منصة «إنكيت»... مجموعة وسائط تبدأ بالكتاب ومنه تتوسع نتاجاتها

النشر الرقمي والقراءة المجانية يدرّان الملايين

فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
TT

منصة «إنكيت»... مجموعة وسائط تبدأ بالكتاب ومنه تتوسع نتاجاتها

فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع

تجربة موقع «إنكيت» لنشر الكتب ذاتياً تستحق النظر في جدواها، وربما الاستفادة منها. صاحب المبادرة ومديرها التنفيذي هو العراقي الأصل؛ الألماني النشأة، علي البزاز، المولود في بغداد عام 1989، قبل أن تترك عائلته البلاد وهو بعدُ صغير. ويعدّ البزاز نفسه «أول ناشر في العالم» يعتمد على القارئ، وتوفر منصته اكتشاف المواهب الخفية وتحولهم إلى مؤلفين ناجحين، بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

الموقع، الذي احتفل بعشر سنوات على انطلاقته العام الماضي، منصة مفتوحة، تتيح للكاتب أن ينشر كتابه بنفسه، وتترك للقراء أن يختاروا بحرية المؤلّف الذي يعجبهم. والكتب التي تحوز إعجاب أكبر عدد من القراء تصبح موقع جذب لمزيد من المهتمين، ومن ثم فستجد هذه المؤلفات الفائزة حظها للانتقال إلى منصة أخرى هي امتداد للأولى؛ تحمل اسم «غالاتيا».

يبدو المشروع طموحاً جداً؛ إذ يراد منه أن يتحول إلى إمبراطورية من الوسائط المتعددة، التي تنشر الكتب، وتنتج من هذه القصص أفلاماً ومسلسلات، وتستوحي ألعاب فيديو، وربما أمكن مستقبلاً كتابة قصص ينتجها الذكاء الاصطناعي؛ بناء على المعطيات التي شكلها من خلال بيانات جمعها مما كتبه البشر، ونُشرت على الموقع، ونالت حظوة عند القراء. وقد أُنتج بالفعل مسلسل تلفزيوني يستند إلى كتاب من موقع «غالاتيا» بعنوان «خطأ جميل»، ويبدو أنه لقي نجاحاً. والذكاء الاصطناعي الذي يعتمد عليه الموقع له فضل في التسريع بتطوير المنصة، ويسهم في تحويل الكتب المكتوبة إلى مسموعة، كما يشارك في وضع الأغلفة، ويتيح ترجمة الكتاب الواحد إلى لغات عدة. يبقى السؤال حول نوعية ومدى كفاءة كل هذه المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي وهو لا يزال في مراحله البدائية.

كل هذا يبدو كأنه من الخيال العلمي، إنما صاحب المشروع الذي بدأ بشركة ناشئة صغيرة، تمكن من اجتذاب ملايين المستخدمين، وفق المؤسس نفسه، وأقنع مستثمرين بدفع عشرات ملايين الدولارات لتطوير المشروع لغاية الآن، خصوصاً أنه يعدّ أن خوارزمياته يمكن أن تعطيه دفعاً قوياً في الاختيار والتطوير يفوق ما تستطيعه أي دار تقليدية.

ويعتمد البزّاز على فكرة أن دور النشر التي تُخضع المخطوطات لفحص لجان القراءة تقع في أخطاء، يتبين بعد ذلك أنها كانت فادحة. فكاتبة «هاري بوتر»، جيه كي رولينغ، قدمت مخطوطتها إلى عشر دور ورُفضت قبل أن تتحول إلى «بيست سيلر»، والحال نفسها حدثت مع كتاب «كاري» لمؤلفه ستيفن كينغ، كذلك رفضت تكراراً رواية «توايلايت» لستيفاني مايرز.

ولكن هل ينجح فعلاً الذكاء الاصطناعي في اختيار المخطوطات المناسبة؛ أفضل من البشر؟ وما الأسس والقواعد التي يستند إليها؟ وهل البيانات وحدها قادرة على تنقية الجيد من الرديء؟ وما نوعية الكتب التي يريد صاحب موقع «إنكيت» الترويج لها؟ خصوصاً أنه لا يحبذ التعامل مع الأسماء المعروفة والذائعة الصيت على موقعه، فهو ليس المكان لنشر المكرسين والمعروفين، خصوصاً أن هؤلاء لا يؤمنون عادة بهذا الأسلوب الذي لا يزال قيد التجريب. ومع ذلك، فإن كتّاب الموقع كثر حتماً؛ لأن من يحلمون بالكتابة والنشر، وفرة فائضة، وبالتالي فالسوق مفتوحة ولا حدود لها.

