«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

البروفسور موذوكريشنا يسعى للإجابة عن ثلاثة أسئلة كبرى

«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري
TT

«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

«نظريّةُ كل واحد»... الديناميات الأساسية للسلوك البشري

«أميراتٌ من سرنديب ثلاثٌ»: تلك كانت الحكاية المثيرة التي حكاها الدكتور الراحل أحمد زكي؛ أوّل رئيس تحرير لـ«مجلة العربي»، في أحد أعداد المجلة خلال سبعينات القرن الماضي. الحكاية؛ فضلاً عن إثارتها ولغتها العربية الآسرة، وفّرت لي فرصة الاطلاع على مفهوم جديد: «السرنديبية (Serendipity)»، وهو في بعض دلالاته أن يأتيك الأمر عن غير تدبّر قصدي مسبّق. أفاض الدكتور الراحل في عرض أمثلة على «السرنديبية» في العلم؛ لعلّ اكتشاف البنسلين كان مثابتها الكبرى.

لديّ من تجربتي الشخصية مع القراءة بعضُ الحالات التي ترقى إلى مصاف الكشف السرنديبي المدهش. كلّ قارئ متمرّس تمثلُ القراءة له أحد عُدَدِه الأساسية في التعامل مع العالم؛ لا بدّ له من استراتيجية في القراءة، وتتعاظم أهمية هذه الاستراتيجية مع هذا الدفق غير المسبوق من الكتب الذي تقذفها المطابع الرصينة والتجارية كل يوم، أو مع الكتب الإلكترونية التي صارت سلعة معترفاً بها وراسخة في كلّ العالم. لن يدخل القارئ إلى مواقع الكتب المهمة (دور النشر الجامعية الرصينة، دور النشر العالمية المعروفة...) من غير ترتيب مسبّق لكي لا يضيع في المتاهة الإلكترونية؛ فهو في الغالب يدخلها باحثاً عن عنوان بذاته، أو عن عناوين في حقل معرفي محدّد، أو عن اسم معروف له؛ لكنْ يحدث أحياناً أن تميل به البوصلة نحو عناوين ما كان في لحظة شروعه الأولى في البحث يبتغي البحث فيها.

قد يجذبه عنوانٌ ما، وقد يساهم العنوان الثانوي في تعظيم مكامن الإثارة في عقل القارئ. هنا تحدث السرنديبية المنتجة والمثيرة مع القارئ، وتكتمل الإثارة لو تأكّد القارئ من رصانة الكتاب وأهميته وأنه منشور عن دار نشر رصينة، ولقي له مراجعات مهمّة في كبريات الصحف ومواقع مراجعات الكتب العالمية.

هذا ما حدث معي عندما قادتني رحلة «أمازونية» إلكترونية إلى كتاب بعنوان مثير: «نظريةٌ لكلّ واحد (A Theory of Everyone)» للمؤلف مايكل موذوكريشنا (Michael Muthukrishna). الكتاب منشور عام 2023 عن «معهد ماساتشوستس التقني (MIT)» الأميركي ذائع الصيت الذي تُطبخُ فيه التقنيات والأفكار الثورية الحديثة. يعمل مؤلف الكتاب أستاذاً مشاركاً لكلّ من السيكولوجيا الاقتصادية والعلوم السلوكية وعلم الاقتصاد التنموي وعلم البيانات في «مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية (LSE)».

المؤلف مايكل موذوكريشنا

يُعرَفُ عن عمل البروفسور موذوكريشنا في حقل التطوّر الثقافي أنّه يسعى للإجابة عن ثلاثة أسئلة كبرى أساسية: ما السبب في أنّ الكائنات البشرية تتمايز تمايزاً نوعياً عظيماً عن سائر الحيوانات؟ وما العمليات النفسية والتطوّرية التي تنطوي عليها الثقافة وكلّ آليات التغيّر الاجتماعي؟ وكيف يمكن للإجابات الممكنة عن السؤاليْن السابقيْن أن تُوظّف في فهم ومواجهة بعض أعظم التحدّيات الكبرى التي تواجهنا بصفتنا نوعاً بشرياً؟ هذه الأسئلة الثلاثة هي في جوهر مسعى موذوكريشنا في كتابه، وما فصول الكتاب سوى تفريعات وشروحات واستيضاحات لهذه الأسئلة الجوهرية الثلاثة.

