الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟

الإقطاع المعاصر يتسلّح برأس المال السحابي والمنصّات الرقمية

الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟
TT

الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟

الإقطاعية التقنية: هل هي بديل الرأسمالية؟

أسئلة الصغار غالباً ما تكون شديدة الخطورة والأهمية رغم بساطتها الخادعة. الصغار لا يناورون ولا يعرفون أفانين المراوغة. يسألون عن كلّ شيء وأي شيء. قد لا نعير الكثير من الأهمية لأسئلتهم، وقد نحاول الاحتيال عليها والتملّص منها؛ لكننا أحياناً قليلة قد نجتهدُ في تقديم إجابات مناسبة لها. ليس هذا بالأمر اليسير أبداً؛ لكنّ يانيس فاروفاكيس (Yanis Varoufakis)، وزير المالية اليوناني الأسبق وأستاذ الاقتصاد بجامعة أثينا، هو أحد القلّة الذين لم يشاؤوا التفلّت من سؤال ابنته الصغيرة: (لماذا يا أبي يوجد هذا القدر من اللامساواة في العالم؟). اجتهد الرجل بقدر ما استطاع، وكانت النتيجة كتاباً ممتازاً عنوانه (الحديث مع ابنتي: تاريخ موجز للرأسمالية Talking to My Daughter: A Brief History of Capitalism). تُرْجِم الكتاب إلى لغات عديدة (منها العربية). واصل فاروفاكيس مهمته في الكتابة، فنشر عديداً من الكتب المهمّة أحدثُها هو الكتاب المعنون (الإقطاعية التقنية: ما الذي قتل الرأسمالية؟ TechnoFeudalism: What Killed Capitalism). الكتاب منشور عام 2023.

يقدّمُ فاروفاكيس في هذا الكتاب رؤية استشرافية أقلُّ ما يقال عنها إنها جريئة وليست منقادة بدوافع آيديولوجية محضة. جوهرُ رؤية فاروفاكيس أنّ الرأسمالية المعاصرة (النظام النيوليبرالي على وجه التخصيص) هي في طريقها إلى الاندثار، وأنّ معالم هذا الاندثار ليست إحدى الأزمات الدورية الكلاسيكية التي وسمت الرأسمالية منذ نشوئها، ويؤكّدُ أنّ عصر ما بعد أزمة «كوفيد-19» بات يقدّمُ المصاديق لحتمية هذا الاندثار. الرأسمالية تموت.. هذا ما يراه فاروفاكيس، هي الآن تحتضر، وليس موتها سوى مسألة وقت لن يطول كثيراً.

تتأسّسُ رؤية فاروفاكيس على افتراض أساسي: الرأسمالية المعاصرة صارت عاجزة من حيث إنّ ديناميات اشتغالها المعروفة في الأدبيات الاقتصادية لم تعد تعمل مع الاقتصاديات المعاصرة. المسألة ليست شكلية بقدر ما هي تحوّل جوهري تاريخي. الرأسمالية بأكملها (وليس جزءاً منها فحسب) بات يستبدلها نظام آخر مختلف كلياً عنها، هو الإقطاعية التقنية (TechnoFeudalism). في قلب هذا الافتراض تكمن مفارقة ساخرة مُرْبِكة وغير متوقّعة: العنصر الذي قتل الرأسمالية هو رأس المال (Capital)!!، وهو ليس رأس المال التقليدي الذي عرفناه في فجر الثورة الصناعية، بل هو نمط جديد من رأس المال الذي نشأ خلال العقدين الماضيين. الأمر أشبه بأن ينقلب السحر على الساحر: يمكن تشبيه الأمر بأنّ الرأسمالية نمّت داخلها فيروساً غبياً واهناً طيّعاً لها، ثمّ حصل أن تغوّل ذلك الفيروس حتى قتل مُضيفَهُ الذي رعاه عقوداً كثيرة. يوضّحُ فاروفاكيس أنّ تطوّريْن جوهريين ساهما في تغوّل الإقطاعية التقنية وانطفاء الرأسمالية النيوليبرالية: خصخصة الشبكة العالمية (الإنترنت) والسيطرة عليها من قِبل عمالقة التقنية الرقمية من الأمريكيين والصينيين، والكيفية التي تعاملت بها الحكومات الغربية والبنوك المركزية مع الأزمة المالية الكبرى عام 2008.

