منصة «إنكيت»... مجموعة وسائط تبدأ بالكتاب ومنه تتوسع نتاجاتها

النشر الرقمي والقراءة المجانية يدرّان الملايين

فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
TT

منصة «إنكيت»... مجموعة وسائط تبدأ بالكتاب ومنه تتوسع نتاجاتها

فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع

تجربة موقع «إنكيت» لنشر الكتب ذاتياً تستحق النظر في جدواها، وربما الاستفادة منها. صاحب المبادرة ومديرها التنفيذي هو العراقي الأصل؛ الألماني النشأة، علي البزاز، المولود في بغداد عام 1989، قبل أن تترك عائلته البلاد وهو بعدُ صغير. ويعدّ البزاز نفسه «أول ناشر في العالم» يعتمد على القارئ، وتوفر منصته اكتشاف المواهب الخفية وتحولهم إلى مؤلفين ناجحين، بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

الموقع، الذي احتفل بعشر سنوات على انطلاقته العام الماضي، منصة مفتوحة، تتيح للكاتب أن ينشر كتابه بنفسه، وتترك للقراء أن يختاروا بحرية المؤلّف الذي يعجبهم. والكتب التي تحوز إعجاب أكبر عدد من القراء تصبح موقع جذب لمزيد من المهتمين، ومن ثم فستجد هذه المؤلفات الفائزة حظها للانتقال إلى منصة أخرى هي امتداد للأولى؛ تحمل اسم «غالاتيا».

يبدو المشروع طموحاً جداً؛ إذ يراد منه أن يتحول إلى إمبراطورية من الوسائط المتعددة، التي تنشر الكتب، وتنتج من هذه القصص أفلاماً ومسلسلات، وتستوحي ألعاب فيديو، وربما أمكن مستقبلاً كتابة قصص ينتجها الذكاء الاصطناعي؛ بناء على المعطيات التي شكلها من خلال بيانات جمعها مما كتبه البشر، ونُشرت على الموقع، ونالت حظوة عند القراء. وقد أُنتج بالفعل مسلسل تلفزيوني يستند إلى كتاب من موقع «غالاتيا» بعنوان «خطأ جميل»، ويبدو أنه لقي نجاحاً. والذكاء الاصطناعي الذي يعتمد عليه الموقع له فضل في التسريع بتطوير المنصة، ويسهم في تحويل الكتب المكتوبة إلى مسموعة، كما يشارك في وضع الأغلفة، ويتيح ترجمة الكتاب الواحد إلى لغات عدة. يبقى السؤال حول نوعية ومدى كفاءة كل هذه المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي وهو لا يزال في مراحله البدائية.

كل هذا يبدو كأنه من الخيال العلمي، إنما صاحب المشروع الذي بدأ بشركة ناشئة صغيرة، تمكن من اجتذاب ملايين المستخدمين، وفق المؤسس نفسه، وأقنع مستثمرين بدفع عشرات ملايين الدولارات لتطوير المشروع لغاية الآن، خصوصاً أنه يعدّ أن خوارزمياته يمكن أن تعطيه دفعاً قوياً في الاختيار والتطوير يفوق ما تستطيعه أي دار تقليدية.

ويعتمد البزّاز على فكرة أن دور النشر التي تُخضع المخطوطات لفحص لجان القراءة تقع في أخطاء، يتبين بعد ذلك أنها كانت فادحة. فكاتبة «هاري بوتر»، جيه كي رولينغ، قدمت مخطوطتها إلى عشر دور ورُفضت قبل أن تتحول إلى «بيست سيلر»، والحال نفسها حدثت مع كتاب «كاري» لمؤلفه ستيفن كينغ، كذلك رفضت تكراراً رواية «توايلايت» لستيفاني مايرز.

