بول لينش: لم أتمكن من الكتابة مباشرة عن سوريا... فنقلت المشكلة إلى آيرلندا كمحاكاة

روايته «أغنية نبي» فازت بجائزة «بوكر» البريطانية

بول لينش
بول لينش
TT

بول لينش: لم أتمكن من الكتابة مباشرة عن سوريا... فنقلت المشكلة إلى آيرلندا كمحاكاة

بول لينش
بول لينش

هناك ما يكفي من الأعمال الروائيّة التي ينتجها الكتاب الآيرلنديون للإيحاء بأن «الأمّة الخضراء قد اختارت هذا الشكل الأدبي المعقّد كمرآة سوداء تعكس الذات المجتمعيّة لآخر أرض أوروبيّة قبل المحيط الأطلسي فتضيء على زواياها المظلمة وتلتقط في صورتها أسوأ ما فيها». في «أغنية نبي» لبول لينش، التي توّجت للتو بجائزة «بوكر» للرواية في نسختها الأحدث لعام 2023 - استمراريّة صريحة لهذا التقليد. لكن لينش الذي يتلفع في دور نذير يغني محذراً من الاستغراق في الغفلة بينما تهوي بلاده في ظلام الاستبداد ويناشدهم أن يتعظوا من خبرة الشعوب خارج «الحديقة الأوروبّيّة» جاء في وقت تعتمل فيه ديناميّات هذا السقوط بأبعد من شوارع دبلن - فضاء الرواية المكانيّ - لتمتد عبر البرّ الأوروبيّ برمته، حيث يتوّلد الشرر في رماد النّوازع المؤدلجة، ويتمدد تأييد الشعوبيين الإقصائيين ويصعّدون بقدرة قادر إلى مواقع السلطة والتأثير، في حين تتخندق المجموعات الثقافيّة والعرقيّة في معازلها الجغرافيّة والافتراضيّة، وتفرّغ الأحقاد، سواء موهومة أو موروثة، على أرواح الحلقات الأضعف من المهمشين واللاجئين والأقليّات. ولذلك؛ فإن الحكاية في «أغنية نبي» وإن بدأت ذات ليلة غاب القمر فيها عن سماء آيرلندا، لكنّها، بسردها اللاهث والمتوتر، سرعان ما تخرج من يد قارئها لتلتحق بركب أغاني أنبياء الديستوبيات التي شكلت وعي الإنسان المعاصر سليلة شرعيّة لها: «1984» لإريك بلير (الشهير بجورج أورويل)، و«حكاية أَمَة» لمارغريت آتوود، و«الطريق» لكورماك ماكارثي ولتصبح دبلن، بينما تخنقها قبضة التنين، وكأنها كل مدينة غربيّة أو عاصمة يتلاشى فيها منسوب الحريّات وتتعملق الأجهزة الأمنية على خلفيّة الإيقاع اليومي الرتيب لاستمرار متطلبات الحياة الحضريّة من جمع القمامة إلى تنظيم السيّر، وما بينهما.

غلاف الرواية الفائزة

من الجليّ أن لينش بحكم عمله الصحافيّ قد قطّر روايته الخامسة هذه من مادة حاضرنا الحالك الظلمة: أخبار تدفق اللاجئين من مجتمعات الشرق الأوسط بينما بلادهم تغرق في أوحال حروبها الأهليّة، المشهديّة التي رسمها الإعلام الغربيّ حول الصراع في أوكرانيا، ومزاج الاكتئاب المعمم - الأقرب إلى الخيال العلميّ - في لحظة «الكوفيد». لكنّه مع ذلك، رأى أنّه أقدر على وصف ذاك الكابوس العابر للحدود، المنسل كـوباء، بأدوات محليّة آيرلنديّة قريبة من مزاجه الشخصيّ، ومحيطه البيئي، وذاكرته التاريخية. وكان لينش قد أشار في تعليق له نشر على الموقع الإلكتروني لجائزة «بوكر»، إلى أن روايته الفائزة مستوحاة من الحرب السورية وأزمة اللاجئين، وأنها تحاول رصد «الاضطرابات في الديمقراطيات الغربية، وانهيار أمة بأكملها مثل سوريا، وحجم أزمة اللاجئين، ولامبالاة الغرب». وأضاف لينش: «لم أتمكن من الكتابة مباشرة عن سوريا؛ لذلك أحضرت المشكلة إلى آيرلندا كمحاكاة».

