يوسا يطلق صرخة فزع أمام زحف التكنولوجيات الحديثة

تهيمن على رواية «الرياح» نغمة حزينة كما لو أنها مرثية لعالم قديم

ماريو فارغاس يوسا
ماريو فارغاس يوسا
TT

يوسا يطلق صرخة فزع أمام زحف التكنولوجيات الحديثة

ماريو فارغاس يوسا
ماريو فارغاس يوسا

في بضع ساعات أتيت على رواية جديدة، صغيرة الحجم للروائي ماريو فارغاس يوسا بعنوان «الرياح». ومثل رواية «جولة» للكاتب السويسري الناطق بالألمانية روبرت فالسر، التي تتحدث عن كاتب يقوم بجولة في مدينته مُستعرضاً ذكرياته وأفكاره ومشاعره، ورواية «ظهيرة للكاتب» للنمساوي بيتر هاندكه التي هي أيضاً عبارة عن جولة طويلة يقوم بها الكاتب في ضواحي باريس، اتخذت رواية «الرياح» شكل جولة في مدريد تبدأ في الظهيرة، وتستمر حتى ساعة مُتقدمة من الليل، وهي عبارة عن مونولوج طويل لعجوز كان صحافياً، يُقيم في غرفة في سطح إحدى العمارات بمدريد، ويعيش القلق والعزلة والخوف من الموت، ومن عالم بات قاسياً وعدوانياً يُشعره في كل لحظة بأنه يتوجّب عليه أن يرحل لأنه بات زائداً عن اللزوم في كرة أرضية تختنق بكثرة عدد سكانها، وبأمراض حضارة بلغت أوجَها، وتجرّدت من القيم الإنسانية لتصبح مُضرّة ومؤذية ومتوحّشة أكثر مما هي نافعة ورحيمة وإنسانية. ومنذ البداية نلاحظ أن هناك تشابهاً بين الصحافي العجوز، والموظف الصغير في رواية دستويفسكي «الرجل الصرصار» التي هي أيضاً قصيرة ومُكثفة جداً مثل «الرياح»، إذ إن كل واحد منهما شخصية قلِقة ومُعذّبة في عالم مادي تسوده الأنانية، ويعيش التحضر الزائف القائم على التقدم العلمي والصناعي. وكان دستويفسكي قد كتب روايته المذكورة ردّاً على المثقفين الروس، من أمثال تشيرنيشفسكي صاحب رواية «ما العمل؟»، المفتونين بالإنجازات الكبيرة التي حققها الغرب في مجالات كثيرة مبشّراً بمستقل مشرق بالنسبة للإنسانية جمعاء. لكن الموظف الصغير، الذي يعيش هو أيضاً في غرفة تشبه القبو في سانت بطرسبورغ، يُعلن، منذ البداية، تبرمه من عالم يعيش أوهام التقدم المادي والعلمي، والحال أنه لا يفعل شيئاً آخر سوى الإعداد لنهايته المأساوية. وأظنُّ أن فارغاس يوسا كتب روايته الصغيرة هذه لينتقد بطريقة لاذعة وساخرة المنبهرين بما حققته التكنولوجيات الحديثة من ابتكارات مذهلة آخرها، وليس آخرها، ما أصبح يسمى «الذكاء الاصطناعي».

غلاف الوراية

تهيمن على الرواية، من البداية إلى النهاية، نغمة حزينة كما لو أنها مرثية لعالم ولّى إلى غير رجعة، وصرخة فزع أمام تحولات خطيرة مُنذرة بمتاعب وكوارث وأزمات مُفسدة ومدمّرة للإنسانية جمعاء. وخلال جولته، لم ينقطع الصحافي العجوز عن إطلاق الريح، بل هو فعلها في سرواله الداخلي، وهو يتجنب الاستفاضة في الحديث عن تفاصيل حياته، بل يقتصر على القول إنه يحتفظ بصورة باهتة لوالديه اللذين لم يكن في وفاق معهما، وهو لا يتذكر إن كان له إخوة أو أخوات، لكنه يتذكر جيداً أنه أحبّ امرأة تُدعى «كارمانسيتا» تزوّجها، ومعها عاش سنوات عدة، ثم انفصل عنها لتتزوج صديقه المفضّل روبرتو سانابريا. وعلى مدى سنوات طويلة لم يرها، ولم يسمع عنها ولو مجرد خبر. لكن لمّا بلغه أنها تُوفيت في حادث سيارة، أصبح يرفع، كل ليلة، قبل النوم، صوته راجياً منها أن تغفر له أخطاءه.

