كيف هيمن الغرب على العالم؟

ريجيس دوبريه يستعرض نقاطاً أمنت له السيطرة بلا منازع

دوبريه
دوبريه
TT

كيف هيمن الغرب على العالم؟

دوبريه
دوبريه

يقول لنا ريجيس دوبريه في كتابه «ما تبقى من الغرب» ما فحواه: هناك عدة نقاط قوة يمتلكها الغرب، وهي التي تؤمن له السيطرة على العالم بدون منازع، وأولها ذلك التماسك الذي لا مثيل له بين كلا الجناحين الأوروبي والأميركي. وأكبر دليل على ذلك أنه أرعب روسيا ما إن اشتعلت الحرب الأوكرانية. ينبغي العلم بأن الولايات المتحدة تسيطر على الغرب كله من خلال حلف الأطلسي. وهذا الحلف يشكل أكبر قوة ضاربة في العالم. وهو الذي يرعب حتى الصين وروسيا. ولولاه لاستطاع بوتين اجتياح أوكرانيا كلها بأقصى سرعة.

أما نقطة القوة الثانية للغرب، فتتمثل في احتكار القيم الحداثية الكونية. ماذا يعني ذلك؟ إنه يعني ما يلي: جميع الدول تتابع في الخارج مصالحها الحيوية الخاصة. وهذا شيء طبيعي. فمثلاً الصين المحرومة من المواد الأولية كالغاز والبترول تحرص أشد الحرص على تأمين شبكات تزويدها بها من شتى أنحاء العالم. إنها تمارس ما ندعوه بـ«الأنانية المقدسة» للدولة. والغرب أيضاً يمارس ذلك على أوسع نطاق. لكنه وحده الذي يتجرأ على تقديم مصالحه الشخصية وكأنها تعبر عن مصلحة البشرية بأسرها! إنه يغلف مصالحه الشخصية الأنانية بغلاف براق تحت اسم حقوق الإنسان. إنه يقدم نفسه على أساس أنه يمثل الضمير الكوني العالمي. وأكبر دليل على ذلك أن مقر الأمم المتحدة التي تجسد هذا الضمير العالمي موجود في نيويورك، لا في موسكو، أو بكين، أو طوكيو، أو نيودلهي... بالتالي فالغرب هو مركز العالم شاء الآخرون أم أبوا.

أما نقطة القوة الثالثة للغرب، فتتمثل في تخريج مثقفي العالم وكوادره العليا. ويرى ريجيس دوبريه أن الغرب يخرج كوادر العالم ونخبه الثقافية والسياسية بل وحتى العسكرية. وعلى الرغم من أن الأنظمة لا تنفك تدين الإمبريالية الأميركية وتشتمها على مدار الساعة فإن الطبقات البورجوازية العربية وغير العربية تفضل أن ترسل أبناءها إلى جامعات هارفارد أو بيركلي أو كولومبيا أو كامبردج أو أكسفورد أو السوربون.. إلخ.. فلا أحد يثق بشهادات الجامعات الشرقية. وحتى أمراء الصين الحمر الشيوعيون يرسلون أبناءهم إلى الجامعات الأميركية للتخرج! من يصدق ذلك؟ ينبغي العلم أن أميركا تستقبل كل عام 3000 من القادة الشباب، أو الذين تدعوهم كذلك. وهم صفوة الصفوة أو نخبة النخبة. ومن بينهم بضع عشرات من الفرنسيين وليسوا كلهم من أبناء العالم الثالث. وهي تدربهم في جامعاتها وتجبلهم بلغتها وتصهرهم بثقافتها. وعندما يعودون إلى بلدانهم بعد التخرج يصبحون امتداداً لأميركا في الخارج. إنهم يصبحون بمثابة سفراء غير معينين رسمياً، ومن بينهم رئيس أفغانستان السابق حميد كرزاي، ورئيس جورجيا ساكاشفيلي، وسلام فياض رئيس وزراء فلسطين السابق ومساعد المدير التنفيذي للبنك الدولي في واشنطن، وآخرون كثيرون. لقد خرّجت أميركا في العقود الماضية عشرات الآلاف أو ربما مئات الآلاف من كوادر العالم العليا، ومن كل الجنسيات، والأديان، والقوميات. وهو شيء لم تتجرأ عليه الإمبراطورية البريطانية حتى وهي في أوج مجدها وجبروتها، بالتالي فالإمبراطورية الأميركية لا مثيل لها في التاريخ.

