منصة «إنكيت»... مجموعة وسائط تبدأ بالكتاب ومنه تتوسع نتاجاتها

النشر الرقمي والقراءة المجانية يدرّان الملايين

فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
TT

منصة «إنكيت»... مجموعة وسائط تبدأ بالكتاب ومنه تتوسع نتاجاتها

فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع
فريق عمل «إنكيت» في أحد احتفالاته بالموقع

تجربة موقع «إنكيت» لنشر الكتب ذاتياً تستحق النظر في جدواها، وربما الاستفادة منها. صاحب المبادرة ومديرها التنفيذي هو العراقي الأصل؛ الألماني النشأة، علي البزاز، المولود في بغداد عام 1989، قبل أن تترك عائلته البلاد وهو بعدُ صغير. ويعدّ البزاز نفسه «أول ناشر في العالم» يعتمد على القارئ، وتوفر منصته اكتشاف المواهب الخفية وتحولهم إلى مؤلفين ناجحين، بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

الموقع، الذي احتفل بعشر سنوات على انطلاقته العام الماضي، منصة مفتوحة، تتيح للكاتب أن ينشر كتابه بنفسه، وتترك للقراء أن يختاروا بحرية المؤلّف الذي يعجبهم. والكتب التي تحوز إعجاب أكبر عدد من القراء تصبح موقع جذب لمزيد من المهتمين، ومن ثم فستجد هذه المؤلفات الفائزة حظها للانتقال إلى منصة أخرى هي امتداد للأولى؛ تحمل اسم «غالاتيا».

يبدو المشروع طموحاً جداً؛ إذ يراد منه أن يتحول إلى إمبراطورية من الوسائط المتعددة، التي تنشر الكتب، وتنتج من هذه القصص أفلاماً ومسلسلات، وتستوحي ألعاب فيديو، وربما أمكن مستقبلاً كتابة قصص ينتجها الذكاء الاصطناعي؛ بناء على المعطيات التي شكلها من خلال بيانات جمعها مما كتبه البشر، ونُشرت على الموقع، ونالت حظوة عند القراء. وقد أُنتج بالفعل مسلسل تلفزيوني يستند إلى كتاب من موقع «غالاتيا» بعنوان «خطأ جميل»، ويبدو أنه لقي نجاحاً. والذكاء الاصطناعي الذي يعتمد عليه الموقع له فضل في التسريع بتطوير المنصة، ويسهم في تحويل الكتب المكتوبة إلى مسموعة، كما يشارك في وضع الأغلفة، ويتيح ترجمة الكتاب الواحد إلى لغات عدة. يبقى السؤال حول نوعية ومدى كفاءة كل هذه المهام التي يقوم بها الذكاء الاصطناعي وهو لا يزال في مراحله البدائية.

كل هذا يبدو كأنه من الخيال العلمي، إنما صاحب المشروع الذي بدأ بشركة ناشئة صغيرة، تمكن من اجتذاب ملايين المستخدمين، وفق المؤسس نفسه، وأقنع مستثمرين بدفع عشرات ملايين الدولارات لتطوير المشروع لغاية الآن، خصوصاً أنه يعدّ أن خوارزمياته يمكن أن تعطيه دفعاً قوياً في الاختيار والتطوير يفوق ما تستطيعه أي دار تقليدية.

ويعتمد البزّاز على فكرة أن دور النشر التي تُخضع المخطوطات لفحص لجان القراءة تقع في أخطاء، يتبين بعد ذلك أنها كانت فادحة. فكاتبة «هاري بوتر»، جيه كي رولينغ، قدمت مخطوطتها إلى عشر دور ورُفضت قبل أن تتحول إلى «بيست سيلر»، والحال نفسها حدثت مع كتاب «كاري» لمؤلفه ستيفن كينغ، كذلك رفضت تكراراً رواية «توايلايت» لستيفاني مايرز.