ويُخبرنا الصحافي العجوز أن له صديقاً واحداً يُدعى أوساريو، وهذا الصديق، الذي يعيش وحشة الوحدة مثله، كان مُدرّساً للفلسفة في معهد ثانوي بمدريد. ومعه يلتقي بين وقت وآخر، لكنه أقل منه تشاؤماً بشأن مصير العالم، وهو لا يبدي مثله فزعاً أمام زحف التكنولوجيات الحديثة التي بسطت نفوذها على الناس ليكونوا عبيداً لها. وما يتذكره الصحافي العجوز أيضاً من فصول حياته هو أنه نجا من سرطان الدم. ورغم أنه يعلم أن ذلك تحقّق بفضل التقدم العلمي، فإن هذا التقدم العلمي لا يعني له شيئاً ما دامت البشرية تعيش حروباً مُدمّرة، وما دامت الأديان والمعتقدات القديمة تدفع الناس إلى التقاتل والتناحر، وبينهم تقيم أسواراً من الأحقاد والضغائن، وما دام اليهود والفلسطينيون يتحاربون من دون انقطاع ليبدو السلام بينهما مستحيلاً، خصوصاً أن الدول الكبرى تجد متعة في تواصل هذا الصراع الدموي، لبيع أسلحتها، والحفاظ على مصالحها. ثم ما الفائدة من هذا التقدم العلمي إن كان يهدي الإنسانية بعض المنافع بهذه اليد، ثم يفتك بها باليد الأخرى مُغذّياً التنافس من أجل مزيد من التسلح، وزرع قنابل ذرية شرقاً وغرباً، وشمالاً وجنوباً. أما أن يكون الناس أكثر حرية من ذي قبل، فإن هذا يثير شكوك الصحافي العجوز؛ لأنه يعتقد، خلافاً لصديقه أوساريو، أن هذا العالم الجديد هو في الحقيقة عالم «عبيد خاضعين راضين عن مصيرهم».

وفي تلك الظهيرة، غادر الصحافي العجوز غرفة السطح ليحضر حفلة جنائزية لقاعة سينما في مدريد تتأهب لغلق أبوابها، بعد أن تقلَّص عدد المقبلين على مشاهدة الأفلام الجديدة التي تَعرضها. وكثير من القاعات فعلت مثلها لأن الناس، خصوصاً الشبان منهم المفتونين بالتكنولوجيات الحديثة، أصبحوا يفضلون مشاهدة الأفلام على الشاشات الصغيرة للموبايل أو لأجهزة الكمبيوتر، كما أن كثيراً من المكتبات أغلقت أبوابها أيضاً لأن عدد القراء أصبح ضئيلاً جداً، أو أن هؤلاء القراء يفضلون القراءة بواسطة أجهزة إلكترونية استُحدثت لهذا الغرض. ومعنى هذا أن هذه الأجهزة الجديدة سوف تقضي على متعة القراءة شيئاً فشيئاً إلى أن تنتفي تماماً، إذ ما معنى أن تقرأ كتاباً من دون أن تُقلّب صفحاته، ومن دون أن تدوّن على حواشيه ملاحظاتك الخاصة، كما أن هذه الأجهزة سوف تقضي على المفهوم الحقيقي للثقافة، التي من بين أهدافها شحذ الخيال والمشاعر والأحاسيس، ومنح المتعة والجمال، وتغذية الفكر النقدي.