أما نقطة القوة الرابعة للغرب، فتتمثل في تشكيل التيارات الفلسفية والحساسيات الفنية والأفلام السينمائية... إلخ.

بهذا الصدد ينبغي أن نقول ما يلي: أميركا لا تمتلك فقط القوة الخشنة الأخطر في العالم (أي القوة العسكرية) وإنما تمتلك أيضاً أكبر قوة ناعمة (أي القوة الثقافية). فالسينما الأميركية (هوليوود) والثقافة الأميركية والجامعات الأميركية.. إلخ تشكل أكبر جاذبية لأميركا في الخارج. من يستطيع أن يقاوم أفلام جون واين أو كلينت إيستوود أو هارسون فورد... إلخ؟ ليس أنا على أي حال. وقل الأمر ذاته عن الموسيقى الشعبية الأميركية والمشروبات الأميركية ولباس الجينز الأميركي وحتى مطاعم الماكدونالد المنتشرة في شتى أنحاء العالم. وهي تساهم في خضوع الآخرين لها دون أي مقاومة. من يقاوم الفن والعلم والجمال والمتعة والاستهلاك؟ ثم إن الضعيف المتأخر يقلد دائماً القوي الناجح كما يقول ابن خلدون. على هذا النحو تفرض أميركا هيمنتها على العالم من خلال القوة الخشنة والقوة الناعمة، على حد سواء.

ويمكن القول بأن «الكوكا كولا» ربحت حرب فيتنام بعد أن خسرها الجيش الأميركي! والجرائد الأميركية الكبرى تصوغ فكر قادة العالم وعقولهم لأنهم يقرأونها كل صباح، كما كان يفعل جمال عبد الناصر في وقته. صحيح أن تشومسكي كان مرفوضاً من قبل «النيويورك تايمز» ولكن ليس إدوارد سعيد! وعموماً فإن الغرب يسمح بحرية النقد والاعتراض والاختلاف. ففي الغرب كل الديانات لها الحق في الوجود وكل التيارات الفكرية والآيديولوجية بشرط ألا تدعو صراحة إلى الطائفية والعنصرية.

بقيت نقطة أساسية تمثل جوهر الحضارة الغربية، وتفسر سبب تفوقها على كل أمم الأرض. وهي مرتبطة بالنقطة السابقة أو تشكل امتداداً لها. ويلخصها ريجيس دوبريه بكلمة واحدة أو ثلاث كلمات: «امتصاص السلبية النقدية». ماذا يعني هذا المصطلح الخطير؟ ماذا يعني هذا المصطلح العويص؟ إنه يعني أن الغرب يمتص كل ما هو مضاد له ليس عن طريق قمعه وكبته، كما تفعل دول العالم الثالث، وإنما عن طريق تركه يعبر عن نفسه بكل حرية. وحتى ولو كان هذا النقد جارحاً له ومزعجاً جداً له فإنه يتركه يعبر عن نقمته. ولذلك تسمع الشتائم يومياً ضد الغرب في قلب الغرب! وكذلك المظاهرات. وهنا تكمن عبقرية الغرب، وديناميكيته، وصلابته. «فالأزمة التي لا تقتلني تقويني» كما يقول نيتشه. والنقد الذي لا يدمرني ينعشني ويحييني... أما ما يقتل الحضارات الأخرى فهو اللون الواحد والخط الواحد والفكر النمطي الواحد والقمع الديني والفكري والسياسي. تقريباً لا أحد يتجرأ على أن يفتح فمه في بعض البلدان!

ننتقل الآن إلى النقطة الخامسة التي تفسر سبب تفوق الغرب على جميع حضارات العالم ألا وهي الابتكارات العلمية والتكنولوجية.