في «أغنية نبي» تتسربل آيرلندا المتخيلة تدريجيّاً بضباب الحكم الشموليّ بعدما يصعد تحالف يمينيّ إلى السلطة ما يلبث ويفرض أحكام الطوارئ لمدّ سيطرته الفولاذيّة الكليّة على أنفاس المجتمع بذريعة مواجهة نقابيين يضغطون من أجل زيادة الأجور، فتتآكل الحريات المدنية مع مرور الوقت، ويغلق النظام كل بوابات الاعتراض وإبداء الرأي، قبل أن تندلع حرب أهلية قاسية. وكما ضفادع هانئة في دورق على النار، لا يدرك الناس أن حرياتهم قد سلبت إلا بعد وصول الأمور إلى درجة الغليان، وفوات الأوان لوقف الكارثة: «طوال حياتك كنت غافلاً. بل كلنا كنا غافلين. وكأنه الآن فقط قد حان موعد الاستيقاظ العظيم». إنه وصف تخيليّ منغمس في قلب الحاضر لآليات البناء المتدرجة بروية نحو التأسيس لنظام استبدادي - الاعتقالات، والإخفاء القسريّ، والمراقبة، وخنق الحريّات، والمؤامرات -، في الوقت الذي يواصل فيه المجتمع ببلاهة طقوس عيشه الدنيوي اليوميّ.

لا يُغيّب في دبلن الشموليّة من يوصمون بالعداء للدولة فحسب، بل وينسحب الأمر بالارتباط على أقاربهم ومعارفهم وكل من يمكن أن يُصوّر كمعارض للنظام السياسيّ. المعلمون الذين يخرجون عن النصّ يتعرضون للإذلال العلنيّ، والقضاة سيودعون مهنتهم إن تصرفوا بغير هوى السلطة، فيما يطلق الجنود النار على المتظاهرين العزّل بلا رحمة، ويطفأ رجال المخابرات سجائرهم في أجساد المعتقلين وضحايا التعذيب.

الشخصيّة المركزيّة التي تسرد الأحداث من منظورها هي (إيليش) الباحثة في العلوم، والدة لأربعة أطفال، والتي يستدعى زوجها (لاري) - المدرّس والزعيم النقابيّ - للتحقيق معه من قِبل رجال الشرطة السريّة، قبل اعتقاله دون توجيه تهم محددة له. تجد إيليش نفسها في قلب مواجهة شرسة مع عالم يغرق في مستنقع من البارانويا والخوف وانعدام الثقة المتبادل بين المعارف والجيران. ولا تتورع الأجهزة الأمنية حتى عن استئجار رعاع للتضييق على أسرتها في مناخ منتن من تفسّخ اجتماعي يصبح بمثابة بيئة حاضنة لحكم طغمة عسكريّة ديكتاتوريّة تستمر في ممارساتها القمعية ضد كل من تصنّفهم في مقام المعارضين إلى أن تندلع شرارة حرب أهليّة قذرة يصبح الموت فيها أرخص من التراب.

تُراقب إيليش كل هذا التّردي بذهول، لكنها تُمنّي نفسها وعائلتها بتدخّل «المجتمع الدولي» - ذلك الوهم العقيم المقيم أبداً في قلوب الضعفاء - فتقول لمن حولها: «نحن لا نعيش في زاوية مظلمة من العالم، كما تعلمون. لا بدّ أن المجتمع الدولي سيتوسط للوصول إلى حلّ».

تتطور الأحداث لاحقاً بعد استدعاء زوجها وابنها الأكبر – مارك - لأداء الخدمة العسكريّة الإجباريّة، فيتواريا عن الأنظار. يدفع اليأس بإيليش للسعي إلى تهريب ابنها عبر البحر نحو كندا، حيث تقيم أختها، لكنّه يريد البقاء والالتحاق بجيش المتمردين. الأخت المهاجرة تتوسل إليها أن تهاجر بدورها وتجلب معها أطفالها، لكنّها تتمزق بين خوفها على فقدان زوجها، وحالة والدها الذي يأكل الخرف مع مرور الوقت الثقيل ذاكرته المغمسة بالماضي والمألوف والجميل عن أيّام أفضل.

