ظواهر معقدة، ناشئة عن سياقات اجتماعية وثقافية واقتصادية متداخلة.


مقالات ذات صلة

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

ثقافة وفنون إلياس خوري

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون 3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر.

محمود الزيباوي
ثقافة وفنون بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

بروست... مائة رسالة مجهولة تعود من برزخ النسيان

كيف تتحوّل تفاصيل الحياة اليومية، في أصغر تجلّياتها وأكثرها هشاشة، إلى مادةٍ خالدةٍ للذاكرة وللأدب؟

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

دراسة نقدية عن شعر محمد عفيفي مطر

صدر أخيراً في القاهرة، عن دار «أم الدنيا» للدراسات والنشر، كتاب «احتفاليات المومياء المتوحشة لعفيفي مطر: مقاربة إدراكية أنطولوجية» للأكاديمية مروة الشريف

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روزي جدي

روزي جدي: أرفض استغلال الأدب لحسابات سياسية

رغم حداثة تجربته كأحد كتاب التسعينات من أدباء تشاد الذين يكتبون باللغة العربية، فإن روزي جدي استطاع أن يلفت الأنظار بسبب نصوصه الروائية التي تستحضر صفحات مجهولة

رشا أحمد (القاهرة)

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة
TT

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

«الغار والزيتون»... معنى الانتماء إلى اللغة

حين كتبت عالمة الاجتماع اللبنانية دلال البزري سيرتها: «الغار والزيتون» (منتدى المعارف، بيروت، 2026) كانت تتأمل مرة أخرى في معنى الانتماء إلى اللغة، بالتوازي مع شرط الترحل الملازم لحياتها، ومسالك الجدل بين مدونتين متقابلتين من المفردات، باعتباره قدراً يحتمه محيط التواصل من جهة، وأيضاً بما هو اختيار واعٍ يعتمده المتكلم زمنياً عبر محطات مساره. فتُعْمِلُ الفكر في الوجود الأول حيث يدرك الفرد العالم عبر مفردات لا يختارها، وإنما توهب له مع المولد والنشأة والتدرج في سلم الإدراك، وحين يعي محدودية اللغة الواحدة، تتنامى تدريجياً مسيرة ترويض الوعي اللغوي، والتنازل عما كان قدراً بدئياً لصالح الاختيارات الطارئة.

تؤكد الساردة في مطلع السيرة أن الطفلة التي ولدت في «دكار» بالسنغال، لأبوين لبنانيين، كانت تتحدث في البدء بالفرنسية، كباقي السنغاليين، كما أن أمها كانت تتحدث بالإضافة إلى الفرنسية، العربية والإنجليزية، ولغة المحليين «الوُلف»، أما الأب الذي رغم هواه العروبي الناصري فكان يكلمها وأختها (ناريمان) وأخوها (سعيد)، في البيت والشارع بالفرنسية، كسلاً و«استعجالاً». فتجلَّت الفرنسية بوصفها بداهة لا فكاك منها، أما العربية التي تنبهق من أسطوانات محمد عبد الوهاب ونقاشات الأبوين، فكانت أقرب لأرشيف عائلي خاص، يستعمل باقتصاد شديد، ويٌتلقى لوقعه، مفعماً بالمشاعر الغامضة، ومبهماً. بدت الفرنسية أداة طيعة في امتلاك المعنى، وصوغه، وسرعان ما شكلت القاعدة في الإدراك والمرجع في المقارنة، والمنطلق الذهني لتكوين المفردات، حتى في اللغات الأخرى. قبل أن تطل العربية فجأة، على نحو أقرب للوقائع اليومية، حين انتقلت العائلة إلى الدار البيضاء للإقامة والعمل في التجارة.