تجربة النشر الإلكتروني الذاتي المفتوح للجميع، ليست جديدة بالكامل كما يدّعي صاحب موقع «إنكيت»؛ فالصين فتحت لجمهور الكتّاب الناشئين مواقع من هذا النوع قبل نحو عشرين سنة، وتركت الحكم للقراء، من خلال التقييم واختيار عدد النجوم التي يستحقها كل كتاب، لتصبح الأكثر قراءة وتداولاً في المقدمة، ومن ثم تطبع ورقياً ويروج لها، ويستفاد منها في كتابة سيناريوهات سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية. لكن جمهوراً من المدققين كان وراء هذه المواقع، وقد خرج منها بالفعل نجوم في عالم الأدب. وبعض الأدباء المعروفين اليوم، الذين هم في ثلاثيناتهم، بدأوا النشر على المواقع الرقمية، لكن أعدادهم ليست بالكثرة التي يمكن أن يتخيلها البعض؛ لأن السمين غالباً ما يضيع وسط الغث.

عام 1997 قام رجل الأعمال الصيني - الأميركي ويليام تشو بإنشاء موقع أدبي تجاري، كان الأول من نوعه حينها، ومن بعده توالت المواقع الصينية. ومع بدء القرن الحادي والعشرين، كان كثير من المواقع قد ظهر، ومنذ حينها أصبح النشر عليها جزءاً من الحركة الأدبية الصينية، وليس مجرد مرادف للنشر التقليدي.

لكن هذا النوع من الأدب ليس مما يرضي الكتّاب التقليديين الذين باتوا ينعون النصوص الجادة. وبمراجعة موقع «إنكيت»، يُلحظ الميل للإثارة والتشويق، وما يرضي القارئ ويمكن أن يروج، أكثر من البحث عن النص العميق الذي يتعب الذهن.

يعتقد البعض أن أدب الإنترنت تحكمه النزعة التجارية، ويسير على غير هدى لأنه لا يخضع لأي عملية نقدية جادة، بل هو يمضي وفقاً لهوى قراء لا باع لهم في الأدب وشؤونه. وثمة من يرى أن هذه الكتابات مليئة بالقرصنة، وهناك من يقول إن البعض يستغلها للترويج لأمور بعينها لا تكون مقبولة عادة في الأعمال التي تمر عبر فلاتر دور النشر المعروفة.

أما المشجعون لمواقع النشر والقراءة الإنترنتيين فيستندون إلى ما يعدّونها ميزات لا يمكن تجاهلها؛ منها الوصول إلى كل الناس حين يكون متاحاً بالمجان، وأكثر حرية؛ لأنه لا يخضع للجان الناشرين أو الرقابات الرسمية والاجتماعية، والمقاييس التقليددية، كما أنه يصبح تفاعلياً تلقائياً، وتصل الأصداء من القراء إلى الكاتب بسرعة البرق، وبشكل مباشر دون وسيط. كما أنه نوع من النشر يتيح ظهور أشكال أدبية جديدة، مثل النصوص القصيرة، والشعر الرقمي، والمدونات الأدبية؛ مما يطور الأساليب والصيغ التعبيرية بشكل مستمر.

ويستند المدافعون عن هذا النوع من المواقع إلى أرقام تظهر أن النشر الإلكتروني التفاعلي أعاد كثيرين إلى القراءة... فقد بيّن استطلاع صيني أن 85 في المائة من القراء يفضلون مطالعة كتبهم على وسائل رقمية أكثر من الورقية. لكن دراسة أخرى تقول إن غالبية الذين يستخدمون هذه المواقع؛ سواء للنشر وللقراءة، هم دون الأربعين من العمر. وهذا يعطي فكرة عن تقسيمات مجتمعية حادة، تخضع ليس للطبقية الاجتماعية هذه المرة؛ إنما لانقسام حادٍ بين الأجيال.

وبيّن تقرير صيني أن القراء يتجاوزون البلاد إلى آسيا وغيرها، وفي آسيا غالبيتهم ولدوا بعد عام 1995؛ 60 في المائة منهم حاصلون على شهادات جامعية، بمعنى أنهم على مستوى من المعرفة، ونحو 60 في المائة من القراء من الإناث، وهم من دول جنوب وجنوب شرقي آسيا مثل إندونيسيا والفلبين وماليزيا والهند.

