بول لينش: لم أتمكن من الكتابة مباشرة عن سوريا... فنقلت المشكلة إلى آيرلندا كمحاكاة

روايته «أغنية نبي» فازت بجائزة «بوكر» البريطانية

بول لينش
بول لينش
TT

بول لينش: لم أتمكن من الكتابة مباشرة عن سوريا... فنقلت المشكلة إلى آيرلندا كمحاكاة

بول لينش
بول لينش

هناك ما يكفي من الأعمال الروائيّة التي ينتجها الكتاب الآيرلنديون للإيحاء بأن «الأمّة الخضراء قد اختارت هذا الشكل الأدبي المعقّد كمرآة سوداء تعكس الذات المجتمعيّة لآخر أرض أوروبيّة قبل المحيط الأطلسي فتضيء على زواياها المظلمة وتلتقط في صورتها أسوأ ما فيها». في «أغنية نبي» لبول لينش، التي توّجت للتو بجائزة «بوكر» للرواية في نسختها الأحدث لعام 2023 - استمراريّة صريحة لهذا التقليد. لكن لينش الذي يتلفع في دور نذير يغني محذراً من الاستغراق في الغفلة بينما تهوي بلاده في ظلام الاستبداد ويناشدهم أن يتعظوا من خبرة الشعوب خارج «الحديقة الأوروبّيّة» جاء في وقت تعتمل فيه ديناميّات هذا السقوط بأبعد من شوارع دبلن - فضاء الرواية المكانيّ - لتمتد عبر البرّ الأوروبيّ برمته، حيث يتوّلد الشرر في رماد النّوازع المؤدلجة، ويتمدد تأييد الشعوبيين الإقصائيين ويصعّدون بقدرة قادر إلى مواقع السلطة والتأثير، في حين تتخندق المجموعات الثقافيّة والعرقيّة في معازلها الجغرافيّة والافتراضيّة، وتفرّغ الأحقاد، سواء موهومة أو موروثة، على أرواح الحلقات الأضعف من المهمشين واللاجئين والأقليّات. ولذلك؛ فإن الحكاية في «أغنية نبي» وإن بدأت ذات ليلة غاب القمر فيها عن سماء آيرلندا، لكنّها، بسردها اللاهث والمتوتر، سرعان ما تخرج من يد قارئها لتلتحق بركب أغاني أنبياء الديستوبيات التي شكلت وعي الإنسان المعاصر سليلة شرعيّة لها: «1984» لإريك بلير (الشهير بجورج أورويل)، و«حكاية أَمَة» لمارغريت آتوود، و«الطريق» لكورماك ماكارثي ولتصبح دبلن، بينما تخنقها قبضة التنين، وكأنها كل مدينة غربيّة أو عاصمة يتلاشى فيها منسوب الحريّات وتتعملق الأجهزة الأمنية على خلفيّة الإيقاع اليومي الرتيب لاستمرار متطلبات الحياة الحضريّة من جمع القمامة إلى تنظيم السيّر، وما بينهما.

غلاف الرواية الفائزة

من الجليّ أن لينش بحكم عمله الصحافيّ قد قطّر روايته الخامسة هذه من مادة حاضرنا الحالك الظلمة: أخبار تدفق اللاجئين من مجتمعات الشرق الأوسط بينما بلادهم تغرق في أوحال حروبها الأهليّة، المشهديّة التي رسمها الإعلام الغربيّ حول الصراع في أوكرانيا، ومزاج الاكتئاب المعمم - الأقرب إلى الخيال العلميّ - في لحظة «الكوفيد». لكنّه مع ذلك، رأى أنّه أقدر على وصف ذاك الكابوس العابر للحدود، المنسل كـوباء، بأدوات محليّة آيرلنديّة قريبة من مزاجه الشخصيّ، ومحيطه البيئي، وذاكرته التاريخية. وكان لينش قد أشار في تعليق له نشر على الموقع الإلكتروني لجائزة «بوكر»، إلى أن روايته الفائزة مستوحاة من الحرب السورية وأزمة اللاجئين، وأنها تحاول رصد «الاضطرابات في الديمقراطيات الغربية، وانهيار أمة بأكملها مثل سوريا، وحجم أزمة اللاجئين، ولامبالاة الغرب». وأضاف لينش: «لم أتمكن من الكتابة مباشرة عن سوريا؛ لذلك أحضرت المشكلة إلى آيرلندا كمحاكاة».

