يوسا يطلق صرخة فزع أمام زحف التكنولوجيات الحديثة

تهيمن على رواية «الرياح» نغمة حزينة كما لو أنها مرثية لعالم قديم

ماريو فارغاس يوسا
ماريو فارغاس يوسا
TT

يوسا يطلق صرخة فزع أمام زحف التكنولوجيات الحديثة

ماريو فارغاس يوسا
ماريو فارغاس يوسا

في بضع ساعات أتيت على رواية جديدة، صغيرة الحجم للروائي ماريو فارغاس يوسا بعنوان «الرياح». ومثل رواية «جولة» للكاتب السويسري الناطق بالألمانية روبرت فالسر، التي تتحدث عن كاتب يقوم بجولة في مدينته مُستعرضاً ذكرياته وأفكاره ومشاعره، ورواية «ظهيرة للكاتب» للنمساوي بيتر هاندكه التي هي أيضاً عبارة عن جولة طويلة يقوم بها الكاتب في ضواحي باريس، اتخذت رواية «الرياح» شكل جولة في مدريد تبدأ في الظهيرة، وتستمر حتى ساعة مُتقدمة من الليل، وهي عبارة عن مونولوج طويل لعجوز كان صحافياً، يُقيم في غرفة في سطح إحدى العمارات بمدريد، ويعيش القلق والعزلة والخوف من الموت، ومن عالم بات قاسياً وعدوانياً يُشعره في كل لحظة بأنه يتوجّب عليه أن يرحل لأنه بات زائداً عن اللزوم في كرة أرضية تختنق بكثرة عدد سكانها، وبأمراض حضارة بلغت أوجَها، وتجرّدت من القيم الإنسانية لتصبح مُضرّة ومؤذية ومتوحّشة أكثر مما هي نافعة ورحيمة وإنسانية. ومنذ البداية نلاحظ أن هناك تشابهاً بين الصحافي العجوز، والموظف الصغير في رواية دستويفسكي «الرجل الصرصار» التي هي أيضاً قصيرة ومُكثفة جداً مثل «الرياح»، إذ إن كل واحد منهما شخصية قلِقة ومُعذّبة في عالم مادي تسوده الأنانية، ويعيش التحضر الزائف القائم على التقدم العلمي والصناعي. وكان دستويفسكي قد كتب روايته المذكورة ردّاً على المثقفين الروس، من أمثال تشيرنيشفسكي صاحب رواية «ما العمل؟»، المفتونين بالإنجازات الكبيرة التي حققها الغرب في مجالات كثيرة مبشّراً بمستقل مشرق بالنسبة للإنسانية جمعاء. لكن الموظف الصغير، الذي يعيش هو أيضاً في غرفة تشبه القبو في سانت بطرسبورغ، يُعلن، منذ البداية، تبرمه من عالم يعيش أوهام التقدم المادي والعلمي، والحال أنه لا يفعل شيئاً آخر سوى الإعداد لنهايته المأساوية. وأظنُّ أن فارغاس يوسا كتب روايته الصغيرة هذه لينتقد بطريقة لاذعة وساخرة المنبهرين بما حققته التكنولوجيات الحديثة من ابتكارات مذهلة آخرها، وليس آخرها، ما أصبح يسمى «الذكاء الاصطناعي».

غلاف الوراية

تهيمن على الرواية، من البداية إلى النهاية، نغمة حزينة كما لو أنها مرثية لعالم ولّى إلى غير رجعة، وصرخة فزع أمام تحولات خطيرة مُنذرة بمتاعب وكوارث وأزمات مُفسدة ومدمّرة للإنسانية جمعاء. وخلال جولته، لم ينقطع الصحافي العجوز عن إطلاق الريح، بل هو فعلها في سرواله الداخلي، وهو يتجنب الاستفاضة في الحديث عن تفاصيل حياته، بل يقتصر على القول إنه يحتفظ بصورة باهتة لوالديه اللذين لم يكن في وفاق معهما، وهو لا يتذكر إن كان له إخوة أو أخوات، لكنه يتذكر جيداً أنه أحبّ امرأة تُدعى «كارمانسيتا» تزوّجها، ومعها عاش سنوات عدة، ثم انفصل عنها لتتزوج صديقه المفضّل روبرتو سانابريا. وعلى مدى سنوات طويلة لم يرها، ولم يسمع عنها ولو مجرد خبر. لكن لمّا بلغه أنها تُوفيت في حادث سيارة، أصبح يرفع، كل ليلة، قبل النوم، صوته راجياً منها أن تغفر له أخطاءه.

