ضيو مطوك وول: غياب ثقافة تقبل الآخر... أبرز تحديات حوار الحضارات

الباحث في مجال بناء السلام يقترح 3 محاور لإيجاد حلول للأزمات

غياب ثقافة تقبُّل الآخر لا يزال أبرز تحدٍ يواجه حوار الحضارات
غياب ثقافة تقبُّل الآخر لا يزال أبرز تحدٍ يواجه حوار الحضارات
TT

ضيو مطوك وول: غياب ثقافة تقبل الآخر... أبرز تحديات حوار الحضارات

غياب ثقافة تقبُّل الآخر لا يزال أبرز تحدٍ يواجه حوار الحضارات
غياب ثقافة تقبُّل الآخر لا يزال أبرز تحدٍ يواجه حوار الحضارات

«تحديات حوار الحضارات» موضوع شغل كثيراً من العلماء والمفكرين، قديماً وحديثاً، أمثال فريدريك هيغل، وجون لوك، وجان جاك روسو، ومن المحدَثين فرانسيس فوكوياما في كتابه «نهاية التاريخ والإنسان الأخير»، الذين دعوا بشكل خاص إلى ضرورة إيجاد صياغة تتضمن الحد الأدنى للتعايش السلمي بين كل المكونات الحضارية، ما دامت هناك فوارق كونية ووجودية.

غير أن السياسي والمفاوض الجنوب سوداني البارز الدكتور ضيو مطوك ديينق وول المتخصص في مجال بناء السلام وفض النزاعات، يرى أن غياب ثقافة تقبُّل الآخر لا يزال أبرز تحدٍ يواجه حوار الحضارات.

تولى وول حقائب وزارية عدة في السودان وجنوب السودان، وكان مفاوضاً في الجولات المختلفة لمفاوضات السلام بين البلدين قبل الانفصال وبعده، قبل أن يقود لجنة وساطة جنوب السودان لمفاوضات السلام السودانية، ثم يصبح عضواً في فريق خبراء فض النزاعات في الهيئة الحكومية للتنمية الأفريقية «إيغاد».

د. ضيو مطوك وول

ويقول وول لـ«الشرق الأوسط» في حوار عبر الهاتف، إن في حوار عبر الهاتف، إن الفكرة الأساس في موضوع «حوار الحضارات» تتمحور في وجود قناعة بأن هناك فرصة لإيجاد صياغة بديلة لما يحدث الآن في عالمنا المعاصر، إذ يمكن للمشكلات التي يعانيها العالم أن تتفاقم في غياب الحوار والقبول بالآخر. وأضاف: «ليس أمامنا خيار آخر غير ذلك. وكما يذهب مفكرون عديدون، فإن الصدامات التي نشهدها مرتبطة بطوائف دينية أو عِرقية في كثير من الأحيان».

وأشار إلى أن الباحث السوداني فرانسيس دينق تعرَّض لهذا الموضوع من خلال مؤلفه «صراع الرؤى»، مستشهداً بما يجري في السودان، «فالرؤى المتصارعة في البلد لا تزال تهدد وحدة السودان، وأيضاً كتبنا عن سياسة التمييز الإثني في السودان، وهي قضية أدت إلى انفصال جنوب السودان، وما زالت تهدد استمرارية الدولة السودانية بوصفها كياناً موحداً في ظل التطورات المتلاحقة بالبلاد».

وشدد وول على ضرورة تشخيص القضايا التي لا بد أن يجري حوار حولها، مثل حرية الاعتقاد الديني، وقضايا التنوع العِرقي والإثني، والاختلاف الجغرافي، خصوصاً بين قطبي العالم الشمالي والجنوبي، والنوع والمساواة بين الجنسين الرجل والمرأة، والفوارق الاجتماعية والاقتصادية والانقسام الطبقي داخل المجتمعات، وتوزيع الثروات، وهيمنة الأغنياء على الفقراء.

وكثير من هذه القضايا المُلحة، وفق وول، دائماً تكون مصدر أساس لنزاعات وحروب داخل المجتمعات على مستوى العالم، وسرعان ما تنعكس نتائج هذه النزاعات على الأبرياء، الذين ليست لهم صلة بالأمر إطلاقاً، وأحياناً تنصبُّ عواقب هذه المصادمات العنيفة ضد أمة بأجمعها أو طائفة أو فئة أو ديانة من دون فرز.