في «أغنية نبي» تتسربل آيرلندا المتخيلة تدريجيّاً بضباب الحكم الشموليّ بعدما يصعد تحالف يمينيّ إلى السلطة ما يلبث ويفرض أحكام الطوارئ لمدّ سيطرته الفولاذيّة الكليّة على أنفاس المجتمع بذريعة مواجهة نقابيين يضغطون من أجل زيادة الأجور، فتتآكل الحريات المدنية مع مرور الوقت، ويغلق النظام كل بوابات الاعتراض وإبداء الرأي، قبل أن تندلع حرب أهلية قاسية. وكما ضفادع هانئة في دورق على النار، لا يدرك الناس أن حرياتهم قد سلبت إلا بعد وصول الأمور إلى درجة الغليان، وفوات الأوان لوقف الكارثة: «طوال حياتك كنت غافلاً. بل كلنا كنا غافلين. وكأنه الآن فقط قد حان موعد الاستيقاظ العظيم». إنه وصف تخيليّ منغمس في قلب الحاضر لآليات البناء المتدرجة بروية نحو التأسيس لنظام استبدادي - الاعتقالات، والإخفاء القسريّ، والمراقبة، وخنق الحريّات، والمؤامرات -، في الوقت الذي يواصل فيه المجتمع ببلاهة طقوس عيشه الدنيوي اليوميّ.

لا يُغيّب في دبلن الشموليّة من يوصمون بالعداء للدولة فحسب، بل وينسحب الأمر بالارتباط على أقاربهم ومعارفهم وكل من يمكن أن يُصوّر كمعارض للنظام السياسيّ. المعلمون الذين يخرجون عن النصّ يتعرضون للإذلال العلنيّ، والقضاة سيودعون مهنتهم إن تصرفوا بغير هوى السلطة، فيما يطلق الجنود النار على المتظاهرين العزّل بلا رحمة، ويطفأ رجال المخابرات سجائرهم في أجساد المعتقلين وضحايا التعذيب.

الشخصيّة المركزيّة التي تسرد الأحداث من منظورها هي (إيليش) الباحثة في العلوم، والدة لأربعة أطفال، والتي يستدعى زوجها (لاري) - المدرّس والزعيم النقابيّ - للتحقيق معه من قِبل رجال الشرطة السريّة، قبل اعتقاله دون توجيه تهم محددة له. تجد إيليش نفسها في قلب مواجهة شرسة مع عالم يغرق في مستنقع من البارانويا والخوف وانعدام الثقة المتبادل بين المعارف والجيران. ولا تتورع الأجهزة الأمنية حتى عن استئجار رعاع للتضييق على أسرتها في مناخ منتن من تفسّخ اجتماعي يصبح بمثابة بيئة حاضنة لحكم طغمة عسكريّة ديكتاتوريّة تستمر في ممارساتها القمعية ضد كل من تصنّفهم في مقام المعارضين إلى أن تندلع شرارة حرب أهليّة قذرة يصبح الموت فيها أرخص من التراب.

تُراقب إيليش كل هذا التّردي بذهول، لكنها تُمنّي نفسها وعائلتها بتدخّل «المجتمع الدولي» - ذلك الوهم العقيم المقيم أبداً في قلوب الضعفاء - فتقول لمن حولها: «نحن لا نعيش في زاوية مظلمة من العالم، كما تعلمون. لا بدّ أن المجتمع الدولي سيتوسط للوصول إلى حلّ».