ويُخبرنا الصحافي العجوز أن له صديقاً واحداً يُدعى أوساريو، وهذا الصديق، الذي يعيش وحشة الوحدة مثله، كان مُدرّساً للفلسفة في معهد ثانوي بمدريد. ومعه يلتقي بين وقت وآخر، لكنه أقل منه تشاؤماً بشأن مصير العالم، وهو لا يبدي مثله فزعاً أمام زحف التكنولوجيات الحديثة التي بسطت نفوذها على الناس ليكونوا عبيداً لها. وما يتذكره الصحافي العجوز أيضاً من فصول حياته هو أنه نجا من سرطان الدم. ورغم أنه يعلم أن ذلك تحقّق بفضل التقدم العلمي، فإن هذا التقدم العلمي لا يعني له شيئاً ما دامت البشرية تعيش حروباً مُدمّرة، وما دامت الأديان والمعتقدات القديمة تدفع الناس إلى التقاتل والتناحر، وبينهم تقيم أسواراً من الأحقاد والضغائن، وما دام اليهود والفلسطينيون يتحاربون من دون انقطاع ليبدو السلام بينهما مستحيلاً، خصوصاً أن الدول الكبرى تجد متعة في تواصل هذا الصراع الدموي، لبيع أسلحتها، والحفاظ على مصالحها. ثم ما الفائدة من هذا التقدم العلمي إن كان يهدي الإنسانية بعض المنافع بهذه اليد، ثم يفتك بها باليد الأخرى مُغذّياً التنافس من أجل مزيد من التسلح، وزرع قنابل ذرية شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً. أما أن يكون الناس أكثر حرية من ذي قبل، فإن هذا يثير شكوك الصحافي العجوز؛ لأنه يعتقد، خلافاً لصديقه أوساريو، أن هذا العالم الجديد هو في الحقيقة عالم «عبيد خاضعين راضين عن مصيرهم».

وفي تلك الظهيرة، غادر الصحافي العجوز غرفة السطح ليحضر حفلة جنائزية لقاعة سينما في مدريد تتأهب لغلق أبوابها، بعد أن تقلَّص عدد المقبلين على مشاهدة الأفلام الجديدة التي تَعرضها. وكثير من القاعات فعلت مثلها لأن الناس، خصوصاً الشبان منهم المفتونين بالتكنولوجيات الحديثة، أصبحوا يفضلون مشاهدة الأفلام على الشاشات الصغيرة للموبايل أو لأجهزة الكمبيوتر، كما أن كثيراً من المكتبات أغلقت أبوابها أيضاً لأن عدد القراء أصبح ضئيلاً جداً، أو أن هؤلاء القراء يفضلون القراءة بواسطة أجهزة إلكترونية استُحدثت لهذا الغرض. ومعنى هذا أن هذه الأجهزة الجديدة سوف تقضي على متعة القراءة شيئاً فشيئاً إلى أن تنتفي تماماً، إذ ما معنى أن تقرأ كتاباً من دون أن تُقلّب صفحاته، ومن دون أن تدوّن على حواشيه ملاحظاتك الخاصة، كما أن هذه الأجهزة سوف تقضي على المفهوم الحقيقي للثقافة، التي من بين أهدافها شحذ الخيال والمشاعر والأحاسيس، ومنح المتعة والجمال، وتغذية الفكر النقدي.

التقدم العلمي لا يعني لبطل الرواية شيئاً، ما دامت البشرية تعيش حروباً مُدمّرة، تقيم أسواراً من الأحقاد والضغائن، وما دام اليهود والفلسطينيون يتحاربون من دون انقطاع