إعلان فوز «أغنية نبي» بجائزة «بوكر» تزامن مع اندلاع اضطرابات عنصريّة الدّوافع في دبلن ذاتها... فكأنها انتقلت في لحظة من تصنيفها ديستوبيا مستقبليّة متخيلة إلى رواية تسجيليّة واقعية

«أغنية نبي» مرثاة حزينة لكل أولئك الذين تُسفك دماؤهم وتصادر أحلامهم وتفسد أيامهم على مذبح الإقصاء في ظل الآيديولوجيات الإلغائيّة، وأغنية تعاطف تجبر القارئ على تقمّص أدوار أولئك الذين تتقاطع على أرواحهم أزمات مجتمعاتهم مع شظف عيشهم اليوميّ، وقلق النجاة من غول الخارج مع التنانين التي تنهش القلوب من دواخلها، فينتهون بين الأمل والتخلي إلى مغادرة منازل ألفوها، مرّة تحت نيران القناصة بينما تحاول العبور عبر حدود التماس المرسومة بالدّماء، ومرّة أخرى بركوب البحر الغادر والعدائيّ نحو بلاد غريبة، وطقس غير ملائم، وأناس لا تمتلك أدنى مستويات الرغبة في فهم معاناة ضحايا اضطهاد الشموليّات.

يبدع لينش في التقاط علامات الانزلاق من شاطئ الحياة الرتيبة في ظلّ الديمقراطيّة إلى بحر دراما النظام الديكتاتوريّ في أدق التفاصيل المحلية – مكانياً في شوارع وأحياء وبنايات دبلن المألوفة لسكانها اليوم، وزمانياً في قراءة تقلب مشاعر إيليش الداخليّة أثناء حملقتها في تفاصيل ذلك المشهد المسكون بالظلام الدامس وكأن المدينة قد ابتلعها ليل يرخي سدوله استعداداً لإقامة سرمديّة -. على أن إبداعه ذاك لا يقل بحال أيضاً عن مهارته في القبض على نقاط الضوء القليلة التي تخترق الستارة السوداء الهائلة التي تغطي سماء دبلن.

نبض السرد في «أغنية النبي» لا يكلّ في تكثيفه لملامح مناخ خريفيّ تقشعر له الأبدان، فكأن القارئ يتأمل محجوزاً من نافذته في غرفة باردة مرور عاصفة تنفث غضبها ريحاً وأمطاراً ورعوداً دون توقف، بينما يتولى نسق توزيع كلمات النص على الصفحات بشكل مستمر متواتر دون تنظيم ولا علامات ترقيم رسم إطار مناسب لهذه النافذة المطلّة حصراً على قلب سواد العالم.

ولعل المفارقة التي سيتذكرها لينش دائماً، أن إعلان فوزه «أغنية نبي» بجائزة بوكر تزامن مع اندلاع اضطرابات عنصريّة الدّوافع في دبلن ذاتها، فكأنها انتقلت في لحظة من تصنيفها ديستوبيا مستقبليّة متخيلة، إلى رواية تسجيليّة واقعية. لقد سبقت الأحداث النّذير هذه المرّة.


مقالات ذات صلة

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

كتب سفين بيكرت

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم.

ندى حطيط
كتب «أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون.

عمر شهريار
كتب أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى.

فارس الذهبي
ثقافة وفنون رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه».

«الشرق الأوسط» (بغداد)

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت
TT

الرأسمالية... نظام تغذى على تحالف «السوق» و«المدفع»

سفين بيكرت
سفين بيكرت

«الرأسمالية: تاريخ عالمي - 2025»*... سِفْرٌ موسوعيٌّ ضخمٌ في أكثر من 1300 صفحة، يطمح إلى إعادة تشكيل فهمنا النظام الاقتصادي الذي يحكم عالمنا اليوم، قدمّه سفين بيكرت، المؤرخ الأميركي (من أصل ألماني) وأستاذ التاريخ في جامعة هارفارد، مستنداً إلى بحث أرشيفي هائل يغطي القارات الخمس، ليطرح سردية تاريخية تتجاوز المركزية الأوروبية التقليدية، وترسم خريطة لنظام وُلد عالمياً منذ لحظاته الأولى، وتغذى على تحالف وثيق بين «السوق» و«المدفع».