تتطور الأحداث لاحقاً بعد استدعاء زوجها وابنها الأكبر – مارك - لأداء الخدمة العسكريّة الإجباريّة، فيتواريا عن الأنظار. يدفع اليأس بإيليش للسعي إلى تهريب ابنها عبر البحر نحو كندا، حيث تقيم أختها، لكنّه يريد البقاء والالتحاق بجيش المتمردين. الأخت المهاجرة تتوسل إليها أن تهاجر بدورها وتجلب معها أطفالها، لكنّها تتمزق بين خوفها على فقدان زوجها، وحالة والدها الذي يأكل الخرف مع مرور الوقت الثقيل ذاكرته المغمسة بالماضي والمألوف والجميل عن أيّام أفضل.

إعلان فوز «أغنية نبي» بجائزة «بوكر» تزامن مع اندلاع اضطرابات عنصريّة الدّوافع في دبلن ذاتها... فكأنها انتقلت في لحظة من تصنيفها ديستوبيا مستقبليّة متخيلة إلى رواية تسجيليّة واقعية

«أغنية نبي» مرثاة حزينة لكل أولئك الذين تُسفك دماؤهم وتصادر أحلامهم وتفسد أيامهم على مذبح الإقصاء في ظل الآيديولوجيات الإلغائيّة، وأغنية تعاطف تجبر القارئ على تقمّص أدوار أولئك الذين تتقاطع على أرواحهم أزمات مجتمعاتهم مع شظف عيشهم اليوميّ، وقلق النجاة من غول الخارج مع التنانين التي تنهش القلوب من دواخلها، فينتهون بين الأمل والتخلي إلى مغادرة منازل ألفوها، مرّة تحت نيران القناصة بينما تحاول العبور عبر حدود التماس المرسومة بالدّماء، ومرّة أخرى بركوب البحر الغادر والعدائيّ نحو بلاد غريبة، وطقس غير ملائم، وأناس لا تمتلك أدنى مستويات الرغبة في فهم معاناة ضحايا اضطهاد الشموليّات.

يبدع لينش في التقاط علامات الانزلاق من شاطئ الحياة الرتيبة في ظلّ الديمقراطيّة إلى بحر دراما النظام الديكتاتوريّ في أدق التفاصيل المحلية – مكانياً في شوارع وأحياء وبنايات دبلن المألوفة لسكانها اليوم، وزمانياً في قراءة تقلب مشاعر إيليش الداخليّة أثناء حملقتها في تفاصيل ذلك المشهد المسكون بالظلام الدامس وكأن المدينة قد ابتلعها ليل يرخي سدوله استعداداً لإقامة سرمديّة -. على أن إبداعه ذاك لا يقل بحال أيضاً عن مهارته في القبض على نقاط الضوء القليلة التي تخترق الستارة السوداء الهائلة التي تغطي سماء دبلن.

نبض السرد في «أغنية النبي» لا يكلّ في تكثيفه لملامح مناخ خريفيّ تقشعر له الأبدان، فكأن القارئ يتأمل محجوزاً من نافذته في غرفة باردة مرور عاصفة تنفث غضبها ريحاً وأمطاراً ورعوداً دون توقف، بينما يتولى نسق توزيع كلمات النص على الصفحات بشكل مستمر متواتر دون تنظيم ولا علامات ترقيم رسم إطار مناسب لهذه النافذة المطلّة حصراً على قلب سواد العالم.

ولعل المفارقة التي سيتذكرها لينش دائماً، أن إعلان فوزه «أغنية نبي» بجائزة بوكر تزامن مع اندلاع اضطرابات عنصريّة الدّوافع في دبلن ذاتها، فكأنها انتقلت في لحظة من تصنيفها ديستوبيا مستقبليّة متخيلة، إلى رواية تسجيليّة واقعية. لقد سبقت الأحداث النّذير هذه المرّة.