يبدأ المؤلف في الفصل التمهيدي من الكتاب باقتباسٍ ذي قيمة دلالية بيّنة، مستلٍّ من محاضرة ألقاها الكاتب الراحل ديفيد فوستر والاس عام 2005:

«كان ثمّة سمكتان غضّتان تسبحان، وتصادف أن التقتا بسمكة أكبر منهما عمراً تسبح في الاتجاه المعاكس لهما. ألقت السمكة الكبرى عمراً التحية على السمكتين الصغريين، وسألتهما: صباح الخير يا شباب... كيف حال المياه هذا اليوم؟ أطرقت السمكتان صمتاً، ثم واصلتا السباحة في طريقهما؛ لكنْ بعد حين قصير توقفتا فجأة ونظرت الواحدة إلى الأخرى: (ما هي المياه بحقّ السماء؟)».

أراد موذوكريشنا، مثلما أراد والاس نفسه، الكشف عن حقيقة جوهرية تفيدُ بوجود أشياء كثيرة في الحياة تبدو لنا حقائق أقرب إلى بديهيات لا نتساءل بشأنها، وهي صارت جزءاً متكاملاً ومكمّلاً لمنظومة إحساسنا بالعالم وإدراكنا له؛ ومع هذا فقلّما ننتبه لمثل هذه الأشياء؛ سواءٌ أكانت أفكاراً أم شواخص مادية. هذه الأشياء الفكرية والمادية تغلغلت في تجاربنا التي نخوضها في المعيش اليومي، واخترقت كلّ حواسنا، وصارت جزءاً ممّا يمكن تسميتها «الشروط الأساسية للحياة».

يتناول الكتاب نوعنا البشري المسمّى «Homo Sapiens» الذي تنطبق عليه المواصفات أعلاه. تطوّر البشر من أشكال حيوية بدائية شبيهة بالبكتيريا، وخضع هذا التطوّر الارتقائي على مستوى البيولوجيا والثقافة لقوانين مختلفة ومتعددة سيسعى المؤلف لاستكشافها في الكتاب.

يؤكّد المؤلف في غير موضع أنّ القوى التي شكّلت تفكيرنا، واقتصاداتنا، ومجتمعاتنا، صارت مع تقادم الزمن، وبتراكم حسّ البداهة، خفية عنّا. الجهل بهذه القوانين والقوى التطورية معضلةٌ خطيرة؛ لأنّه سيتركنا نواجه إشكالية وجودية عميقة: نحن ما لم نعرف «من نحن؟» و«كيف بلغنا ما بلغناه من تطوّر في هذا المكان (الأرض)؟»، فلن نستطيع اختيار وجهتنا اللاحقة.

بالعودة إلى حكاية أسماك والاس، وبوصفها مقايسة بشرية معها، فلنا أن نتساءل: ما النظير البشري للمياه بالنسبة إلى الأسماك؟ ما ذلك الشيء الذي تتأسّس عليه حياتنا البشرية ويمثل الخلفية الجوهرية لكلّ تطوّرنا الثقافي من غير أن نلحظ جوهريته وكينونته الأساسية في حياتنا؟ يرى المؤلف أنّه «الطاقة (Energy)». لطالما اعتقدنا أنّ الطاقة منحة مجانية وهبةٌ طبيعية ستدوم إلى الأبد.

كلّ «موديلاتنا» الاقتصادية تقوم في النهاية على مدخلاتنا من المال وما ننفقه منه بوصفها مخرجات على صعيد الفرد والدولة، وهكذا تبدو كلّ النماذج (الموديلات) الاقتصادية مثل آلة تتحرّك حركة لا نهائية في تبادل مالي بين الشركات والأفراد. نعرف من قوانين الفيزياء أن لا وجود لماكينة تتحرّك حركة لا نهائية من غير وقود (طاقة). يمكن أن يحدث هذا الأمر لو تغيّرت طبيعة الطاقة في حياتنا. كل تغيّر في طبيعة الطاقة المحرّكة للحياة ترافق مع تغيّر حتمي في شكل الموديلات الاقتصادية.