يستهلُّ بيكرت سرديته بجرأة ملحوظة، ليختار عام 1150 وميناء عدن (في اليمن) نقطة لانطلاق الرأسمالية، بدلاً من مصانع مانشستر أو أمستردام كما في الرواية التقليدية، ويرى في شبكات التجار التي ربطت بين القاهرة، وعدن، وتشانغتشو الصينية، وتجار البندقية، جزراً لرأس المال مارست منطق الربح والاستثمار عبر المسافات الطويلة قبل قرون من صعود الغرب. ويؤسس هذا لفكرته المركزية: الرأسمالية نظام عالمي في جوهره، نشأ من تضافر جهود تجارية عابرة للقارات، وتطوَّر عبر آليات ربطت بين المنتِج في أقاصي آسيا والمستهلِك في أوروبا.

ينقّب النص في طبقات التاريخ محاولاً توضيح الكيفيّة التي تحولت بها هذه الجزر المعزولة نظاماً مهيمناً. فمع الربط العظيم الذي تحقق بين الشرق والغرب في القرنين الـ15 والـ16، دمج التجار الأوروبيون قارات العالم الجديد في شبكاتهم، مستفيدين من القوة العسكرية لدولهم. هنا، يبرز دور «رأسمالية الحرب» بوصفها قاطرة للنمو. فالتوسع التجاري تطلب أساطيلَ مسلحة، وحمايةً حكومية، وقدرةً على انتزاع الأراضي والموارد بالقوة.

وثمّة مساحة واسعة مؤلمة في الكتاب لرصد التكلفة البشرية لهذا الصعود، مستخدماً إحصاءات ووثائق تاريخية دقيقة، فيقف مطولاً - على سبيل المثال - عند مدينة بوتوسي (في بوليفيا الحالية) خلال القرن الـ17، التي كانت تنتج 60 في المائة من فضة العالم، ويصفها السكان المحليون بـ«الجبل الذي يلتهم الرجال»، حيث لقي ربع من نزلوا إلى المناجم حتفهم جراء العمل القسري والتسمم بالزئبق، بينما استمتعت نخب المدينة بالبضائع الفاخرة المستوردة من البندقية والصين.

تتجلى وحشية النظام في اعتماد الرأسمالية المبكرة - واللاحقة - على العمل القسري؛ إذ تشير البيانات التي يوردها الكتاب إلى نقل التجار الأوروبيين 4.38 مليون أفريقي مستعبد إلى الأميركيتين قبل عام 1760، وهو رقم يمثل ضعف عدد المهاجرين الأوروبيين في الفترة ذاتها، ويجادل بأن العبودية لم تكن نقيضاً للرأسمالية أو مرحلة سابقة عليها، بل كانت قلبها النابض الذي ضخ الدماء في شرايين الثورة الصناعية، موفرةً المواد الخام (القطن والسكر) والأسواق والتمويل اللازم للتصنيع. وحتى بعد إلغاء العبودية رسمياً، استمرت أشكال القهر عبر أنظمة العمل بالتعاقد التي نقلت ملايين العمال الآسيويين للعمل في ظروف شبيهة بالرق في مزارع المطاط والشاي.

يناهض «الرأسماليّة: تاريخ عالميّ» بقوة فكرة «السوق الحرة» التي تنظم نفسها بنفسها، مؤكداً أن الدولة القوية كانت الشرط المسبق لنجاح الرأسمالية؛ فمن تمويل الحملات الاستعمارية، إلى سن قوانين تجرم التشرد وتجبر الفلاحين على العمل في المصانع، وصولاً إلى التدخلات العسكرية لفتح الأسواق في الصين والهند، لعبت الدولة دور «قابلة توليد» للثروة.