ولكن هل ينجح فعلاً الذكاء الاصطناعي في اختيار المخطوطات المناسبة؛ أفضل من البشر؟ وما الأسس والقواعد التي يستند إليها؟ وهل البيانات وحدها قادرة على تنقية الجيد من الرديء؟ وما نوعية الكتب التي يريد صاحب موقع «إنكيت» الترويج لها؟ خصوصاً أنه لا يحبذ التعامل مع الأسماء المعروفة والذائعة الصيت على موقعه، فهو ليس المكان لنشر المكرسين والمعروفين، خصوصاً أن هؤلاء لا يؤمنون عادة بهذا الأسلوب الذي لا يزال قيد التجريب. ومع ذلك، فإن كتّاب الموقع كثر حتماً؛ لأن من يحلمون بالكتابة والنشر، وفرة فائضة، وبالتالي فالسوق مفتوحة ولا حدود لها.

تجربة النشر الإلكتروني الذاتي المفتوح للجميع، ليست جديدة بالكامل كما يدّعي صاحب موقع «إنكيت»؛ فالصين فتحت لجمهور الكتّاب الناشئين مواقع من هذا النوع قبل نحو عشرين سنة، وتركت الحكم للقراء، من خلال التقييم واختيار عدد النجوم التي يستحقها كل كتاب، لتصبح الأكثر قراءة وتداولاً في المقدمة، ومن ثم تطبع ورقياً ويروج لها، ويستفاد منها في كتابة سيناريوهات سينمائية أو مسلسلات تلفزيونية. لكن جمهوراً من المدققين كان وراء هذه المواقع، وقد خرج منها بالفعل نجوم في عالم الأدب. وبعض الأدباء المعروفين اليوم، الذين هم في ثلاثيناتهم، بدأوا النشر على المواقع الرقمية، لكن أعدادهم ليست بالكثرة التي يمكن أن يتخيلها البعض؛ لأن السمين غالباً ما يضيع وسط الغث.

عام 1997 قام رجل الأعمال الصيني - الأميركي ويليام تشو بإنشاء موقع أدبي تجاري، كان الأول من نوعه حينها، ومن بعده توالت المواقع الصينية. ومع بدء القرن الحادي والعشرين، كان كثير من المواقع قد ظهر، ومنذ حينها أصبح النشر عليها جزءاً من الحركة الأدبية الصينية، وليس مجرد مرادف للنشر التقليدي.

لكن هذا النوع من الأدب ليس مما يرضي الكتّاب التقليديين الذين باتوا ينعون النصوص الجادة. وبمراجعة موقع «إنكيت»، يُلحظ الميل للإثارة والتشويق، وما يرضي القارئ ويمكن أن يروج، أكثر من البحث عن النص العميق الذي يتعب الذهن.

يعتقد البعض أن أدب الإنترنت تحكمه النزعة التجارية، ويسير على غير هدى لأنه لا يخضع لأي عملية نقدية جادة، بل هو يمضي وفقاً لهوى قراء لا باع لهم في الأدب وشؤونه. وثمة من يرى أن هذه الكتابات مليئة بالقرصنة، وهناك من يقول إن البعض يستغلها للترويج لأمور بعينها لا تكون مقبولة عادة في الأعمال التي تمر عبر فلاتر دور النشر المعروفة.

أما المشجعون لمواقع النشر والقراءة الإنترنتيين فيستندون إلى ما يعدّونها ميزات لا يمكن تجاهلها؛ منها الوصول إلى كل الناس حين يكون متاحاً بالمجان، وأكثر حرية؛ لأنه لا يخضع للجان الناشرين أو الرقابات الرسمية والاجتماعية، والمقاييس التقليددية، كما أنه يصبح تفاعلياً تلقائياً، وتصل الأصداء من القراء إلى الكاتب بسرعة البرق، وبشكل مباشر دون وسيط. كما أنه نوع من النشر يتيح ظهور أشكال أدبية جديدة، مثل النصوص القصيرة، والشعر الرقمي، والمدونات الأدبية؛ مما يطور الأساليب والصيغ التعبيرية بشكل مستمر.

