فيصل الحفيان: المخطوط هو التجسيد المتكامل للتاريخ

الباحث السوري يرى أن «تراثنا مترع بالمخطوطات التي يفتقر إليها الإغريقي واللاتيني»

فيصل الحفيان
فيصل الحفيان
TT

فيصل الحفيان: المخطوط هو التجسيد المتكامل للتاريخ

فيصل الحفيان
فيصل الحفيان

يُعدّ الباحث السوري الدكتور فيصل الحفيان واحداً من أهم الباحثين بالتراث، وله خبرة واسعة بإدارة التراث ومؤسساته، فقد عمل في معهد المخطوطات العربية التابع للجامعة العربية لأربعة عقود حتى أصبح مديراً له، وأسس في إطاره أول برنامج أكاديمي كرَّس المخطوط العربي حقلاً معرفياً مستقلاً تحت عنوان «علوم المخطوط»، ويعمل حالياً رئيس هيئة أمناء دار المخطوطات بإسطنبول، ورئيس تحرير موسوعة المخطوط العربي، وأصدر حديثاً كتاباً مهماً في مجال التحقيق أسماه «فقه التحقيق من الصنعة إلى العلم» عن مركز أبوظبي للغة العربية، ضمن «سلسلة البصائر للبحوث والدراسات».

في هذا الكتاب يرى د. الحفيان أن «تراثنا مترع بالمخطوطات الأصول والأمهات التي يفتقر إليها التراث الإغريقي واللاتيني، وهو ما يفتح أبواب الدرس أمام طلبة الدراسات العليا والباحثين، ويعوض ما يشكون منه من قلة النصوص، خاصة في بعض العلوم الشرعية واللغوية».

وهو يوضح أن التحقيق علم، وضرورة لبناء سند معرفي ومنهجي، وهو مزيج بين السند التاريخي والسند اللغوي. كما يمهّد من خلال هذا الكتاب الطريق أمام الباحثين للتعرف على التحقيق والإجراءات العلمية التي يمكن من خلال تتبعها إنتاج مؤلف حقيقي بطمأنينة أكبر، موضحاً اللغط والالتباس بين التحقيق وبعض المصطلحات التي يعتمدها البعض على أنها تحقيق، والأهم من كل ذلك، أن الكتاب يُعدّ نواة وبداية قوية لاعتماد التحقيق كعلم له مناهجه وضوابطه.

المخطوط، كما يقول، هو التجسيد المتكامل للتاريخ وحركته، ففيه تجتمع الكينونة التاريخية في أصدق تجلياتها وأوسعها؛ فهو أثر بكيانه؛ بكل ما فيه من جلد، وورق، وحبر، وصنعة، وما عليه من صورة تتجلى للرائي بصرياً. وهو معرفة بالنص الذي يحمله. وهو وثيقة بكيانه الصامت وبنصه الناطق بالنص. وهو شاهد حضاري؛ إذ إنه بنصه ووثائقيته مكتنز بالدلالات التي يختزنها على صاحبه وعلى حيواته الخاصة والعامة، وعلى أدواته ومهاراته في الحقب والأماكن المختلفة التي عاشها وعاش فيها.

وفي هذا الكتاب، وضّح المؤلف ماهية المخطوط الذي يحمل النص محل التحقيق، وكينونة المخطوط وتصوره الرباعي القائم على: الوعاء أو الكيان المادي ووظائفه في خدمة النصّ، ثمّ النصّ أو المحتوى العرفي، والقيود والخوارج العلمية وغير العلمية، والصورة. متتبعاً السياق المعرفي والمنهجي للتحقيق في التراث، وحضور مصطلح التحقيق تاريخياً، وأول من استخدم هذا المصطلح، وربط المصطلح بمرادفاته أو مقارباته في اللغات الأخرى، والخيوط الجامعة والفارقة التي تربط بين هذه المصطلحات ومصطلح التحقيق.

وفي حديثه عن أن التحقيق «علم»، يؤكد أن التحقيق له تقاطعات مع علوم أخرى تشاركه الموضوع (المخطوط) ومنها: علم تاريخ النص، والكوديكولوجيا، والباليوغرافيا.

ثم يعرض لموضوع دراسة النص، وفرق بين الدراسة التقديمية والدراسة العلمية، ورسم الحدود بينهما، ورسم خريطة العمل، محدداً فيها مفردات الدراسة، والتمهيد واتجاهاته.