يمتاز عصر الإقطاعية التقنية بأنّ الرأسمال فيه شهد طفرة بات معها يوصف بِـ(الرأسمال السحابي Cloud Capital)، وتلك إشارة إلى الحوسبة السحابية التي صارت الفاعلية الأكثر شيوعاً في العالم الرقمي. هذا المال السحابي قوّض دعامتين أساسيّتين في الرأسمالية الكلاسيكية والنيوليبرالية: الأسواق والأرباح. هذا لا يعني أنّ الإقطاعية التقنية لم تعد تهتم بالأسواق والأرباح، بل إنّ ما حصل فعلاً خلال العقدين الماضيين أنّ الأسواق والأرباح تراجعتا من مكانتيهما في مركز النظام الاقتصادي والاجتماعي لعالمنا، ودُفِعتا دفعاً نحو هوامش مقصودة، ثمّ حصل استبدالهما بالكيفية التالية: الأسواق استُبدل بها المنصات التجارية الرقمية التي تبدو للوهلة الأولى أسواقاً كلاسيكية، لكنها ليست كذلك. هي أقرب لأن تكون إقطاعيات (Fiefdoms). أمّا الأرباح فتمّ استبدالها بالمعادل الإقطاعي، وهو الإيجار (Rent)، (وهو كلفة بضاعتك الرقمية في هذه المنصّات).

ما هي الحصيلة الختامية لهذا الاستبدال الجوهري؟ السطوة الحقيقية في عالمنا لم تعد متمركزة بأيدي مالكي الرأسمال الكلاسيكي من آلات ومصانع وسكك حديد وشبكات هاتف وروبوتات صناعية... إلخ، بل صارت السطوة تتمركز أكثر فأكثر بأيدي طبقة جديدة من لوردات الإقطاعية الرقمية، وهي الأخوات الست العظام (أمازون، غوغل، آبل، ميتا «أو فيسبوك»، مايكروسوفت، تسلا). صارت الأخوات النفطية السبع ذكرى منسية من ماضٍ بعيد.

يتساءل فاروفاكيس في تقديمه المهم للكتاب:

«... هل يؤثّر هذا الأمر على الطريقة التي نعيش بها ونختبر حيواتنا من خلالها؟ بالتأكيد يؤثر كثيراً. إدراكُ حقيقة أنّ عالمنا بات محكوماً بإقطاعيين تقنيين سيساعدنا في تفكيك كثير من الأحاجي - الصغيرة والكبيرة - في عالمنا: من الثورة الخضراء المخادعة وقرار إيلون ماسك شراء منصّة «تويتر»، إلى الحرب الباردة الجديدة بين الولايات المتحدة والصين، وكيف أنّ الحرب في أوكرانيا صارت تهدّد عرش السيادة الدولارية الأميركية. سنفهم كذلك حقيقة موت الكائن الليبرالي، واستحالة الديمقراطية الاجتماعية، وزيف وعود العملة الرقمية (الكريبتو Crypto)، وقبل هذا وذاك سنستكشف أبعاد التساؤل الممض الذي لم يزل يتأجج في دواخلنا: كيف السبيل لاستعادة استقلاليتنا، وربما حريتنا...».

كما ذكرتُ سابقاً، كتب فاروفاكيس كتابه الخاص بمختصر تاريخ الرأسمالية على شكل إجابة مطوّلة لتساؤل ابنته، ويبدو أنّ هذه المقاربة السردية قد استأنس لها (وأظنّ أن كثرة من القرّاء شاركوه هذا الاستئناس وأنا منهم)؛ لذا عمد إلى توصيف عصر الإقطاعية التقنية الحالية بهيئة رسالة مطوّلة كتبها إلى أبيه المتوفّى، جواباً عن سؤال كان أبوه قد طرحه عليه عام 1993. بعد مقدّمة مكثفة يأتي متن الكتاب في سبعة فصول، يشرح فاروفاكيس في الفصلين الأوّلين منها التاريخ الكلاسيكي للرأسمالية (تحوّلات الرأسمالية على وجه التحديد)، ثمّ يتناول في الفصل الثالث مفهوم رأس المال السحابي، ثمّ يعقبه في الفصل الرابع نشأة وصعود سطوة السحابيين (The Cloudists)، وخفوت مفهوم الربح الكلاسيكي، ثمّ يتناول في الفصلين الخامس والسادس التأثير العالمي المتعاظم للإقطاعيات التقنية ودورها في الحرب الباردة الجديدة، ثم يخصص الفصل الأخير (السابع) للحديث عن الوسائل المناسبة للهرب من سطوة الإقطاعيين الرقميين. يرفد فاروفاكيس كتابه بملحقات ثلاثة تثري الموضوع الرئيسي للكتاب بإضاءات إضافية.