أمام قاعة السينما، وجد عدداً قليلاً من الذين يَحنّون للزمن القديم، وجميعهم «أشلاء بشرية»، لذا غادر الصحافي العجوز غير آسفٍ ليَهيم على وجهه في المدينة الكبيرة مواصلاً الثرثرة مع نفسه، مُطلقاً أفكاره حول أمراض وأزمات العالم الحديث من دون أن يسمعها أحد، موقّعاً إيّاها بإطلاق الريح بين وقت وآخر. وفي حديقة صغيرة التقى مجموعات من الشبان والشابات أطلق عليهم اسم «المرتبكون»، وهؤلاء يقاومون العالم الحديث برفض أكل اللحم وكل ما يأتي من الحيوان، مبتكرين أيديولوجيا جديدة سمّوها «الأخوة السلمية العالمية». وبينما يتحدث إليهم، شعر الصحافي العجوز بأن تلك المجموعة الصغيرة تجسد تفاهة البشرية، وسطحيتها، وجبنها، وفقدانها إرادة المقاومة، ففي زمنه كان الشبان في مثل هذه السنّ يخرجون للتظاهر ضدّ الاستبداد والظلم، وضد الأنظمة الديكتاتورية المُعلَنة والخفية، وضد الحروب، مُطلقين شعارات جميلة مثل «انبذوا الحرب ومارسوا الحب»، أو «ما هو مستحيل يصبح ممكناً»، و«الجمال في الشارع»، و«الخيال في السلطة»... أمّا الآن فها هو أمام شبان وشابات تَبين العظام خلف جلودهم بسبب الصوم، بوجوه شاحبة ونظرات زائغة، يهمهمون بكلام غامض، ويطلقون أفكاراً غريبة وعجيبة تثير الامتعاض والنفور... لذا تركهم الصحافي العجوز ليواصل جولته التي طالت بسبب نسيانه عنوان الشارع الذي يُقيم فيه... ظلّ يسير ويسير إلى ساعة متقدمة من الليل. وفي النهاية اهتدى إلى العمارة التي في سطحها غرفته الكئيبة، بعد أن ثقلت قدماه، وثقل رأسه، فما عاد قادراً على الحركة إلّا بصعوبة كبيرة. وبعد أن اغتسل وارتدى ثياباً نظيفة، تمدَّد على الفراش ليشعر بأن النهاية باتت وشيكة. وتنتهي رواية «الرياح» بهذه الفقرة الحزينة: «إنها النهاية، لم أكن لا خائفاً ولا فزِعاً، كنت مُتوجّعاً وحزيناً فقط، وكنت أغرق في شيء لزج ومُلتَبس، وكان واضحاً أن الأمر لا يتعلق بحلم، وإنما بطلائع استقبال الموت».

لقد عوّدنا ماريو فارغاس يوسا على روايات ضخمة، والآن وهو يقترب من سن التسعين، أهدى قراءه هذه الرواية الصغيرة المكثفة المحمّلة بأفكار عظيمة عن عالم اليوم، لكي يثبت مرة أخرى أن الأدب يظل دائماً مضيئاً للبشرية في الأوقات المظلمة والعصيبة، ومُلقّحاً إياها ضد الأوهام والأكاذيب. ولعلّه أراد أن يؤكد أيضاً أنه سيظلّ يكتب، حتى ولو قيّدت الشيخوخة حركاته، وأفقدته كثيراً من حيويته القديمة.


مقالات ذات صلة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)
يوميات الشرق رواية تائهة بين قارّتين (مكتبة بيرنسديل في «فيسبوك»)

كتاب يضلّ الطريق... ويعبُر العالم إلى أستراليا

ليس من المألوف أن تتحوَّل عودة كتاب مُعار من مكتبة إلى قصة يكتنفها الغموض.


زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي
TT

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

بربجنيسكي
بربجنيسكي

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها. مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس جيمي كارتر، وأحد أبرز صانعي السياسة الخارجية الأميركية في القرن العشرين، يعود اليوم في سيرة جديدة للكاتب والصحافي إدوارد لوس، الصادرة عن «بلومسبري» بعنوان «زبيغ: سيرة زبيغنيو بريجينسكي، نبي الحرب الباردة الأميركي»*، وهي ترسم صورة دقيقة لأكاديمي لامع، وسياسي شديد المراس، ومفرط الثقة بالنفس، ترك بصمة عميقة ومثيرة للجدل على مسار الحرب الباردة وتوازنات القوى العالمية.

تبدأ السيرة المستندة لأرشيف ضخم من المذكرات الشخصية والمراسلات والوثائق والمقابلات الحصرية من الجذور البولندية لبريجينسكي. ولد زبيغنيو عام 1928 في وارسو لعائلة أرستقراطية دبلوماسية يهودية، ودفع صعود النازية في ألمانيا والتهديد السوفياتي عائلته إلى الهجرة بداية إلى كندا عام 1938، ومنها راقب شاباً تدمير وطنه وتقسيمه بين هتلر وستالين. غرس فيه والده، تاديوش، نزعة قومية بولندية عميقة، ورؤية تعتبر بولندا ممثلة للحضارة الغربية في مواجهة جيرانها بالشرق، فكان أن شكلت هذه النشأة وعيه السياسي المبكر، وولّدت لديه عداءً جذرياً ومستمراً تجاه الاتحاد السوفياتي وروسيا، معتبراً التنازلات الأميركية والبريطانية لستالين في مؤتمر يالطا خيانة أخلاقية وسياسية، ليتعهد على أثرها بتكريس حياته لتفكيك الإمبراطورية السوفياتية.

