نحو فلسفة لألعاب الفيديو... أخطر من ترفيه وأكثر من فن

تطورت خلال عقود قليلة شكلاً ومضموناً لتفرض وجودها على الثقافة المعاصرة

فيديو سمس (4)
فيديو سمس (4)
TT

نحو فلسفة لألعاب الفيديو... أخطر من ترفيه وأكثر من فن

فيديو سمس (4)
فيديو سمس (4)

لم يعد العالم هو العالم بعد ظهور الرأسماليّة بمفهومها الحديث. إذ مع تطوّر مفهوم العمل المأجور كأساس للثورة الصناعيّة تغيّرت علاقة الأكثريّة الساحقة من البشر بحياتهم وطريقة قضائهم لأوقاتهم، لتتوزع حول الفضاءات الثلاثة: العمل والترفيه والتبطّل.

صوّر فلاسفة البرجوازيّة مثل ماكس فيبر العمل كقيمة عليا، أقرب ما يكون إلى الواجب الديني كما في الثقافة الغربيّة البروتستانتية، فيما أُلبس التبطّل والكسل رداءً شيطانياً، وأسبغت عليهما صفات سلبيّة تربطهما بغياب الإنتاجيّة، وبالتعطّل، والفراغ المؤدي إلى المفسدة والموبقات (كما في رواية فلوبير الشهيرة «مدام بوفاري»). على أنّ الترفيه - بمعنى إشغال الوقت عندما يتوقف العمل مؤقتاً للاستراحة -، تلك المساحة بين هذين الأقنومين الجدليين المتناقضين، أي العمل والتبطل، اكتسب وعلى نحو متزايد في موازاة التقدّم التكنولوجي المتسارع أبداً أهميّة ومركزيّة، للمنظومة الرأسماليّة وللفرد على حد سواء، ودائماً على حساب الرّاحة. لقد تحوّلت الكيفيّة التي نقضي بها وقتنا عندما لا نكون على رأس عملنا بعد الثماني ساعات (اليومية) أو خلال العطلة الأسبوعيّة أو الإجازات السنويّة إلى شبكة من صناعات ضخمة قائمة بذاتها، من السياحة الاستهلاكيّة وارتياد المطاعم والمقاهي إلى المنتجات الثقافيّة على تعدد أنواعها (الكتب، والأفلام، والمسرح والحفلات الغنائيّة، والمهرجانات...)، تتنافس جميعها على توسيع حصّتها من كل وقت مخصص للراحة، بل وشرعت كما يقول جوناثان كريري في كتابه اللاذع «24/7: الرأسماليّة المتأخرة والقضاء على النوم» - 2014* بقضم ما بعد حصتها التقليديّة من وقت الإنسان عبر تقليل عدد ساعات نومه اليومية التي تلتهمها بشراهة لافتة وفرة شاشات قريبة - تلفزيونات وكومبيوترات وهواتف ذكيّة (وغيرها).

ومن الظّواهر اللافتة في هذا المشهد تبدو ألعاب الفيديو الحديثة وكأنّها النموذج الأكثر تعقيداً من أدوات الترفيه التي أصبحت ممكنة في عصرنا بفضل تراكم التقدّم التقنيّ، والتي بحكم انتشارها المتشظي عبر مختلف الطبقات والدوائر الاجتماعيّة لم تعد مجرّد أدوات للعب وفق المفهوم التقليدي الذي نحته ليوهان هويزينجا في كتابه الشهير «هومو لودينز - أو الإنسان كمخلوق لاعب» - 1938*، بل أصبحت أداة لتعظيم الاستهلاك «اقتصادياً» ومصنعاً لتشكيل الوعي «الزائف» (إن جاز التعبير) وفق ما تحبّه المنظومة الرأسمالية وترضاه «سياسياً».

فخلال عقود قليلة، تطورت ألعاب الفيديو شكلاً ومضموناً لتفرض وجودها على الثقافة المعاصرة، واحتلت لها مساحة من وقت الترفيه لملايين الأفراد على حساب المنتجات الثقافيّة الأخرى - إضافة إلى جزء من وقت النوم اليومي -، ودخلت بلا استئذان في قلب دائرة اهتمام رأس المال العالميّ، وأصبحت بعض إصداراتها الجديدة أو التحديثات على الألعاب الموجودة فعلا بمثابة حدث هائل يستحق متابعة مكثفة عبر وسائل الإعلام.