ومن الأمثلة المجسّدة لهذه الظاهرة، وفقاً له، والتي تدل على عدم وجود رغبة في الحوار من قِبل الساسة والقادة، المقولة الشهيرة المنسوبة للرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، أثناء حرب العراق، حيث قال: «إما أن تكون معنا أو ضدنا». مثل هذا التصنيف، يضيف وول، لا يعطي مساحة للحوار، بل «يُوصد الأبواب في الوجه الآخر، ويضع العالم برُمّته على كِفّتين لا ثالث لهما: إما (معنا أو ضدنا)... مثل هذا الأسلوب يشجع الصدام، ويستبعد الحوار، وربما يولِّد تكتلات وتحالفات تنتهي بحروب مدمرة ليس لها نهاية أو دراية بنهايتها».

غموض تعريف الشرق والغرب

ويذكر وول أنه «في الرابع عشر من يونيو (حزيران) 2023، قامت (رابطة العالم الإسلامي)، بالتعاون مع (الأمم المتحدة)، بتنظيم مؤتمر لحوار الحضارات في نيويورك، تحت شعار (حوار التعدد: الأديان والثقافات من أجل بناء جسور التواصل بين الشرق والغرب)، ويُعدّ هذا المؤتمر الأول من نوعه، حيث حضره الأكاديميون والمفكرون، وناشطو المجتمع المدني، ومدافعون عن الحقوق والحريات، ورجال دين من الأطياف المختلفة، وكل الطوائف الدينية في العالم».

ويضيف: «راودني القلق؛ لعدم وجود الفهم والتعريف الدقيق لمصطلحي الشرق والغرب، رغم الاعتقاد الذي يقودنا إلى أن الشرق هو آسيا، ويمتد إلى مصر والسودان والمغرب العربي بأفريقيا؛ نسبة لصلتها بالعروبة والإسلام، أما الغرب فهو أوروبا وأستراليا، وشمال أميركا التي تضم الولايات المتحدة وكندا، لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه بالقوة هو: أين بقية العالم التي لا يشملها هذا التعريف من هذا الحوار؟ إذا جزمنا بأن هذا التقسيم هو تقسيم أيديولوجي، يضع الحضارتين الشرقية والغربية في تنافس، وربما يؤدي إلى التصادم، فأين بقية العالم، خصوصاً أميركا الجنوبية وبقية الدول الأفريقية باستثناء دول المغرب العربي التي تنتمي إلى الكيان العربي؟ وأين إسرائيل التي توجد بالشرق الأوسط وليست جزءاً من الشرق، حسب هذا التعريف المبهم من هذه المعادلة الغامضة؟».

وشدد الباحث في مجال بناء السلام وفض النزاعات على أهمية وجود تعريف واضح للشرق والغرب؛ حتى يتسنى للجميع فرصة مناقشة القضايا المطروحة، والخروج بخلاصات تعالج المشكلة، وإلا فسيدور الحوار في حلقة مفرغة، وعلى ضرورة طرح القضايا المسكوت عنها للحوار، مثل الإثراء بأسلوب الغش وتداعياته على الفقراء، والاضطهاد الذي يتعرض لها بعض المجتمعات في الحقبة الاستعمارية دون تقديم اعتذار عن هذه الجريمة التاريخية، وكذلك محاولة جعل الزواج المِثلي شرطاً لتقديم إعانات للدول الفقيرة، رغم مخالفتها أعراف ومعتقدات هذه البلدان.

وتطرّق وول أيضاً إلى ضرورة مناقشة قضايا حيوية، مثل محاولة فرض النظام السياسي الواحد على العالم بأَسره، خصوصاً الديمقراطية الليبرالية، التي يريد الغرب فرضها على الدول الأخرى، قضية الصراع على قيادة العالم وبمنطق القوة، وليس التعاون والقبول، والذي نعيش تداعياته في كثير من مناطق العالم، قضية حرية الاختيار والانضمام إلى تجمعات وتكتلات دون إكراه، والتي أدت لنشوب الحرب في أوكرانيا، قضية الانبعاثات الغازية الحرارية وأثرها على الدول النامية، والقائمة طويلة.