والبزاز؛ مؤسس موقع «إنكيت»، يستند في دفاعه عن منصته إلى معلومات مشابهة، كما يعدّ أن الدفع الذي لقيته المتاجر الإلكترونية خلال وباء «كورونا»، زال أو يكاد بعد عودة الناس إلى حياتهم الطبيعية، والشراء الإلكتروني لم يعد على ما كان عليه، لكن موقعه لم يتأثر؛ بل على العكس، فالكتب المقروءة إنترنتياً تحظى بزيادة واضحة في نسبة المهتمين، بل تعيد الملايين للقراءة والأدب؛ ذلك لأن عامة الناس بعد انتهاء الوباء، وبسبب الضغوط التي يعيشونها، «يبحثون عن مهرب، ونعتقد أن هذا هو سبب ازدهارنا»؛ يقول البزّاز.

بمراجعة موقع «إنكيت» يُلحظ الميل للإثارة والتشويق وما يرضي القارئ ويمكن أن يروج... أكثر من البحث عن النص العميق الذي يتعب الذهن

ولا بد من الإشارة إلى أن مؤسس موقع «إنكيت» هو في الأصل مختص في علوم الكومبيوتر، عشق منذ صغره التكنولوجيا والهواتف الجوالة التي كان يسعى للحصول عليها مستعملة ليجري تجاربه، وعمل في عدد من الشركات قبل أن تأتيه فكرة الموقع الإلكتروني المعني بالنشر في سان فرنسيسكو، والذي يفسح المجال أمام مسابقات، ونقاشات مع الكتّاب. فهو، بالتالي، مشروع مفتوح على كثير من الأنشطة التي تدور حول الكتب والنصوص. وحين يجري التحدث عن هذا النوع من المواقع، فغالباً ما يصنّف على أنه وجد للترفيه، وهذا يغير من الرؤية إلى نوعية المنشورات، وإلى الفئة المستهدفة بالكتب؛ إذ بات يعتقد أن كل المنتجات التي تتيح لعامة الجمهور المتعة؛ سواء أكانت رياضية أم فنية أم أدبية، تصب في خانة الترويح عن النفس. من هنا يفهم أن النصوص ليس الهدف منها التثقيف بقدر ما إن الهدف من نشرها التسلية والترويح عن النفس. وعلى منصة «إنكيت» نعثر على خانات نختار منها تبعاً للأجواء التي نحتاجها؛ هناك روايات حول: الحب، والمغامرة، والمزاح، والرعب، والخيال العلمي، والشعر، والأحجية، والإثارة، والرومانسية، والدراما، والأطفال... وغيرها. والموقع ينشر الكتب بلغات عدة؛ الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية... لكن التطلعات واسعة لانتشار أكبر، ولتوسيع الخدمات الترفيهية التي تحيط بالكتب ونصوصها.

واحتفل فريق «إنكيت» العام الماضي بتصنيف «فايننشيال تايمز» له «الشركة الأسرع نمواً في ألمانيا» و«الثامنة في أوروبا».

 

الموقعان هما:

https://www.inkitt.com

https://getgalatea.com


مقالات ذات صلة

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

كتب المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة.

ندى حطيط
كتب وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء،

فيصل بن عبد الرحمن بن معمر
كتب باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية،

بدر الخريف (الرياض)
كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية
TT

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

المفاوضات... التاريخ الخفي للبشرية

ليست المفاوضات مهارة يتقنها المديرون التنفيذيون بينما يعقدون صفقاتهم فحسب، ولا هي ممارسة غامضة حكراً على الدبلوماسيين في أروقة الأمم المتحدة. إنها، في جوهرها، الفعل الإنساني الأقدم الذي رافق وجودنا على هذا الكوكب منذ اللحظة التي أدرك فيها أول كائنين من نوعنا أن البقاء يمكن تحققه بغير الصراع حتى الموت، عبر التفاوض على الموارد، والمساحات، والسلام.

تشتق كلمة مفاوضات باللغة الإنجليزية (Negotiation) من الجذر اللاتيني «Negare Otium»، التي تعني حرفياً «نفي الراحة» أو «حرمان النفس من الفراغ». وهذا التعريف اللغوي يختصر حكاية تاريخنا البشري: المفاوضات هي ضريبة العيش المشترك: عملية ذهنية شاقة تتطلب التخلي عن «الراحة» (التي قد تعني التمسك بالرأي أو الغريزة) للوصول إلى أرضية مشتركة.