في الوقت الذي يؤكّد فيه المؤلف على الأهمية المركزية لمفهوم الطاقة فإنّه لا يتغافل عن التصريح بأنّ كتابه ليس كتاباً مخصوصاً عن الطاقة بذاتها بقدر ما هو كتابٌ عن الكيفية التي ساهمت بها الانعطافات الكبرى في شكل الطاقة المستخدمة من قبل البشر عبر حقب زمنية طويلة في خلق فترات من «الوفرة (abundance)» التي ساعدت بدورها على زيادة أعداد البشر، وتوسيع مناسيب تفاعلهم بعضهم مع بعض عبر العمل والحراك الاجتماعي؛ الأمر الذي قاد إلى نشوء «الصراع (conflict)» الذي قاد بدوره إلى «الندرة (scarcity)». هذا التفاعل الدينامي بين الطاقة والفعالية التطورية هو من الدعائم الأساسية لفهم وضعنا البشري كما يرى المؤلف، وهو ما يفعله في فصول لاحقة من الكتاب يعزّز رؤيته فيها بأمثلة بيولوجية وتقنية وسياسية مشخّصة تشخيصاً دقيقاً.

يسعى المؤلف للتأكيد على مفهوم ثلاثي الأطراف يتشكّلُ من الطاقة بوصفها قاعدة أساسية تنشأ عنها آليات متباينة من الحراك الاجتماعي، ثمّ يشير إلى أهمية السلوك البشري في كلّ هذا المركّب المشتبك. يكتب المؤلف بهذا الشأن:

«الطاقة قد تكون المفتاح الأساسي لفهم معضلتنا الراهنة؛ لكنْ يتوجّبُ علينا أيضاً أن نفهم الديناميات الأساسية للسلوك البشري. لماذا نذهب أحياناً إلى الحرب في حين نميل للعمل بتناغم تشاركي في أحيان أخرى؟ لماذا نحنُ قساة وطيّبو القلب في الوقت ذاته؟ وما الذي يحدّدُ أياً من هذه الخيارات السلوكية هو ما سيكون له السبق على خيارات أخرى... لو فهمنا المحدّدات التي تخضع لها الطاقة في حياتنا فسنعيد ترتيب فهمنا لكلّ أنساقنا السياسية والاقتصادية؛ لكنْ لو تعمّقنا في فهم سلوكنا البشري فيمكن لنا حينذاك تطويرُ رؤى متّسمة بأصالة غير مسبوقة بشأن كيفية الاستغلال الأفضل للطاقة بحيث نضمنُ تعظيم رفاهيتنا وتقليل مناسيب المخاطر والصراع داخل المجتمع الواحد وبين المجتمعات المختلفة. لو فعلنا كلّ هذا فيمكن لنا حينئذ الحديث عن نظرية موحّدة للوضع البشري: نظرية لكلّ منّا».

مِثْلُ هذه الأفكار تتطلب نمطاً خاصاً من الشغف منذ بواكير الحياة، وهذا يعكسُ أهمية التعليم بشأن هذه التفاصيل التي تبدو مغيّبة في أنساقنا التعليمية؛ خصوصاً في العالم العربي. بعد إتمامه الدراسة الثانوية اختار المؤلف دراسة الهندسة في الجامعة؛ لكنه وجد بعد حين أنّ الهندسة وحدها ليست قادرة على الإجابة عن الأسئلة المتكاثرة في رأسه والتي صار مسكوناً بها؛ لذا اختار - بجانب دراسة حساب التفاضل والتكامل والرياضيات المحدّدة وتعلّم الآلة - أن يدرس برامج دراسية في الاقتصاد والعلوم السياسية والبيولوجيا والفلسفة وعلم النفس. كلٌّ من هذه البرامج الدراسية ساعده في إيجاد جزء من الحل للمعضلة الكبرى؛ معضلة الوضع البشري.