بعد جامعة ماكغيل الكندية انتقل بريجينسكي إلى الولايات المتحدة حاملاً طموحاً سياسياً كبيراً. برز نجمه الأكاديمي في جامعة هارفارد حيث ركزت أطروحته الجامعية على دراسة نقاط الضعف في النظام السوفياتي، وحدد التنوع العرقي والقومي داخل الاتحاد السوفياتي ككعب أخيل هيكلي سيؤدي حتماً إلى انهيار تلك الإمبراطورية، منظراً بأن القوميات المتعددة سترفض هيمنة الثقافة الروسية. وطور لاحقاً في جامعة كولومبيا استراتيجية «الاشتباك السلمي» للتعامل مع دول أوروبا الشرقية مقترحاً استخدام الأدوات الاقتصادية والتبادل الثقافي لاختراق الستار الحديدي، وتجنب المواجهة العسكرية المباشرة، بغرض فصل الدول التابعة ببطء عن مدار موسكو.

بلغ ذروة نفوذه السياسي بتعيينه مستشاراً للأمن القومي في إدارة الرئيس جيمي كارتر عام 1977، ويستعرض الكتاب تفاصيل صراعه المرير داخلها مع وزير الخارجية وقتها، سايروس فانس. جسد فانس مدرسة المؤسسة الدبلوماسية التقليدية، وفضّل نهج التسويات، وركز جهوده على إنجاز معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (سالت 2) مع السوفيات. بالمقابل، تبنى بريجينسكي نهجاً هجومياً، وفضّل استعراض القوة، واعتبر ملف حقوق الإنسان أداة استراتيجية لضرب الشرعية السوفياتية، وشجع كارتر على تبادل الرسائل مع المعارضين السوفيات مثل أندريه ساخاروف، وهي خطوة أثارت غضب القيادة السوفياتية وعقدت مهمة فانس الدبلوماسية.

تعرض السيرة أيضاً لمنافسته الشرسة والمستمرة مع هنري كيسنجر. تواجه الرجلان في الساحة الأكاديمية والسياسية لعقود، وبينما مال كيسنجر إلى الواقعية السياسية وتقاسم مناطق النفوذ مع السوفيات، أصر بريجينسكي على ضرورة هزيمة الاتحاد السوفياتي أيديولوجياً وجيوسياسياً، ونجح لاحقاً في تحقيق إنجاز دبلوماسي كبير بتطبيع العلاقات رسمياً مع الصين الشعبية عام 1979، وقاد المفاوضات مع الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ بمهارة، ليستخدم هذا التحالف الجديد كورقة ضغط قوية لمحاصرة الاتحاد السوفياتي.

يخصص لوس مساحة واسعة لتحليل دور بريجينسكي في التدخل السوفياتي بأفغانستان حيث رأى أن الغزو السوفياتي فرصة تاريخية لاستنزاف موسكو. ودفع بقوة نحو دعم المجاهدين الإسلاميين، بغرض تحويل أفغانستان إلى «فيتنام سوفياتية». ويؤكد الكتاب نجاح هذه الاستراتيجية في استنزاف الموارد السوفياتية، ويشير أيضاً إلى التداعيات المستقبلية الكارثية المتمثلة في صعود الجماعات المتطرفة كتنظيم «القاعدة»، وهو مسار يعتبره منتقدوه نتيجة مباشرة لسياساته المتشددة.