ويستمر هذا الدور في العصر الحديث، حيث يروي المؤلف حكاية صعود النيوليبرالية في تشيلي تحت حكم بينوشيه، واصفاً إياه بـ«لينين النيوليبرالية». ويوضح كيف تطلب فرض آليات السوق الحرة في تشيلي تدخلاً عسكرياً وقمعاً للنقابات العمالية بدعم من المؤسسات الدولية؛ مما يعيد إنتاج نمط «رأسمالية الحرب» في قالب حديث. وفي السياق ذاته، يرى في صعود الصين الصناعي وتطور مناطق مثل شينزين استمراراً لهذا التحالف بين «الدولة ورأس المال»، حيث توفر الدولة البنية التحتية والعمالة المهاجرة من الأرياف (وغالبيتها من النساء) لخدمة سلاسل الإمداد العالمية.

ورغم الإجماع على القيمة التوثيقية للنصّ، فإن أطروحاته أثارت انقساماً حاداً بين المختصين لناحية كفاءة تفسيره طبيعة الرأسمالية؛ إذ عدّ البعض تعريفه إياها بوصفها تراكماً مستمراً لرأس المال اختزالاً لتعقيدات النظام الرأسمالي والدوافع الفردية البشرية، وإغفالاً لدور ريادة الأعمال والابتكار بوصفهما عاملين ذَوَيْ حيثية. فشخصيات، مثل إيلون ماسك (تيسلا)، وسام والتون (وول مارت)، وجيف بيزوس (أمازون)، لم يحركهم مجرد «التراكم الأعمى» للأموال، بل رغبة في بناء مؤسسات، أو تغيير أنماط الاستهلاك، أو حتى استكشاف الفضاء. الثروة هنا، جاءت نتيجة الفاعلية في تلبية حاجات السوق وتقديم الابتكارات، وليست مجرد عملية استخلاص للقيمة.

الجانب الآخر من الانتقادات عدّ أنه يصور الرأسمالية على أنها «وحش» أو «ذكاء اصطناعي مارق» هدفه الوحيد التوسع دون نهاية؛ مما يغيّب الوجه الآخر لها: الارتفاع الهائل في مستويات المعيشة، وزيادة متوسط العمر المتوقع، والتطور التقني الذي أتاح للبشرية رفاهية غير مسبوقة، فيبدو في بعض فصوله «تاريخاً دون أبطال»، يركز على الهياكل والأنظمة وآليات القهر، ويقلل من شأن الوكالة البشرية والقدرة على الإصلاح من داخل النظام، مثل دور الحركات العمالية ودولة الرفاه في ترويض الرأسمالية خلال القرن الـ20.

ومع ذلك، يظل «الرأسمالية: تاريخ عالمي» عملاً فكرياً ذا ثقل استثنائي، ينجح في زعزعة المسلّمات بشأن نشأة النظام الاقتصادي العالمي وطبيعته، ويقدم سرداً يضج بالحياة والتفاصيل؛ يربط بين عمال المناجم في بوليفيا خلال القرن الـ17 وعمال النسيج في كمبوديا اليوم، موضحاً وحدة المنطق الذي يحكم هذا التاريخ الطويل. ولعل قيمته الكبرى تكمن في شمولية نظرته، وفي تذكيره الدائم بأن الأسواق لا تعمل في فراغ، بل تتشكل عبر موازين القوى السياسية والعسكرية.

وسواء أتفقنا مع رؤية بيكرت للرأسمالية على أنها آلة تراكم وحشية، أم انحزنا إلى رؤية النقاد الذين يبرزون جانبها الإبداعي والتنموي، فإن الكتاب يفرض نفسه مرجعاً أساساً لا غنى عنه لفهم القوى التي شكلت، ولا تزال تشكل، عالمنا المعاصر. إنه كما دعوة مفتوحة للتفكير في تكلفة الرخاء، وفي الجذور الدموية للاقتصاد المًعَوْلَم، وفي مستقبل نظام أثبت قدرة هائلة على التكيف والبقاء رغم كل التنبؤات بنهايته.