قراءة كتابٍ مثل كتاب موذوكريشنا فرصة ثمينة للإطلالة على أفكار جديدة، وتجربة التفكّر في كيفية الاشتباك المركّب للأفكار والموارد البشرية لتشكيل وضعنا البشري الراهن. الفهم الجيّد والرصين لمثل هذه الأفكار هو ركيزة صناعة المستقبل؛ أما لو شئنا غضّ الطرف عن مثل هذه القراءات النوعية، فلن نخسر فرصة المشاركة في صناعة المستقبل فحسب... سنكون كتلكما السمكتيْن الصغيرتين اللتين لم تغادرا الماء يوماً ما؛ ورغم هذا، فإن الماء كان لهما طلسماً لا تعرفان - مثل سائر الأسماك - عنه شيئاً.

معلومات الكتاب:

  • اسم الكتاب: نظرية لكل واحد - العلم الجديد حول من نكون وكيف وصلنا إلى هنا وإلى أين نحن ذاهبون A Theory of Everyone - The New Science of Who We Are, How We Got Here, and Where We're Going
  • المؤلف: مايكل موذوكريشنا Michael Muthukrishna
  • الناشر: معهد ماساتشوستس للتقنية MIT Press
  • سنة النشر: 2023
  • عدد الصفحات: 448

مقالات ذات صلة

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

كتب بعض واجهات المكتبات

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا

ألكسندرا ألتر
كتب الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

يتناول الناقد والباحث اليمني د. فارس البيل نشأة وجذور السرد الإبداعي في منطقة الخليج وعلاقة النص بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق محافظ الإسكندرية ووزير الثقافة ومدير مكتبة الإسكندرية خلال افتتاح المعرض (مكتبة الإسكندرية)

«الإسكندرية للكتاب» يراهن على مبادرات ثقافية وعلمية جديدة

يراهن معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته الـ19 التي انطلقت، الاثنين، وتستمر حتى 28 يوليو (تموز) الحالي على عدة مبادرات ثقافية.

انتصار دردير (القاهرة )
ثقافة وفنون غلاف الكتاب

الرواية الفلسطينية... ممارسات الاحتلال وآليات المقاومة

«أسئلة الرواية الفلسطينية» هو الكتاب الحادي عشر في النقد الروائي للشاعر والناقد سلمان زين الدين، وقد صدر مؤخّراً عن «مركز ليفانت للدراسات والنشر» في الإسكندرية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
كتب إميلي هنري

إيميلي هنري... كتب تحقق أعلى مبيعات من دون ترويج ولا «تيك توك»

لم يسبق لإيميلي هنري قط أن أجرت جولة للترويج لأحد كتبها أو قرأت مقاطع من كتبها داخل إحدى المكتبات بهدف الترويج.

إليزابيث إيغان

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات
TT

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا، كان أول ما فعلته البحث عبر الإنترنت للتعرف على ما إذا كانت هناك مكتبات مشابهة في الجوار. وبالفعل، عثرت على مكتبة «ذي ريبيد بوديس»؛ مكتبة في كلفر سيتي تبلي بلاءً حسناً للغاية، لدرجة أنها تتوسع بافتتاح فرع ثانٍ لها في حي بروكلين بمدينة نيويورك.

وعن ذلك، قالت: «شعرت بالتهديد».

ومع أن نجاح «ذي ريبيد بوديس» بدا بمثابة مصدر تهديد، فإنه يوحي كذلك في الوقت ذاته باحتمالية وجود مساحة أمام مكتبة أخرى للروايات الرومانسية. وعليه، افتتحت في فبراير (شباط) مكتبة «سميتن» بمنطقة مزدحمة من «مين ستريت»، على بعد نحو ميل من منافسيها.

في الأشهر التي تلت ذلك، تحولت مكتبة «سميتن» إلى مركز نابض بالحياة لقراء الأعمال الأدبية الرومانسية، مع توقيعات المؤلفين وقراءات التارو ونوادي الكتب وأمسيات الترفيه والحرف اليدوية.

بعض الأحيان، يتصل عملاء بالمكتبة، محملين بطلبات محددة للغاية. عن ذلك، قالت تنغستروم: «جاء شخص ما وقال: أنا أحب الأعمال الأدبية الخيالية، وأريد الرواية أن تكون غريبة، وبها تمثيل لثقافة مختلفة. كما أريدها بذيئة قدر الإمكان».

وأضافت: «لديّ عملاء منتظمون يأتون عدة مرات في الأسبوع. وأسألهم أحياناً: ألم تشتر لتوك كتابين اليوم السابق؟».