ويستند المدافعون عن هذا النوع من المواقع إلى أرقام تظهر أن النشر الإلكتروني التفاعلي أعاد كثيرين إلى القراءة... فقد بيّن استطلاع صيني أن 85 في المائة من القراء يفضلون مطالعة كتبهم على وسائل رقمية أكثر من الورقية. لكن دراسة أخرى تقول إن غالبية الذين يستخدمون هذه المواقع؛ سواء للنشر وللقراءة، هم دون الأربعين من العمر. وهذا يعطي فكرة عن تقسيمات مجتمعية حادة، تخضع ليس للطبقية الاجتماعية هذه المرة؛ إنما لانقسام حادٍ بين الأجيال.

وبيّن تقرير صيني أن القراء يتجاوزون البلاد إلى آسيا وغيرها، وفي آسيا غالبيتهم ولدوا بعد عام 1995؛ 60 في المائة منهم حاصلون على شهادات جامعية، بمعنى أنهم على مستوى من المعرفة، ونحو 60 في المائة من القراء من الإناث، وهم من دول جنوب وجنوب شرقي آسيا مثل إندونيسيا والفلبين وماليزيا والهند.

والبزاز؛ مؤسس موقع «إنكيت»، يستند في دفاعه عن منصته إلى معلومات مشابهة، كما يعدّ أن الدفع الذي لقيته المتاجر الإلكترونية خلال وباء «كورونا»، زال أو يكاد بعد عودة الناس إلى حياتهم الطبيعية، والشراء الإلكتروني لم يعد على ما كان عليه، لكن موقعه لم يتأثر؛ بل على العكس، فالكتب المقروءة إنترنتياً تحظى بزيادة واضحة في نسبة المهتمين، بل تعيد الملايين للقراءة والأدب؛ ذلك لأن عامة الناس بعد انتهاء الوباء، وبسبب الضغوط التي يعيشونها، «يبحثون عن مهرب، ونعتقد أن هذا هو سبب ازدهارنا»؛ يقول البزّاز.

بمراجعة موقع «إنكيت» يُلحظ الميل للإثارة والتشويق وما يرضي القارئ ويمكن أن يروج... أكثر من البحث عن النص العميق الذي يتعب الذهن

ولا بد من الإشارة إلى أن مؤسس موقع «إنكيت» هو في الأصل مختص في علوم الكومبيوتر، عشق منذ صغره التكنولوجيا والهواتف الجوالة التي كان يسعى للحصول عليها مستعملة ليجري تجاربه، وعمل في عدد من الشركات قبل أن تأتيه فكرة الموقع الإلكتروني المعني بالنشر في سان فرنسيسكو، والذي يفسح المجال أمام مسابقات، ونقاشات مع الكتّاب. فهو، بالتالي، مشروع مفتوح على كثير من الأنشطة التي تدور حول الكتب والنصوص. وحين يجري التحدث عن هذا النوع من المواقع، فغالباً ما يصنّف على أنه وجد للترفيه، وهذا يغير من الرؤية إلى نوعية المنشورات، وإلى الفئة المستهدفة بالكتب؛ إذ بات يعتقد أن كل المنتجات التي تتيح لعامة الجمهور المتعة؛ سواء أكانت رياضية أم فنية أم أدبية، تصب في خانة الترويح عن النفس. من هنا يفهم أن النصوص ليس الهدف منها التثقيف بقدر ما إن الهدف من نشرها التسلية والترويح عن النفس. وعلى منصة «إنكيت» نعثر على خانات نختار منها تبعاً للأجواء التي نحتاجها؛ هناك روايات حول: الحب، والمغامرة، والمزاح، والرعب، والخيال العلمي، والشعر، والأحجية، والإثارة، والرومانسية، والدراما، والأطفال... وغيرها. والموقع ينشر الكتب بلغات عدة؛ الإنجليزية، والفرنسية، والألمانية، والإسبانية... لكن التطلعات واسعة لانتشار أكبر، ولتوسيع الخدمات الترفيهية التي تحيط بالكتب ونصوصها.