لكن لماذا نتفاوض أصلاً؟ يجادل عالم الاجتماع جوناثان غودمان Jonathan Goodman في كتابه «منافسون خفيون Invisible Rivals: How We Evolved to Compete in a Cooperative World» بأننا لسنا «ملائكة» متعاونين بالفطرة، ولا «أشراراً» أنانيين بطبعنا. نحن ببساطة كائنات «تنتظر الفرصة». هذه «الفرصة» لاقتناص مكسبٍ دون تكلفة هي المحرك الخفي لكل صراعاتنا وتوافقاتنا. ومن هنا، فإن تاريخ المفاوضات هو في الحقيقة تاريخ محاولتنا المستمرة للسيطرة على هذه النزعة الانتهازية، والمقايضة تكون بذلك أول اختبار لترويض الغريزة.

في العصور السحيقة، لم يكن ثمة «مفاوض» محترف، بل بشر يطمحون للنجاة. حين بادل الإنسان الأول قطعة لحمٍ بحفنة من الحبوب، لم يكن يقوم بعملية اقتصادية فحسب، بل يُجري أول تجربة في «نظرية الألعاب» لحساب احتمالات الربح والخسارة. يرى روبرت أكسلرود Robert Axelrod في كتابه «تطور التعاون» (The Evolution of Cooperation)، أن تلك المبادلات الأولى كانت ضروريةً لإنشاء ما نسميه «المعاملة بالمثل». لقد تحتمّ على البشر إدراك أن التعاون هو الاستراتيجية الأكثر نجاحاً في الأمد الطويل، ليس بوصفنا «خيّرين بالفطرة»، بل لأن «الدماغ الاجتماعي» لدينا تطور ليقدّر: هل الطرف الآخر شريك يمكن الوثوق به، أم هو منافس خفي يترقب الفرصة للغدر بنا؟

ومع تطور المجتمعات، تحولت هذه المقايضات من التلقائية إلى هياكل مؤسسية (قوانين، عقود، أعراف). في بلاد ما بين النهرين ومصر القديمة، كانت العقود محاولة لتسييج «القيمة»؛ أي لمنع الأفراد من استغلال بعضهم البعض، ونقل المجتمع من منطق الغابة إلى قانون العقد.

تطور الأمر وصولاً إلى «صلح وستفاليا» في القرن السابع عشر، الذي وضع القواعد الأساسية للدبلوماسية الحديثة. منذئذ، أصبحت المفاوضات هي اللغة الوحيدة المعترف بها بين الدول، وغدا التنازل المتبادل هو الثمن الذي تدفعه الدول لتجنب الحروب الشاملة. إن تاريخ العالم هو فعلياً تاريخ للاتفاقات التي تم التوصل إليها، والحروب التي اندلعت حين فشلت هذه المفاوضات.

بيد أن هذه الهياكل ليست حصينة دائماً. فحين تنهار الثقة أو تتفاقم الطموحات بالربح، تنكشف هشاشة تلك القواعد، ويعلو صوت القوة فوق الحق. وعلى المسرح الجيوسياسي، تتخذ تمظهرات أكثر تعقيداً. خذ على سبيل المثال التوترات الأحدث بين الولايات المتحدة وإيران عندما لا تقتصر المفاوضات على الطاولة المستديرة في إسلام آباد؛ بل تتجاوزها لتشمل العقوبات الاقتصادية، والتحركات العسكرية، والرسائل المبطنة، والدبلوماسية الخلفية. وفي هذه البيئات، لا نلجأ فقط إلى العقلانية الاقتصادية، بل ندخل في متاهات علم النفس السياسي، حيث تُستخدم استراتيجيات قد تبدو غير منطقية لتحقيق مكاسب استراتيجية.

في خضم هذا الصراع الجيوسياسي، استعادت الصحف مصطلحاً تاريخياً مثيراً للجدل: «نظرية الرجل المجنون» (Madman Theory) في المفاوضات التي صاغها الحائز على جائزة نوبل توماس شيلينغ Thomas Schelling في كتابه «استراتيجية الصراع» (The Strategy of Conflict). وتقوم النظرية - التي اشتهرت في عهد الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر خلال الحرب الباردة - على فكرة أن يقوم المفاوض بتبني سلوك يبدو «غير عقلاني» تجاه الخصم، لإقناعه بأن لديه استعداداً للذهاب إلى أقصى الحدود، حتى لو أدى ذلك إلى كارثة.