اللافت أن الأعمال الأدبية الرومانسية كانت ذات يوم مجالاً يتجاهله أصحاب المكتبات المستقلة إلى حد كبير. ومع ذلك، تحولت اليوم إلى إحدى أكثر الفئات رواجاً في عالم الكتاب، وأصبحت، إلى حد بعيد، النوع الأدبي الأكثر مبيعاً، ونجاحها لا يعيد رسم ملامح المشهد العام لصناعة النشر فحسب، بل وكذلك صناعة بيع التجزئة.

وفي غضون عامين فقط، تبدل المشهد العام بالبلاد، من وجود مكتبتين فقط مخصصتين للروايات الرومانسية، «ذي ريبيد بوديس» و«لوفز سويت آرو»، في شيكاغو، إلى شبكة وطنية تضم أكثر عن 20 مكتبة، من بينها «تروبس آند ترايفلز» في مينيابوليس، و«غرمب» و«صن شاين» في بلفاست بولاية مين، و«بيوتي» و«بوك إن أنكوريج» في ألاسكا، و«لوف باوند ليبراري» في سولت ليك سيتي، و«بلوش بوكستور» بمنطقة ويتشيتا في كنساس. ولا يزال الكثير في الطريق، ومن بينها «كيس آند تيل» في كولينغسوود بنيوجيرسي، و«ذي نيو رومانتيكس» في أورلاندو بفلوريدا، و«غراند جستشر بوكس» في بورتلاند بولاية أوريغون؛ متجر عبر الإنترنت متخصص في بيع الروايات الرومانسية، يتحول اليوم إلى متجر على أرض الواقع.

اللافت أن غالبية هذه المكتبات تمتلكها وتديرها نساء، ناهيك عن أن النساء يشكلن غالبية قراء الروايات الرومانسية، ويعود الفضل إليهن في الارتفاع الهائل في مبيعات هذا الصنف الأدبي، من 18 مليون نسخة مطبوعة عام 2020 إلى أكثر عن 39 مليون نسخة عام 2023، تبعاً لمؤسسة «سيركانا بوكسكان».

في هذا الصدد، قالت ريبيكا تايتل، المحامية السابقة، التي تمتلك اليوم مكتبة «ميت كيوت» المتخصص في الروايات الرومانسية في سان دييغو: «هناك تحول ثقافي يجري على الأرض يشير إلى أن الإعلام، بصورة أساسية، أصبحت تجري كتابته وتوجيهه نحو النساء. اليوم، أدركت أعداد متزايدة من الأفراد أن الروايات الرومانسية ليست رائجة فحسب، وتحمل كذلك قيمة تجارية، بل وتحمل قيمة فنية وترفيهية كذلك».

من ناحية أخرى، يهيمن روائيون رومانسيون، مثل ساره جيه. ماس وإيميلي هنري وكولين هوفر وريبيكا ياروس على قوائم أفضل الكتب مبيعاً. وتكشف الأرقام أن 6 من بين أفضل 10 روائيين من حيث المبيعات داخل الولايات المتحدة، عبر العام الحالي حتى الآن، من كتاب الأعمال الرومانسية.

أما الناشرون، فيعمدون إلى توسيع نطاق قوائمهم الرومانسية، وجذب المؤلفين الرومانسيين الذين ينشرون أعمالهم ذاتياً. ويبدو هذا تحولاً هائلاً عن أيام سابقة كان يجري خلالها النظر بازدراء إلى الروايات الرومانسية باعتبارها سطحيةً وغير جادة، أو بذيئةً. وحتى سنوات قليلة مضت، حرصت الكثير من المكتبات المستقلة على عرض مجموعة صغيرة منتقاة من الروايات الرومانسية، التي غالباً ما يجري وضعها في رف خلفي داخل المكتبة.

من ناحيتها، قالت ليا كوك، التي تشارك في ملكية «ذي ريبيد بوديس»؛ أول مكتبة متخصصة في عرض الروايات الرومانسية تفتتح أبوابها على مستوى الولايات المتحدة عام 2016، إنها لا تزال تتذكر عندما كانت تبحث في سنوات المراهقة عبر المكتبات عن روايات رومانسية، دون جدوى.