صحيح أن الطفلة التقطت عبر رحلات عابرة إلى صيدا وبيروت بعضاً من فيض الرطانات اللبنانية، غير مساكنة العربية، على نحو مسترسل، لأزيد من أربع سنوات، فلم يتيسر إلا بعد الاستقرار في الدار البيضاء، إذ اختزنت فيها أصداء مفردات اللهجة المغربية المدببة، وتشربتها، وهي تنهمر من أعطاف الأزقة، بين المنزل والمدرسة «الليسيه ميرابو Mirabeau»، حيث تجلى الكون اللغوي، وكأنما في قطعة من فرنسا: «كل شيء فرنسي: المعلمون، المنهج، وباللهجة الباريسية الصافية. نسمع أحياناً اللهجة المغربية التي يتكلمها المغاربة فيما بينهم. وهم على كل حال أقلية، إذا ما قورنوا بالفرنسيين. وعدد قليل من اليهود» (ص 20).

تتدرج وقائع السيرة وفصولها، على إيقاع التعلُّم والنضال السياسي، ثم التخرج والتعليم الجامعي العابر، ثم التأليف والكتابة للصحافة بالعربية. وكان الخيط الناظم في تطور وقائع الحياة الغنية والطريفة، للوافدة من المهجر، إلى بيروت التنوع اللغوي والثقافي والطائفي، ثم مدينة الحرب الأهلية؛ هكذا تتدرج على سلم الرغبة في الخروج من الفرنسية، بأصول تعبيرها ومفرداتها، (دون مرجعياتها ونسقها الذهني)، إلى العربية التلقائية المستوعبة لما حولها. لم تكن البطلة، التي تحكي عن وجودها عبر المفردات، مسيحية، حتى تكون فرنسيتها جزءاً من أركان انتمائها اللبناني، بل منحدرة من بيت مسلم ضم المذهبين، أب سني وأم شيعية، أصل يكرس الاعتقاد في العربية، مرجعاً في التنشئة والتعليم، وسبيلاً إلى التكوين الفكري والوجداني.

وتدريجياً تجلَّى السعي اللغوي إلى الخروج من القدر إلى الاختيار، ومن سنن النخبة إلى اللسان الاجتماعي، بما هو جزء من أبجدية التزام سياسي، رسمت ملامحه رحلة الانغمار في التنظيم اليساري الجذري: «منظمة العمل الشيوعي اللبناني»، خلاياها ولجانها ومدارجها التنظيمية، وما اتصل بتلك المدارات الحياتية والذهنية من نقاش آيديولوجي يومي، واشتباك سياسي... والتطلع إلى أخذ الكلمة أمام الجمهور باللغة المشتركة المعجونة بالعرق والجهد والأحلام، جنباً إلى جنب مع السعي إلى إثبات الذات العربية في صفوف الرفاق وفي أتون الشغب النضالي. كانت المفردات تبدو أشبه ببلورات تنحت على مهل قادمة من قعر سحيق إلى سطح متقلب، سرعان ما تتبدد فيه تحت أمواج الكلام الهادر.

وبقدر ما كان الخروج من الفرنسية مواكباً للنمو والارتقاء في التعليم والتدرج في مستويات الدراسة، من «مدرسة الفرانسيسكان»، إلى «مدرسة الراهبات الأنطونيات» ومن «ثانوية مدام عون» إلى «المدرسة الحسينية» ومن «المركز التربوي» إلى «الجامعة اللبنانية»، وهو التدرج الذي واكب النضج الفكري والسياسي، غير أنه تجلَّى أيضاً بوصفه سمة لتبديل المراتع والأوطان، والتقلب بين البلدان، ليس في اليفاعة فقط، التي تنقلت فيها الطفلة بين المدينتين الفرونكوفونيتين «دكار» و«الدار البيضاء»، وإنما أيضاً في سنوات التنقُّل بين العواصم المشرقية: بيروت والقاهرة والكويت، التي رعت مسارات التأليف والبحث والتدريس الجامعي، والكتابة للصحافة العربية.