* Capitalism: A Global History by Sven Beckert Allen Lane / Penguin Press 2025


«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد
TT

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

«أيام الفاطمي المقتول»... بحث عن إعادة إنتاج الاستبداد

تبدأ رواية «أيام الفاطمي المقتول»، التي تنافس ضمن القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية، للروائي والأكاديمي التونسي نزار شقرون، بتحديد الفضاءين الزماني والمكاني اللذين تنطلق منهما الأحداث، إذ ينص في عنوان الفصل الأول على أن الأحداث تدور في المدينة البيضاء عام 2030، فزمن الرواية يتجاوز الزمن الواقعي، ما يجعلها أقرب إلى نبوءة أو استشراف لما يمكن أن يحدث مستقبلاً في هذه المدينة التونسية، والأقرب أنها «سيدي بوسعيد»، المشهورة باسم المدينة البيضاء، لكن السارد لم يسمها بشكل واضح، فتبدو استعارة لكثير من المدن الساحلية التي تشبهها في الوطن العربي كله.

تنطلق الرواية - الصادرة عن دار مسكلياني، وصدرت طبعتها المصرية عن دار صفصافة في 350 صفحة - من مقابر المدينة، التي تبدو مركز ثقل سردي، بكل ما يكتنف المقابر من حمولات تتعلق بالموت، والماضي، والتاريخ الذي انقضى، والبشر الذين رحلوا، والمذاهب والأفكار التي اندثرت.

في المقابر، ووسط صخب استثنائي، تتجمع قوة حكومية لاستخراج جثة مدفونة منذ ما يقارب عقدين من الزمان، لتشريحها ومعرفة سبب الموت الحقيقي، إنها جثة البطل والسارد، مختار الفاطمي، الذي نرى الحكاية كلها من وجهة نظره، حكايته في الماضي القريب، وحكايته مع الماضي البعيد، وحكاية الراهن السردي في عام 2030، وما اكتنف المدينة من تحولات.

مع انفتاح المقبرة واستخراج الصندوق، ينفتح العالم الروائي، وينفتح معه باب الغرابة، فقد استخرجوا الجسد، الذي كان محنطاً وملفوفاً في كتان على طريقة المومياوات الفرعونية، لكن الروح كانت حية، والذاكرة لم تزل نشطة، وكانت تتنصت طوال هذه السنوات لما يحدث خارج القبر، وبمجرد انفتاحه حلقت بعيداً، لتطوف فوق سماء المدينة، لنرى حاضرها بعيني هذه الذاكرة الهائمة وروحها المعذبة، عين مختار الفاطمي، الذي كان باحثاً في التاريخ الإسلامي، وتحديداً تاريخ الدولة الفاطمية، ويسعى عبر دراسة المخطوطات لاكتشاف أسرار اندثار أجداده الفاطميين وآثارهم، وكان هذا شغفه ومشروع حياته، فقد كان منشغلاً بالماضي، والمسكوت عنه فيه، لعله يعثر على أسباب وهن الحاضر، على خلاف والده، الذي كان يحثه على النظر للمستقبل، ولا يحبس نفسه في مقابر التاريخ وأقبيته المعتمة، التي لن تغير من الواقع شيئاً.

رغم تحديد الزمان والمكان في مطلع الرواية، فإن هذه الذاكرة الهائمة، وهي البطل الراوي، تحلق بالقارئ بين زمانين، الأول هو زمن الراهن السردي، في 2030، الذي اندلعت فيه حرب عنيفة، بين القوات النظامية لزعيم لم يسمه السارد، وأعداء الوطن والخونة، هكذا في المطلق، بعد تفشي إنفلونزا الخنازير بشكل وبائي خطير، وهجوم الخنازير على المدينة بشكل كاسح. والزمن الثاني هو زمن ما قبل رحيل مختار، في بداية العقد الثاني من القرن العشرين، وثورات الربيع العربي، وما هيمن عليها من تحولات عنيفة، عبر استرجاع الذاكرة لأحداث تلك الفترة. فالسرد يراوح بين هذين الزمنين، زمن الحرب الراهن الذي تعاينه الروح وتصفه سردياً، وزمن الثورات الذي تستعيده عبر ذكرياتها عن تلك الفترة وما حدث لها حتى لحظة الرحيل الغامض.