وكان الشعور بالتعرض للتجاهل جزءاً من الدافع وراء سعي كوك وشقيقتها، بيا هودجيز كوك، لفتح مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية.

وعبّرت كوك عن اعتقادها بأن «الكثيرين ممن يعملون بمجال النشر وداخل المكتبات المستقلة شعروا وكأن الروايات الرومانسية غير جديرة بإهدار وقت في سبيلها. وكنت أقول في نفسي: بإمكانكم جني أموال، لكن لا بأس، أنا سأجني المال».

يذكر أن مبيعات الروايات الرومانسية بدأت تشهد ارتفاعاً كبيراً خلال سنوات الجائحة، مع إعادة اكتشاف القراءة، وتحول الكثيرين نحو الأعمال الخيالية الرومانسية كملاذ للهروب من الواقع (من بين القواعد الحاكمة لهذا الصنف الأدبي أن الغالبية الكاسحة تنتهي بنهاية سعيدة).

وساهم ظهور تطبيق «بوك توك» في تعزيز هذا الارتفاع في المبيعات، مع اجتذاب مؤثري «تيك توك» القراء صغار السن عبر فيديوهات يتحدثون فيها عن كتّابهم المفضلين.

اليوم، تظهر الروايات الرومانسية بشكل بارز على قوائم «تارغيت» و«بارنيز آند نوبل». وفي وقت مضى، كان عشاق الروايات الرومانسية يشترون الكتب الإلكترونية بشكل أساسي، خصوصاً وأنها أرخص وأسهل في الوصول إليها، وربما من الأسهل إخفاؤها. أما اليوم، فإنهم يستعرضون الروايات الرومانسية التي يملكونها على أرفف مكتباتهم بفخر.

ومنح هذا الصعود السريع للمتاجر المتخصصة في الروايات الرومانسية مكاناً جديداً لعشاق هذا الصنف الأدبي؛ مكاناً مرحباً به للإقبال على شراء كتبهم المفضلة بحماس.

من جهتها، قالت جين نتر، مديرة شؤون الاتصالات والتسويق لدى دار «كنزنغتون» للنشر، المعنية بالروايات الرومانسية: «يمكنك دخول مكتبة مخصصة للروايات الرومانسية، وستجد البائع يسألك: هل تحب الروايات ذات الأحداث الساخنة؟ أم ترغب في رواية تاريخية؟ إنه سيدرك سريعاً ما تريده، ولن يحاول أن يصدر أحكاماً عليك».

اللافت أن الكثير من هذه المكتبات تتسم بمظاهر جملية جذابة ومشرقة وذات طابع أنثوي، مثل الاعتماد الشديد على اللون الوردي، المزدان بزخارف على شكل قلوب وزهور، ناهيك عن التلاعب بالاستعارات الرومانسية المألوفة؛ أعداء الغرام، والحب الممنوع، والهوية السرية.

وتضم هذه المكتبات بين أرففها جميع الأنواع التي يمكن تخيلها للروايات الأدبية: التاريخية والموجهة للقراء صغار السن والأعمال التي تخلط بين الرومانسية والفانتازيا، والأخرى التي تدور حول موضوع رياضي. كما تضم جنبات الكثير من هذه المكتبات أعمالاً أدبيةً تولى مؤلفوها نشرها بالاعتماد على ذواتهم، والتي عادة ما لا تجد طريقها إلى المكتبات الكبرى.

في هذا الصدد، شرحت ميليسا سافيدرا، صاحبة مكتبة «ستيمي ليت» المتخصصة في الروايات الرومانسية، في «ديرفيلد بيتش» في فلوريدا، أنها اكتشفت الروايات الرومانسية منذ ما يزيد قليلاً عن عقد، عندما كانت تعمل ضابطة في رتبة صغيرة بالبحرية الأميركية.

وقالت إن بوابتها إلى عالم الروايات الرومانسية جاء عبر سلسلة «إي. إل. جيمس» المثيرة «فيفتي شيدز أوف غراي» (Fifty Shades of Grey)، التي تمكنت من قراءتها عبر جهازها اللوحي عندما كانت على متن بارجة حربية أميركية.