«حوار الطرشان»

لكن وول عبَّر عن مخاوفه بأن يكون الحوار حول هذه القضايا «حوار الطرشان»، وخصوصاً من جانب الغرب، لكثير من الأسباب: أولاً، الأمم المتحدة نفسها غير قادرة على إدارة مثل هذا الحوار بالتكافؤ؛ لأن الغرب يسيطر على أجهزتها الفاعلة، خصوصاً «مجلس الأمن»، وعضويته الدائمة التي تتكون من 5 أعضاء، 3 منهم من الغرب، ولذلك دون الإصلاح في هذه المنظمة الدولية لا نرجو كثيراً منها... ثانياً، الغرب يمتلك الإعلام الذي يجعله يسوِّق أقوى أزمة من خلال أفكاره، حيث يجد ضحاياها أنفسهم يرقصون معهم على الأنغام نفسها، وشهدنا ذلك في تصورها لتقديم الدعم لأوكرانيا في حربها ضد روسيا كعمل ثوري ووطني، عكس الذين يريدون مساعدة روسيا، حيث يتم تخوينهم وربط عملهم هذا بالبربرية والوحشية. ثالثاً، الهيمنة الاقتصادية التي تجعل الغرب سيد العالم، وإمساكه بكل المبادرات وقيادة المؤسسات الدولية، التي تهيمن على الاقتصاد الدولي، مثل البنك والصندوق الدوليين، وشهدنا كذلك تأثيره الواضح على «المحكمة الجنائية الدولية»، والمؤسسات العدلية والحقوقية التي تُجرِّم وتحاسب قيادات العالم الثالث فقط... وأخشى أن تنحصر فكرة الحوار في الانصهار في البوتقة الواحدة، واستبعاد فكرة قبول الآخر.


مقالات ذات صلة

«متحف البراءة»... جولة في ذاكرة إسطنبول حسب توقيت أورهان باموك

يوميات الشرق ذاكرة إسطنبول المعاصرة ورواية أورهان باموك الشهيرة في متحف واحد في إسطنبول (الشرق الأوسط)

«متحف البراءة»... جولة في ذاكرة إسطنبول حسب توقيت أورهان باموك

لعلّه المتحف الوحيد الذي تُعرض فيه عيدان كبريت، وبطاقات يانصيب، وأعقاب سجائر... لكن، على غرابتها وبساطتها، تروي تفاصيل "متحف البراءة" إحدى أجمل حكايات إسطنبول.

كريستين حبيب (إسطنبول)
كتب فرويد

كبار العلماء في رسائلهم الشخصية

ما أول شيء يتبادر إلى ذهنك إذا ذكر اسم عالم الطبيعة والرياضيات الألماني ألبرت آينشتاين؟ نظرية النسبية، بلا شك، ومعادلته التي كانت أساساً لصنع القنبلة الذرية

د. ماهر شفيق فريد
كتب ناثان هيل

«الرفاهية»... تشريح للمجتمع الأميركي في زمن الرقميات

فلنفرض أن روميو وجولييت تزوَّجا، بعد مرور عشرين سنة سنكتشف أن روميو ليس أباً مثالياً لأبنائه، وأن جولييت تشعر بالملل في حياتها وفي عملها.

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ترجمة عربية لـ«دليل الإنسايية»

ترجمة عربية لـ«دليل الإنسايية»

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «دليل الإنسايية» للكاتبة والمخرجة الآيسلندية رند غنستاينردوتر، وذلك ضمن سلسلة «إشراقات».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون «شجرة الصفصاف»... مقاربة لعلاقة الشرق والغرب

«شجرة الصفصاف»... مقاربة لعلاقة الشرق والغرب

عن دار «بيت الياسمين» للنشر بالقاهرة، صدرتْ المجموعة القصصية «شجرة الصفصاف» للكاتب محمد المليجي، التي تتناول عدداً من الموضوعات المتنوعة مثل علاقة الأب بأبنائه

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قراءات المثقفين في دول الخليج «2024»

قراءات المثقفين في دول الخليج «2024»
TT

قراءات المثقفين في دول الخليج «2024»

قراءات المثقفين في دول الخليج «2024»

مرت الثقافة العربية بعام قاسٍ وكابوسي، تسارعت فيه وتيرة التحولات بشكل دراماتيكي مباغت، على شتى الأصعدة، وبلغت ذروتها في حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على غزة وطالت لبنان، ولا تزال مشاهدها الدامية تراكم الخراب والدمار على أرض الواقع. في غبار هذا الكابوس تستطلع «الشرق الأوسط» أهم قراءات المثقفين والمبدعين العرب خلال 2024.