تنفتح الرواية على فضاءات مكانية متعددة، ولا تتوقف عند حدود المدينة البيضاء، إذ يطوف الراوي الباحث الشاب مختار الفاطمي، عبر تقنية الاسترجاع، في شوارع العاصمة المصرية القاهرة، وتحديداً منطقة وسط البلد الشهيرة، التي تمثل مقصداً لكل الباحثين والمثقفين، فقد سافر إلى مصر في بعثة علمية لمدة عام. وتصادف هذا مع اعتلاء جماعة الإخوان سدة الحكم، ومحاولتهم السيطرة على مقاليد الأمور، في مقابل ثورة الشعب عليهم. في هذه الأجواء الملتهبة سياسياً واجتماعياً، يعاين البطل جوهر فكرة الإقصاء والإزاحة، ورفض التعدد، وفرض هيمنة التيارات الدينية المتشددة، التي لا تختلف في مصر عنها في تونس، بما يمنح الرواية أبعاداً تتصل بالنقد الاجتماعي والسياسي، وتتواشج هذه الوقائع مع بحثه في أسباب محو كل أثر للدولة الفاطمية، بما يجعل للإقصاء في الحاضر بعداً تاريخياً قديماً ومتأصلاً في الوعي العربي، وينبئ عن تاريخ طويل من الإقصاء والمحو والإزاحة يعيد إنتاج نفسه، عبر اختلاف الأزمنة والأمكنة على مدار الوطن العربي، زمنياً من الماضي إلى الحاضر، ومكانياً من مصر إلى تونس.

نصف أحداث الرواية يدور في فضاء عالم المثقفين في مصر، بين القاهرة والإسكندرية، في عام حكم الإخوان. ونصفها الآخر تقريباً يدور في المدينة البيضاء، إذ تتحول إلى ديستوبيا حقيقية، مفعمة برائحة الموت ودماء البشر الذين تقتلهم كتائب الزعيم بدم بارد، بمجرد الاشتباه في إصابتهم بعدوى إنفلونزا الخنازير، كما تتحول الشوارع والميادين وحتى محطات القطار والأنفاق والمستشفيات، إلى ساحات حرب حقيقية، بين قوات الزعيم والخنازير التي تتغول، أو يقال إنها تغولت، حتى تحولت إلى عدو افتراضي مجهول، يتم باسمها تجييش أهل المدينة لمحاربتها، بينما رائحة الروث والعفن والجثث الآدمية تملأ كل ركن وشارع وزقاق، بما يشير إلى حمولات رمزية هائلة عن عفن الواقع وأزماته في 2030، الزمن الذي اختاره الراوي ليكون فضاء للأحداث، ويمنحها غرائبيتها.

هذه الغرائبية تحضر منذ أولى صفحات الرواية، عبر الرواي نفسه، الذي يبدو كطيف هائم، وذاكرة عائمة تنظر لكل شيء من علٍ، بدءاً من نظره لجثته نفسها، مروراً برؤيته واسترجاعه لماضيه والشخصيات التي قابلها في القاهرة والإسكندرية، حتى لحظة قتله على يد جماعة الإخوان، الذين قتلوه على هويته الفاطمية، ووصولاً إلى تحديقه في خراب المدينة البيضاء، تحت دعاوى محاربة الخنازير ومن يدعمهم من الخونة. فالرواي هنا مجرد ذاكرة، روح فارقت الجسد، لتروي لنا ما حدث وما يحدث، وربما ما يمكن أن يحدث، كاشفة عن تواطؤ إخوان تونس مع إخوان مصر في التنكيل به حياً وميتاً، ففي مصر قتلوه على هويته، وشحنوه في صندوق إلى وطنه، وهناك في تونس تستر الإخوان الحاكمون وقتها أيضاً على حقيقة قتله، وأعلنوا أنه مات نتيجة صاعقة أصابته في الإسكندرية، وتكتموا على السبب الجنائي، ومنعوا حتى أسرته من رؤية الجثة، فدفنوه بالصندوق الذي أرسل به.