مقالات ذات صلة

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

كتب مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
كتب نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة...

«الشرق الأوسط» (الرباط)
ثقافة وفنون ليلى سليماني

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون «منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال

عمر شهريار

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟
TT

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

مذكرات ضحايا الاغتصاب: كيف نكتب عن العنف؟

لم يكن بريمو ليفي يعلم، حين أمسك بقلمه ليروي ما عاشه خلف أسلاك أوشفيتز في كتابه «هل هذا إنسان؟» عام 1947، أنه يُؤسِّس لتقليد أدبي سيكون من أشد الأجناس إلزاماً وأكثرها حضوراً طوال القرن العشرين وما أعقبه. كان يريد، قبل كل شيء، أن يُثبِّت ما جرى، أن يُحصِّنه من النسيان الراضي ومن الإنكار القادم. لكن كتابه تجاوز وظيفة التوثيق، وطرح السؤال الذي لا يزال يُقلق الأدب والأخلاق معاً، ما الذي تستطيع الشهادة أن تفعله حين تعجز عنه الرواية؟ ومع صدور مذكرات الفرنسية جيزل بيليكو ضحية قضية «مازان» الشهيرة في فبراير (شباط) 2026، تحت العنوان الفرنسي «وبهجة العيش» (et la joie de vivre) وتجاوز مبيعاتها مائة ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر مع ترجمتها إلى 22 لغة، وجد القراء أنفسهم مجدداً أمام هذا السؤال بكل حدته.

هذه المرأة التي صارت اسماً عالمياً بعد قضية «مازان» التي أدين فيها زوجها السابق مع 51 رجلاً بتهمة الاغتصاب الممنهج الذي امتد على مدى عقد كامل، لم تكتب لتُضيف ملحقاً إلى ملف قضائي مكتمل، بل لتُعيد طرح إشكال أعمق: كيف نكتب عن العنف دون أن نُحوِّله إلى فرجة، وكيف يمكن لشهادة الضحايا أن تصبح فعلاً سياسياً وأدبياً في آنٍ واحد.

وتُفصح مذكرات بيليكو، في صفحاتها الأولى، عن شيء أعمق من مجرد الرغبة في الكلام، إذ تكتب في بداية كتابها بالتعاون مع الإعلامية الكاتبة جوديت بيريغنون مايلي: «هذه الحكاية لم تعد ملكي وحدي. لقد أيقظت ألماً صامتاً عميقاً ضارباً في أعماق الزمن، وأثارت الذهول. كيف أفهم ما جرى لي؟ وما الذي أطلقته محنتي من بعدي؟ كان عليّ أن أمشي على حافة الهاوية، هاويتي أنا. كالمشاة على الحبل المشدود، لا بد لي من المضي قدماً. أريد بهذا الكتاب أن أضع كلمات على ما اجتزته. أن أقول إنني لم أعد أخشى الوحدة، وإنني استعدت بهجة العيش. أن أقول إنني ما زلت حية». ليس في هذه الكلمات مساحة للبكاء على الذات، ولا مطالبة بالشفقة. ثمة شيء آخر: إرادة استعادة حياة سُرقت، وإعلان رمزي في وجه من حاولوا طمس هذا الوجود. وهذه الإرادة تتجلى في الجملة التي صارت شعار الكتاب كله، التي رفعتها بيليكو في وجه أي قراءة تُختزلها في دور الضحية كاتبة: «لن يسرقوا حياتي مرة ثانية. أريد أن أنظر في عين الشمس دون أن أُطأطئ رأسي».