أهمّ ما نتعلّمه من أطروحة فاروفاكيس هو أنّ النظم الاقتصادية العالمية ما عادت صناعة آيديولوجية خالصة، بل إنّ التقنيات صارت هي العنصر الحاسم في تشكيلها

لن أخفي إعجابي بكتابات فاروفاكيس، وأظنّه يستحقّ هذا الإعجاب، خاصة أنّه يقدّمُ الموضوعات الاقتصادية في سياق تاريخي - اجتماعي - سياسي مركّب، وليس كتلةً معلوماتية/تقنية صلدة، لكنّ هذا الإعجاب ينبغي ألا يتحوّل إلى قناعة راسخة بكلّ أطروحات فاروفاكيس. نحن في النهاية نقرأ ونتساءل ونستكشف ونقارن ونتعلّم. كثيرون يرون أنّ فاروفاكيس يكتب من واقع تجربته المرّة مع الاتحاد الأوروبي الذي يرى أنه سعى لإذلال اليونان ودفعها لتطبيق شروط تقشف صارمة، وآخرون يرون أنّ فاروفاكيس يظل تلميذاً مخلصاً لنزوعه السياسي الماركسي الملطّف بنكهة عقلانية عملية، لكن القارئ الحيادي سيتعلّم كثيراً من أطروحات فاروفاكيس. هي في النهاية ليست آيديولوجيا ملزمة لأحد منّا. أهمّ ما نتعلّمه من أطروحة فاروفاكيس هو أنّ النظم الاقتصادية العالمية ما عادت صناعة آيديولوجية خالصة، بل إنّ التقنيات صارت هي العنصر الحاسم في تشكيلها. هذا ما يجب أن ننتبه إليه في عالمنا العربي بخاصة.

 

الإقطاعية التقنية: ما الذي قتل الرأسمالية؟

(TechnoFeudalism: What Killed Capitalism).

تأليف: يانيس فاروفاكيس Yanis Varoufakis

دار النشر: بودلي هيد

Bodley Head

2023.


مقالات ذات صلة

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

يوميات الشرق الروائيّ اللبناني جبّور الدويهي (فيسبوك)

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

عشيّة الذكرى الثالثة لرحيله، تتحدّث عائلة الروائيّ اللبنانيّ جبّور الدويهي عن سنواته الأخيرة، وعن تفاصيل يوميّاته، وعن إحياء أدبِه من خلال أنشطة متنوّعة.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

رواية «حكاية صفية» للروائية الكويتية ليلى العثمان الصادرة عام 2023، رواية جريئة بشكل استثنائي

فاضل ثامر
كتب بعض واجهات المكتبات

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا

ألكسندرا ألتر
كتب الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

يتناول الناقد والباحث اليمني د. فارس البيل نشأة وجذور السرد الإبداعي في منطقة الخليج وعلاقة النص بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق محافظ الإسكندرية ووزير الثقافة ومدير مكتبة الإسكندرية خلال افتتاح المعرض (مكتبة الإسكندرية)

«الإسكندرية للكتاب» يراهن على مبادرات ثقافية وعلمية جديدة

يراهن معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته الـ19 التي انطلقت، الاثنين، وتستمر حتى 28 يوليو (تموز) الحالي على عدة مبادرات ثقافية.

انتصار دردير (القاهرة )

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات
TT

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا، كان أول ما فعلته البحث عبر الإنترنت للتعرف على ما إذا كانت هناك مكتبات مشابهة في الجوار. وبالفعل، عثرت على مكتبة «ذي ريبيد بوديس»؛ مكتبة في كلفر سيتي تبلي بلاءً حسناً للغاية، لدرجة أنها تتوسع بافتتاح فرع ثانٍ لها في حي بروكلين بمدينة نيويورك.

وعن ذلك، قالت: «شعرت بالتهديد».

ومع أن نجاح «ذي ريبيد بوديس» بدا بمثابة مصدر تهديد، فإنه يوحي كذلك في الوقت ذاته باحتمالية وجود مساحة أمام مكتبة أخرى للروايات الرومانسية. وعليه، افتتحت في فبراير (شباط) مكتبة «سميتن» بمنطقة مزدحمة من «مين ستريت»، على بعد نحو ميل من منافسيها.