شكلت أزمة الرهائن الإيرانيين التحدي الأصعب في مسيرته السياسية. فبعدما اندلعت الثورة الإيرانية على حكم الشاه محمد رضا بهلوي، حث وقتها الرئيس كارتر على دعم تحرك عسكري يقوده جنرالات الجيش الإيراني لقمع الثورة، وتوقع تحول النظام الجديد بقيادة آية الله الخميني إلى حكم دموي، لكن كارتر رفض خيار القوة المفرطة. وتفاقمت الأزمة حين استقبلت واشنطن الشاه للعلاج، في خطوة أيدها بريجينسكي وكيسنجر لكنها أدت إلى اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز الرهائن. ألح بريجينسكي لتدخل عسكري ينقذ الرهائن، إلى أن وافق كارتر أخيراً على تنفيذ عملية «مخلب النسر» التي انتهت بفشل كارثي في الصحراء الإيرانية، واستقال على أثرها فانس احتجاجاً على القرار، فيما ساهمت هذه الأزمة في خسارة كارتر للانتخابات الرئاسية أمام رونالد ريغان.

في ملف الشرق الأوسط، كان براغماتياً حاداً، ولعب دوراً محورياً في هندسة اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل. جمعته علاقة معقدة ومحكومة بالندية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن، وتشاركا الأصول اليهودية البولندية. أصر بريجينسكي على ضرورة إيجاد حل شامل يضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين، وحذر باستمرار من خطورة سياسة بناء المستوطنات الإسرائيلية، واصطدم مراراً بجماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن، فتعرض لحملات إعلامية قاسية شككت في نواياه، لكنه واجهها بصلابة وثبات على مواقفه، واستمر على هذا التوجه في سنواته اللاحقة، وأعلن تأييده للمقال الأكاديمي الشهير الذي كتبه جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير «اللوبي الإسرائيلي» على السياسة الخارجية الأميركية.

مع انهيار جدار برلين وسقوط الاتحاد السوفياتي، حصد ثمار تنبؤاته المبكرة. وساهم تعاونه الوثيق وتواصله المستمر مع البابا يوحنا بولس الثاني (البولندي الأصل) في دعم حركة «تضامن» البولندية، ومنع الغزو السوفياتي المحتمل لبولندا في بداية الثمانينات. وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، دعم توسيع حلف شمال الأطلسي (الناتو) ليضم دول أوروبا الشرقية، واعتبر أوكرانيا حجر الزاوية لمنع انبعاث الإمبراطورية الروسية، وكان حذر مبكراً من صعود نزعة قومية انتقامية في روسيا، وتوقع مسار المواجهة الذي سلكه فلاديمير بوتين لاحقاً.

عكس بريجينسكي في سنواته الأخيرة تحولاً ملحوظاً في رؤيته للمشهد العالمي. فعارض بشدة الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وانتقد علناً إدارة جورج دبليو بوش والمحافظين الجدد، واصفاً مبررات الحرب بالمضللة والكارثية، كما دعم باراك أوباما في حملته الرئاسية عام 2008، ورأى فيه فرصة لتجديد القيادة الأميركية بأدوات سلمية. خصص خطابه العلني الأخير في جامعة كولومبيا للدعوة إلى التعاون المشترك بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، محذراً من استمرار عقلية المواجهة الصفرية في عالم يواجه تحديات وجودية مشتركة.

نجح إدوارد لوس في تقديم وثيقة تاريخية تتسم بالرصانة والعمق التحليلي لشخصية بريجينسكي بكل تناقضاتها: الباحث الأكاديمي المنظّر، والسياسي البراغماتي قوي الشكيمة القادر على اتخاذ قرارات قاسية. وبغير أنه أوسع سيرة عن عراف الحرب الباردة، يشكل هذا العمل إضافة مرجعية قيّمة لفهم آليات صنع القرار داخل أروقة البيت الأبيض، وتتبع جذور السياسات التي صاغت خريطة العالم المعاصر، وتأثير النخب اليهودية المهاجرة من وسط أوروبا في توجيه دفة القيادة في أقوى دول العالم.

Zbig: The Life of Zbigniew Brzezinski America's Cold War Prophet” Edward Luce “* Bloomsbury Publishing 2025


حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً
TT

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954» الذي يقدم فيها مقارنة بديعة لتجليات واحدة من أشهر قصص التراث العربي وكيف اختلف تناولها وتعددت رؤاها، سردياً وفلسفياً، لدى ثلاثة من رموز هذا التراث وهم ابن سينا وابن طفيل والسهروردي.

ويشير إلى أن خلاصة القصة الذائعة الصيت لدى ابن سينا، هي أن جماعة خرجوا يتنزهون إذ عنّ لهم شيخ جميل الطلعة حسن الهيئة مهيب قد أكسبته السنون والرحلات تجارب عظيمة، وهذا الشيخ المهيب الوقور اسمه حي بن يقظان وهو يرمز بهذا الشيخ إلى العقل.