واحتفل فريق «إنكيت» العام الماضي بتصنيف «فايننشيال تايمز» له «الشركة الأسرع نمواً في ألمانيا» و«الثامنة في أوروبا».

 

الموقعان هما:

https://www.inkitt.com

https://getgalatea.com


مقالات ذات صلة

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

«الأمل مرضي المفضل»... الماضي وجراحه روائيّاً

في المفارقة التي ينطوي عليها عنوان رواية «الأمل مرضي المفضل» للروائي المصري مينا ناجي، يتحدد أحد توتراتها الأساسية

منى أبو النصر (القاهرة)
ثقافة وفنون الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

الذات والتاريخ في «مرآتان لوجه واحد»

صدر أخيراً في القاهرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب ديوان «مرآتان لوجه واحد» للشاعر العراقي عدنان الصائغ، ضمن إصدارات سلسلة «الإبداع العربي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني
TT

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

أياد مدني
أياد مدني

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، الصحافي والوزير السعودي السابق، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه، والبحث عن معنى انتمائه السعودي والعربي والإسلامي، في عالم تتنازعه الهويات والأفكار ومراكز القوة. إنها سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، ومن الذاكرة الفردية وسيلة لفهم أسئلة جيل سعودي عاصر تغيرات كبرى في بلاده والعالم.

الكتاب، الذي صدر أولاً بالإنجليزية بعنوان «A Saudi Tale: Readings and Encounters in Search for Consciousness»، وترجمه إلى العربية الدكتور وليد بليهش العمري، يمثل امتداداً لتجربة مؤلفه الذي تنقل بين الصحافة والعمل العام. فقد تولى رئاسة تحرير «سعودي جازيت»، والإدارة العامة لمؤسسة «عكاظ»، ثم عضوية مجلس الشورى، ووزارتي الحج والثقافة والإعلام، وصولاً إلى الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي.

غير أن هذه المواقع لا تشكل محور الكتاب، وإنما الخلفية التي أتاحت لصاحبه اختبار أفكاره عن المجتمع والدولة والعالم.

من السيرة إلى سؤال الوعي

يبدأ مدني من مفهوم الوعي، الذي لا يختزله في المعرفة أو المواقف الفكرية، بل يراه تكويناً شاملاً يحدد علاقة الإنسان بذاته ومحيطه. ويقول في مقدمته: «يُقال إن الوعي ليس مجرد آراء أو معلومات أو منظومة قيم، بل هو حالة شاملة، تكوين متكامل يصوغ إدراكنا للواقع ويمنحنا رؤية متكاملة للعالم».

ثم يقول: «هذه الصفحات جوهرها حوار مع الذات، عن معنى أن يكون المرء سعودياً، وأن يكون أيضاً عربياً ومسلماً».

ومن هذا المنطلق، يطرح السؤال الذي يحكم مشروعه: «هل بالإمكان أن تتصالح هذه الهويات مع معطيات الحداثة؟ ما الحداثة حقاً؟ وهل يمكن أن توجد حداثات متعددة؟ بل هل أصبحت الحداثة، في ذاتها، مفهوماً متقادماً؟».

ولا يدعي الكاتب امتلاك إجابات نهائية، بل يصف عمله بأنه «جولة تأملية في سيرة فكرية، تقف على منابع الوعي، ومجاريه».

يتوزع الكتاب على خمسة أقسام، تبدأ بـ«مكونات وأطر»، حيث يتناول نشأة الوعي وتجربته الصحافية وبروز النظام العالمي الجديد. ويناقش القسم الثاني: «منظومة مجتمعية مثلى» لقضايا الإرادة العامة والفرد والعلاقات الاجتماعية. ثم ينتقل في «الجنوب العالمي، في أثر الأصالة» إلى أسئلة التحرر والتمييز والهوية، قبل أن يبحث في «الآفاق اللصيقة» الرؤية الإسلامية للعالم ومعضلة العرب والسردية السعودية، وصولاً إلى قسم «الحصيلة».