الهدف من هذا الجنون الموجه إخافة الخصم ليدفعه إلى التنازل طواعية دون الحاجة لخوض مواجهة مباشرة. ولكن في عالمنا المعاصر، ومع التداخل الكبير في شبكات المصالح العالمية، أصبحت هذه الاستراتيجية سلاحاً ذا حدين. فالمفاوضات اليوم تتطلب «بناء الثقة» أكثر من «بناء الرعب»، إذ إن التمادي في تكتيكات «الرجل المجنون» قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فيفقد الأطراف القدرة على تقدير النوايا، ما يقود إلى سوء التقدير الذي لا تحمد عقباه. هل لا يزال هذا النهج صالحاً اليوم؟ ربما في التكتيكات قصيرة الأمد، لكنه بالتأكيد لا يبني استقراراً طويل الأمد.

وإذا كان أكسلرود يرى في المفاوضات أداة لتثبيت التعاون، فإن شيلينغ يرينا جانبها المظلم، حيث تُستخدم «الفرصة» (فرصة إخافة الآخر) لقلب الطاولة. هذا الانتقال من التعاون إلى الترهيب يعكس التحدي الدائم في عالمنا: كيف نحمي أنفسنا من «المنافس الخفي» الذي قد يستغل غياب القواعد لفرض إرادته؟

بسبب هذا التذبذب التاريخي بين التعاون والصدام، سعت مدارس الفكر الحديث لتقديم نهج بديل. الكتاب الأكثر تأثيراً في هذا المجال، «الوصول إلى نعم» (Getting to Yes) للباحثين في مشروع هارفارد للمفاوضات روجر فيشر وويليام أوري (Roger Fisher & William Ury)، أحدث قطيعة معرفية مع فكرة المفاوضات التنافسية. يدعو فيشر وزميله إلى «المفاوضات القائمة على المبادئ»، أي عزل المشاعر عن المشكلة، والبحث عن توسيع قالب الكعكة بدلاً من تناهش قطع منها. إن هذا النموذج هو في الحقيقة محاولة لتفكيك «المنافس الخفي» داخلنا، وتحويله من كائن يترصد الفرصة للغش، إلى شريك يدرك أن مصلحته الحقيقية تكمن في ازدهار شريكه.

اليوم، نقف أمام منعطف تاريخي يضع هذه المبادئ على المحك: الذكاء الاصطناعي. فهذا التطور الأحدث لا يغير أدواتنا التفاوضية فحسب، وإنما يعيد صياغة فضاء «الفرصة» نفسها. وإذا كان غودمان قد حذر من «المنافسين الخفيين» الذين يتربصون بفرص استغلال الآخر، فإن الخوارزميات اليوم توفر لهؤلاء المنافسين «غطاءً تقنياً» مثالياً.

ولذلك فإن التساؤل الآن ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيجعلنا أكثر عقلانية، إنما هل سيعزز من قدرتنا على «التلاعب الخفي»؟ إننا كنوع بشري نميل إلى تفويض المسؤولية الأخلاقية للآلة؛ فإذا «قرر» الذكاء الاصطناعي شروط العقد، من المسؤول حينها عن استغلال «الفرصة» لظلم الطرف الآخر؟ ولعل تحدي العقد القادم للمفاوضين سيتعلق بتصميم هياكل أخلاقية وقانونية تمنع الآلة من أن تصبح أداة مثالية للمنافس الخفي، وكيف نحافظ على «التعاطف الاستراتيجي» الذي هو جوهر المفاوضة البشرية، والذي لا تستطيع أي خوارزمية محاكاته.

من هذا المنطلق، لم يعد التفاوض التعاوني ترفاً أخلاقياً، بقدر ما هو استجابة تطورية لحقيقتنا ككائنات تعيش في بيئة مليئة بمنافسين يترقبون الفرصة. وعندما ننظر إلى الأزمات الكبرى اليوم من التغير المناخي إلى الانقسامات الجيوسياسية نجد أن الحلول الصفرية (أربحُ وتخسر) تعمق الأزمات وتطيل عمرها.

إن المفاوضات مسار حتمي سيفرض حضوره في تاريخ البشر، كفعلٍ تأسيسي يعيد تشكيل العلاقة بالآخر وبالذات في آنٍ واحد، ويفتح أفقاً للعبور من ماضٍ مديد حكمته غريزة اقتناص «الفرصة» بأي تكلفة، ذلك الماضي الذي تشكّل على إيقاع الغلبة، وتكرّست فيه القوة بوصفها امتلاكاً وإخضاعاً. وفي هذا العبور، تتجلّى القوة في صورةٍ أخرى: القدرة على التقاط ذلك الخيط الرفيع الذي تتقاطع عنده المصالح، وعلى الإصغاء إلى ما يكمن خلف الضجيج من إمكانات التلاقي العميق كأفقٍ أعلى للوجود الإنساني.