لقد مثل التأرجح اللغوي وجهاً آخر للتنقل بين البلدان التي كان فيها اكتساب الهوية الثابتة «اللبنانية»، أساساً لرغبة تطويع العربية والتعبير بها، دون أن يلغي ذلك «الكينونة» الفرنسية الأصيلة، تقول: «أحب الفرنسية، أستمتع بأدبها وحتى بخطابات زعمائها، أناقة لغتهم وثرائها. وأستفيد كثيراً من ترجماتها.... وأنا أتنقل بين اللغتين، العربية والفرنسية. أبحث عن الكلمة الأصح والأدق... والمقصود من هذا التجول بين اللغتين إغناء عربيتي وتهذيبها، وأحياناً تخصيبها، ومع الوقت انقلبت الآية وبدل أن أبحث عن تفسير أو معنى لهذه الكلمة أو تلك من الفرنسية إلى العربية، صرت أبحث عن معنى من العربية إلى الفرنسية» (ص 196).

تثبت الساردة في كل مرة أن الوجود هبة للمفردات التي تصوغه، وتكيف أحواله، بالتوصيف والسرد، قولا وكتابة... ففي السيرة إيحاء لاعج برغبة النهوض من عطب التوصيل بلغة الأصل، بالمواجهة والمثابرة والتحدي، بعيداً عن ذهنية الأصوليات اللغوية العربية، وقريباً من اليومي المعجون بالتولع والاشتباك. إنها اللحظة التي تكون فيها العربية، ولهجاتها المترامية الأعطاف، «توأماً للحياة». وعلى النقيض مما كانه واقع الكتابة الفكرية العربية في النصف الثاني من القرن الماضي، عندما مثَّلت الكتابة بالفرنسية والإنجليزية نموذجاً للتفوق، ومدعاة للاهتمام والتبجيل بين المثقفين العرب؛ فإن سعي المؤلفة إلى تحقيق الذات عبر لغة المنشأ، المحدودة التأثير، والمحصورة الانتشار، في الجغرافيا اللغوية والمعرفية، مثَّل مظهراً سلوكياً لا يمكن فصله عن الطبيعة الشخصية لصاحبة السيرة، التي وسمها واضع مقدمتها الطاهر لبيب بـ«المتمردة» التي «لا تتردد في إظهار عدم الرضا عن الذات».

كتبت دلال البزري سيرتها بعد أن غادرت بيروت، إثر تفجير المرفأ، إلى تورنتو الكندية، بهدف الاستقرار النهائي، إلى جوار ابنتها. أنجزته لتستعيد خرائط مسار بات في عقده السابع، دون أن يتوقف عن تبديل المواطن والترحل بين المدن. خطته بعربية مكتسبة، لم تكن تمتلكها في البداية، وباتت هي مسكن وجودها. فسكبت في مفرداتها كل شفافيتها في قول الوقائع، حول الوطن الذي مزقته الحروب والصراع الطائفي، وتناسل أسباب التراجع في المحيط العربي الواسع، الذي عبرت تضاريسه الفكرية والاجتماعية. فتجلى النص الموضوع برائحة «الغار والزيتون»، لاسعاً، صريحاً، وغير مهادن. مقتصداً، كثيفاً، لا تزيُّد في كلماته. كتاب يشبه صاحبته، التي سرعان ما أعلنت، بعد نشره بأشهر قليلة، على صفحتها في «فيسبوك»، عن إصابتها بالسرطان، فمَثُل ككشف حساب، تخفَّفت فيه من وطأة السنين على الجسد واللسان.

* كاتب مغربي


حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة
TT

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة

صدر عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» كتاب الباحث اللبناني وارف قميحة «حين يلتقي الفارابي بشي جينبينغ: حكاية مدينتين تفصل بينهما ألف سنة ويجمعهما حلم واحد»، في تجربة فكرية تنتقل إلى مساحة مختلفة من مشروعه البحثي في الشأن الصيني، وتفتح حواراً حضارياً بين فلسفة المدينة الفاضلة لدى أبي نصر الفارابي ورؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ للحوكمة والتنمية وبناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية.