التقدم العلمي لا يعني لبطل الرواية شيئاً، ما دامت البشرية تعيش حروباً مُدمّرة، تقيم أسواراً من الأحقاد والضغائن، وما دام اليهود والفلسطينيون يتحاربون من دون انقطاع

أمام قاعة السينما، وجد عدداً قليلاً من الذين يَحنّون للزمن القديم، وجميعهم «أشلاء بشرية»، لذا غادر الصحافي العجوز غير آسفٍ ليَهيم على وجهه في المدينة الكبيرة مواصلاً الثرثرة مع نفسه، مُطلقاً أفكاره حول أمراض وأزمات العالم الحديث من دون أن يسمعها أحد، موقّعاً إيّاها بإطلاق الريح بين وقت وآخر. وفي حديقة صغيرة التقى مجموعات من الشبان والشابات أطلق عليهم اسم «المرتبكون»، وهؤلاء يقاومون العالم الحديث برفض أكل اللحم وكل ما يأتي من الحيوان، مبتكرين أيديولوجيا جديدة سمّوها «الأخوة السلمية العالمية». وبينما يتحدث إليهم، شعر الصحافي العجوز بأن تلك المجموعة الصغيرة تجسد تفاهة البشرية، وسطحيتها، وجبنها، وفقدانها إرادة المقاومة، ففي زمنه كان الشبان في مثل هذه السنّ يخرجون للتظاهر ضدّ الاستبداد والظلم، وضد الأنظمة الديكتاتورية المُعلَنة والخفية، وضد الحروب، مُطلقين شعارات جميلة مثل «انبذوا الحرب ومارسوا الحب»، أو «ما هو مستحيل يصبح ممكناً»، و«الجمال في الشارع»، و«الخيال في السلطة»... أمّا الآن فها هو أمام شبان وشابات تَبين العظام خلف جلودهم بسبب الصوم، بوجوه شاحبة ونظرات زائغة، يهمهمون بكلام غامض، ويطلقون أفكاراً غريبة وعجيبة تثير الامتعاض والنفور... لذا تركهم الصحافي العجوز ليواصل جولته التي طالت بسبب نسيانه عنوان الشارع الذي يُقيم فيه... ظلّ يسير ويسير إلى ساعة متقدمة من الليل. وفي النهاية اهتدى إلى العمارة التي في سطحها غرفته الكئيبة، بعد أن ثقلت قدماه، وثقل رأسه، فما عاد قادراً على الحركة إلّا بصعوبة كبيرة. وبعد أن اغتسل وارتدى ثياباً نظيفة، تمدَّد على الفراش ليشعر بأن النهاية باتت وشيكة. وتنتهي رواية «الرياح» بهذه الفقرة الحزينة: «إنها النهاية، لم أكن لا خائفاً ولا فزِعاً، كنت مُتوجّعاً وحزيناً فقط، وكنت أغرق في شيء لزج ومُلتَبس، وكان واضحاً أن الأمر لا يتعلق بحلم، وإنما بطلائع استقبال الموت».

لقد عوّدنا ماريو فارغاس يوسا على روايات ضخمة، والآن وهو يقترب من سن التسعين، أهدى قراءه هذه الرواية الصغيرة المكثفة المحمّلة بأفكار عظيمة عن عالم اليوم، لكي يثبت مرة أخرى أن الأدب يظل دائماً مضيئاً للبشرية في الأوقات المظلمة والعصيبة، ومُلقّحاً إياها ضد الأوهام والأكاذيب. ولعلّه أراد أن يؤكد أيضاً أنه سيظلّ يكتب، حتى ولو قيّدت الشيخوخة حركاته، وأفقدته كثيراً من حيويته القديمة.