وهذه الرفقة التي تصاحبه من هؤلاء ليست أشخاصاً وإنما هي الشهوات والغرائز وسائر الملكات الإنسانية، كما أن المجادلة بين الرفقة وحي بن يقظان عبارة عن مجادلات تحدث عادة بين غرائز الإنسان وشهواته من ناحية، وبين ضميره وعقله من ناحية أخرى.

هذه المناظرات بين قوى الإنسان وعقله أدت إلى سؤال العقل عن علم الفراسة ويقصد ابن سينا به علم المنطق وسماه علم الفراسة؛ لأنه بواسطته يُعرف الأمر المجهول الخفي من أحواله الظاهرة وتُعرف النتائج العويصة من مقدمات بدهية، فهو استدلال على الخفايا من السمات والمظاهر.

ويقول العقل إن هذه الرفقة التي تصحب الإنسان والتي هي ملكاته وشهواته رفقة سوء ومن ذلك أيضاً قوة التخيل ورمز إليها بـ«شاهد الزور»، وذلك لأنها قادرة على تشبيه الشيء بالشيء زوراً وبهتاناً لإيقاع الإنسان في الشر وهذا التشبيه زور وباطل لأنه لا ينشأ عن عقل وحكمة.

أما حي بن يقظان عند ابن طفيل فشيء آخر، هو أيضاً يتصل بالعقل ولكن على نمط مختلف فهو رسالة بناها وفق نظرية له، وهي أن في وسع الإنسان أن يرتقي بنفسه من المحسوس إلى المعقول إلى الله، فهو يستطيع بعقله أن يصل إلى معرفة العالم ومعرفة الله.

وعنده أن المعرفة تنقسم إلى قسمين: معرفة حدسية ومعرفة نظرية، أو بعبارة أخرى معرفة مبنية على الكشف والإلهام كالتي عند الصوفية، ومعرفة مبنية على المنطق كالتي عند العلماء. أما الأولى فيمكن الوصول إليها بترويض النفس فتنكشف لها الحقائق كأنها نور واضح لذيذ يومض له حيناً ثم يخبو حيناً.

وكلما أمعن الإنسان في ترويض نفسه، تجلت له المعارف، وأما النوع الثاني من المعرفة فهو مؤسس على الحواس، والمعرفة بالحواس تتألف وتتركب وتُستنتج منها نتائج علمية هي أيضاً نوع من المعرفة التي يسميها المعرفة النظرية. وقد جعل ابن طفيل بطله بن يقظان يسلك هذين الطريقين، فتارة يصل لمعرفة الأشياء بحواسه ومركباتها وتارة يصل إليها بطريق الكشف الروحاني.

أما قصة حي بن يقظان عند السهروردي فبدأها بقوله «إني لما رأيت قصة حي بن يقظان وصادفتها مع ما فيها من عجائب الكلمات الروحانية والإشارات العميقة عارية من تلويحات تشير إلى الطور الأعظم المخزون الذي يترتب عليه مقامات الصوفية وأصحاب المكاشفات، أردت أن أذكر طوراً في القصة سميتها أنا قصة الغريبة».

ويضيف: «بدأت قصتي هكذا... سافرت مع أخي عاصم من ديار ما وراء النهر إلى ساحل اللجة الخضراء إلى مدينة القيروان بالمغرب، فلما أحس قومها بقدومنا عليهم وأننا من أصحاب عدوهم أخذونا وقيدونا بسلاسل من حديد وحبسونا في قاع بئر عميقة وكان فوق البئر قصر مشيد عليه أبراج عالية وقالوا لنا لا جناح عليكم إذا صعدتم القصر مجردين إذا أمسيتم، أما عند الصباح فلا بد من الهوى في غيابة الجب».

ويشير أحمد أمين إلى أن السهروردي رأى الشمس هنا رمزاً لسطوع العقل وتحكمه، لذا جعلهم يطلعون في المساء إلى القصر ويغيبون في قاع البئر في الصباح، لأن الإنسان يكون في ترف ونعيم إذا اتبع شهواته وغاب عنه العقل، أما إذا طلع عليه العقل وتحكم في شهواته عاش عيشة سعيدة كالتي يعيشها العاقل الحكيم.