يقوم الكتاب على لقاء فكري بين عالمين تفصل بينهما أكثر من ألف سنة، وينطلق من سؤال محوري: كيف يمكن لفلسفة صاغها الفارابي قبل أكثر من ألف عام أن تتحاور مع مشروع الحوكمة الحديث في الصين المعاصرة؟ ويحاول المؤلف الإجابة عن هذا السؤال من خلال قراءة تحليلية لمفاهيم الإنسان وغاية الدولة، والقيادة المسؤولة، والأخلاق في الحكم، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، والتعاون والانسجام المجتمعي.

ولا يفترض الكتاب وجود تأثير مباشر أو اقتباس فكري بين الفارابي وشي جينبينغ، ولا يسعى إلى إقامة تطابق بين فلسفة نشأت في سياق تاريخي قديم وتجربة سياسية معاصرة، بل يقرأ المسافة الزمنية والحضارية بينهما بحثاً عن القيم والأسئلة الإنسانية التي يمكن أن تتقاطع رغم اختلاف الأزمنة والبيئات. فالفارابي رأى أن غاية السياسة تتجاوز إدارة الحكم إلى تحقيق سعادة الإنسان وبناء مجتمع تسوده الفضيلة والعدالة والتعاون، بينما يتناول الكتاب رؤية شي جينبينغ بوصفها مشروعاً معاصراً للحوكمة والسياسات العامة يضع خدمة الشعب والتنمية والنزاهة والانضباط في صميم بناء الدولة.

ويتوقف قميحة عند عدد من نقاط اللقاء والاختلاف، من مكانة الإنسان في الدولة وصفات القائد ودوره الأخلاقي والمعرفي، إلى العلاقة بين القانون والأخلاق والانسجام الاجتماعي والتنمية الموجهة نحو تحسين حياة الإنسان. كما ينتقل من حدود الدولة إلى المجال الدولي، مقارباً بين فكرة الاجتماع الإنساني الهادف إلى تحقيق السعادة عند الفارابي ورؤية بناء مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية التي طرحها شي جينبينغ.

ويقول قميحة في كلمة المؤلف إن الكتاب لم يولد من رغبة في إجراء مقارنة سريعة بين اسمين تفصل بينهما قرون طويلة، ولا من محاولة للجمع بصورة مصطنعة بين الفلسفة والسياسة، وإنما من سؤال حول قدرة القيم الإنسانية التي صاغها الفكر الفلسفي في مراحل سابقة من التاريخ على المساهمة في قراءة قضايا الحاضر. ويشدد على أن العمل لا يسعى إلى تقديم تجربة سياسية بوصفها نموذجاً جاهزاً، بل إلى الفهم والتحليل وفتح مساحة للحوار بين التراث والواقع المعاصر.

كتب تقديم الكتاب الدكتور شوي تشينغ قوه، المعروف عربياً باسم بسّام، أستاذ كلية الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، ونائب رئيس جمعية دراسات الشرق الأوسط في الصين، وعضو اتحاد كتّاب الصين.

ووصف شوي الكتاب بأنه إنجاز فكري وإضافة جديدة إلى المكتبة العربية وإلى مسار الحوار الثقافي والفكري بين الصين والعالم العربي، مشيراً إلى أن التأمل في تصوّري الفارابي وشي جينبينغ للحوكمة والسياسة يكشف عن تقاطعات فكرية عميقة تتصل بالأخلاق والعدالة وخدمة الإنسان والقيادة والمسؤولية الاجتماعية.

وأوضح أن الفارابي ينطلق، في كتابه «آراء أهل المدينة الفاضلة»، من تصور يرى أن السياسة ليست مجرد تدبير لشؤون الحكم، بل علم غايته إسعاد الإنسان، وأن الدولة العادلة تقوم على الانسجام بين الفضيلة الفردية والنظام الجماعي. فالحاكم، وفق تصوره، لا يُقاس بقوة سلطته، بل بقدرته على توجيه المجتمع نحو الكمال الأخلاقي والعقلي.