في الواقع كان ينبغي أن نبتدئ بها، كما يقول ريجيس دوبريه. فالاختراعات العلمية والتكنولوجية الصارخة هي التي أدت إلى تفوق الغرب على كل النطاقات الحضارية الأخرى في العالم. والآن يحاول الجميع تقليدها. بل وقد حققت بعض الدول الأخرى نجاحات مهمة في هذا المجال. فيوجد الآن مهندسون هنود وصينيون أكثر مما يوجد مهندسون أميركان. ولكن هذا لا يعني أن أميركا أصبحت مسبوقة. فالواقع أن معظم جوائز نوبل للطب والفيزياء والعلوم والاقتصاد تذهب إلى باحثين أميركان أو غربيين عموماً. وبهذا الصدد ينبغي العلم بأن أميركا تشتري العقول الأجنبية برواتب ضخمة جداً إلى درجة أن الفرنسيين يشتكون منها. فهي تسرق عباقرتهم وعلماءهم. فما إن تسمع أميركا بباحث عبقري في أي دولة من دول العالم حتى تقدم له كافة التسهيلات لكي تغريه بالذهاب إليها والعمل في جامعاتها ومختبراتها. لهذا السبب تتفوق أميركا على كل أمم الأرض.

أميركا لا تمتلك فقط القوة الخشنة الأخطر في العالم أي القوة العسكرية وإنما تمتلك أيضاً أكبر قوة ناعمة أي القوة الثقافية

وماذا عن الميزة السادسة للغرب؟

هناك خاصية أخرى تفسر سبب تفوق الغرب على جميع شعوب الأرض ألا وهي دولة الحق والقانون والمؤسسات. فحكم القانون هو المهيمن على الغرب، في حين أن حكم التعسف والاعتباط والاستبداد هو المهيمن على الشرق. ينبغي العلم أن أكبر رئيس دولة في الغرب خاضع لحكم القانون الذي يخضع له الكناس أو الزبال، وعندما ينتهكه فإنهم يسقطونه حتى ولو كان رئيس أعظم دولة في العالم. يضاف إلى ذلك أن الغرب يتبع قاعدة ذهبية هي السبب في تفوقه ونجاحه: وهي أنه يضع الرجل المناسب في المكان المناسب. وأما دول العالم الثالث فكلها محسوبيات ورشاوى ومحاباة للأقارب في التوظيف حتى ولو كانوا فاشلين أو غير أكفياء على الإطلاق... إلخ.

الميزة السابعة للغرب

أخيراً هناك ميزة سابعة للغرب ربما كانت أعظم ميزة. ما هي؟ إنها تتمثل في عبارة واحدة فقط: انتصار التنوير الفلسفي على الأصولية التكفيرية. هنا تكمن عظمة الغرب فعلاً. بدءاً من تلك اللحظة أصبح الغرب سيد العالم. لماذا؟ لأنه انتصر على نفسه بعد صراع طويل ومرير مع أصوليته الدينية. ومن ينتصر على نفسه ينتصر على العالم كله. هنا يكمن سر تفوق الغرب.

لا تعرف روسيا ولا الصين ولا العالم العربي الإسلامي شخصيات فكرية كبرى من أمثال ديكارت وكانط وهيغل وفولتير وجان جاك روسو وماركس ونيتشه وفرويد وبرغسون وبرتراند رسل وميشيل سير وهابرماس... إلخ. هؤلاء هم أساتذة العالم كله وليس فقط أساتذة الغرب. آخر فيلسوف كبير عندنا هو ابن رشد الذي تُوفي قبل 825 سنة. وهؤلاء تجاوزوا ابن رشد بسنوات ضوئية. هل عرفتم سبب التفاوت التاريخي بين العرب والغرب؟


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد علي شمس الدين

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب

شوقي بزيع
ثقافة وفنون مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن

محمود الزيباوي

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض
TT

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

حين تفكّر الخوارزميات داخل فم المريض

لم يعد دخول الذكاء الاصطناعي إلى عيادة الأسنان سؤالاً نظرياً يُطرح في المؤتمرات، بل أصبح واقعاً سريرياً يتشكّل بهدوء داخل تفاصيل الممارسة اليومية، حيث تبدأ الخوارزميات بقراءة الصور الشعاعية وتحليل البيانات قبل أن يلتقي الطبيب بالمريض.

في هذا السياق، صدر حديثاً كتاب للدكتور عميد خالد عبد الحميد، بعنوان «Dental Intelligence: Artificial Intelligence, Ethics, and the Future of Dentistry» (ذكاء الأسنان: الذكاء الاصطناعي والأخلاقيات ومستقبل طب الأسنان)، وهو عمل علمي وفكري لا يكتفي بوصف هذه الثورة، بل يسعى إلى تفكيكها وفهم آثارها العميقة على طبيعة القرار الطبي، وعلى العلاقة الدقيقة بين خبرة الطبيب وحدود الحكم الخوارزمي داخل العيادة الحديثة.