ويرمز السهروردي بحياة البئر إلى الحياة المظلمة التي تتحكم فيها الشهوات، ثم قال: «فبينما نحن في الصعود ليلاً والهبوط نهاراً إذ رأينا الهدهد في ليلة قمراء في منقاره كتاب صدر من شاطئ الوادي الأيمن وقال إني أحطت بوجه خلاصكما وجئتكما بنبأ يقين مشروح في رقعة أبيكما».

ويرمز الهدهد هنا إلى قوة العقل وتأثير إلهامه وقدرته على إظهار الأشياء على حقيقتها، وقد أتى برسالة من عند أبيهم فيها الحكمة وفيها النور الذي يكشف ظلام الشهوات.


صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار
TT

صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل وفكرته الأساسية تقول: «صمتُ المظلوم ليس استسلاماً، بل شروعٌ في صياغة لغةٍ جديدة، أشدُّ فتكاً من الصراخ، إنه الصمتُ الصاخب».

تدور أحداث الرواية، الصادرة أخيراً عن «دار تشكيل» بالقاهرة، داخل أسوار أحد السجون، تحديداً بين عدد كبير من المثقفين والمفكرين وقادة الرأي العام على غرار ما كان يحدث في حقب زمنية سابقة من اعتقال سياسي بهدف تكميم الأفواه حين تختلف السلطة مع معارضيها وتقرر التنكيل بهم، فلا تجد أمامها سوى الزج بهم بشكل جماعي وراء الأسوار.

يركز النص على استبطان الحالة النفسية للشخصيات الرئيسية مثل الراوي و«الصول مسعود» ومأمور السجن وبعض النزلاء الجنائيين، وكيف أن الصمت المشحون بانفجار قادم يشكل لغزاً يستعصي على الفهم، فيما يسخر المأمور من الشعراء ويتهمهم بالتخاذل والعيش في عوالم وهمية بعيداً عن الواقع.

اتسمت اللغة السردية بالإيقاع السريع والمشاعر المتأججة بين السطور، دون استطراد يوقع العمل في شراك الرتابة، كما عمد المؤلف للدخول في بؤرة الصراع النفسي بين جميع الأطراف دون تمهيد، ما جعل الرواية تفيض بالتشويق والإثارة النفسية منذ الصفحة الأولى.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«بالأمس، وما إن غادرني الجميع متجهين إلى العمل بالورش، حتى انفتح باب العنبر ودخل الصول مسعود، كبير السجّانين وأقدمهم هنا. بيني وبينه علاقة بدأت عادية، ثم تحوّلت بمرور السنوات إلى ما يشبه الرفقة الحذرة التي تجمع رجلين يحترقان في فرنٍ واحد، اقترب مني بخطواته الثقيلة، ثم ألقى بجسده الضخم إلى جواري، برم شاربه الكثيف كعادته، وفرك فروة رأسه الكبيرة قبل أن يخرج صندوق سجائره، أشعل لنفسه سيجارة، ثم مدّ إليّ أخرى بصمت، بلا كلمة منه ولا مني، كأنما يدرك أن الكلام عندي أصبح شحيحاً، نادراً كقطرة ماء في صحراء قاحلة، نفث دخانه الأول، ثم بدأ يمطرني بأسئلة متلاحقة، كلها تدور حول ما بعد الصمت، ماذا نُخفي؟ وإلى أين سيقودنا هذا الهدوء المريب؟ أكمل سيجارته دون أن ينتزع مني جواباً واحداً، ورغم يقيني بإخلاصه، فالحيطة في أيام الحرب واجبة، فنحن نحارب قائده الجلّاد، ومن السهل أن تنزلق أسرارنا من فم مسعود تحت ضغط المأمور، مهما كان قلبه معنا، وحين أنهى سلسلة أسئلته، مال نحوى وقال بصوت خفيض:

ـ أريدك أن تأتي معي إلى مكتب المأمور.

رفعت يدي دون تفكير، وقاطعته بنظرة حادة كحدّ السكين:

ـ ماذا يريد مني المأمور؟

ابتسم ابتسامة باهتة، ثم عاد يلوّي شاربه كما لو أنه يبحث عن وقت إضافي قبل أن ينطق:

- من المؤكّد أنّه سيُعيد عليك أسئلته التي تؤرّقه حول أسباب صمتكم، وإلى أيّ مدى سيطول، فثمة ما ينهش يقينه بأنّ أمراً جللاً يوشك أن يقع داخل السجن عقب هذا الصمت المفاجئ».