الكتاب لا يُخفي سرَّ قوته في الأحداث وحدها، بل في طريقة بنائها فجيزيل بيليكو لا تكتب مذكراتها بالترتيب الزمني، بل تُقيمها كما يُقيم المعمار جداره: طبقات من الصمت والتطبيع قبل أن يُسمَّى العنف، مما يجعل القارئ يسكن ببطء في ذلك الفضاء الخانق الذي عاشت فيه سنوات بدل أن يتلقاه جاهزاً من الخارج. إن ما يُميِّز أدب الشهادة عن السيرة الذاتية أو الرواية هو ما أسماه الناقد الفرنسي فيليب لوجون «الميثاق الرجعي» مع الواقع، أي ذلك العقد الضمني بين الكاتب والقارئ، الذي يقول ما معناه: ما تقرأه حدث، وأنا من عاشه... وأنت مسؤول الآن عما تعرف.

ولعل تاريخ الأدب حافل بشهادات غيَّرت مسارات الوعي الجمعي، فعلى الجانب الآخر من الأطلسي، أعادت مايا أنجيلو في «أعرف لماذا يُغنِّي الطائر في القفص» تعريف الهوية الأميركية من داخل الجرح، وفتحت أمام أجيال من الكاتبات أبواباً ظلَّت موصدة طويلاً. فقصيدتها السردية الصادرة عام 1969 لا تروي تجربة امرأة بمعزل عن سياقها، بل تنسج معاً جُرحَ التمييز العرقي والجنسي في أميركا إبان الخمسينات، لتُثبت أن الاعتداء الجنسي الذي تعرَّضت له في طفولتها لم يُبطِل صوتها بل أجَّله فقط.

وقد اكتسب الكتاب، بُعده الاستثنائي من حقيقة مؤلمة: أن أنجيلو فقدت النطق سنواتٍ كاملة في أعقاب الاعتداء ثم استردَّت لغتها عبر الأدب والكتابة فصارت مسيرتها استعارةً حيَّةً عن قدرة الكتابة الشهادية على ردِّ الصوت إلى من سُرق منهم. وفي الفضاء العربي، شكَّلت مذكرات نوال السعداوي نموذجاً فريداً لكاتبة تجرَّأت على رواية ما يُسكِت عنه الآخرون: جسد المرأة في مجتمع ذكوري.

أما في الفضاء الفرنسي تحديداً فقد أشعلت كاميل كوشنر بكتابها «لا فاميليا غراندي» (العائلة الكبيرة) عام 2021 حركة «ميتو لاغتصاب المحارم»، وفتحت نقاشاً تشريعياً حول إدراج الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن الجرائم غير القابلة للتقادم، وما يجعل هذا الكتاب استثنائياً أن صاحبته لا تروي عنفاً وقع عليها مباشرة، بل عنف شهدته وصمتت عنه سنوات طويلة، حتى تحوَّل الصمت نفسه إلى شكل من أشكال الاشتراك. لهذا فإن الكتاب يبدأ بإهداء قوي لأمها: «تذكَّري يا أمي: كنا أطفالك...» وجهتها إلى أمها التي رحلت وهي رافضة الاعتراف بجرائم زوجها، ولا تكتفي كوشنر بتوجيه خطابها إلى أمها وحدها، بل تُوجِّهه إلى كل دوائر السكوت المحيطة بها، تلك التي سمَّتها «العائلة الكبيرة» القائمة على التعقل الزائف والحرية المدَّعاة. وفي أكثر فقرات الكتاب توتراً وشفافية تكتب: «أين كنتم؟ وماذا كنتم تفعلون حين كنا نغرق أمام أعينكم؟ أنتم الذين أحببتهم كثيراً... ماذا فعلتم منذ أن علمتم؟».