وفي الفصل الأول، يرى أن مصطلح المخطوط ليس قديماً في الثقافة العربية الإسلامية، ولا حتى في الثقافة الغربية؛ ذلك أن ظهوره قد ترافق مع ظهور الآلة التي أنتجت الكتاب المطبوع في منتصف القرن الخامس عشر الميلادي في ألمانيا، على حين تأخر ظهوره لدينا إلى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، أما قبل ذلك فقد كان المصطلح هو الكتاب أو المؤلف أو المصنف أو المدون، أو الديوان.

وفي الفصل الثاني، وهو بعنوان «فقه المصطلح»، تناول المؤلف مصطلح التحقيق الذي مضى على ظهوره في الثقافة العربية عملياً أكثر من قرن، وتكرس نظرياً على مقاربة النصوص التراثية، وقد زاحمت مصطلح التحقيق بعض المصطلحات الأخرى مثل الشرح، والتعليق، والضبط، والتقديم، والدراسة، والقراءة.

ثم عرض لتأصيل وتأريخ التحقيق، وأعاد بداية التحقيق إلى التبريزي عندما أراد تحقيق كتاب التهذيب في اللغة لأبي منصور الأزهري، وأضاف أن مصطلح التحقيق عربي خالص لا شك في ذلك، بيد أن عربيته ووجوده، بل شيوعه وشيوع اشتقاقاته، ومنها التحقيق ليس دليلاً ولا حتى قرينة على تعبئته التاريخية بالمفهوم الاصطلاحي الذي هو مقاربة النصوص التراثية تحريراً وخدمة. وأن التحقيق كعنوان كان في عناوين عدد من المؤلفات التراثية وأقدمها كتاب «تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة» للبيروني، وكتاب «التحقيق لأحاديث التعليق» لابن الجوزي، وغيرهما. كما اعتمد التحقيق كعنوان فرعي داخل عدد من العلوم الإسلامية.

وعن تاريخ مصطلح التحقيق، فقد شاع بين الباحثين أن أول من استخدم التحقيق وأثبته على أغلفة كتبه هو أحمد زكي باشا عام 1934، ويحال في هذا السياق على الكتابين اللذين حققهما: «الأصنام» و«أنساب الخيل في الجاهلية والإسلام» لابن الكلبي. ثم عرض المؤلف لعدد من الكتب العربية المحققة يرجع أقدمها إلى عام 1800، وصدرت في ست مدن غربية منها: باريس ولندن وفيينا، غير أن تلك الكتب لها غلافان أحدهما أصيل والآخر مترجم، أضيفت فيه «تحقيق» إضافة محضة أو استبدلت بما هو موجود على الغلاف الأصل، مما يدل على أن أحمد زكي باشا هو أول من استخدم «تحقيق».

وفي الفصل الثالث، وهو بعنوان «فقه العلم»، أشار المؤلف إلى أن الذين نظَّروا للتحقيق لم ينشغلوا بالتفكير فيه على أنه «علم»، بل على أنه مجموعة قواعد وضوابط وإجراءات لا أكثر، ورأوا فيه مجرد «صنعة». وتساءل المؤلف: هل التحقيق علم؟ وأجاب أن التحقيق علم؛ لأن له اليوم رؤية، وتاريخاً، ورجالاً، وكتباً. وأن هذه العناصر الأربعة كافية لكي نصف المعارف التي نملكها بأنها علم. وأن هناك رؤية غائبة بخصوص علم التحقيق، وسببها غياب الوعي بها، سواء على مستوى العمل، أو على مستوى النظر، إضافة لإهمال المتخصصين التعرض لها، والخلط بين التاريخ والحاضر، فيما يخص الوظيفة المحدودة للتحقيق قديماً، والحاضر الذي أصبح له فيه وظيفة مركبة.

ثم عرض المؤلف للفرق بين التحقيق كفن والتحقيق كعلم.

ثم تناول المؤلف الحقل المعرفي الذي ينتمي إليه التحقيق، وأن التحقيق في تراثنا جزء من علم الحديث؛ لأن الحديث يمثل منهج النقد التاريخي الإسلامي في أرفع صوره وأكملها، فلقد حفزت البنية المعرفية لعلم الحديث على إفراز هذه الآلية التي نسميها اليوم «التحقيق». أما الغرب فقد اعتمدوا للتعامل مع النصوص التراثية سنداً معرفياً، تمثل فيما أسموه علم الفيلولوجيا، الذي منه تولد علم نقد النص الذي يوازن عندنا التحقيق، وذلك أن موضوعه هو التأكد من النص الحقيقي الذي أراده المؤلف، أو أسلوب إرجاع النصوص إلى شكلها الأصلي بقدر الإمكان من خلال تحرير العلماء، وهي الدراسة العلمية للنصوص الأدبية، والعناية بتوثيق النصوص وتحقيقها ونشرها والتعليق عليها.