ينطلق الكتاب من سؤال محوري لم يعد نظرياً، بل أصبح جزءاً من الممارسة اليومية للأطباء حول العالم: كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يطوّر الطب دون أن ينتزع منه روحه الإنسانية؟ فالتكنولوجيا، مهما بلغت قدرتها على تحليل البيانات أو قراءة الصور الطبية بدقة قد تتجاوز العين البشرية، تبقى في جوهرها أداة تُحسّن القرار ولا تصنعه، وتدعم الطبيب دون أن تختزل خبرته أو تحلّ محل حكمه السريري، ذلك الحكم الذي لا يتكوّن في المعالجات الرقمية وحدها، بل يتشكّل عبر سنوات من التفاعل الإنساني المباشر مع المرضى.

غير أن الكتاب لا يكتفي بعرض الجانب التقني لهذه الثورة الطبية، بل يتجاوز ذلك إلى تفكيك أبعادها الأخلاقية بعمق. فمع تزايد اعتماد الأطباء على الأنظمة الذكية، تبرز أسئلة لم تعد قابلة للتأجيل: من يتحمّل مسؤولية القرار الطبي عندما تشارك الخوارزميات في التشخيص؟ وكيف يمكن ضمان شفافية هذه الأنظمة وعدالتها؟ وأين ينبغي أن تقف حدود الاعتماد على الآلة في الرعاية الصحية؟ وفي هذا السياق، يطرح الكتاب مفهوماً محورياً يمكن تسميته بـ«الشراكة الذكية» بين الطبيب والآلة؛ حيث لا تُستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الطبيب، بل أداة تُوسّع قدرته على الفهم والتحليل واتخاذ القرار. فالطب، كما يؤكد المؤلف، لن يفقد طبيعته الإنسانية؛ لأنه يقوم في جوهره على الخبرة والتجربة والقدرة على فهم الإنسان... قبل فهم المرض.

صدر الكتاب في نسختين؛ الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان «Dental Intelligence» موجّهة إلى القارئ الدولي، والأخرى باللغة العربية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في طب الأسنان: الثورة السريرية الرابعة»، في خطوة تهدف إلى نقل النقاش العلمي حول الذكاء الاصطناعي من نطاقه العالمي إلى الفضاء العربي، وفتح حوار معرفي أوسع حول مستقبل هذه التقنيات في الطب والرعاية الصحية في المنطقة. ويُعدّ الكتاب ثمرةً فكرية لتراكم بحثي وكتابي امتدّ لسنوات، حيث يجمع بين دفتيه عدداً من المقالات والدراسات التي نشرها المؤلف في الصحافة العلمية، ولا سيما صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، التي يكتب فيها بانتظام حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وقد حظي الكتاب باهتمام الأوساط العلمية الدولية، حيث تناولت «British Dental Journal» خبر صدوره، مشيرة إلى أنه يقدّم رؤية متوازنة لدور الذكاء الاصطناعي في تطوير التشخيص والعلاج في طب الأسنان، مع تأكيد واضح على أن القرار الطبي النهائي يجب أن يبقى بيد الطبيب، بوصفه المسؤول الأول عن التقدير السريري والحكم المهني.

والمؤلف، الدكتور عميد خالد عبد الحميد، طبيب أسنان وباحث في مجال الذكاء الاصطناعي الطبي، يشغل منصب أستاذ زائر في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الطبي بجامعة شرق لندن في المملكة المتحدة، ويكتب بانتظام في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط» حول تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب وأبعاده الأخلاقية.

وفي وقت تتسارع فيه قدرة الخوارزميات على تحليل البيانات الطبية والتنبؤ بالأمراض بدقة غير مسبوقة، يذكّر هذا الكتاب بأن مستقبل الطب لن يُبنى على الذكاء الاصطناعي وحده، بل على توازن دقيق بين قوة التقنية وحكمة الطبيب، وبين دقة الخوارزمية ومسؤولية القرار الإنساني. فالطب، في نهاية المطاف، ليس علماً بالبيانات فحسب، بل هو فنّ فهم الإنسان... قبل أن يكون تشخيصاً للمرض.

والكتاب متوفر حالياً عبر منصة «أمازون» بنسختيه الورقية والرقمية.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.