مقالات ذات صلة

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

يوميات الشرق الروائيّ اللبناني جبّور الدويهي (فيسبوك)

كيف أمضى جبّور الدويهي يومه الأخير؟

عشيّة الذكرى الثالثة لرحيله، تتحدّث عائلة الروائيّ اللبنانيّ جبّور الدويهي عن سنواته الأخيرة، وعن تفاصيل يوميّاته، وعن إحياء أدبِه من خلال أنشطة متنوّعة.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

ليلى العثمان تقتحم باسمها الصريح عالم روايتها

رواية «حكاية صفية» للروائية الكويتية ليلى العثمان الصادرة عام 2023، رواية جريئة بشكل استثنائي

فاضل ثامر
كتب بعض واجهات المكتبات

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا

ألكسندرا ألتر
كتب الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

الرواية الخليجية... بدأت خجولة في الثلاثينات ونضجت مع الألفية

يتناول الناقد والباحث اليمني د. فارس البيل نشأة وجذور السرد الإبداعي في منطقة الخليج وعلاقة النص بالتطورات الاجتماعية والاقتصادية المتلاحقة

رشا أحمد (القاهرة)
يوميات الشرق محافظ الإسكندرية ووزير الثقافة ومدير مكتبة الإسكندرية خلال افتتاح المعرض (مكتبة الإسكندرية)

«الإسكندرية للكتاب» يراهن على مبادرات ثقافية وعلمية جديدة

يراهن معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته الـ19 التي انطلقت، الاثنين، وتستمر حتى 28 يوليو (تموز) الحالي على عدة مبادرات ثقافية.

انتصار دردير (القاهرة )

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات
TT

موجة ازدهار في الروايات الرومانسية بأميركا

بعض واجهات المكتبات
بعض واجهات المكتبات

الصيف الماضي، عندما روادت ماي تنغستروم فكرة فتح مكتبة لبيع الروايات الرومانسية بمنطقة فنتورا بكاليفورنيا، كان أول ما فعلته البحث عبر الإنترنت للتعرف على ما إذا كانت هناك مكتبات مشابهة في الجوار. وبالفعل، عثرت على مكتبة «ذي ريبيد بوديس»؛ مكتبة في كلفر سيتي تبلي بلاءً حسناً للغاية، لدرجة أنها تتوسع بافتتاح فرع ثانٍ لها في حي بروكلين بمدينة نيويورك.

وعن ذلك، قالت: «شعرت بالتهديد».

ومع أن نجاح «ذي ريبيد بوديس» بدا بمثابة مصدر تهديد، فإنه يوحي كذلك في الوقت ذاته باحتمالية وجود مساحة أمام مكتبة أخرى للروايات الرومانسية. وعليه، افتتحت في فبراير (شباط) مكتبة «سميتن» بمنطقة مزدحمة من «مين ستريت»، على بعد نحو ميل من منافسيها.

في الأشهر التي تلت ذلك، تحولت مكتبة «سميتن» إلى مركز نابض بالحياة لقراء الأعمال الأدبية الرومانسية، مع توقيعات المؤلفين وقراءات التارو ونوادي الكتب وأمسيات الترفيه والحرف اليدوية.

بعض الأحيان، يتصل عملاء بالمكتبة، محملين بطلبات محددة للغاية. عن ذلك، قالت تنغستروم: «جاء شخص ما وقال: أنا أحب الأعمال الأدبية الخيالية، وأريد الرواية أن تكون غريبة، وبها تمثيل لثقافة مختلفة. كما أريدها بذيئة قدر الإمكان».

وأضافت: «لديّ عملاء منتظمون يأتون عدة مرات في الأسبوع. وأسألهم أحياناً: ألم تشتر لتوك كتابين اليوم السابق؟».

اللافت أن الأعمال الأدبية الرومانسية كانت ذات يوم مجالاً يتجاهله أصحاب المكتبات المستقلة إلى حد كبير. ومع ذلك، تحولت اليوم إلى إحدى أكثر الفئات رواجاً في عالم الكتاب، وأصبحت، إلى حد بعيد، النوع الأدبي الأكثر مبيعاً، ونجاحها لا يعيد رسم ملامح المشهد العام لصناعة النشر فحسب، بل وكذلك صناعة بيع التجزئة.