وعلى الرّغم من ذلك، فإن هذه الصناعة الصاعدة لم تأخذ بعد حقّها من التحليل الفلسفي - أقلّه مقارنة بالمادة المتوفرة للمنتجات الثقافيّة الأخرى (قارن مثلاً مع نظريّة الرواية أو المسرح)، ما يفرض على المراقب إن هو عزم على وضعها في نسق عقلانيّ الاستعانة بأفكار الرّواد مثل جان بودريار مثلاً الذي سبق إلى التبشير بسعي منتجي الوعي إلى اجتراح واقع بديل من الواقع الحقيقيّ (مفهوم الـHyper-reality).

ويبدو تطوّر ألعاب الفيديو مطابقاً لنظريّة بودريار كما في كتابه الشهير عن «التشبيهات والمحاكاة - **» عن مرحلة من العالم الرأسمالي شرعت معالمها بالتشكل وتتظافر فيها تقنية المعلومات مع أدوات الاستهلاك الإعلاميّ لتخليق واقع بديل يكاد مع مرور الوقت يبدو محاكاة مستقلة بالكامل عن الحقيقة، حيث بدأت الألعاب أقرب لصيغة تعكس الواقع القائم، قبل أن تنطلق لاستكشاف طرائق لتمويه أو تشويه حقائق قائمة، ومن ثمّ إلى مرحلة التغييب التام لحقائق أساسيّة، قبل أن تخلق واقعاً بديلاً متكاملاً، ليس له علاقة إطلاقاً بالحقيقة، بل مجرّد محاكاة خالصة خاصة به.

ولعل لعبة سيمس «Sims» الذائعة الصيت تكون أفضل مثال لتطبيق نظريّة بودريار على عالم ألعاب الفيديو. فهذه اللعبة التي أطلقت قبل عقدين فقط (صممها المبرمج ويل رايت)، أصدرت أربع نسخ متعاقبة وصلت إلى أيدي ما لا يقل عن 80 مليون «لاعب» ودرّت على الشركة صاحبة الامتياز («إليكترونك آرتس» الأميركيّة) ما يزيد على خمسة مليارات دولار (الرقم لنهاية عام 2021). وتقوم على أساس خلق عالم «الحلم الأميركي»، كيوتوبيا اجتماعيّة متقدمة يمكن للاعب فيها أن يتقمص حياة أخرى، فينشأ منزلاً متخيلاً وفق نسق يختاره، وعائلة على هواه من خلال انتخاب الجينات عبر الأجيال، فيما الفضاء الحضري الذي يحوم فيه متخم بخدمات ترضي مختلف الحاجات العاطفيّة والعلاقاتية.

وتمكّن «سيمس» لاعبها من تجاوز يومه إلى حياة يوميّة بديلة معفاة من هموم العيش الحقيقيّ في ظل النظام الرأسماليّ، إذ له فيها أن يمارس صلاحيّة، دون مرجعيات سوى المشاعر الذاتية، لاختيار الشريك (أو الشريكة)، والمهنة، وكيفية قضاء الوقت في أنشطة مختارة تبدو ممتعة في الواقع الافتراضي. ولكن كل ذلك يظل بوتقة منعزلة تماماً عن حقائق العالم الحقيقيّ التي تجعل هامش الاختيارات وحريات توظيف الوقت ضيقاً للغاية ومحكوماً باعتبارات بنيوية وسياسيّة وتاريخية واقتصادية واجتماعيّة يكاد الذاتي فيها يكون منعدماً لدى أغلبيّة البشر.