ومن هذا الفضاء، ينبثق الغد كثمرة وعيٍ يتجاوز وهم الانفصال ومنطق الفرصة، لتتبدّى حكمة التفاوض صيغةً لإعادة ترتيب العالم على أساس إدراك تشابكه البنيوي.


وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام
TT

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

وزارة الثقافة وهندسة قطاع ثقافي مستدام

في عهد قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وعضده الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، تشكَّل مسار جديد للثقافة في المملكة بوصفه جزءاً أصيلاً من مشروع الدولة؛ ليعيد تعريف موقع الثقافة داخل الدولة. ودخل ضمن صميم مشروع وطني يرسخ بناء الاقتصاد والمجتمع والهوية معاً؛ إذ حدَّدت «رؤية 2030» هذا المسار بوضوح، حين ربطت الثقافة بجودة الحياة، وبالاقتصاد، وبصناعة الصورة الدولية للمملكة. ومن هنا بدأ الانتقال من رعاية النشاط إلى بناء القطاع.

ضمن هذا الإطار؛ عَملَت وزارة الثقافة بقيادة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، فنجحت في تحول هذا الملف من الطرح العام إلى التنفيذ المنهجي؛ وتأسَّست هيئات متخصصة لكل قطاع، من المكتبات والأدب إلى الموسيقى إلى الأفلام إلى التراث. هذا التقسيم لم يكن تنظيمياً فقط؛ بل مهنياً. كل هيئة تحمل مساراً واضحاً، وتمتلك أدواتها، وتعمل وفق مؤشرات أداء. بهذه الخطوة، انتقلت الثقافة من خطاب جامع عام إلى قطاعات إنتاجية محددة.

تغيَّر السؤال فعلياً، ولم يعد: ماذا سنعرض؟ بل: ماذا سنبني؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حدثٍ ينتهي وأثرٍ يتراكم؛ لذلك ظهرت برامج التدريب، ومسارات الابتعاث الثقافي، وحاضنات الأعمال الإبداعية. دخلت الجامعات، وارتبطت بالسوق، وبدأت المهن الثقافية تتشكل كخيارات عمل مستقرة لا كهوايات مؤقتة.

لم تأتِ الإنجازات منفصلة؛ ولكن كسلسلة مترابطة: تأسيس البنية النظامية؛ إطلاق الاستراتيجيات القطاعية؛ تمكين المستثمرين؛ توسيع الشراكات الدولية؛ كل خطوة تبني على ما قبلها؛ ولعل هذا ما منح المشروع تماسكه.

في ملف الصناعات الثقافية؛ حدث التحول الأوضح: النشر، السينما، الأزياء، التصميم، والموسيقى تحولت إلى أنشطة اقتصادية لها سلاسل قيمة واضحة. صدرت تراخيص، ودخلت شركات، وبدأت السوق تتشكل. في قطاع الأفلام مثلاً، تضاعف الإنتاج المحلي خلال سنوات قليلة، وظهرت دور عرض، وارتفع حجم الإيرادات. هذه مؤشرات سوق، لا مظاهر احتفالية.

أما التراث؛ فخرج من دائرة الحفظ إلى دائرة التشغيل. مبادرات، مثل: ترميم البلدات التراثية أعادت توظيف المكان. في جدة التاريخية والعلا وقرى عسير، ومؤخراً وليس أخيراً إطلاق المشروع الواعد بمشيئة الله (قرية سدوس التاريخية) بهدف عودة النشاط الاقتصادي إلى الأحياء القديمة؛ حيث فُتحت وستُفتح مشاريع ضيافة، ونشطت حرف مهمة، وارتفعت حركة الزوار. التراث هنا أصبح أصلاً منتجاً. هذا التحول يحقق معادلة واضحة: حماية الهوية مع توليد دخل.

ومؤخراً كان لي شرف حضور ملتقى القطاع غير الربحي الثقافي الأخير، بوصفه محطة عمل. كانت النقاشات فيه مباشرة، وتركزت على النماذج التشغيلية، والاستدامة، وقياس الأثر. طُرحت تجارب واقعية من جمعيات ومؤسسات استطاعت الانتقال من الاعتماد على الدعم إلى بناء مواردها. وبرز توجه واضح نحو الحوكمة، ورفع كفاية الإدارة، وربط التمويل بالنتائج. ما ميَّز الملتقى هو وضوح اللغة. لم يكن هناك ميل للتجميل، ولكن التركيز على التحديات الفعلية، وكيفية معالجتها بأدوات عملية. هذا المستوى من الطرح يعكس نضجاً في القطاع، ويؤكد أن المرحلة الحالية تتطلب كفاية تشغيل.