وفي غضون عامين فقط، تبدل المشهد العام بالبلاد، من وجود مكتبتين فقط مخصصتين للروايات الرومانسية، «ذي ريبيد بوديس» و«لوفز سويت آرو»، في شيكاغو، إلى شبكة وطنية تضم أكثر عن 20 مكتبة، من بينها «تروبس آند ترايفلز» في مينيابوليس، و«غرمب» و«صن شاين» في بلفاست بولاية مين، و«بيوتي» و«بوك إن أنكوريج» في ألاسكا، و«لوف باوند ليبراري» في سولت ليك سيتي، و«بلوش بوكستور» بمنطقة ويتشيتا في كنساس. ولا يزال الكثير في الطريق، ومن بينها «كيس آند تيل» في كولينغسوود بنيوجيرسي، و«ذي نيو رومانتيكس» في أورلاندو بفلوريدا، و«غراند جستشر بوكس» في بورتلاند بولاية أوريغون؛ متجر عبر الإنترنت متخصص في بيع الروايات الرومانسية، يتحول اليوم إلى متجر على أرض الواقع.

اللافت أن غالبية هذه المكتبات تمتلكها وتديرها نساء، ناهيك عن أن النساء يشكلن غالبية قراء الروايات الرومانسية، ويعود الفضل إليهن في الارتفاع الهائل في مبيعات هذا الصنف الأدبي، من 18 مليون نسخة مطبوعة عام 2020 إلى أكثر عن 39 مليون نسخة عام 2023، تبعاً لمؤسسة «سيركانا بوكسكان».

في هذا الصدد، قالت ريبيكا تايتل، المحامية السابقة، التي تمتلك اليوم مكتبة «ميت كيوت» المتخصص في الروايات الرومانسية في سان دييغو: «هناك تحول ثقافي يجري على الأرض يشير إلى أن الإعلام، بصورة أساسية، أصبحت تجري كتابته وتوجيهه نحو النساء. اليوم، أدركت أعداد متزايدة من الأفراد أن الروايات الرومانسية ليست رائجة فحسب، وتحمل كذلك قيمة تجارية، بل وتحمل قيمة فنية وترفيهية كذلك».

من ناحية أخرى، يهيمن روائيون رومانسيون، مثل ساره جيه. ماس وإيميلي هنري وكولين هوفر وريبيكا ياروس على قوائم أفضل الكتب مبيعاً. وتكشف الأرقام أن 6 من بين أفضل 10 روائيين من حيث المبيعات داخل الولايات المتحدة، عبر العام الحالي حتى الآن، من كتاب الأعمال الرومانسية.

أما الناشرون، فيعمدون إلى توسيع نطاق قوائمهم الرومانسية، وجذب المؤلفين الرومانسيين الذين ينشرون أعمالهم ذاتياً. ويبدو هذا تحولاً هائلاً عن أيام سابقة كان يجري خلالها النظر بازدراء إلى الروايات الرومانسية باعتبارها سطحيةً وغير جادة، أو بذيئةً. وحتى سنوات قليلة مضت، حرصت الكثير من المكتبات المستقلة على عرض مجموعة صغيرة منتقاة من الروايات الرومانسية، التي غالباً ما يجري وضعها في رف خلفي داخل المكتبة.

من ناحيتها، قالت ليا كوك، التي تشارك في ملكية «ذي ريبيد بوديس»؛ أول مكتبة متخصصة في عرض الروايات الرومانسية تفتتح أبوابها على مستوى الولايات المتحدة عام 2016، إنها لا تزال تتذكر عندما كانت تبحث في سنوات المراهقة عبر المكتبات عن روايات رومانسية، دون جدوى.

وكان الشعور بالتعرض للتجاهل جزءاً من الدافع وراء سعي كوك وشقيقتها، بيا هودجيز كوك، لفتح مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية.

وعبّرت كوك عن اعتقادها بأن «الكثيرين ممن يعملون بمجال النشر وداخل المكتبات المستقلة شعروا وكأن الروايات الرومانسية غير جديرة بإهدار وقت في سبيلها. وكنت أقول في نفسي: بإمكانكم جني أموال، لكن لا بأس، أنا سأجني المال».