في دول الخليج تنوّعت قراءات المثقفين والكتاب ما بين القراءات الشعرية والروائية، مع انفتاح على التجارب الأدبية في العالم العربي، ومقاربات للأعمال التي رصدت التجربة الحداثية وتأثيراتها، وكذلك التجارب النسوية في الرواية والسيرة الذاتية، وبينها كتب في الفكر والفلسفة والتاريخ الاجتماعي.

 

باسمة العنزي: ثوب أزرق وقبيلة تضحك ليلاً!

 

من الكويت، تقول الكاتبة والروائية الكويتية باسمة العنزي: سنة عاصفة مليئة بالأحداث المحبطة والأخبار البائسة! القراءة بدت فيها كاستراحة من لهاث متابعة أخبار الحروب وتردي الأوضاع وانحدار البشرية السريع. المفرح وسط كل هذا أن يقع بين يديك أعمال مبهرة هي الأولى لأصحابها!

قرأت للكاتبة السورية الكردية هيفا نبي «ثوب أزرق بمقاس واحد» الصادر عن دار «جدل» عام 2022، وهي رواية كتبت على شكل مذكرات، تناقش موضوع اكتئاب ما بعد الولادة بسرد جميل ونبرة أنثوية تغلغلت لتفاصيل عالم الأمومة الجديد لدى شابة مهجّرة من مدينتها بسبب الحرب. سرد شفاف يحلّق نحو ذات وحيدة تجتاز أزمتها عبر البوح. وهو عمل - للأسف - لم يحظَ بما يستحقه من اهتمام وانتشار رغم تجلي موهبة الكاتبة وتمكنها اللغوي وقدرتها على اقتناص الحالات النفسية ووصفها بكل تدرجاتها.

أما العمل الثاني فهو للكاتب السعودي سالم الصقور «القبيلة التي تضحك ليلاً» الصادر عن دار «مسكيلياني» عام 2024، وهو أيضاً يتناول موضوعاً جديداً في الرواية العربية عن عدم القدرة على الإنجاب في مجتمع قبلي معاصر، العمل مكتوب بلغة شعرية فذة وبنظرة فلسفية عميقة تضع تحت المجهر مفاهيم مثل الأمل والحرمان وخسارات الحياة القسرية. نوفيلا مكتنزة تدور أحداثها في نجران ليوم واحد يتحدد فيه مصير أبوة البطل المنتظرة!

هيفا نبي وسالم الصقور جاء عملاهما كإضاءة مبشّرة بالكثير في عالم يفقد دهشته ويخفت فيه صوت الحكمة، وقرأتهما في عام شحّت فيه الأشياء المدهشة!

 

د. عبد الرزّاق الربيعي: عودة لعبد الوهاب البياتي

ومن سلطنة عُمان، يقول الشاعر الدكتور عبد الرزاق الربيعي: كتب كثيرة قرأتها هذا العام، والبعض أعدت قراءته، وفق نظرة جديدة أكثر نضجاً، وتمحيصاً، وتذوّقاً، كالأعمال الشعرية لعبد الوهاب البياتي، والذي حفّزني للعودة إليها كتاب صدر عن دار «أبجد» هذا العام ضمن فعاليات مهرجان بابل العالمي للثقافات والفنون والإعلام (دورة 2024)، حمل عنوان «عبد الوهّاب البيّاتي... دراسات وشهادات وحوارات»، حرّره وقدّم له د. سعد التميمي. في بادرة ولمسة وفاء تُحسَب لرئيس المهرجان د. علي الشلاه.