ولكن هل ينجح فعلاً الذكاء الاصطناعي في اختيار المخطوطات المناسبة؛ أفضل من البشر؟ وما الأسس والقواعد التي يستند إليها؟ وهل البيانات وحدها قادرة على تنقية الجيد من الرديء؟ وما نوعية الكتب التي يريد صاحب موقع «إنكيت» الترويج لها؟ خصوصاً أنه لا يحبذ التعامل مع الأسماء المعروفة والذائعة الصيت على موقعه، فهو ليس المكان لنشر المكرسين والمعروفين، خصوصاً أن هؤلاء لا يؤمنون عادة بهذا الأسلوب الذي لا يزال قيد التجريب. ومع ذلك، فإن كتّاب الموقع كثر حتماً؛ لأن من يحلمون بالكتابة والنشر، وفرة فائضة، وبالتالي فالسوق مفتوحة ولا حدود لها.

تجربة النشر الإلكتروني الذاتي المفتوح للجميع، ليست جديدة بالكامل كما يدّعي صاحب موقع «إنكيت»؛ فالصين فتحت لجمهور الكتّاب الناشئين مواقع من هذا النوع قبل نحو عشرين سنة، وتركت الحكم للقراء، من خلال التقييم واختيار عدد النجوم التي يستحقها كل كتاب، لتصبح الأكثر قراءة وتداولاً في المقدمة، ومن ثم تطبع ورقياً ويروج لها، ويستفاد منها في كتابة سيناريوهات سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية. لكن جمهوراً من المدققين كان وراء هذه المواقع، وقد خرج منها بالفعل نجوم في عالم الأدب. وبعض الأدباء المعروفين اليوم، الذين هم في ثلاثيناتهم، بدأوا النشر على المواقع الرقمية، لكن أعدادهم ليست بالكثرة التي يمكن أن يتخيلها البعض؛ لأن السمين غالباً ما يضيع وسط الغث.

عام 1997 قام رجل الأعمال الصيني - الأميركي ويليام تشو بإنشاء موقع أدبي تجاري، كان الأول من نوعه حينها، ومن بعده توالت المواقع الصينية. ومع بدء القرن الحادي والعشرين، كان كثير من المواقع قد ظهر، ومنذ حينها أصبح النشر عليها جزءاً من الحركة الأدبية الصينية، وليس مجرد مرادف للنشر التقليدي.

لكن هذا النوع من الأدب ليس مما يرضي الكتّاب التقليديين الذين باتوا ينعون النصوص الجادة. وبمراجعة موقع «إنكيت»، يُلحظ الميل للإثارة والتشويق، وما يرضي القارئ ويمكن أن يروج، أكثر من البحث عن النص العميق الذي يتعب الذهن.

يعتقد البعض أن أدب الإنترنت تحكمه النزعة التجارية، ويسير على غير هدى لأنه لا يخضع لأي عملية نقدية جادة، بل هو يمضي وفقاً لهوى قراء لا باع لهم في الأدب وشؤونه. وثمة من يرى أن هذه الكتابات مليئة بالقرصنة، وهناك من يقول إن البعض يستغلها للترويج لأمور بعينها لا تكون مقبولة عادة في الأعمال التي تمر عبر فلاتر دور النشر المعروفة.

أما المشجعون لمواقع النشر والقراءة الإنترنتيين فيستندون إلى ما يعدّونها ميزات لا يمكن تجاهلها؛ منها الوصول إلى كل الناس حين يكون متاحاً بالمجان، وأكثر حرية؛ لأنه لا يخضع للجان الناشرين أو الرقابات الرسمية والاجتماعية، والمقاييس التقليددية، كما أنه يصبح تفاعلياً تلقائياً، وتصل الأصداء من القراء إلى الكاتب بسرعة البرق، وبشكل مباشر دون وسيط. كما أنه نوع من النشر يتيح ظهور أشكال أدبية جديدة، مثل النصوص القصيرة، والشعر الرقمي، والمدونات الأدبية؛ مما يطور الأساليب والصيغ التعبيرية بشكل مستمر.

ويستند المدافعون عن هذا النوع من المواقع إلى أرقام تظهر أن النشر الإلكتروني التفاعلي أعاد كثيرين إلى القراءة... فقد بيّن استطلاع صيني أن 85 في المائة من القراء يفضلون مطالعة كتبهم على وسائل رقمية أكثر من الورقية. لكن دراسة أخرى تقول إن غالبية الذين يستخدمون هذه المواقع؛ سواء للنشر وللقراءة، هم دون الأربعين من العمر. وهذا يعطي فكرة عن تقسيمات مجتمعية حادة، تخضع ليس للطبقية الاجتماعية هذه المرة؛ إنما لانقسام حادٍ بين الأجيال.