يذكر أن مبيعات الروايات الرومانسية بدأت تشهد ارتفاعاً كبيراً خلال سنوات الجائحة، مع إعادة اكتشاف القراءة، وتحول الكثيرين نحو الأعمال الخيالية الرومانسية كملاذ للهروب من الواقع (من بين القواعد الحاكمة لهذا الصنف الأدبي أن الغالبية الكاسحة تنتهي بنهاية سعيدة).

وساهم ظهور تطبيق «بوك توك» في تعزيز هذا الارتفاع في المبيعات، مع اجتذاب مؤثري «تيك توك» القراء صغار السن عبر فيديوهات يتحدثون فيها عن كتّابهم المفضلين.

اليوم، تظهر الروايات الرومانسية بشكل بارز على قوائم «تارغيت» و«بارنيز آند نوبل». وفي وقت مضى، كان عشاق الروايات الرومانسية يشترون الكتب الإلكترونية بشكل أساسي، خصوصاً وأنها أرخص وأسهل في الوصول إليها، وربما من الأسهل إخفاؤها. أما اليوم، فإنهم يستعرضون الروايات الرومانسية التي يملكونها على أرفف مكتباتهم بفخر.

ومنح هذا الصعود السريع للمتاجر المتخصصة في الروايات الرومانسية مكاناً جديداً لعشاق هذا الصنف الأدبي؛ مكاناً مرحباً به للإقبال على شراء كتبهم المفضلة بحماس.

من جهتها، قالت جين نتر، مديرة شؤون الاتصالات والتسويق لدى دار «كنزنغتون» للنشر، المعنية بالروايات الرومانسية: «يمكنك دخول مكتبة مخصصة للروايات الرومانسية، وستجد البائع يسألك: هل تحب الروايات ذات الأحداث الساخنة؟ أم ترغب في رواية تاريخية؟ إنه سيدرك سريعاً ما تريده، ولن يحاول أن يصدر أحكاماً عليك».

اللافت أن الكثير من هذه المكتبات تتسم بمظاهر جملية جذابة ومشرقة وذات طابع أنثوي، مثل الاعتماد الشديد على اللون الوردي، المزدان بزخارف على شكل قلوب وزهور، ناهيك عن التلاعب بالاستعارات الرومانسية المألوفة؛ أعداء الغرام، والحب الممنوع، والهوية السرية.

وتضم هذه المكتبات بين أرففها جميع الأنواع التي يمكن تخيلها للروايات الأدبية: التاريخية والموجهة للقراء صغار السن والأعمال التي تخلط بين الرومانسية والفانتازيا، والأخرى التي تدور حول موضوع رياضي. كما تضم جنبات الكثير من هذه المكتبات أعمالاً أدبيةً تولى مؤلفوها نشرها بالاعتماد على ذواتهم، والتي عادة ما لا تجد طريقها إلى المكتبات الكبرى.

في هذا الصدد، شرحت ميليسا سافيدرا، صاحبة مكتبة «ستيمي ليت» المتخصصة في الروايات الرومانسية، في «ديرفيلد بيتش» في فلوريدا، أنها اكتشفت الروايات الرومانسية منذ ما يزيد قليلاً عن عقد، عندما كانت تعمل ضابطة في رتبة صغيرة بالبحرية الأميركية.

وقالت إن بوابتها إلى عالم الروايات الرومانسية جاء عبر سلسلة «إي. إل. جيمس» المثيرة «فيفتي شيدز أوف غراي» (Fifty Shades of Grey)، التي تمكنت من قراءتها عبر جهازها اللوحي عندما كانت على متن بارجة حربية أميركية.

وبعد أن تركت عملها في البحرية عام 2017، عملت وكيلة سفريات لفرق رياضية. وعندما تباطأت وتيرة العمل في أثناء فترة الجائحة، طرأت على ذهنها فكرة «ستيم بوكس»، صندوق اشتراك ربع سنوي يتضمن مجموعة من الروايات الرومانسية. وحقق المشروع انطلاقة قوية.