وتأتي أهمية الكتاب كون محرّره د. التميمي، أستاذ النقد والبلاغة بالجامعة المستنصرية، وجّه دعوة ضمنيّة لقراءة البياتي، والكشف عن دوره الريادي، وفحص نتاجه من قبل النقاد الذين صرفت غزارة إنتاجه الشعري أنظارهم عنه، فهذه الغزارة بنظر د. حاتم الصكر «لم تدع فسحةً لقراءة نصيّة مناسِبة، فكثير من منتقدي سيرته السياسية اتبعوا ما أشيع عنه دون تمحيص؛ إذ لم يضعه الشيوعيون العراقيون - كما يشاع - محل السياب حين ارتدّ عنهم، لأنهم ليسوا بحاجة لشاعر، ومعهم مثقفوهم وأدباؤهم، كما أن البياتي ينتهج فكراً يسارياً قبل اصطفافه نصيراً للفكر اليساري التقليدي، وقد عزا ذلك - حين كتب (تجربتي الشعرية) - إلى ما كان يرى وهو صبي، من مظالم ومآسٍ تحيق بالمشردين والفقراء والنازحين للمدينة، وهو يراهم حول مزار الصوفي عبد القادر الجيلاني بوسط بغداد، حيث ولد البياتي ونشأ». وقد شارك في الكتاب كل من: د. حاتم الصكر، ود. بشرى موسى صالح، ود. خالد سالم، ود. محمد عبد الرضا شياع، ود. أناهيد الركابي، والشعراء: علي الشلاه، وهادي الحسيني، ومحمد مظلوم، ومحمد تركي النصار، ود. عبد الرزاق الربيعي، واشتمل على دراسات وشهادات وحوارات مسلطاً الضوء «على الإرث الشعري الذي خلّفه البياتي، وإسهاماته في تحديث القصيدة العربية، ورؤية البياتي للشعر، والحداثة وموقف الشاعر من السلطة والحرية، فضلاً عن تقنية كتابة القصيدة، وفاعليته في الوسط الثقافي».

قسّم التميمي الكتاب إلى ثلاثة فصول: تضمن الأول دراسات وقراءات، والثاني شهادات وذكريات، والثالث حوارات. وقد احتل الفصل الأول مساحة واسعة؛ إذ ضم سبع دراسات هي: القصيدة... المنفى... الموت... مفردات في تجربة البياتي الشعرية، للدكتور حاتم الصكر، وهالة الأسطورة في شعر عبد الوهاب البياتي، للدكتورة بشرى موسى صالح، والمتعاليات النّصّيّة في شعر البياتي، للدكتور محمد عبد الرضا شياع، والتجربة الإسبانية لدى البياتي، للدكتور خالد سالم، والبياتي من فلسفة الرفض إلى استشراف الرؤية، للدكتور سعد التميمي، ومركزية الهامش في شعر البياتي، للدكتورة أناهيد الركابي، ومجد الشعلة الخالدة الآخر في مرآة البياتي الشعرية، لمحمد تركي النصار.

أمّا الفصل الثاني، فقد ضمّ ثلاث شهادات حملت العناوين: «رجاءً عدم الجلوس... عبد الوهّاب البيّاتي قادمٌ بعد قليل» لعبد الرزاق الربيعي، و«في ذكرى البياتي» لهادي الحسيني، و«البياتي وسنواتنا في عمّان» للدكتور علي الشلاه.

وخُصّص الفصل الثالث لحوارات أجريت مع البياتي، وقد تناولت الدراسات الأثر الذي تركه البياتي ليس فقط لدى الشعراء العرب، بل تجاوز ذلك إلى الإسبان، خلال إقامته بمدريد في الفترة (1980-1990).

لقد أعاد هذا الكتاب لنفسي شغفي بقصيدة البياتي، التي تأثّرت بها في بداياتي مطلع الثمانينيات، فوفّر لي فرصة العودة للمنابع الشعرية الأولى.

 

عبد العزيز الصقعبي: أيام الغزو وسير النساء الذاتية

ومن السعودية، يقول الروائي والمسرحي السعودي عبد العزيز الصقعبي: أنا متفرغ حالياً للقراءة والكتابة، فالكتاب وجبة يومية، من الصعوبة تركها، والجميل في زمننا هذا هو سهولة الوصول للكتاب، ورقياً أو إلكترونياً، الحصة الأكبر من قراءاتي دائماً الرواية والقصة ثم الشعر والمسرح، إضافة إلى الكتب الفكرية والدراسات المهمة.