في الأشهر التي تلت ذلك، تحولت مكتبة «سميتن» إلى مركز نابض بالحياة لقراء الأعمال الأدبية الرومانسية، مع توقيعات المؤلفين وقراءات التارو ونوادي الكتب وأمسيات الترفيه والحرف اليدوية.

بعض الأحيان، يتصل عملاء بالمكتبة، محملين بطلبات محددة للغاية. عن ذلك، قالت تنغستروم: «جاء شخص ما وقال: أنا أحب الأعمال الأدبية الخيالية، وأريد الرواية أن تكون غريبة، وبها تمثيل لثقافة مختلفة. كما أريدها بذيئة قدر الإمكان».

وأضافت: «لديّ عملاء منتظمون يأتون عدة مرات في الأسبوع. وأسألهم أحياناً: ألم تشتر لتوك كتابين اليوم السابق؟».

اللافت أن الأعمال الأدبية الرومانسية كانت ذات يوم مجالاً يتجاهله أصحاب المكتبات المستقلة إلى حد كبير. ومع ذلك، تحولت اليوم إلى إحدى أكثر الفئات رواجاً في عالم الكتاب، وأصبحت، إلى حد بعيد، النوع الأدبي الأكثر مبيعاً، ونجاحها لا يعيد رسم ملامح المشهد العام لصناعة النشر فحسب، بل وكذلك صناعة بيع التجزئة.

وفي غضون عامين فقط، تبدل المشهد العام بالبلاد، من وجود مكتبتين فقط مخصصتين للروايات الرومانسية، «ذي ريبيد بوديس» و«لوفز سويت آرو»، في شيكاغو، إلى شبكة وطنية تضم أكثر عن 20 مكتبة، من بينها «تروبس آند ترايفلز» في مينيابوليس، و«غرمب» و«صن شاين» في بلفاست بولاية مين، و«بيوتي» و«بوك إن أنكوريج» في ألاسكا، و«لوف باوند ليبراري» في سولت ليك سيتي، و«بلوش بوكستور» بمنطقة ويتشيتا في كنساس. ولا يزال الكثير في الطريق، ومن بينها «كيس آند تيل» في كولينغسوود بنيوجيرسي، و«ذي نيو رومانتيكس» في أورلاندو بفلوريدا، و«غراند جستشر بوكس» في بورتلاند بولاية أوريغون؛ متجر عبر الإنترنت متخصص في بيع الروايات الرومانسية، يتحول اليوم إلى متجر على أرض الواقع.

اللافت أن غالبية هذه المكتبات تمتلكها وتديرها نساء، ناهيك عن أن النساء يشكلن غالبية قراء الروايات الرومانسية، ويعود الفضل إليهن في الارتفاع الهائل في مبيعات هذا الصنف الأدبي، من 18 مليون نسخة مطبوعة عام 2020 إلى أكثر عن 39 مليون نسخة عام 2023، تبعاً لمؤسسة «سيركانا بوكسكان».

في هذا الصدد، قالت ريبيكا تايتل، المحامية السابقة، التي تمتلك اليوم مكتبة «ميت كيوت» المتخصص في الروايات الرومانسية في سان دييغو: «هناك تحول ثقافي يجري على الأرض يشير إلى أن الإعلام، بصورة أساسية، أصبحت تجري كتابته وتوجيهه نحو النساء. اليوم، أدركت أعداد متزايدة من الأفراد أن الروايات الرومانسية ليست رائجة فحسب، وتحمل كذلك قيمة تجارية، بل وتحمل قيمة فنية وترفيهية كذلك».

من ناحية أخرى، يهيمن روائيون رومانسيون، مثل ساره جيه. ماس وإيميلي هنري وكولين هوفر وريبيكا ياروس على قوائم أفضل الكتب مبيعاً. وتكشف الأرقام أن 6 من بين أفضل 10 روائيين من حيث المبيعات داخل الولايات المتحدة، عبر العام الحالي حتى الآن، من كتاب الأعمال الرومانسية.

أما الناشرون، فيعمدون إلى توسيع نطاق قوائمهم الرومانسية، وجذب المؤلفين الرومانسيين الذين ينشرون أعمالهم ذاتياً. ويبدو هذا تحولاً هائلاً عن أيام سابقة كان يجري خلالها النظر بازدراء إلى الروايات الرومانسية باعتبارها سطحيةً وغير جادة، أو بذيئةً. وحتى سنوات قليلة مضت، حرصت الكثير من المكتبات المستقلة على عرض مجموعة صغيرة منتقاة من الروايات الرومانسية، التي غالباً ما يجري وضعها في رف خلفي داخل المكتبة.