الإنسان كما في «سيمس» مستهلك مثاليّ يكسب وينفق دخله في شراء الممتلكات التي تحقق له الرضى ويعيش وفق القيم الغربيّة فيما يتعلق بالحريات الشخصية والاستغراق بالملذات والهوى في إطار «خادع» من الأمن والأمان المستديمين. ويجد كثيرون فيما يبدو أن هذه الحياة البديلة توفر لهم مهرباً من واقعهم القاسي إلى فانتازيا عالم أجمل يمتلكون فيه السيطرة على مصائرهم، وحريّة ممارسة الأمور افتراضياً دون بذل جهد ومال إضافيّ (مثلاً زراعة نباتات في حديقة المنزل الافتراضي الخلفيّة ورعايتها وقطف زهورها بينما قد لا يمتلك المرء حديقة في الواقع القائم وربما ليس لديه الاهتمام للعناية بنباتات حقيقيّة).

إن هذه الخبرات التي تستنفد وقت التّرفيه للملايين من البشر (و«سيمس» ليست إلا نموذجا واحدا من آلاف مؤلفة من الألعاب الأخرى) تخدم بصفاقة ظاهرة غرضي المنظومة القائمة لما بعد إنسان «هويزينجا» اللاعب: تعظيم الاستهلاك (سواء مباشرة عبر اقتناء نسخ الألعاب ومشغلاتها ومستلزماتها وتوابعها أو غير مباشرة عبر استهلاك الطاقة وربما المسليات الغذائيّة والمشروبات ومختلف المنتجات ذات الصلة وهكذا)، وأيضاً المساهمة في صياغة وعي الأفراد سياسياً واجتماعياً كي يتماهوا مع الصيغ الليبرالية القائمة في الغرب (وقطعاً تلك التي يراد لها أن تقوم في المجتمعات الأخرى).

هذه الصناعة الصاعدة لم تأخذ بعد حقّها من التحليل الفلسفي أقلّه مقارنة بالمادة المتوفرة للمنتجات الثقافيّة الأخرى

ومع ذلك، فإن أصواتاً جديدة من مصممي ألعاب الفيديو مثل باولو بيدريشيني وماري فلانغان وإيان بوغوست ترى أن هذا المنتج العالي التقنيّة - كما كل معطيات التكنولوجيا الحديثة - ليست خيّرة أو شريرة بحد ذاتها، وإنما أداة محايدة يمكن للبشر أن يوظفوها لاستعمالات ترتبط بتوجهاتهم. إذ يمكن ولو نظرياً أن يتم تصميم ألعاب فيديو تستفيد من حاجة الناس إلى الترفيه عبر اللعب لتمنحهم تجارب افتراضيّة ومشاعر قد ترتقي بوجودهم الإنساني وتغني تجربتهم المعيشة في الواقع، وتكون أدوات للتأسيس لمجتمعات أقل ميلاً للتنافس والعنف، وأقرب إلى مزاج التعاون الخلاّق، وشكلاً مغايراً للإبداع الفنيّ البشريّ.

وبينما تبدو هذه الفكرة صائبة و«جذابة» على صعيد النظريّة، فإن السؤال - على أرض الممارسة - يبقى: أي رأسمال ذاك الذي سينتج ترفيهاً يتضمّن بذور وعي قد تكون غير صالحة اقتصادياً أو سياسياً، على مدى متوسط أو بعيد؟

إن ألعاب الفيديو هي هبة الرأسماليّة المتأخرة، وإلى مستقبل قريب ستبقى حتماً كما بدأت، إحدى أمضى أدوات الهيمنة على حياة البشر من خلال فضاء الترفيه، وأكثرها قدرة على التحوّل والتطّور توازياً مع تمدد سيطرة التكنولوجيا على عالمنا. فهل سيأتي يوم نترك فيه العمل نفسه للروبوتات والذكاء الاصطناعي، ونتفرّغ لقضاء سحابة وقتنا - بدل التبطّل - في الترفيه من خلال اللعب؟


مقالات ذات صلة

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

كتب الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية،

ندى حطيط
كتب البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا
TT

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

الإسلام ليس ضيفاً في أوروبا

ثمة مفارقة تاريخية حادة تسكن جوهر الجدل الثقافي المعاصر في القارة العجوز؛ فبينما يتباهى العقل الأوروبي بأنه وريثُ «الأنوار» ومنجزات الحداثة والعقلانية، فإنه يمارس في الوقت ذاته نوعاً من الـ«أمنيزيا» المنهجية، أو الفقدان المتعمّد للذاكرة، حين يتصل الأمر بالإسلام.