وفي المقابل، يرى الدكتور شوي أن رؤية شي جينبينغ، التي تبلورت في مؤلفاته وخطاباته حول الحكم وإدارة الدولة، تؤكد أن الحوكمة الرشيدة لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية والنزاهة وخدمة الشعب، وأن مفهوم «الحوكمة من أجل الشعب» يشكل أساساً مهماً في ممارسة المسؤولية العامة.

ويتوقف التقديم عند صورة «الرئيس الفاضل» لدى الفارابي، الذي يجمع بين الحكمة والمعرفة والقدرة على القيادة ويكون قدوة أخلاقية قبل أن يكون صاحب سلطة، ويقارب ذلك مع نموذج القائد المسؤول في الدولة الصينية الحديثة، حيث يشدد شي جينبينغ على مسؤولية المسؤول تجاه الشعب، وعلى ضرورة مكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين باعتبار ذلك شرطاً لاستقرار الدولة واستمرارها.

ويرى الدكتور شوي عدم وجود أدلة على أن شي جينبينغ اطّلع على كتابات الفارابي أو تأثر بها، موضحاً أن التقاطعات التي يتناولها الكتاب لا تقوم على فرضية الاقتباس أو التأثير المباشر. فالرؤية السياسية والأخلاقية لدى شي جينبينغ تستند أساساً إلى التراث الحضاري الصيني، حيث يظهر الأثر الكونفوشيوسي في التركيز على الحكم بالأخلاق ونزاهة المسؤول، وتحضر فكرة مركزية الشعب المتجذرة في الفكر الكونفوشيوسي، ولا سيما لدى منشيوس، إلى جانب التشديد على سيادة القانون والانضباط المؤسسي والجمع بين القانون والأخلاق.

ويرى الدكتور شوي أن حوكمة شي جينبينغ تمثل نموذجاً معاصراً لدمج التراث الفلسفي الصيني في مشروع سياسي حديث يعكس استمرارية حضارية أكثر مما يمثل قطيعة مع الماضي. وإذا كان الفارابي من أبرز ممثلي التراث العربي الإسلامي في الفكر السياسي، فإن شي جينبينغ يمثل وريثاً للتراث الصيني المتعلق بالسياسة والحكم، مع اختلاف جوهري يتمثل في أن شي قائد لدولة كبرى، مما يتيح له تحويل التصورات إلى سياسات وممارسات ملموسة.


رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»
TT

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

رواية سورية عن «زلزال الثورة» و«زلزال الأرض»

أمضى الصحافي السوري محمد أمين أكثر من ثلاثة عقود في ملاحقة الوقائع ومحاولة الإمساك بها بلغة الخبر، لكن مع تراكم أحداث الثورة السورية والغربة والزلزال، بدت الصحافة أضيق من أن تتسع لما خلّفته التجربة في الداخل الإنساني؛ الأمر الذي دفعه إلى الانتقال إلى الرواية. وفي باكور إنتاجه «كأن الريح تحتي»، يكتب أمين ما لا تستطيع التقارير قوله عن الخوف والفقد والاقتلاع، وعن إنسان فقد ثبات الأرض كما فقد استقرار المكان.

صدرت الرواية عام 2026 عن «دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع» بدمشق، واتخذت من زلزال فبراير (شباط) 2023 الذي ضرب جنوب تركيا وشمال سوريا لحظة مفصلية، تتكشف عندها حيوات شخصيات مثقلة أصلاً بالخوف والغربة، وفي مقدمتها محمود الغريب وندى الشوّا.

عنوان الرواية ليس تسمية عابرة، فهو يستدعي قول المتنبي:

على قلق كأن الريح تحتي

أوجهها جنوباً أو شمالاً

لكن القلق ينتقل هنا من حركة الشاعر وترحاله إلى حالة وجودية يعيشها السوري الذي لم تعد الأرض تحته مستقرة، لا بالمعنى الجغرافي ولا النفسي، حيث يحيل العنوان إلى تيه السوري بعد أن خلخلت سنوات الحرب والانتماء معنى المكان، ثم جاء الزلزال ليضاعف فقدان اليقين. كما تكشف التجربة عن انتقال أمين من لغة الصحافة إلى فضاء أرحب، من دون أن يتخلص كلياً من أثر المهنة، فحضر الأسلوب الصحافي في تقديم بعض الشخصيات والتفاصيل، بما يمنح السرد ملمحاً توثيقياً وواقعية قريبة من الحياة.