من ناحيتها، قالت ليا كوك، التي تشارك في ملكية «ذي ريبيد بوديس»؛ أول مكتبة متخصصة في عرض الروايات الرومانسية تفتتح أبوابها على مستوى الولايات المتحدة عام 2016، إنها لا تزال تتذكر عندما كانت تبحث في سنوات المراهقة عبر المكتبات عن روايات رومانسية، دون جدوى.

وكان الشعور بالتعرض للتجاهل جزءاً من الدافع وراء سعي كوك وشقيقتها، بيا هودجيز كوك، لفتح مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية.

وعبّرت كوك عن اعتقادها بأن «الكثيرين ممن يعملون بمجال النشر وداخل المكتبات المستقلة شعروا وكأن الروايات الرومانسية غير جديرة بإهدار وقت في سبيلها. وكنت أقول في نفسي: بإمكانكم جني أموال، لكن لا بأس، أنا سأجني المال».

يذكر أن مبيعات الروايات الرومانسية بدأت تشهد ارتفاعاً كبيراً خلال سنوات الجائحة، مع إعادة اكتشاف القراءة، وتحول الكثيرين نحو الأعمال الخيالية الرومانسية كملاذ للهروب من الواقع (من بين القواعد الحاكمة لهذا الصنف الأدبي أن الغالبية الكاسحة تنتهي بنهاية سعيدة).

وساهم ظهور تطبيق «بوك توك» في تعزيز هذا الارتفاع في المبيعات، مع اجتذاب مؤثري «تيك توك» القراء صغار السن عبر فيديوهات يتحدثون فيها عن كتّابهم المفضلين.

اليوم، تظهر الروايات الرومانسية بشكل بارز على قوائم «تارغيت» و«بارنيز آند نوبل». وفي وقت مضى، كان عشاق الروايات الرومانسية يشترون الكتب الإلكترونية بشكل أساسي، خصوصاً وأنها أرخص وأسهل في الوصول إليها، وربما من الأسهل إخفاؤها. أما اليوم، فإنهم يستعرضون الروايات الرومانسية التي يملكونها على أرفف مكتباتهم بفخر.

ومنح هذا الصعود السريع للمتاجر المتخصصة في الروايات الرومانسية مكاناً جديداً لعشاق هذا الصنف الأدبي؛ مكاناً مرحباً به للإقبال على شراء كتبهم المفضلة بحماس.

من جهتها، قالت جين نتر، مديرة شؤون الاتصالات والتسويق لدى دار «كنزنغتون» للنشر، المعنية بالروايات الرومانسية: «يمكنك دخول مكتبة مخصصة للروايات الرومانسية، وستجد البائع يسألك: هل تحب الروايات ذات الأحداث الساخنة؟ أم ترغب في رواية تاريخية؟ إنه سيدرك سريعاً ما تريده، ولن يحاول أن يصدر أحكاماً عليك».

اللافت أن الكثير من هذه المكتبات تتسم بمظاهر جملية جذابة ومشرقة وذات طابع أنثوي، مثل الاعتماد الشديد على اللون الوردي، المزدان بزخارف على شكل قلوب وزهور، ناهيك عن التلاعب بالاستعارات الرومانسية المألوفة؛ أعداء الغرام، والحب الممنوع، والهوية السرية.

وتضم هذه المكتبات بين أرففها جميع الأنواع التي يمكن تخيلها للروايات الأدبية: التاريخية والموجهة للقراء صغار السن والأعمال التي تخلط بين الرومانسية والفانتازيا، والأخرى التي تدور حول موضوع رياضي. كما تضم جنبات الكثير من هذه المكتبات أعمالاً أدبيةً تولى مؤلفوها نشرها بالاعتماد على ذواتهم، والتي عادة ما لا تجد طريقها إلى المكتبات الكبرى.

في هذا الصدد، شرحت ميليسا سافيدرا، صاحبة مكتبة «ستيمي ليت» المتخصصة في الروايات الرومانسية، في «ديرفيلد بيتش» في فلوريدا، أنها اكتشفت الروايات الرومانسية منذ ما يزيد قليلاً عن عقد، عندما كانت تعمل ضابطة في رتبة صغيرة بالبحرية الأميركية.