في الخطاب اليميني الشعبوي المتصاعد، يُرسم الإسلام على أنه عنصر غريب أو ظاهرة ديموغرافية طارئة، ارتبطت حصراً بموجات الهجرة بعد الحرب العالمية الثانية، أو بقوارب اللجوء التي عبرت المتوسط في العقد الأخير. هذا الاختزال ليس مجرد خطأ لناحية قراءة التاريخ، بقدر ما أنه عملية تشويه متعمد للهوية الأوروبية، تهدف إلى استئصال جزء بنيوي من تكوينها؛ لتبدو أوروبا جزيرةً مسيحية - يهودية معزولة، لم يطأها «الآخر» إلا بصفة «ضيف ثقيل» أو «وافد مضطر».

معضلة اليمين الأوروبي المتطرف تكمن في أن التاريخ لا يُكتب بالنيات، بل بالشواهد التي لا تقبل الإلغاء. يذكرنا طارق حسين في كتابه الاستقصائي المهم «أوروبا المسلمة (Muslim Europe)»، بأن الإسلام كان في أوروبا منذ عام 647 ميلادية، أي بعد 16 عاماً فقط من وفاة الرسول ﷺ. بمعنى أن الإسلام وصل إلى القارة العجوز قبل أن تصل المسيحية إلى مناطق واسعة في شمال وشرق أوروبا بقرون. ومن قبرص إلى صقلية، ومن ملقة إلى لشبونة، لم يكن المسلمون ضيوفاً عابرين، بل كانوا مجتمعات مستقرة؛ حاكمة، ومنتجة للمعرفة. في صقلية، تحت حكم المسلمين، ازدهرت نظم الريّ المبتكرة، وارتفعت معايير المعيشة لتصبح الأعلى عالمياً، لدرجة أن الملوك النورمان الذين غزوها لاحقاً لم يجدوا بُداً من تبني الثقافة والعلوم واللغة العربية لإدارة ملكهم.

وإذا كان اليمين الغربي المتطرف يحاول محو التاريخ من الكتب، فإنه لا يستطيع محوه من الحجارة أو اقتلاعه من الأفق البصري للمواطن الأوروبي. فالعمارة القوطية التي أبدعت كاتدرائيات باريس ولندن، كما تقول الباحثة ديانا دارك - في كتابها «السرقة من السراسنة (اسم أوروبي قديم يطلق على المسلمين) Stealing from the Saracens» - ليست في جوهرها الهيكلي والجمالي سوى صدىً للعمارة الإسلامية. لقد انتقلت «العقود المدببة» والتقنيات الهندسية التي سمحت ببناء تلك الصروح الشاهقة من الحواضر الإسلامية عبر صقلية والأندلس، لتمتزج بالنسيج العمراني الأوروبي، وتصبح جزءاً من هويته الثقافية الصامتة. إن الأوروبي الذي يتأمل «نوتردام» إنما يتأمل، في حقيقة الأمر، تجلياً من تجليات التلاقح الحضاري الذي كان الإسلام قطبه الأهم.

أما على جبهة السياسة والقانون، فالجدل الثقافي غالباً ما يسقط في فخ تصوير المسلم بوصفه كائناً «ما قبل حداثي». لكن الباحثين في تاريخ البلقان وشرق أوروبا (المؤرخة إميلي غريبل مثلاً) يعلمون بأن المسلمين لم يكونوا مجرد بقايا لإمبراطورية منسحبة، بل كانوا فاعلين أصليين في صياغة مفهوم المواطنة والدولة الحديثة أوروبياً، وخاضت المجتمعات المسلمة في البلقان سجالات قانونية وفلسفية لتعريف «الأوروبية» من منظور تعددي؛ مما أسهم على نحو كبير في تشكيل مفاهيم الحقوق والديمقراطية التي يفاخر بها الغرب اليوم. وبذلك، لم يكن المسلم مشكلة طرأت على الحداثة، بل كان أحد العقول التي هندست شروطها في القارة.