وجاء «ستيم بوكس» بمثابة وسيلة للتخلص من وصمة العار العالقة بالروايات الرومانسية المثيرة. وقالت سافيدرا، التي ولدت في ليما بالبيرو، ثم انتقلت إلى ساوث فلوريدا عندما كانت في العاشرة: «لا يزال يتعين علينا أنا نقاتل بشراسة كي نفرض على الناس احترام هذا الصنف الأدبي». وقد ألزمت سافيدرا نفسها بالعمل على الترويج لأعمال الكتاب الرومانسيين من خلفيات متنوعة.

وقررت سافيدرا فتح مكتبة عندما أدركت أن مجتمعها في «ديرفيلد بيتش» يخلو من أي مكتبة متخصصة في الروايات الرومانسية، خصوصاً فيما يتعلق بالأعمال الرومانسية المتنوعة.

وفي عطلة نهاية الأسبوع الذي شهد افتتاح «ستيمي ليت»، أقبل على زيارة المكتبة نحو 500 شخص، وباعت 900 كتاب. ومنذ ذلك الحين، استضافت المكتبة أكثر من حفل توقيع لكتاب، بينهم كيندي رايان وعلي هيزلوود وآبي جيمينيز، التي نظمت احتفالية بالمكتبة في مايو (أيار)، ظهرت بها أعداد من الماعز الصغير، في إشارة إلى مشهد من روايتها «بارت أوف يور وورلد» (Part of Your World) تظهر به أعداد من الماعز.

وفي ظهيرة أحد أيام الأحد الربيع الماضي، كانت «ستيمي ليت» تعج بالقراء الذين يتصفحون الكتب ويحصلون على توقيع الكاتبة الرومانسية إيه. إتش. كننغهام، التي كانت تروج لروايتها «آوت أوف أوفيس» (Out of Office).

وقالت كننغهام إن المكتبة كانت تعج بمحادثات بالإنجليزية والإسبانية، مضيفة: «هذه المساحات التي نحتاجها».

اللافت أن غالبية هذه المكتبات التي تبيع الروايات الرومانسية تمتلكها وتديرها نساء بالإضافة إلى أنهن يشكلن غالبية قراء هذه الروايات

والتقط القراء صوراً تذكارية أمام اللافتات الوردية المضاءة بمصابيح «النيون» الخاصة بالمكتبة، بينما تصفح آخرون الأعمال الإسبانية داخل المكتبة. وحملت بعض أرفف المكتبة روايات تحت عناوين «الرومانسية المظلمة» و«الرمادي الأخلاقي» و«عصر البكاء». وقالت سافيدرا: «هذ الأرفف لا تبقى ممتلئة أبداً»، في إشارة إلى الأعمال الرومانسية.

من جهتها، حملت روزن فولمور، واحدة من العملاء المواظبين على زيارة «ستيمي ليت»، مجموعة من الروايات القديمة بيدها باتجاه كننغهام كي توقع عليها.

كانت فولمور قد سمعت عن المكتبة عندما نشرت رايان، واحدة من الكتاب المفضلين لديها، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أنها ستقيم فعالية هناك. ومنذ ذلك الحين أصبحت عميلة منتظمة لدى المكتبة، التي قالت عنها إنها «تضم جميع الأشياء المثيرة والجذابة التي يمكنك تخيلها».

وقالت عميلة أخرى، هي أنجيلا ثاير، التي تعمل في إدارة شؤون المحاربين القدامى في فلوريدا، إنها تأتي عادةً كل أسبوعين، عندما تحصل على راتبها. وفي ذلك الأحد، أحضرت ابنتها، آشلي واتكينز، التي كانت متحمسة لرؤية الكثير من الروايات الرومانسية لمؤلفين ملونين. وقالت واتكينز: «إن رؤية الكتب التي تضم أشخاصاً يشبهونني في المواقف الرومانسية أمر رائع حقاً».

خدمة «نيويورك تايمز»