وعن وضع التحقيق في وقتنا الحالي، يذكر المؤلف أن علم التحقيق فقد سنده التاريخي النظري متمثلاً في علم الحديث، وبالتحديد في منهجه، وفي علم أدب العلم، وبالتحديد في قيمه، على الرغم من أنه ظل قروناً يتمتع بهذا السند المزدوج الذي مكن علماءنا على مدى التاريخ من تحرير النصوص وبناء النصوص، فكان التحقيق بقواعده وضوابطه وإجراءاته ثمرة للعلم عامة، ولعلم الحديث وعلم أدب العلم خاصة. وكان كذلك جذراً للمحافظة على العلوم جميعاً متمثلةً في نصوصها من جهة، وإحيائها وإثرائها نوعاً وكماً، من جهة أخرى. ومع فقدان السند غدا التحقيق صنعة، مجرد صنعة معلقة في الهواء، يهجم عليها من شاء ناظراً في إجراءاتها، منزلاً لها على النصوص، ليزين من بعد غلاف الكتاب باسمه على أنه «محقق».

التحقيق علم وضرورة لبناء سند معرفي ومنهجي وهو مزيج بين السند التاريخي والسند اللغوي

ويحمل الفصل الرابع عنوان «فقه التوثيق»، وفيه يذكر المؤلف أن وثائق التاريخ ومخطوطاته ليست هي التاريخ، بل هي شواهده التي تدل عليه، وهي – إذن – وسائط، قد تصدق، وقد لا تصدق، وعلى المحقق أن يجمع تلك الشواهد، سواء كانت لا تزال في صورتها الأولى (المخطوطات)، أو استحالت (مطبوعات)، ويضرب بعضها ببعض؛ ليصل إلى الحقيقة النصية أو يقاربها. هذه المقايسة وهذا الضرب هو التوثيق الذي يكشف الخبيء، ويملأ الثغرات، ويصحح الأخطاء، فتحضر النصوص التي غيبتها الأيام من جديد.

وعلى الرغم من أهمية التوثيق، فإننا لا نجد في كتب التحقيق عنواناً رئيسياً مستقلاً اسمه «التوثيق»، ولربما يرجع ذلك إلى سببين؛ أولهما: أن المحقق في أولى خطواته في اختيار النص الذي سيعمل فيه ينشغل بالتأكد من هويته، وتلك عملية توثيقية رفيعة، فإذا ما انتقل إلى النسخ استحوذ عليه النظر فيها للمفاضلة بينها، وذلك باستنطاق الوعاء الحامل، ومظاهره وتقاليده، وخوارجه، والنص نفسه، وموضوعه، ومحتوياته، والرجوع إلى المصادر. وفي ذلك كله حراك توثيقي أيضاً، ويمر بذلك ونحوه في مختلف مراحل عمله. وثانيهما: أن التوثيق يلتبس بمصطلح التحقيق حتى يتماهى معه، فيقال التوثيق، ويراد التحقيق، والعكس صحيح.

أما «فقه التعليق»، فقد تحدث عنه في الفصل الخامس، ويذكر المؤلف أن التعليق على النص ذو أهمية بالغة، فإذا كان تحرير النص هو الركن الذي لا ينهض عمل المحقق من دونه، فإن التعليق عليه هو الركن الآخر، فهما معاً يشكلان المقاربة العلمية للنص. كما يعد التعليق فناً قائماً بذاته، يتطلب مهارات منها: المعاناة المستمرة للنصوص والمواجهة المتكررة لها، حتى يتمكن من معالجتها والتعبير العلمي عنها في الحواشي، وإدامة النظر في النصوص التعليقية العالية التي كتبها المحققون ذوو القدم الراسخة على النصوص التي اشتغلوا عليها، بوصفها نماذج تطبيقية.

والتعليق يدل على وعي المحقق بوظيفته من جهة، ويظهر قدراته على التعامل مع النص من جهة ثانية. فإن المحقق الذي لا يذيّل النص بتعليقات علمية محررة وكاشفة ينطق بتعليقاته نفسها أنه غير مؤهل لعمله، وليس مسيطراً على النص، ومغترب عنه، ولم يفهمه، ولا يملك القدرة على إفهامه. كما أن التعليق عمل علمي يخضع بالضرورة لأسس نظرية عامة يصدر عنها العمل، الذي يخضع بدوره لقواعد وضوابط توجهه وتحكمه.


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».