لا تتوقف السردية عند حدود الأطلال الأندلسية أو الروايات التاريخية القديمة، بل تمتد لتشكل النسيج الحيوي لأوروبا اليوم. لذلك؛ تصطدم محاولات اليمين لتصوير المسلمين عالة على «الرفاه الأوروبي» بواقع إسهاماتهم الجوهرية عبر مختلف المجالات الحيوية. ففي أروقة المختبرات العلمية، يقف علماء من أصول إسلامية في طليعة الابتكار؛ ولعل المثال الأنصع في الذاكرة القريبة هو الزوجان أوزليم توريجي وأوغور شاهين، اللذان أنقذا القارة والعالم بأسره عبر تطوير لقاح «بيونتيك» ضد «كورونا»، معيدين الاعتبار إلى إسهام العقل المسلم في صلب العلوم الدقيقة.

أما لناحية المجالين الثقافي والأدبي، فلم يبقَ المسلم موضوعاً للكتابة فحسب، وإنما صار الكاتبَ الذي يسهم في إعادة تعريف الأدب الأوروبي المعاصر؛ فأسماء مثل ليلى سليماني في فرنسا، وطاهر بن جلون، وصولاً إلى المبدعين في السينما والفنون البصرية، يرفدون الثقافة الأوروبية بدماء جديدة تكسر الرتابة وتفتح آفاقاً لأسئلة الهوية والوجود.

اقتصادياً، يمثل المسلمون في مدن كبرى، مثل برلين ولندن وباريس، جزءاً لا يتجزأ من منظومة الخدمات والمهن الحرة والابتكار الرقمي، مسهمين بمليارات اليوروات في الناتج المحلي الإجمالي. إنهم ليسوا جميعهم مهاجرين ينتظرون المعونات كما «يستقصد» اليمين المتطرف أن يصورهم. فأكثريتهم مواطنون دافعون للضرائب، وبناة مؤسسات، ومبدعون في الفلسفة والسياسة والرياضة، وترفع أسماؤهم رايات الدول الأوروبية في المحافل الدولية. وحضورهم اليوم هو استمرار طبيعي لتلك السلسلة التي بدأت ذات وقت من قرطبة، مؤكدين أن الإسلام داخل أوروبا هو طاقة بناء، لا عبء بقاء.

ولذا؛ فالأزمة الراهنة التي تسكن خلايا العقل الأوروبي ليست «أزمة هجرة» بقدر ما أنها أزمة «تعريف للذات». فاليمين المتطرف لدى محاولته الهروب من استحقاقات العولمة، ينكفئ نحو هوية متخيَّلة ثابتة ومغلقة، محاولاً سلب المسلم الأوروبي - سواء أكان من أصول تترية بولندية أم بوسنية أم سليل أسرة مهاجرة من الجيلين الثالث أو الرابع - حقه التاريخي في «الأصالة». إن استحضار شهادة الملك تشارلز الثالث (حين كان أميراً لويلز) ضمن خطابه الشهير عام 1993، يضعنا أمام الحقيقة الفاقعة: «الإسلام جزء لا يتجزأ من تاريخنا المشترك»، وتجاهله ليس سوى إنكار لجزء من الذات الأوروبية نفسها.

من هذا المنظور يكون الدفاع عن الحضور الإسلامي في تاريخ أوروبا دفاع عن الحقيقة التاريخية ضد التزييف السياسي وليس حِجاجاً عن طائفة أو فئة أو أقليّة. أوروبا اليوم تقف أمام مرآة ماضيها؛ فإما تتقبل تعدد وجوهها المتداخلة، وتنوع أصولها، وإما تظل أسيرة صورة مشوهة مذعورة رسمها يمينٌ إقصائي يخشى مواجهة التاريخ. فالإسلام لم يأتِ إلى أوروبا في قوارب اللجوء؛ لقد كان هناك حين بُنيت مداميكها الأولى، وسيبقى جزءاً بنيوياً من هويتها التي لن تكتمل يوماً من دونه.


البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري
TT

البصل في التراث الشعبي المصري

البصل في التراث الشعبي المصري

في كتابه «خربشات في التراث الشعبي المصري»، الصادر عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، يرصد الباحث دكتور محمد أحمد إبراهيم عدداً من المفردات الخاصة بالمأكولات المرتبطة بعادات قديمة وجذور تاريخية ومفاهيم خاصة تجمع بين الأساطير الجمعية والحس الطريف المبهج لدى المصريين.

ومن أبرز تلك المفردات نبات البصل الذي يعد من أقدم الخضروات التي عرفها المصري القديم وقدسها، وخلد اسمه على جدران المعابد وأوراق البردي حتى أنه كان يوضع في توابيت الموتى مع الجثث المحنطة لاعتقادهم أنه يساعد الميت على التنفس عندما تعود إليه الحياة مرة أخرى، كما ذكر أطباء الفراعنة البصل في قوائم الأغذية المقوية التي كانت توزع على العمال الذين عملوا في بناء الأهرامات بل وصفوه بأنه مغذ ومنشط ومدر للبول.

وتشير بعض الدراسات إلى أن الاسم الأول للبصل كان يعرف بـ«بدجر» أو «بصر» ثم قلبت الراء إلى لام في اللغات السامية واللغة العربية، كما ارتبط اسمه ببعض القصص والأساطير القديمة ومنها تلك التي تقول إن أحد ملوك الفراعنة كان له طفل وحيد مرض مرضاً عجز الأطباء والكهنة والسحرة في علاجه حتى أقعده عدة سنوات فاستدعى الملك الكاهن الأكبر لمعبد آمون بطيبة الذي قال له إن مرض الطفل يعود إلى وجود أرواح شريرة تسيطر عليه وتشل حركته بفعل السحر الأسود.

قام الكاهن بوضع ثمرة ناضجة من البصل تحت رأس الطفل الصغير في فراشه عند غروب الشمس بعد أن قرأ عليها بعض التعاويذ ثم شقها إلى نصفين ووضعها عند أنف الطفل ليستنشق عصيرها، كما أمر الكاهن بتعليق حزم البصل الطازج فوق السرير وعلى أبواب الغرف وبوابات القصر وبالفعل شفي الطفل وغادر فراشه وخرج ليلعب مع غيره من الأطفال، وشارك الشعب الملك أفراحه بتعليق حزم البصل على أبواب منازلهم لاعتقادهم أنه طارد الأرواح الشريرة.

وانتشرت في أساطير الفلاحين الشعبية أسطورة «النداهة»، حيث يزعم البعض أنها امرأة جميلة تظهر في الليالي المظلمة في الحقول تنادي باسم شخص ما فيقوم مسحوراً ويتبع النداء إلى أن يصل إليها وفي الصباح يتم العثور عليه ميتاً، ولاتقاء شرها يجب أن توضع حزمة من البصل على باب البيت أو عتبته. وتقول أسطورة أخرى إن أرواحاً شريرة قد تظهر في صورة قطة تغري الضحية بكنز من الذهب وبالفعل يكون الكنز حقيقياً، ويعود به إلى بيته فرحاً مسروراً، لكنه يجده في الصباح وقد تحول إلى مجموعة من البصل.

وكان لافتاً أن حاكم محمد على باشا الكبير أنشأ في القرن التاسع ميناء في الإسكندرية أطلق عليه «مينا البصل»، حيث كانت تتجمع به الكثير من المحاصيل كالقطن والبصل من محافظات مصر كافة لتصديره إلى أوروبا، كما ارتبط البصل بالكثير من المرادفات العامية المصرية التي تطلق في بعض المناسبات مثل «بيقشر بصل» للدلالة على الفقر والإفلاس، و«حاشر نفسه زي البصل» للدلالة على التدخل في شؤون الآخرين دون داع انطلاقاً من حقيقة أن البصل يدخل في العديد من الأكلات والوصفات كعنصر أساسي.

أما على صعيد الأمثال الشعبية المصرية فلا يوجد نبات من النباتات أو الخضراوات احتل مكانة مميزة كالبصل، إذ يوجد ما يقرب من مائة مثل تستشهد به وتضرب المثل ومنها «بصلة المحب خروف» كناية عن التقدير الشديد لأي شيء يأتينا من شخص نحبه مهما كان بسيطاً. وهناك أيضاً المثل الشعبي الذي لا يقل شهرة «لما أمك البصلة وأبوك التوم تجيب منين الريحة الحلوة يا شوم»، في إشارة إلى أن الأمور يجب أن تسير وفق وتيرة منطقية ومقدمات تؤدي إلى نتائج.


مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام
TT

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

مفارقات سردية في فضاء الواقع... والأحلام

يشكل السرد على ضفاف زمن قديم مرتكزاً أساسياً في المجموعة القصصية «محكمة الوحي الإلهي» للكاتب المصري أحمد فؤاد الدين، الصادرة عن «دار ديوان للنشر» بالقاهرة.

لا يستدعي المؤلف في مجموعته الزمن بوصفه زمناً مكتملاً، بل تاريخاً متعثراً، لا سيما حين يرتبط بحق الاختيار وسؤال العدالة، الذي يبدو موضع شك؛ «فهل للمسوخ أن تختار؟» كما يتساءل أحد أبطال القصص، الذين يقفون في قلبها تائهين، يفتّشون عن أصواتهم المفقودة، وربما عن لعنتهم.

في هذا الأفق، لا تبدو ثنائية الأب والابن محض رابطة عائلية، بل بنية مركزية يعيد الكاتب اختبارها عبر قصصه، بوصفها واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية التباساً وتعقيداً، لا تُبنى فقط على الامتداد، بل على التكرار، وعلى استعادة جروح قديمة في تمثيلات جديدة.

وسرعان ما تتسع هذه الثنائية لتتحوّل إلى ثلاثية: أب، وابن، وحفيد، في سلسال لا ينقطع، تتوارث فيه الأدوار، والقسوة، وأحياناً الإقصاء، كعقاب قسري على محاولة الخروج من عباءة الأب.

يبلغ هذا التوتر ذروته في قصة «محكمة الوحي الإلهي»، حيث يترك الأب رسالة طويلة مُتوسلة، طالباً إسقاط نسب ابنه عنه، مبرِراً ذلك بما يراه جحوداً وعصياناً وفق منطقه الخاص، حيث يتحول تمرّد الابن إلى جريمة تستدعي محو رابطة البنوّة نفسها.

يستعيد الأب في رسالته الطويلة ملامح برّه بوالده التي لم يجد نظيرها مع ابنه: «لا يُلبي لي أمراً إلا بمساءلة، ولا يُقبّل يدي إلا إذا سألته: هل فعلت ذلك مع أبي؟ أبداً».

ينقل الكاتب هذه المواجهة بين الأب والابن إلى مستويات أكثر عمقاً، حيث يتجاوران في مفارقات سردية حادة داخل الواقع، ويلتقيان في فضاءات الأحلام، التي تتحرر فيها دوافع القُرب والانفصال معاً. وعبر هذا التداخل، تتكشف تدريجياً بواطن الأب، لا بوصفه سلطة غاشمة، بل كذاتٍ مرتبكة، هاربة إلى الوحي.

هاجس الصوت

لا ينفصل توتر العلاقة بين نموذج الأب والابن عن سؤال الهوية، إذ نرى البطل في قصة «صدى الصوت» في فزع فقدان صوته، يطارده هاجس أن صوته قصار هو نفسه صوت أبيه؛ صوت غنائه له في الطفولة، وصراخه وتوبيخه، فلا يعود الصوت محض وراثة، بل بنية قسرية يعيد إنتاجها الأب داخل الابن.

في هذا السياق، يفتح الكاتب هذا التماهي على أفق فانتازي، يوّظف فيه الأحلام بوصفها مساحةً موازيةً لاختبار هذه العلاقة ودفعها إلى أقصاها: «قال لي إن هيبة صوته لن تفارقني أبداً، وأن كل عصياني له سيبقى معي لنهاية عمري، وحتى في الضفة الأخرى من النهر، سيتحول معي، وسيسمعه ابني، كل كلمات ستكون ملكاً له، بكيت، وتوسلت له أن يترك لي صوتي، لم يتوقف، بدأ يغني، كل الأغاني التي أحبها، كل الكلمات التي قلتها في يوم من الأيام تلاها عليّ، حتى ضحكتي كررها، بكيت ولم يتوقف، ثم استيقظت».