المدينة المنورة... نقاش الحداثة

من أكثر صفحات الكتاب دلالة استعادة المؤلف أجواء المدينة المنورة في شبابه، حيث كانت النقاشات الفكرية والسياسية تتسع بين طلاب المدارس خلال الستينات ومطلع السبعينات. ويذكر أن مثل هذه النقاشات لم تكن أمراً مستهجناً أو نادراً، بل كانت «جزءاً من الحراك الفكري اليومي».

وهنا يستعيد أسماء مثل محمد حسن عواد وعبد الله القصيمي وأحمد السباعي وحمزة شحاتة وعبد الله عبد الجبار، بوصفهم من رموز ذلك الحراك. ويتوقف عند كتاب «خواطر مصرحة» للعواد، الذي يرى أنه أسهم في كسر الجمود وفتح الطريق أمام الحداثة، وعند التحولات الفكرية لعبد الله القصيمي، الذي انتقل من الدفاع عن التقليد إلى نقد الموروث والدعوة إلى التحرر من سلطة التاريخ والعقائد الجامدة.

ولم تتوقف اهتمامات الشباب عند الفكر العربي. فقد حضرت الوجودية من خلال جان بول سارتر، وألبير كامو، وسيمون دي بوفوار، إلى جانب دوستويفسكي، وآرثر ميلر، وإميلي برونتي، كما حضرت قضايا القومية والتحرر من الاستعمار والاشتراكية العلمية، وأفكار محمد إقبال، وعلي شريعتي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ومالك بن نبي.

ويستحضر المؤلف صورة من الحياة الثقافية في المدينة، حين كانت أم كلثوم تصل بصوتها عبر الإذاعة المصرية إلى تجمعات الشباب تحت النخيل، في مشهد تتداخل فيه الموسيقى مع القراءة والنقاش.

ولا يبالغ مدني في تصوير نضج تلك التجربة، إذ يعترف بأن النقاشات لم تكن دائماً عميقة، لكنها جاءت ضمن «محاولات دؤوبة لخلق شعور داخلي بفهم الذات، وفي الوقت نفسه الانتماء إلى عالم أوسع، تتقاطع فيه الأفكار والهويات وتتشابك الأسئلة».

وتقدم هذه الشهادة جانباً من تاريخ الثقافة السعودية، يكشف أن أسئلة الحرية والحداثة والهوية كانت حاضرة في أوساط شبابية قبل عقود.معنى أن تكون سعودياً

تحتل الهوية السعودية موقعاً محورياً في الكتاب. ويرفض مدني اختزال السعوديين في هويتهم العربية أو الإسلامية وحدها، داعياً إلى فهم خصوصية تجربتهم التاريخية والثقافية، «لا بوصف السعوديين مجرد مسلمين أو عرب، بل بوصفهم سعوديين بهويتهم المتفردة وتجربتهم الخاصة».

ويشير إلى أن السعوديين لم يخضعوا للاستعمار الغربي، لكنهم لم يكونوا بمعزل عن تأثيراته الثقافية والمعرفية. ولذلك لا يرى أن مواجهة الصور النمطية تتحقق بالرفض، وإنما بامتلاك المعرفة وأدوات البحث والتطوير، والقدرة على إنتاج تصور مستقل للتقدم.

يقول: «ليست الهُويّة السعودية محض قشرة تحمل قيماً دخيلة، كما أنّ السعوديين لم يخضعوا يوماً لاستعمار أو استعباد الرجل الأبيض. ومع هذا، لا ينكر وجود صراع، صراع مع غرب يُعد متفوقاً. وتفوقه هذا لا ينبع من الهيمنة العسكرية فحسب، بل من امتلاكه لأدوات المعرفة والتقنية والخبرة، ومن قدرته عبر البحث والتطوير والإعلام الجماهيري العابر للحدود، على فرض تصور معياري للنجاح، وتبني أنماطه الثقافية» (ص 39).

