مؤرخ فرنسي يكتب شهادته عن جحيم غزة

جان بيار فيليو نجح في دخول القطاع رغم الحصار وبقي فيه 32 يوماً

مؤرخ فرنسي يكتب شهادته عن جحيم غزة
TT

مؤرخ فرنسي يكتب شهادته عن جحيم غزة

مؤرخ فرنسي يكتب شهادته عن جحيم غزة

في ليلة من ليالي ديسمبر (كانون الأول) 2024، نجح المؤرخ الفرنسي جان بيار فيليو في دخول غزّة عبر منطقة رفح الحدودية، رغم الحصار المشّدد والموانع الأمنية. كانت غزّة، حسب وصفه، «قبة محكمة الإغلاق، لا يدخل إليها أحد إلا عبر نفق من الألم، ولا يخرج منها أحد إلا عبر بوابة الموت». قضى فيليو 32 يوماً في قلب هذا الجحيم، يروي، ويسمع، ويشهد على حياة وممات شعب تحت القصف.

من هذه التجربة خرج الباحث الفرنسي، المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط، بشهادة مؤلمة وصادمة في مؤلفه «مؤرخ في غزة» (دار نشر لي زارين) وهو كتاب يضم 224 صفحة مقسمة إلى 19 فصلاً، كل منها يحمل عنواناً يختزل جانباً من جوانب المأساة الإنسانية منها: الصدمة، المستشفيات، الموت، الماء، الانتظار. كما جمع فيه شهادات سكان القطاع الذين عاشوا الموت اليومي تحت وابل القصف والدمار. في كتابه يقدم فيليو أرقاماً صادمة حول حجم الدمار الذي طال قطاع غزة. وفقاً لتقارير الأمم المتحدة التي يوثقها، فإن 87 في المائة من المباني السكنية دُمرت كلياً أو جزئياً. ويضيف أن 1.9 مليون شخص اضطروا إلى النزوح مرة أو مرات عديدة، فيما لا يتجاوز نصيب كل لاجئ في الملاجئ البدائية سوى متر ونصف المتر من المساحة للبقاء على قيد الحياة. أما الخسائر البشرية، فهي تفوق الخيال. يذكر فيليو أن عدد القتلى المسجلين رسمياً في المستشفيات يتجاوز 54 ألف شخص، بينهم أكثر من 16 ألف طفل. ثم يضيف لو قُورن هذا الرقم مع تعداد فرنسا، لكانت حصيلة القتلى تعادل 1.7 مليون فرنسي. لكن هذه الأرقام لا تشمل كل الضحايا، إذ ما زالت آلاف الجثث تحت الأنقاض، إضافة إلى من قضوا جراء القصف، أو الحرائق، أو الجوع، أو المرض أو انقطاع الرعاية الصحية. ويشير فيليو إلى أن الأمراض والأوبئة، مثل شلل الأطفال الذي عاد للظهور بعد اختفائه، تتفشى في ظل انهيار منظومة التطعيمات. جان بيار فيليو، الذي عرف غزة منذ عقود واحة خضراء مزدهرة، يروي كيف اختفت معالم الحياة فيها، وحلت مكانها أنقاضٌ وخرائب، فيما يكافح الناس للبقاء بأقصى قدر من الكرامة.

ولم يكتف المؤرخ الفرنسي بتسجيل الأرقام والإحصاءات، بل غاص في أعماق المعاناة الإنسانية من خلال الاستماع إلى سكان غزة الذين عاشوا تحت القصف ليلاً ونهاراً. يروي كيف أن العائلات فقدت كل شيء، من بيوتها وذكرياتها إلى أعز ما تملك من أطفال وأحباء. يصف كيف تحولت المستشفيات من مراكز للشفاء إلى ساحات موت، والأطباء يعالجون الجرحى بأيديهم العارية في ظل انقطاع الكهرباء ونقص الأدوية والمعدات الطبية. أما المقابر فلم تعد تتسع للضحايا، مما اضطر الأهالي إلى دفن موتاهم في مقابر جماعية، في مشهد يذكر بأحلك فترات التاريخ الإنساني. حتى الماء، هذا المصدر الأساسي للحياة، لم يعد متوفراً، والانتظار أصبح مصيراً يومياً مؤلماً، انتظار الخبز والدواء، بل وحتى انتظار الموت الذي يتربص بالجميع في كل لحظة.