من هذا المنظور، تبدو الأحلام مساحة مفتوحة على الدخول والخروج بوعي ذهني، تتكثف داخلها المواجهات المؤجلة، وتنكشف الطبقات التي يعجز الواقع عن قولها، بحيث يصبح الحلم ساحة بديلة تُعاد داخلها صياغة العلاقات، أو تُعرّى فيها على نحو أكثر قسوة.

وعلى امتداد هذه البنية، تتبدى ملامح عالمٍ يحكمه تسلسل هرمي مُجحف، ينقسم فيه البشر إلى سادة وعبيد، ففي قصة «حد السماء»، يصبح الجسد ذاته موضع إدانة، حيث يتحوّل بطلها «القِزم» إلى هدية تُقدّم إلى الحاكم، بوصفه مادة للضحك والسخرية، غير أن هذا التشوّه لا يقف عند حدود الشكل، بل يمتد إلى الوعي، حيث يحمل الابن شعوراً عارماً بالذنب تجاه الأب، كأن وجوده نفسه خطأ يستوجب التبرير: «ما اكتفى الزمان بيديّ القصيرتين حدّ الشذوذ، وقدميّ المقوّستين حدّ الضحك، ولا رأسي الكبير على جسدٍ يكاد لا تُرى له رقبة. لم يكتفِ بأبٍ عاش يحلم بذكرٍ يخلفه، فإذا به يُرزق بمسخٍ بعد خمس بنات».

عناصر الطبيعة

يوّظف الكاتب عناصر الطبيعة محطات وعتبات تُعيد الذوات المنهكة إلى نفسها، كما يتجلى في الحضور المتكرر لشجرة «الجميز»، التي يلجأ إليها أبطال القصص في لحظات إنهاكهم كهدنة مؤقتة داخل مسار مضطرب، سرعان ما تنكشف الشجرة عن خضوعها لقانون أكبر يعيد الشخصيات إلى مسارها الأول، فأحد الأبطال يُساق إليها كالمُسيّر: «مرّ الوقت حتى وصلت إلى شجرة جميز في قرية لا أعرفها»، ويتكرر هذا الحضور أيضاً في قصة «ما دون النباتات»، حيث يستريح البطل تحت ظل شجرة الجميز أمام بيته، منتظراً اصطحاب والده الضرير في رحلتهما اليومية لاكتشاف النباتات.

إلا أن هذه القصة، وفي مقابل سلطة الأب، تفتح أفقاً موازياً تهيمن عليه مملكة النباتات، التي تجمع الأب والابن في طقس يومي قائم على المعرفة الحسية، قبل أن تنتهي إلى مفارقة حادة، حيث يفقد الابن والده في إحدى تلك الرحلات، فيظل ملتصقاً بجثته، رافضاً مغادرتها.

بالموازاة، تبرز «الحِرف» في المجموعة كملاذ آخر، حيث تستعيد «اليد» قدرتها على الفهم والتشكيل خارج أنظمة السلطة والوراثة، فأغلب شخصيات المجموعة يجمعها العمل في الخزف، والنحت، والنجارة، لتنخرط في معرفة حسية تقوم على اللمس والتجربة، وتصبح الحرفة وسيلة فنية لاختبار العلاقة بين الإنسان والأشياء، بما يشكّل منظومة سردية موازية، لا تورّث عبر النسب، بل يُعاد إنتاجها عبر اليد والمهارة الفردية.

يبدو استدعاء المخيال المصري القديم بمثابة مظلة سردية تمنح القصص إيقاعها المشدود بين المقدّس والفاني، وتدفع لغتها إلى نغمية هذا الإيقاع، حيث تتداخل طقوس الموت والبعث مع إشكالات النسب والسيرورة، ففي «هوامش على متون الأهرام»، لا ينقطع الرابط بين الأب ونسله بالموت، بل يُعاد تشكيله عبر رحلة أخرى مؤجلة: «يا نابش قبري، أستجديك أن تترك للمسافر زاداً في رحلة سماوية يخوضها، وستَخوضها من بعده».