ويطرح سؤالاً: «وإذا لم يعِ السعوديون معنى (سعوديتهم)، فكيف يمكن لهم أن يعرّفوا شعورهم بالانتماء؟ وكيف يصيغون إدراكهم لهوية وطنية مدنية متفردة؟».

وهنا ينتقل الكتاب من نقد نظرة الآخرين إلى السعوديين، إلى مساءلة الطريقة التي يفهم بها السعوديون أنفسهم، ومدى قدرتهم على صياغة سرديتهم الوطنية.

سيرة فكرية تتخذ من التجربة الشخصية مدخلاً لمساءلة التحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية

الهوية والسرديات المهيمنة

يمتد البحث عن الهوية إلى الانتماءين الإسلامي والعربي. ففي الأول، يميز المؤلف بين الإسلام بوصفه تجربة إيمانية وحضارية، وبين توظيف الدين لتبرير الهيمنة والعنف. ويناقش ظاهرة «الإسلاموفوبيا»، التي اختزلت الإسلام في التطرف وأغفلت إسهاماته الفكرية والحضارية.

أما في هويته العربية، فيستحضر أثر الاستعمار والروايات الغربية عن التاريخ العربي، ويناقش الرواية الصهيونية للتاريخ الفلسطيني، بوصفها أحد مظاهر الصراع على الذاكرة والهوية.

ويضع مدني هذه الأسئلة ضمن نقد أوسع للسردية الغربية التي تجمع الليبرالية والديمقراطية والرأسمالية والفردانية في نموذج واحد للتقدم، متسائلاً عن قدرة المجتمعات خارج الغرب على إنتاج رؤيتها الخاصة دون الانغلاق أو التبعية.

الحصيلة... مراجعة المسلمات

في خاتمة الكتاب، يعود مدني إلى السؤال الذي انطلق منه: كيف يتشكل الوعي؟ وما علاقة الفرد بمجتمعه والعالم؟

ويؤكد أن الحقوق الإنسانية ليست امتيازاً ثقافياً غربياً، قائلاً: «كانت قناعة أساسية لا تبرحني بأن مبدأ امتلاك كل إنسان لحقوق أساسية ليست حكراً على الثقافة الغربية».

كما يرفض الانغلاق بوصفه وسيلة لحماية الهوية، مؤكداً أن المملكة «لا يمكن أن تغلق أبوابها وتكتفي على ذاتها أو أن تنعزل عن العالم الخارجي».

وتبدو خلاصة تجربته أقرب إلى الدعوة إلى هوية واعية بذاتها، لا تتخلى عن جذورها، ولا تجعل منها عائقاً أمام التقدم. هوية تقبل الحوار وتراجع المسلمات، وتمنح الفرد حق المشاركة في تشكيل مستقبله.

وتكمن أهمية «حكاية سعودية» في أنه لا يقدم الهوية بوصفها إجابة مكتملة، وإنما سؤالاً يستدعي المراجعة. كما يقدم شهادة عن جيل سعودي عاش التحولات الكبرى، وحاول أن يفهم موقعه فيها.

ومن هذه الزاوية، فإن الكتاب ليس حكاية رجل فحسب، بل قراءة في تشكل الوعي السعودي، وفي العلاقة بين الخصوصية الوطنية والانتماء الإنساني، وبين الذاكرة والحداثة، وبين ما ورثه الإنسان من أفكار وما يختار أن يكون عليه.


الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي
TT

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

الحب والفقد في مقصورة هاتف عمومي

هل يمكن لمكالمة هاتفية واحدة أن تريح قلباً محطماً يعتصره الألم، وتسحقه مشاعر الذنب؟... تطرح الكاتبة الكورية لي سو يون هذا التساؤل على قرائها في روايتها «هاتف الوداعات الأخيرة» التي تصدرت قوائم «الأكثر مبيعاً»، وصدرت ترجمتها إلى العربية عن دار «الكرمة» بالقاهرة، بتوقيع محمد نجيب.