ربما - وأنا أتحدث عن نفسي كروائي - يرد في ذهني أمر ما - ربما وليس أكيداً – أتناوله في مشروع روائي؛ لذا أكثف قراءاتي حول ذلك الموضوع، أطرح لكم بعض الأمثلة «أيام الغزو... يوميات إسماعيل شموط أثناء احتلال الكويت»، وهي يوميات للفنان التشكيلي إسماعيل شموط؛ حيث كان لدي اهتمام بتلك الفترة التي لم تؤثر على الكويت فقط، بل على كامل المنطقة وبالأخص المملكة، بالطبع قرأت عدداً من الروايات والكتب حول ذلك ومن أهمها السباعية الروائية «إحداثيات زمن العزلة» للروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، على الرغم من كل الكتابات فتلك الفترة تحتاج إلى مزيد من الكتابة.

وحقيقة من الصعوبة سرد بقية أسماء الكتب التي قرأتها، فهنالك مثلاً روايات، تكون مقبولة وأنتهي منها عند آخر صفحة، ولكن لا تبقى في الذاكرة ولا تشجّع على قراءتها مرة أخرى ناهيكم عن كثير من الكتب وبالذات النصوص السردية التي لا أستطيع إكمالها، اللافت في 2024 دخول عدد من السير الذاتية النسائية في دائرة قراءاتي، بدأتها بسيرة «السنوات» الحائزة جائزة نوبل (أني إرنو)، وبعد ذلك أجد نفسي أمام سيرتين متشابهتين وفي الوقت ذاته مختلفتين؛ «حد الذاكرة» لعائشة محمد المانع، و«حياتي كما عشتها... ذكريات امرأة سعودية من عنيزة إلى كاليفورنيا» لثريا التركي، وبكل تأكيد هنالك قائمة طويلة أحتفظ بها لنفسي، من الكتب التي قرأتها أو سأقرأها، أو أتصفحها ربما تشدني للقراءة.

 

كاظم الخليفة: الأدب السعودي والعلاقة بين الأدب والفلسفة

ويقول الكاتب والناقد السعودي كاظم الخليفة: كان مشروعي القرائي لعام 2024 هو استكشاف الأفق الإبداعي للكتاب السعوديين، الذي أتاحه المرور على عناوين وتصفح بعض إصدارات مشروع «1000 كتاب» الذي تقوم عليه دار «أدب للنشر والتوزيع» بدعم من الصندوق الثقافي السعودي، وكذلك قراءة «كتاب أنطولوجيا القصة القصيرة في المملكة العربية السعودية» - الجزء الثاني - ذلك المشروع الرائد الذي قام بجهد شخصي من الأديب والقاص خالد اليوسف؛ لإبراز المشهد السردي السعودي المعاصر ومدى تقدمه من خلال ممارسة التجريب وتنوع الأدوات السردية. والثالث، كان المشروع الآخر للشاعر عبد الله السفر «رمال تركض بالوقت» الذي كان برعاية من مركز الملك عبد العزيز الثقافي «إثراء»، وهو عبارة عن مختارات لنصوص شعرية تختص بقصيدة النثر السعودية بغية ترجمتها للقارئ الفرنسي.

تعرض تلك الكتب جانباً مهماً من حراك الأدب السعودي المعاصر الذي يتطلب الكثير من الدراسة والتأمل، لكن الانطباع العابر يمكن استخلاصه في أن القصيدة الكلاسيكية السعودية تحاول تجديد ثوبها من خلال جعل «ذات» الشاعر بهواجسه وأحلامه أحد مواضيعها المهمة. أي أن الدافع الذاتي للكتابة، واتخاذ القصيدة وسيلة فضلى للتفكير، قد عمل على تقليص المساحة الكبيرة التي كان يحتلها شعر «المناسبات» في دواوين الشعراء.