وإذا كانت الرواية تراوح بين زمنين ومكانين، فإنها أيضاً تراوح بين فضح خطابين استبداديين، أحدهما (الإخوان) وسر خراب الماضي والحاضر، يقتل باسم الدين كل من يختلف معه، ويتعاطى مع المختلفين بوصفهم مارقين، والآخر يقتل - باسم الوطن والحفاظ عليه - كل من يعترض على خطابه، ويعدّهم خونة متحالفين مع الخنازير. هذه، إذن، رواية مفعمة بالطرافة، عن روح تحدق في عالمنا وتاريخنا، في واقعنا ومستقبلنا، برشاقة سردية بالغة، وعبر حيلة سردية غرائبية، لكنها رغم هذا المدخل الفانتازي، تبدو مسكونة بالواقع، والآيديولوجيا، ومحاولة الإمساك - فكرياً - بجوهر التخلف ومسبباته، فهي لا تبحث فقط عن الأسرار وراء مقتل البطل وفك لغز الجثة، لكنها تبحث عما هو أعمق، عن سر إعادة إنتاج الاستبداد في واقعنا، وسر خراب الماضي والحاضر رغم مرور السنين واختلاف المدن.


أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا
TT

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

أحوال المهاجرين المصريين في أميركا

صدر عن دار العين للنشر في القاهرة رواية «فستانٌ أحمر بكولة دائريَّة»، للروائي والشاعر المصري سمير درويش، التي يتناول فيها أحوال المهاجرين المصريين في أميركا، في نيو جيرسي ونيويورك بالتحديد، من خلال عائلتين، إحداهما هاجرت في منتصف القرن العشرين، والأخرى في بداية الثمانينات بعد أحداث الفتنة الطائفية في منطقة «الزاوية الحمراء» بالعاصمة المصرية، فتضيء بذلك فترة مهمة في التاريخ المصري الحديث.

يتعرَّض «مايكل بشارة»، بعد ثلاثة وأربعين عاماً من هجرته إلى أميركا، لحادث سير في نيويورك، يؤدي إلى إصابته بفقدان ذاكرة كلِّي ينسيه كل ماضيه، ولا يجعله قادراً على تكوين ذاكرة جديدة، مع إشعاعات نادرة تسمح له بالنفاذ إلى مرحلة دراسته الجامعية في نهاية حكم السادات حتى اغتياله على يد أعضاء الجماعات المتطرفة الذين أخرجهم من السجن وسمح لهم بالتمدد. هذه هي الثيمة الأساسية التي تتمحور حولها أحداث الرواية.

تسير الأحداث في خطين زمنيين متوازيين، يفصلهما ثلاثة وأربعون عاماً، الخط الأول في الزمن الراهن، ويرصد مسيرة العائلتين وأحوالهما وعلاقاتهما، خاصَّة شباب الجيلين الثاني والثالث، أما الخط الآخر فيرصد مرحلة الدراسة الجامعية للبطل «مايكل بشارة»، حين كان يدرس الفلسفة في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، مصوِّراً الحركات السياسية التي كانت تعمل في الجامعات وقتها، وصراعاتها.

ورغم أن البطل الرئيسي هو نفسه في المستويين، بكل أفكاره وطموحاته وأحلامه وإحباطاته، فإن وضعهما متجاورين يكشف عن الاختلاف الشاسع بين زمنين، ومكانين: الإسكندرية ونيويورك، لكلٍّ منهما خصوصيته وملامحه المميزة التي تنعكس على تصرفات الشخصيات.

اللغة رصينة تناسب دراسة الشخصية الرئيسية وثقافتها، تميل ناحية الشعر أحياناً من حيث التكثيف، وتستدعي الكثير من الأغنيات والأفلام السينمائية لتضيء بعض المواقف، وتعكس الطريقة التي يفكر بها بعض الأشخاص، والمآزق الحياتية التي يجدون أنفسهم غارقين في تفاصيلها الكثيرة المؤلمة.

المؤلف سمير درويش من شعراء الثمانينات في مصر، أصدر عدداً من الدواوين، منها «قطوفها وسيوفي» 1991 عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، و«ديك الجن» عن دار ميريت للنشر 2021. كما أصدر ثلاث روايات من قبل: «خمس سنوات رملية» 2004، و«طائر خفيف» 2006، و«ليس بعيداً عن رأس الرجل - عزيزة ويونس» 2024، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية دورة 2025. كما أصدر كتابين فكريين: «دولة الملتحين» 2014 و«أفول العقل العربي» 2023، إضافة لكتابين في النقد الأدبي، وأصدر الكتاب الأول من سيرته الذاتية بعنوان «العشر العجاف - من الهزيمة إلى النصر» عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن 2018.