وقالت إن بوابتها إلى عالم الروايات الرومانسية جاء عبر سلسلة «إي. إل. جيمس» المثيرة «فيفتي شيدز أوف غراي» (Fifty Shades of Grey)، التي تمكنت من قراءتها عبر جهازها اللوحي عندما كانت على متن بارجة حربية أميركية.

وبعد أن تركت عملها في البحرية عام 2017، عملت وكيلة سفريات لفرق رياضية. وعندما تباطأت وتيرة العمل في أثناء فترة الجائحة، طرأت على ذهنها فكرة «ستيم بوكس»، صندوق اشتراك ربع سنوي يتضمن مجموعة من الروايات الرومانسية. وحقق المشروع انطلاقة قوية.

وجاء «ستيم بوكس» بمثابة وسيلة للتخلص من وصمة العار العالقة بالروايات الرومانسية المثيرة. وقالت سافيدرا، التي ولدت في ليما بالبيرو، ثم انتقلت إلى ساوث فلوريدا عندما كانت في العاشرة: «لا يزال يتعين علينا أنا نقاتل بشراسة كي نفرض على الناس احترام هذا الصنف الأدبي». وقد ألزمت سافيدرا نفسها بالعمل على الترويج لأعمال الكتاب الرومانسيين من خلفيات متنوعة.

وقررت سافيدرا فتح مكتبة عندما أدركت أن مجتمعها في «ديرفيلد بيتش» يخلو من أي مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال الرومانسية المتنوعة.

وفي عطلة نهاية الأسبوع الذي شهد افتتاح «ستيمي ليت»، أقبل على زيارة المكتبة نحو 500 شخص، وباعت 900 كتاب. ومنذ ذلك الحين، استضافت المكتبة أكثر من حفل توقيع لكتاب، بينهم كيندي رايان وعلي هيزلوود وآبي جيمينيز، التي نظمت احتفالية بالمكتبة في مايو (أيار)، ظهرت بها أعداد من الماعز الصغير، في إشارة إلى مشهد من روايتها «بارت أوف يور وورلد» (Part of Your World) تظهر به أعداد من الماعز.

وفي ظهيرة أحد أيام الأحد الربيع الماضي، كانت «ستيمي ليت» تعج بالقراء الذين يتصفحون الكتب ويحصلون على توقيع الكاتبة الرومانسية إيه. إتش. كننغهام، التي كانت تروج لروايتها «آوت أوف أوفيس» (Out of Office).

وقالت كننغهام إن المكتبة كانت تعج بمحادثات بالإنجليزية والإسبانية، مضيفة: «هذه المساحات التي نحتاجها».

اللافت أن غالبية هذه المكتبات التي تبيع الروايات الرومانسية تمتلكها وتديرها نساء بالإضافة إلى أنهن يشكلن غالبية قراء هذه الروايات

والتقط القراء صوراً تذكارية أمام اللافتات الوردية المضاءة بمصابيح «النيون» الخاصة بالمكتبة، بينما تصفح آخرون الأعمال الإسبانية داخل المكتبة. وحملت بعض أرفف المكتبة روايات تحت عناوين «الرومانسية المظلمة» و«الرمادي الأخلاقي» و«عصر البكاء». وقالت سافيدرا: «هذ الأرفف لا تبقى ممتلئة أبداً»، في إشارة إلى الأعمال الرومانسية.

من جهتها، حملت روزن فولمور، واحدة من العملاء المواظبين على زيارة «ستيمي ليت»، مجموعة من الروايات القديمة بيدها باتجاه كننغهام كي توقع عليها.

كانت فولمور قد سمعت عن المكتبة عندما نشرت رايان، واحدة من الكتاب المفضلين لديها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها ستقيم فعالية هناك. ومنذ ذلك الحين أصبحت عميلة منتظمة لدى المكتبة، التي قالت عنها إنها «تضم جميع الأشياء المثيرة والجذابة التي يمكنك تخيلها».

وقالت عميلة أخرى، هي أنجيلا ثاير، التي تعمل في إدارة شؤون المحاربين القدامى في فلوريدا، إنها تأتي عادةً كل أسبوعين، عندما تحصل على راتبها. وفي ذلك الأحد، أحضرت ابنتها، آشلي واتكينز، التي كانت متحمسة لرؤية الكثير من الروايات الرومانسية لمؤلفين ملونين. وقالت واتكينز: «إن رؤية الكتب التي تضم أشخاصاً يشبهونني في المواقف الرومانسية أمر رائع حقاً».

خدمة «نيويورك تايمز»