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟

والسؤال الذي يطرحه هذا الجنس الأدبي على الكُتَّاب ليس فقط: ماذا أروي؟ بل: كيف أروي؟ وهنا تكمن المفارقة الجمالية الكبرى. فأدب الشهادة، حين يكون في أوجه، لا يتزيَّن أمام المأساة، بل يختار لغة مستقيمة، جافَّةً أحياناً، تنحاز إلى التحديد على حساب الإيحاء. وهذا ليس فقراً أسلوبياً، بل هو خيار أخلاقي صريح: أن تُوقف اللغة عن أداء نفسها لتُؤدِّي التجربة. وهو ما فعلته آني إيرنو في «السنوات» حين انتقلت من مذكرات الأنا إلى مذكرات جيل كامل رافضةً تحويل الألم الشخصي إلى زينة أدبية. وجيزيل بيليكو، في هذا السياق، تنتمي إلى الخط ذاته حين ترفض أن تطلب من قارئها الشفقة، مُؤثِرةً أن تُفرض عليه المسؤولية.

بيد أن ثمة توتراً مزمناً لا يمكن إغفاله، فحين تتحول الشاهدة (ضحية العنف) إلى رمز، حين يُحمِّلها الجمهور من الدلالات أكثر مما تحتمل يصبح الكتاب أسير التوقع الاجتماعي، فالمجتمع يريد امرأة قوية، كاملة الشجاعة وناجيةً لا تهتز، لكن هذا التوقع ذاته قد يصبح شكلاً جديداً من الضغط إذ يُحوِّل الضحية إلى نموذج مثالي ويُثقل كاهلها بآلام أوسع من حدودها الفردية. كما أن هذا الجنس الأدبي يفرض على وسائل الإعلام إعادة النظر في طريقة تناولها لقضايا العنف.

فحين يصبح الحدث مادةً استهلاكيةً تضيع التفاصيل الأهم: البنية الاجتماعية للعنف، وأثره الطويل على الجسد والذاكرة، والأسئلة القانونية والأخلاقية التي يثيرها. لكن مذكرات الضحايا بما تحمله من هدوء ومنظور ذاتي، تُعيد توجيه الانتباه من فضول المتلقي إلى مسؤولية المجتمع. وهذا ما فعلته شهادات إيفا توماس عن الاعتداء داخل الأسرة والتي صدرت تحت عنوان «كسر الصمت»، إضافة إلى مذكرات إيزابيل أوبري في «المرة الأولى كان عمري ست سنوات» التي نشرت في بداية حقبة الثمانينات ودفعت المشرِّعين الفرنسيين إلى التفكير في جرائم لم يكن القانون يرى وجودها أصلاً.

لعل ما يمنح أدب الشهادة أهميته الدائمة أنه لا يعد قارئه بالراحة. فهو لا يُقدِّم عزاءً سهلاً ولا خاتمةً مطمئنة، بل يُبقيه أمام سؤال مُعلَّق: هل العدالة تكتمل بمجرد أن يتم البوح بما حدث؟ وهل الكلام، فعلاً، يُشفي كل شيء؟ منذ برونو ليفي حتى جيزيل بيليكو، يبقى الجواب مُوجِعاً ومُلزِماً في آنٍ واحد، فالشهادة لا تُغلق الجراح، لكنها تحول دون أن تُغلقها الذاكرةُ الانتهازية التي تميل دوماً إلى التسامح مع ما كان يجب ألا يكون.


فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة
TT

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

فتنة القراءة... فتنة الكتابة

عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات»، القاهرة، 2026، صدر للروائي المصري سعد القرش كتاب جديد عنوانه «فتنة القراءة... أربعون كتاباً ورواية». في هذا الكتاب تختلط فتنة القراءة بفتنة الكتابة التي حرَّضت المؤلف على محاورة أعمال إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أحبَّها، وأراد أن ينقل هذه المحبة إلى القارئ.

يضم الكتاب أكثر من أربعين فصلاً، تتفاوت طولاً وقصراً حسب ما تذهب إلى روح المحاورة، بين المؤلف والكتب موضع الحفاوة. وعلى غير العادة يبدأ الكتاب بمقدمتين، وإن شئنا الدقة بمقدمة في مديح الكتابة الجميلة، وتمهيد عن مهابة الكتابة، وأنها لو صدقت لكبحت هوس البعض بحمل لقب «روائي»، عبر ثرثرات تجد متحمسين لنشرها.