تتمتع الرواية بلغة شديدة الرهافة، وحوارات مثيرة للشجن، ومشاهد تمزج بين الواقع والفانتازيا، وتدور درامياً حول الموت، والفقد، ولماذا لا نعرف قيمة من نحب إلا بعد أن يرحلوا عنا، وكيف نتعايش مع موجات الندم التي تلاحقنا بعد الرحيل، لكن النص يقطع شوطاً أبعد ليسأل: ماذا يمكن أن يقال إذا أتيحت لنا فرصة أخيرة لنلقاهم بعد رحيلهم؟

تدور الحبكة حول فكرة غريبة ومؤثرة تتمثل في مقصورة هاتف عمومي غامض يتيح للأحياء فرصة التواصل مع أحبائهم الذين رحلوا، والبداية تنطلق في الحكاية مع جي - آن، التي فقدت والدها في طفولتها، وظلت تحمل في داخلها أسئلة كثيرة عن رحيله.

وعندما تعثر على الهاتف، تتمكن للمرة الأولى من سماع صوته، في تجربة تهز عالمها، وتدفعها إلى البحث عن سر المقصورة، ومساعدة أشخاص آخرين يعيشون ألم الفقد، يساعدها في ذلك أنها تعمل بمركز متخصص في «التشريح النفسي»، حيث يسعى إلى فهم الظروف النفسية والاجتماعية التي أحاطت بأشخاص أنهوا حياتهم، خصوصاً حالات الانتحار.

ومن خلال عملها يتقاطع مصيرها مع ستة أشخاص، يحمل كل منهم قصة فقد مختلفة لشخص عزيز، وأسئلة لم يجدوا لها إجابات، ومشاعر من الذنب، والندم، والغضب، والحيرة، عبر مشاهد تجمع بين أجواء الأدب النفسي ودراما المشاعر المؤثرة، حتى تتحول المقصورة تدريجياً إلى رمز للوداع الأخير.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في زمن كانت أعمدة الإنارة لا تزال نادرة، بدا الحي في النهار مشرقاً بفضل الجداريات التي رُسمت بحجة تطوير المنطقة، ولكن حين يُسدل الليل ستاره كانت تلك الرسوم تتحول إلى أشكال باهتة تشبه سراباً، أو حيوانات غامضة، فتزيد المكان عزلة، ووحشة.

في هذا الحي كان جي - وو يربي طفليه، وكان قلقه يزداد، لأن ابنته جي - آن تصر على الخروج، وانتظاره في كل مساء، فتاة في الرابعة عشرة من عمرها أنهت لتوها المرحلة الابتدائية، ذات وجه شاحب، وابتسامتها تتسع كلما رأت ملامح والدها، فيتوهج وجهها أكثر من ضوء النهار، ولأجل تلك الابتسامة كانت خطوات جي - وو تتسارع كلما تأخر في العودة إلى المنزل.

أبي!

كانت جي - آن تنتظره دائماً في المكان نفسه أمام مقصورة هاتف عمومي يقع في زاوية زقاق مظلم يعلوه مصباح صغير نُصب خصيصاً لمستخدمي مقصورة الهاتف، وتحت الضوء الباهت كانت ابنته تبتسم ببراءة صافية كلما رأته يقترب. وحين اقترب أسرع الخطى حتى لم تعد تفصله عنها سوى لمسة يد، فخشي أن تفلت من بين يديه كما يفلت الحُلم».


الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع
TT

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر» للباحثة ومصممة الجرافيك الدكتورة بهية شهاب، مؤسسة برنامج التصميم الغرافيكي بالجامعة.