وبعد أن تركت عملها في البحرية عام 2017، عملت وكيلة سفريات لفرق رياضية. وعندما تباطأت وتيرة العمل في أثناء فترة الجائحة، طرأت على ذهنها فكرة «ستيم بوكس»، صندوق اشتراك ربع سنوي يتضمن مجموعة من الروايات الرومانسية. وحقق المشروع انطلاقة قوية.

وجاء «ستيم بوكس» بمثابة وسيلة للتخلص من وصمة العار العالقة بالروايات الرومانسية المثيرة. وقالت سافيدرا، التي ولدت في ليما بالبيرو، ثم انتقلت إلى ساوث فلوريدا عندما كانت في العاشرة: «لا يزال يتعين علينا أنا نقاتل بشراسة كي نفرض على الناس احترام هذا الصنف الأدبي». وقد ألزمت سافيدرا نفسها بالعمل على الترويج لأعمال الكتاب الرومانسيين من خلفيات متنوعة.

وقررت سافيدرا فتح مكتبة عندما أدركت أن مجتمعها في «ديرفيلد بيتش» يخلو من أي مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال الرومانسية المتنوعة.

وفي عطلة نهاية الأسبوع الذي شهد افتتاح «ستيمي ليت»، أقبل على زيارة المكتبة نحو 500 شخص، وباعت 900 كتاب. ومنذ ذلك الحين، استضافت المكتبة أكثر من حفل توقيع لكتاب، بينهم كيندي رايان وعلي هيزلوود وآبي جيمينيز، التي نظمت احتفالية بالمكتبة في مايو (أيار)، ظهرت بها أعداد من الماعز الصغير، في إشارة إلى مشهد من روايتها «بارت أوف يور وورلد» (Part of Your World) تظهر به أعداد من الماعز.

وفي ظهيرة أحد أيام الأحد الربيع الماضي، كانت «ستيمي ليت» تعج بالقراء الذين يتصفحون الكتب ويحصلون على توقيع الكاتبة الرومانسية إيه. إتش. كننغهام، التي كانت تروج لروايتها «آوت أوف أوفيس» (Out of Office).

وقالت كننغهام إن المكتبة كانت تعج بمحادثات بالإنجليزية والإسبانية، مضيفة: «هذه المساحات التي نحتاجها».

اللافت أن غالبية هذه المكتبات التي تبيع الروايات الرومانسية تمتلكها وتديرها نساء بالإضافة إلى أنهن يشكلن غالبية قراء هذه الروايات

والتقط القراء صوراً تذكارية أمام اللافتات الوردية المضاءة بمصابيح «النيون» الخاصة بالمكتبة، بينما تصفح آخرون الأعمال الإسبانية داخل المكتبة. وحملت بعض أرفف المكتبة روايات تحت عناوين «الرومانسية المظلمة» و«الرمادي الأخلاقي» و«عصر البكاء». وقالت سافيدرا: «هذ الأرفف لا تبقى ممتلئة أبداً»، في إشارة إلى الأعمال الرومانسية.

من جهتها، حملت روزن فولمور، واحدة من العملاء المواظبين على زيارة «ستيمي ليت»، مجموعة من الروايات القديمة بيدها باتجاه كننغهام كي توقع عليها.

كانت فولمور قد سمعت عن المكتبة عندما نشرت رايان، واحدة من الكتاب المفضلين لديها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها ستقيم فعالية هناك. ومنذ ذلك الحين أصبحت عميلة منتظمة لدى المكتبة، التي قالت عنها إنها «تضم جميع الأشياء المثيرة والجذابة التي يمكنك تخيلها».

وقالت عميلة أخرى، هي أنجيلا ثاير، التي تعمل في إدارة شؤون المحاربين القدامى في فلوريدا، إنها تأتي عادةً كل أسبوعين، عندما تحصل على راتبها. وفي ذلك الأحد، أحضرت ابنتها، آشلي واتكينز، التي كانت متحمسة لرؤية الكثير من الروايات الرومانسية لمؤلفين ملونين. وقالت واتكينز: «إن رؤية الكتب التي تضم أشخاصاً يشبهونني في المواقف الرومانسية أمر رائع حقاً».

خدمة «نيويورك تايمز»