قوة الرواية الأساسية تقوم على جدلية زلزالين: زلزال طبيعي يهدم الجدران في فبراير 2023، وزلزال سياسي واجتماعي سبق ذلك بسنوات وأعاد تشكيل حياة السوريين ومصائرهم، فالحدث الطبيعي انتقل من كونه مجرد خلفية درامية، إلى لحظة فارقة تكشف عما تراكم في الشخصيات من خوف واغتراب وخيبات، فالزلزال، كما تقدمه الرواية، يحرّك الأرض ويوقظ الذاكرة.

ومن خلال هذا التداخل بين الحاضر وذاكرة الثورة، يتحول المكان في جنوب تركيا من ملاذ بعد النزوح إلى فضاء مهدد بدوره؛ وكأن الشخصية السورية تكتشف أن النجاة من مكان لا تعني الوصول إلى مكان آمن، وهي مفارقة تضع الرواية ضمن سرديات الكارثة واللجوء، لكن خصوصيتها تأتي من جعل الكارثة الطبيعية مرآة لكارثة إنسانية سبقتها.

في تصريح لـ«وكالة الأنباء السورية» (سانا)، أوضح محمد أمين أن الرواية تمثل تجربته الأولى في عالم السرد بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل الصحافي، وأنه كتبها على مدى عام في أربيل عقب انتقاله إليها بعد أيام من الزلزال. وقال: «كان لدي الكثير مما ولّد الزلزال وسنوات الغربة وفقدان الأمل في نفسي، فلم أجد إلا الرواية مجالاً أدبياً يسمح لي بأن أعبّر عن مكنوناتي الداخلية». وأشار إلى أن عدداً من شخصيات العمل يستند إلى تجارب إنسانية حقيقية عاش أصحابها تفاصيل الثورة واللجوء والزلزال، موضحاً أن الرواية تقوم على فكرة «الزلزالين»: زلزال الثورة وما أحدثه من تحولات إيجابية في الوطن، وزلزال الأرض وما خلّفه من أثر مباشر في الفرد. ويرى أمين أن إنقاذ بطلة الرواية من تحت الركام يحمل دلالة رمزية تتجاوز الحدث المباشر، ليحيل إلى إمكانية إنقاذ وطن كامل من آثار سنوات طويلة من الألم، مؤكداً أن الرواية، على الرغم من ثقل موضوعاتها، تبحث عن نور في نهاية النفق وعن قدرة الإنسان على النهوض.

وفي قلب الرواية يقف محمود الغريب وندى الشوّا، شخصيتان تحملان الخوف والحب والتردد والخيبة، وتمنحهما هذه الهشاشة بعداً إنسانياً يتجاوز تقسيم الشخصيات إلى منتصرين ومنكسرين.

على الرغم من ثقل الموت والغربة والخسارة، لا تنتهي الرواية عند الخراب، فنجاة إحدى شخصياتها من تحت الركام تفتح باباً رمزياً على إمكان النهوض، وتجعل الأمل فعلاً مضاداً للفقد لا خاتمة له.

وهكذا، تتحرك «كأن الريح تحتي» بين توثيق ذاكرة السوري وتخييلها، وبين صرامة الصحافي وحساسية الروائي، لتطرح سؤالاً أبعد من الزلزال ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تهتز الأرض التي يقف عليها والوطن الذي ينتمي إليه معاً؟ وربما تكمن إجابة الرواية في أن النجاة لا تعني الخروج من تحت الركام فحسب، بل القدرة على استعادة معنى الحياة بعده.