يعنى سعد القرش بالإشارة إلى ما تمتاز به الكتاب المختارة من نباهة تميز مؤلفيها. وعلى سبيل المثال يذهب فصل «حداثة ابن حزم» ـ وقد مرَّ ألف عام على كتابه الأشهر «طوق الحمامة» ـ إلى بصيرة ابن حزم وعبقريته، «وقدرة النص على التجدد، وعبور الأزمنة والجغرافيا والثقافات». لكنه لا يستعرض كتاباً حظي بدراسات غزيرة عبر أكثر من مائة عام، وإنما يتوقف أمام «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي، وكان له فضل السبق إلى استعمال بعض الكلمات للمرة الأولى. كما ينبه إلى خلط المؤلفين والوعاظ، إلى اليوم، بين إبليس والشيطان. «الأول نسخة سماوية سبقت خلق آدم، والثاني نسخة صحبت آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى، إلى يوم يبعثون. وقلما يفرقون بين الاثنين... أما ابن حزم فقد وعى هذا الفرق، بقوله في (الطوق): إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، فلمعصية واحدة وقعت منه استحق لعنة الأبد، وعذاب الخلد، وصيّر شيطاناً رجيماً، وأُبعد عن رفيع المكان».

يضيف سعد القرش: «سوف يمرُّ نحو ألف سنة، حتى يتوقف الباحث الأميركي ويتني س. بودمان أمام آيات قرآنية تفرق بين إبليس والشيطان، على خلاف ما استقر عليهم الفكر الإسلامي باعتبارهما شخصية واحدة. ففي كتاب (شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن)، الذي ترجمه رفعت السيد علي، يرصد بودمان قصة إبليس الواردة في سبع سور قرآنية، وتبدأ بإبلاغ الله للملائكة بخلق بشر من طين. ثم يتوقف أمام ثنائية إبليس والشيطان، فالأول (شخصية شديدة التعقيد... لا يشير القرآن إلى إبليس على أنه ممثل للشر... على الإطلاق)، أما الشيطان فلم يكن (أبداً في القرآن مصدر قصة مثل قصة إبليس. لا يوجد مصدر يفكّ التباس العلاقة بين إبليس والشيطان). ويجد بودمان مخرجاً بالقول إن إبليس حينما طرد من الجنة، (أصبح بطريقة ما الشيطان). وفي القرآن اختفى أي ذكر لإبليس (في الحياة الدنيا للبشر)، ولكنه استمر في النصوص الإسلامية. أغلب الظن أن بودمان لم يقرأ (طوق الحمامة). كان ابن حزم سيجعله يتردد في استسهال إطلاق هذا التعميم».

ويلقي كتاب «فتنة القراءة» أضواء على أعمال منها: «تاريخ عِلم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، «فكّاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي»، «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، «في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، سيرة جرَّاح القلب مجدي يعقوب. ومن الأعمال الإبداعية رواية «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، «عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لغارسيا ماركيز، «ثلاثية» النرويجي الفائز بجائزة نوبل يون فوسه. إضافة إلى قصص وروايات لمؤلفين منهم: الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائريتان راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، القطرية هدى النعيمي. ومن المصريين ألبير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، أحمد المرسي.

في «فتنة القراءة» أيضاً فصول عن كتب نقدية وتاريخية وفلسفية لكل من: أحمد عبد الحليم عطية، خالد المطاوع، محمد الشحات، عفاف السيد زيدان، صلاح فضل، أحمد موسى بدوي، محسن عبد العزيز، ممدوح فرّاج النابي، فيروز كراوية، صلاح سالم، حنان عقيل، صدوق نور الدين، محمد عبلة، صفاء الليثي، نورا ناجي، عمرو دوارة، وزاهي حواس. ويقع الكتاب في 340 صفحة.