تقوم فكرة الكتاب على استخدام الإعلانات التجارية عبر 100 عام بوصفها أداة مسكوتاً عنها من أدوات كتابة التاريخ الشعبي، غير الرسمي، بما فيه من جوانب مجتمعية واقتصادية وسياسية وثقافية، فالإعلانات تقدم رؤية شيقة وغير تقليدية لتطور المجتمعات على مستويات مختلفة.

ويستند الكتاب إلى أكثر من 350 إعلاناً منشوراً في الصحف والمجلات المصرية في الفترة من 1880 إلى 1980، حيث يكشف عن كيف عكست الأفكار الترويجية ملامح مجتمع كان يتغير باستمرار، وفي الوقت نفسه أسهمت في تشكيل أفكاره وتطلعاته.

واعتمدت المؤلفة في إعداد العمل على بحث أرشيفي واسع شمل آلاف الإعلانات المحفوظة في مكتبة الكتب النادرة والمجموعات الخاصة بالجامعة، انطلاقاً من رغبتها في أن يفهم أبناء الجيل الجديد تطور مجتمعهم من زاوية تاريخية مختلفة تتسم بالحيوية والطرافة.

يرصد الكتاب رحلة الإعلان المصري عبر خمس مراحل رئيسية، تبدأ بما قبل عام 1920، حين لعبت الصحف والمطبوعات المختلفة دوراً في وضع الأسس الأولى لصناعة الإعلان في مصر، ثم ينتقل إلى عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وهي الفترة التي شهدت ازدهاراً ملحوظاً في حركة النشر، وانعكس ذلك بصورة واضحة على شكل الإعلانات ومضامينها.

وفي أربعينات القرن العشرين، توقفت المؤلفة أمام مرحلة «التمصير»، وما صاحبها من تغير في الطريقة التي قدمت بها الإعلانات، وشيوع مفاهيم مثل الرفاهية والترفيه والصحة والنظافة، ثم تأتي ثورة 1952 لتحدث تحولاً عميقاً في المشهد الاقتصادي والصناعي، خاصة مع سياسات التأميم والتوسع في الصناعات المملوكة للدولة، وهو ما ترك أثره بدوره على سوق الإعلان والرسائل التي يقدمها.

ومع السبعينات، دخلت مصر مرحلة مختلفة مع الاتجاه نحو اقتصاد السوق والانفتاح، فتبدلت طبيعة المنتجات المطروحة في السوق، وظهرت معها تطلعات ورغبات جديدة لدى الناس وأنماط مختلفة للحياة والاستهلاك، قبل أن يصل البحث إلى الثمانينات، متابعاً التحول الذي أحدثه انتشار الإعلان التلفزيوني، وكيف بدأ هذا الوافد الجديد في تغيير موقع الإعلان المطبوع وطريقة حضوره وتأثيره.

واللافت أن قراءة الإعلانات المصرية على امتداد مائة عام لم تكن وسيلة للتعرف على المنتجات التي كانت رائجة في كل فترة زمنية فحسب، وإنما كشفت أيضاً عن الكثير من ملامح الحياة السياسية والاجتماعية في تلك الفترات.

وعلى سبيل المثال، في الخمسينات والستينات حضر جمال عبد الناصر بقوة في الإعلانات، سواء من خلال إعلانات التهنئة والدعم، أو تلك التي روجت لأفكار المرحلة وتوجهاتها، إلى جانب الإعلان عن المنتجات نفسها، كما برز في الوقت ذاته الاهتمام المتزايد بالصناعات الوطنية، مع انتشار الإعلانات التي تروج للمنتجات المصرية.

ومع تغير المرحلة السياسية، ظهر أنور السادات أيضاً في سياقات إعلانية تعكس طبيعة الحقبة وتوجهاتها الجديدة من حيث الانفتاح على الغرب والولايات المتحدة، كما سبق أن ظهرت صور زعماء سياسيين مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس باشا في إعلانات لبعض المنتجات الوطنية في مرحلة ما قبل عبد الناصر وثورة يوليو (تموز).