وبيّن تقرير صيني أن القراء يتجاوزون البلاد إلى آسيا وغيرها، وفي آسيا غالبيتهم ولدوا بعد عام 1995؛ 60 في المائة منهم حاصلون على شهادات جامعية، بمعنى أنهم على مستوى من المعرفة، ونحو 60 في المائة من القراء من الإناث، وهم من دول جنوب وجنوب شرقي آسيا مثل إندونيسيا والفلبين وماليزيا والهند.

والبزاز؛ مؤسس موقع «إنكيت»، يستند في دفاعه عن منصته إلى معلومات مشابهة، كما يعدّ أن الدفع الذي لقيته المتاجر الإلكترونية خلال وباء «كورونا»، زال أو يكاد بعد عودة الناس إلى حياتهم الطبيعية، والشراء الإلكتروني لم يعد على ما كان عليه، لكن موقعه لم يتأثر؛ بل على العكس، فالكتب المقروءة إنترنتياً تحظى بزيادة واضحة في نسبة المهتمين، بل تعيد الملايين للقراءة والأدب؛ ذلك لأن عامة الناس بعد انتهاء الوباء، وبسبب الضغوط التي يعيشونها، «يبحثون عن مهرب، ونعتقد أن هذا هو سبب ازدهارنا»؛ يقول البزّاز.

بمراجعة موقع «إنكيت» يُلحظ الميل للإثارة والتشويق وما يرضي القارئ ويمكن أن يروج... أكثر من البحث عن النص العميق الذي يتعب الذهن

ولا بد من الإشارة إلى أن مؤسس موقع «إنكيت» هو في الأصل مختص في علوم الكومبيوتر، عشق منذ صغره التكنولوجيا والهواتف الجوالة التي كان يسعى للحصول عليها مستعملة ليجري تجاربه، وعمل في عدد من الشركات قبل أن تأتيه فكرة الموقع الإلكتروني المعني بالنشر في سان فرنسيسكو، والذي يفسح المجال أمام مسابقات، ونقاشات مع الكتّاب. فهو، بالتالي، مشروع مفتوح على كثير من الأنشطة التي تدور حول الكتب والنصوص. وحين يجري التحدث عن هذا النوع من المواقع، فغالباً ما يصنّف على أنه وجد للترفيه، وهذا يغير من الرؤية إلى نوعية المنشورات، وإلى الفئة المستهدفة بالكتب؛ إذ بات يعتقد أن كل المنتجات التي تتيح لعامة الجمهور المتعة؛ سواء أكانت رياضية أم فنية أم أدبية، تصب في خانة الترويح عن النفس. من هنا يفهم أن النصوص ليس الهدف منها التثقيف بقدر ما إن الهدف من نشرها التسلية والترويح عن النفس. وعلى منصة «إنكيت» نعثر على خانات نختار منها تبعاً للأجواء التي نحتاجها؛ هناك روايات حول: الحب، والمغامرة، والمزاح، والرعب، والخيال العلمي، والشعر، والأحجية، والإثارة، والرومانسية، والدراما، والأطفال... وغيرها. والموقع ينشر الكتب بلغات عدة؛ الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية... لكن التطلعات واسعة لانتشار أكبر، ولتوسيع الخدمات الترفيهية التي تحيط بالكتب ونصوصها.

واحتفل فريق «إنكيت» العام الماضي بتصنيف «فايننشيال تايمز» له «الشركة الأسرع نمواً في ألمانيا» و«الثامنة في أوروبا».

 

الموقعان هما:

https://www.inkitt.com

https://getgalatea.com


مقالات ذات صلة

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

يوميات الشرق أحياناً يكون ما نبحث عنه أقرب مما نظنّ (مؤسّسة «أوكسفام»)

بَحَثَ 5 سنوات عن كتاب... فوجده مصادفةً في مكتبة قريبة

عبَّر رجل من بلدة دنبلين باسكوتلندا عن «دهشته الشديدة» بعد رحلة بحث عن كتاب ورقي نادر استمرت 5 سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».