وفي هذا السياق، وضعت كلمة الوزير الإطار الجامع لهذه النقاشات، لتحوِّلها من أطروحات إلى مسار عمل ملزم. وجاءت لتغلق مرحلة وتفتح أخرى. الرسالة الأساسية كانت حاسمة. لا مكان لكيان ثقافي بلا نموذج عمل ولا مؤشرات أداء. الدعم مشروط بالنتائج: النماء والأثر، ولن يكون مفتوحاً. هذا التوجه الرشيد يدفع الجمعيات إلى إعادة بناء نفسها. ويسهم في ظهور هياكل إدارية، وخطط تشغيل، وشراكات تمويل. من التزم استمر، ومن اكتفى بالحماس تراجع!

إعادة تعريف «الشرعية الثقافية» تمثل جوهر المرحلة. لم تعد الشرعية تُمنح بالاسم ولا التاريخ؛ بل بالأثر: كم مشروعاً استمر أكثر من 3 سنوات؟ كم فرصة عمل وُفِّرت؟ كم برنامجاً درَّب على مهارات قابلة للسوق؟ هذه المعايير أصبحت المرجع. هذا التحول -بلا شك- سينعكس على القوى الناعمة للمملكة.

الحضور الثقافي الخارجي لم يعد مناسبات، إنما مشاركة مستمرة في معارض الكتاب، ومهرجانات السينما، وبرامج التبادل الثقافي. المنتج السعودي بدأ يصل بوصفه محتوى منافساً، لا تمثيلاً رمزياً.

وقد تغيَّرت العلاقة بين الدولة والمجتمع أيضاً بعدما حدَّدت الدولة بوصلة الاتجاه، ووضعت الأنظمة، ووفرت الممكنات؛ تمهيداً لدخول المجتمع شريكاً في الإنتاج؛ يستثمر القطاع الخاص؛ ويوسِّع القطاع غير الربحي من الأثر الاجتماعي. هذا التوزيع للأدوار سيخلق توازناً تشغيلياً؛ بما يخفف العبء عن الدولة ويرفع كفاية التنفيذ؛ لتصبح اللغة السائدة اليوم داخل القطاع الثقافي واضحة: أرقام؛ مؤشرات؛ عوائد؛ استدامة.

هذه اللغة الجديدة ستفرض الانضباط، وتحول دون استمرار المشروع الذي لا يقيس أثره. بهذا المعنى، تصبح الثقافة أداة بناء ونماء لا عنصر تزيين. تخلق مزيداً من الوظائف، وتطور مزيداً من المهارات، وتجذب كثيراً من الاستثمارات. وفي الوقت نفسه، تعيد صياغة العلاقة مع الهوية مورداً حياً يدخل في الاقتصاد والحياة اليومية.

وفي يقيني أن المرحلة المقبلة ستدفع نحو تعميق هذا المسار، وزيادة مساهمة القطاع في الناتج المحلي، وتوسيع التصدير الثقافي، ورفع كفاية الكيانات غير الربحية، وتعزيز حضور المدن الصغيرة في المشهد الثقافي.

بهذا الاتساق؛ يمكن قراءة ما يحدث بوصفه انتقالاً مكتمل الأركان: فكرة تتحول إلى مؤسسة، مؤسسة تنتج أثراً، أثر يستقر في حياة الناس. هنا فقط تكتمل دورة الثقافة كجزء من مشروع الدولة.

*المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة


باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ
TT

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

باحث سعودي ينجز أول كتاب بالعربية عن بصمة الدماغ

أنجز باحث سعودي دراسة علمية ضمّنها في كتاب صدر حديثاً عن تقنية بصمة الدماغ، في إطار يجمع بين علوم السمات الحيوية والعلوم العصبية المعرفية، ويُعد هذا الكتاب الأول من نوعه باللغة العربية الذي يتناول دراسة علمية منهجية لتقنية بصمة الدماغ.