وفي سياق تاريخي أوسع، يشير فيليو إلى أن غزة كانت دائماً ساحة للصراع عبر التاريخ، منذ عهد الإسكندر المقدوني الذي حاصرها مائة يوم عام 332 قبل الميلاد، مروراً بالعصور الإسلامية التي شهدت ازدهارها كمركز تجاري وعلمي، وصولاً إلى الحكم العثماني الذي شهد سلسلة من المذابح حتى لم يبق في المدينة عام 1525 سوى ألف عائلة فقط. وبعد حرب 1948، استقبلت غزة ربع سكان فلسطين الانتدابية، فتحولت إلى «سفينة نوح» للهاربين من الموت، لكن اليوم لم يعد هناك مكان للفرار.

الإسكندر المقدوني حاصر غزة 100 يوم عام 332 قبل الميلاد، وفي الحكم العثماني شهدت مذابح حتى لم يبق في المدينة عام 1525 سوى ألف عائلة فقط. وبعد حرب 1948 أصبحت غزة «سفينة نوح» للهاربين من الموت

الباحث الفرنسي انتقد الإعلام الغربي وخضوعه للسردية الإسرائيلية، بعيداً عن مبادئ الحقيقة والعدالة الصحافية مضيفاً أنه كثيراً ما تختتم أخبار الضحايا بعبارة «حسب حركة حماس الإسلامية...»، في محاولة مقصودة للتشكيك في حقيقة المجازر والتقليل من وقعها. كما انتقد بشّدة التلاعب في توزيع المساعدات الإنسانية، مؤكداً أن حركة «حماس» لم تحتجزها كما تدعي الآلة الإعلامية الإسرائيلية، معتبراً أن هذه الادعاءات جزء من بروباغندا ممنهجة. كما وجّه أصابع الاتهام إلى الخطاب الإسرائيلي والغربي الذي يحاول إجراء «موازنة» بين آلام عائلات المحتجزين ومآسي أكثر من 50 ألف ضحية، معظمهم من الأطفال والنساء الأبرياء. ولم يكتف جان بيار فيليو بوصف المأساة، بل أدان التواطؤ الدولي الصامت، مشيراً إلى أن العالم يشاهد الموت اليومي في غزة دون أن يتحرك أو يتخذ إجراءات فعلية لوقف المجزرة، مضيفاً أن سياسة الاحتلال الإسرائيلي التدميرية لا تواجه مقاومة حقيقية من المجتمع الدولي، وأن المساعدات الإنسانية المحدودة لا تكفي لإنقاذ حياة المدنيين. هذا التواطؤ، في نظره، يشكل جزءاً لا يتجزأ من المأساة، لأنه يجعل الموت أمراً اعتيادياً ويقتل الأمل في تحقيق العدالة. وفي أكثر من موضع، يعترف فيليو بأن اللغة تقف عاجزة عن تصوير الفظائع التي شهدها في غزة، فكيف يمكن وصف موت طفل تحت الأنقاض بكلمات؟ كيف تصف أماً تبحث عن جثة ابنها بين الركام؟ أو طبيباً يعالج الجرحى بلا أدوية ولا كهرباء؟ تتعثر الكلمات أمام هول المأساة، لكن الشهادة تبقى كصرخة في وجه العالم الصامت.

ورغم كل هذا الدمار والألم، يؤكد فيليو أن غزة تبقى «الرحم الذي ولدت منه حركة الفدائيين ومهد الانتفاضة»، وأنها تقع في قلب بناء الدولة الفلسطينية المعاصرة. وهو يؤمن أن غزة لا تموت رغم كل محاولات الإبادة، وأنها ستظل حجر الزاوية في أي حل سياسي مستقبلي، محذراً من أن الإهمال والتهميش الدوليين يزيدان من معاناة أهلها ويجعلان السلام مستحيلاً بدون الاعتراف بحقوقهم المشروعة.

في الختام، خلص فيليو إلى أن السلام الحقيقي والدائم يجب أن يبدأ من غزة، لأنها تمثل أصعب اختبار للضمير الإنساني، وأن أي حل سياسي حقيقي يجب أن ينطلق منها كونها القلب النابض للقضية الفلسطينية.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.