وكان المؤلف قد حاز «جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر عام 2025. وله سبع روايات: «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» (أول النهار، ليل أوزير، وشم وحيد). ونالت «أول النهار» المركز الأول لجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي (الدورة الأولى 2011)، كما فازت «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب (2009). وبلغت «2067» القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية (2024).

ومن كتبه الأخرى: «مصر التي...»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة... نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، «سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة (2009).


نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19
TT

نص مغربي نادر من القرن الـ19

نص مغربي نادر من القرن الـ19

صدر حديثاً عن «دار سليكي أخوين للنشر» كتاب «النور اللامع في بيان الأصل الجامع»، بتحقيق الباحث خالد طحطح؛ بهدف إعادة الاهتمام بأحد النصوص المغربية النادرة التي تنتمي إلى القرن الـ19، وتكشف عن حضور مبكر لأسئلة الإصلاح ووحدة العالم الإسلامي في الفكر المغربي.

وجاء في تقديمه: «هذا الكتاب لا يكتسب قيمته من كونه مخطوطاً تراثياً فحسب، بل من كونه أيضاً وثيقة فكرية تعبّر عن وعي تاريخي وسياسي تشكّل في مرحلة دقيقة من تاريخ الأمة.

ويُنسب هذا النص إلى إبراهيم بن إدريس السنوسي، وهو من أبناء الأسرة السنوسية المعروفة في فاس، وقد تكوّن في بيئة علمية، ثم اتصل بالمشرق وأقام في تونس ومصر، بما أتاح له الاحتكاك بمحيط فكري وسياسي أوسع من المجال المحلي. وهذا الامتداد في التكوين والتجربة يفسّر الأفق الرحب الذي يتحرك فيه الكتاب؛ إذ لا يقتصر على معالجة شأن جزئي أو قضية وعظية محدودة، بل ينخرط في سؤال كبير يتعلق باجتماع المسلمين، وأسباب قوتهم، ومخاطر التفرق عليهم.

ومن هذه الزاوية، «يبدو (النور اللامع...) نصّاً يتجاوز طابعه المخطوط إلى كونه مساهمةً فكريةً في النقاش الإصلاحي الذي عرفه القرن التاسع عشر».

فالمؤلف يجعل من فكرة «الأصل الجامع» محوراً مركزياً في كتابه، «أي ذلك الأساس الذي ينبغي أن تلتئم حوله الأمة، وأن تُردّ إليه الفروع المتفرقة، حتى لا يتحول الاختلاف إلى سبب للضعف والانقسام. وهي فكرة تمنح النص بعداً وحدوياً واضحاً، وتجعله قريباً من الأفق الذي عُرف لاحقاً بفكرة (الجامعة الإسلامية)».

والكتاب وُجّه إلى السلطان الحسن الأول، «وهو لا يكتفي بالدعوة الأخلاقية العامة، بل يقدّم تصوراً مترابطاً يربط بين الإصلاح ووحدة الكلمة وانتظام الشأن العام.

فالوحدة هنا ليست شعاراً عاطفياً، وإنما أصل من الأصول التي تتوقف عليها مصالح الأمة الكبرى، في نظر المؤلف، وهو ما يمنح النص بعداً سياسياً وحضارياً يتجاوز حدود الوعظ والتذكير». جاء الكتاب في مقدمة وبابين وخاتمة، وهو ترتيب يكشف عن وعي منهجي واضح في العرض والتأليف؛ إذ يبدأ المؤلف بتأصيل الفكرة وبيان مشروعيتها، ثم ينتقل إلى عرض الأدلة والمعاني التي تسندها، قبل أن يختم بالنتائج العملية المترتبة على الاجتماع والوحدة، في مقابل ما يخلّفه التفرق من أضرار.

وهذا التماسك في البناء يدل على أن النص كُتب بوصفه رسالةً فكريةً مقصودة، لا خواطر متناثرة أو مواعظ متفرقة.