يقول مؤلف الكتاب العميد الدكتور عادل عبد الرحمن العيد لـ«الشرق الأوسط»: «شهدت أنظمة السمات الحيوية تطوراً كبيراً خلال العقود الأخيرة، وأصبحت إحدى الركائز الأساسية في أنظمة التحقق من الهوية والأمن الرقمي في العالم، واعتمدت على خصائص فريدة أودعها الله في الإنسان مثل بصمات الأصابع، وبصمة قزحية العين، وملامح الوجه، وبصمة الصوت، وبصمة الحمض النووي. وقد أسهمت هذه الأنظمة في تعزيز الأمن في المطارات والمنافذ الحدودية والأنظمة المصرفية، وفي الجامعات ومراكز الأبحاث والمستشفيات والمنشآت الحساسة. غير أن التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي وظهور أساليب التزييف العميق وتقليد السمات البيولوجية، كشف عن تحديات جديدة تتعلق بموثوقية بعض هذه الأنظمة. وقد دفع ذلك العلماء إلى البحث عن جيل أكثر تقدماً من تقنيات التحقق يعتمد على خصائص أكثر عمقاً وأصالة، وهو ما أدى إلى ظهور مجالات السمات العصبية، التي تعتمد على النشاط العصبي للدماغ بوصفه أحد أعظم مظاهر التفرد الإنساني».

ويذكر المؤلف العيد أن «الكتاب يركز على تقنية بصمة الدماغ التي تعتمد على تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي وتحليل موجات الاستجابة المعرفية المرتبطة بالذاكرة، وعلى رأسها موجة التعرف P300 التي تظهر تلقائياً عندما يتعرف الدماغ على معلومات مخزنة مسبقاً في الذاكرة. وتكشف هذه الاستجابة العصبية عن حقيقة معرفية مهمة، وهي أن الدماغ يحمل توقيعاً معرفياً فريداً يعكس ما يعرفه الإنسان وما يختزنه في ذاكرته».

والكتاب يقدم، كما يضيف المؤلف، عرضاً علمياً لتطور أنظمة السمات الحيوية عبر التاريخ، بدءاً من الاستخدامات المبكرة للبصمات في الحضارات القديمة، مروراً بتطور علم بصمات الأصابع في القرن التاسع عشر، وصولاً إلى الأنظمة الرقمية الحديثة التي تعتمد على قواعد البيانات الضخمة والخوارزميات والذكاء الاصطناعي.

ويبرز الكتاب الدور السعودي المتقدم في تبني وتطوير تقنيات السمات الحيوية، حيث كانت السعودية من الدول الرائدة في المنطقة في بناء منظومات تحقق بيومترية متقدمة ضمن البنية الأمنية والتحول الرقمي. فقد شهدت المملكة خلال العقود الماضية تطوراً كبيراً في تطبيق أنظمة الهوية والبصمة من خلال مركز المعلومات الوطني وقطاعات وزارة الداخلية، إضافة إلى إدماج التقنيات البيومترية في أنظمة الأحوال المدنية والجوازات والمنافذ الحدودية والخدمات الحكومية الرقمية الأخرى، بما يتوافق مع مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وأشار العيد إلى أن الكتاب يناقش الأسس العصبية والإدراكية لتقنية بصمة الدماغ، ويشرح البنية الوظيفية للدماغ وآليات الذاكرة والانتباه المرتبطة بتوليد الإشارات العصبية، إضافة إلى تحليل التطبيقات المحتملة لهذه التقنية في مجالات التحقيق الجنائي والأمن والتحقق من المعلومات. ويتناول كذلك الأبعاد القانونية والأخلاقية المرتبطة باستخدام التقنيات العصبية، مؤكداً ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وحماية الخصوصية والكرامة الإنسانية.

ويخلص إلى أن تقنية بصمة الدماغ تمثل مرحلة متقدمة في تطور أنظمة التحقق من الهوية، إذ تنتقل عملية التحقق من السمات الجسدية الظاهرة إلى الخصائص المعرفية العصبية المرتبطة بذاكرة الإنسان. كما يشير إلى أن التكامل المستقبلي بين علوم الأعصاب والذكاء الاصطناعي قد يسهم في تطوير أنظمة تحقق أكثر دقة وموثوقية، مما يجعل السمات العصبية أحد أهم الاتجاهات العلمية في مستقبل الأمن والتحقق من الهوية.

وبذلك يسعى الكتاب إلى تقديم مرجع علمي عربي يجمع بين العلم الحديث والتأمل في الإعجاز الإلهي في خلق الإنسان، ويواكب التطورات العالمية في مجال السمات العصبية وتقنيات التحقق المتقدمة، مع إبراز الدور المتنامي للمملكة العربية السعودية في تطوير وتبني هذه التقنيات.

هذا الكتاب هو السادس للدكتور العيد، إذ سبق أن أنجز كتباً عن الحاسب في علم البصمات، والأنظمة الآلية في القياسات الحيوية للتحقق من الشخصية، وأنظمة القياسات الحيوية والطموحات من التطبيقات العملية، وتطور التعرف والتحقق من الشخصية بالبطاقة الشخصية، والتحقق من الشخصية في العصر الرقمي.