والانطباع الثاني عن مستوى التقدم في كتابة قصيدة التفعيلة، التي لم تتقدم وتكتسب نسبة وازنة في دواوين الشعراء المعاصرين بشكل ملحوظ. أما ملمح قصيدة النثر الحديثة فنجد بروزاً لموضوع «الميتاشعرية»؛ حيث سؤال القصيدة ومحرضات كتابتها وجدواها. وفي كلا الجنسين الشعريين: الكلاسيكي والنثري، نلحظ فيهما تجاوز الشواعر النساء أزمة «النِّسوية» وبالتالي الكتابة بروح الأنثى المدركة لكينونتها.

في السرد، نلحظ نمواً لجنس القصة القصيرة جداً واقترابها - في بعض التجارب - من شذرات قصيدة النثر. وما يخص جنس القصة القصيرة، فيمكن ملاحظة أنها اتجهت نحو التنوع - بشكل واضح - في مواضيعها، مع تناول أكبر بالتركيز على الجوانب الوجودية والأزمات النفسية لشخوص حكاياتها. أما الرواية، فيمكننا رؤية اجتذابها للكتاب الشباب بإنتاج متلاحق لبعضهم؛ حيث يفصل بين كل عمل روائي وآخر أقل من عام.

مجال القراءة الحرة كان من نصيب كتب مميزة في بابها، وإن لم تبتعد كثيراً عن الأدب. ولعل أبرزها كتاب حديث للناقد الفرنسي كاميل ديموليي «الأدب والفلسفة... بهجة المعرفة في الأدب» الذي يُعتبر من أواخر من دخلوا في حلبة الصراع والجدل - منذ أفلاطون – عمّن هو الأجدر بتمثيل «الحقيقة»؛ الأدب أم الفلسفة، وكذلك عن طبيعة العلاقة الملتبسة بينهما. ففي هذا الكتاب يستعرض ديموليي الجدل القديم/الجديد عن علاقة الفلسفة بالأدب، ويحاور فيه جميع آراء الأدباء والفلاسفة البارزين، ابتداء بأفلاطون وسقراط، وانتهاء بنيتشه وهايدغر، ثم في خاتمة الكتاب يميل إلى الرأي الذي يقول إن «فكرة الفلسفة هي الأدب»، وذلك بمعنيين: أولاً أن الأدب هو فكرة الفلسفة، أي أنها إبداعه أو ابتداعه؛ ثم إنها مدار دراسته. وهكذا صار الأدب في نتيجته هو منبع الأفكار الفلسفية، وأنها تعود فيه وكأنها تعود إلى أصلها المنسي، كما يقول. بل إن نيتشه والتيار الرومانسي حاولا إعادة الفلسفة والأدب إلى أصلهما الشعري، بصفته نشاطاً خلاقاً؛ حيث الفلسفة - من وجهة النظر هذه - يمكن أن تكون ضرباً من الشعر المتحجر؛ أي خطاباً بواسطة الصور والمجازات.

 

حمد الرشيدي: بين البردوني والأفلاج والزلفي

من الرياض، يقول الشاعر والروائي السعودي حمد حميد الرشيدي: كثيرة هي الكتب التي قرأتها هذا العام وأعجبت بها، وكتبت بعض انطباعاتي الشخصية لما قرأته منها، وهي كتب تُعنى بالأدب والشعر والرواية والقصة القصيرة والمسرح والدراسات النقدية، وقرأت بعض الكتب التي أثارت اهتماماً من قبل القراء أو النقاد... ومن الكتب التي قرأتها هذا العام وأعجبت بها، كتاب «المكان في شعر البردوني» للدكتور خالد اللعبون، وهو دراسة موضوعية تحدث فيها الكاتب عن ظاهرة اكتناز شعر الشاعر العربي اليمني الكبير عبد الله البردوني (رحمه الله) بالمكان وجغرافيته وارتباطه الحسي والمعنوي بالإنسان.

وفي مجال أدب الرحلات، قرأت كتاب «الأفلاج كما رآها فيلبي» وهو من تأليف عبد العزيز المفلح الجذالين. ويتحدث فيه مؤلفه عن أهمية مدينة الأفلاج عبر التاريخ وما ذكره الرحالة الإنجليزي المعروف عبد الله فيلبي عن هذه المدينة عندما زارها زيارة ميدانية سنة 1918م.

وفي مجال علوم التاريخ والاجتماع، قرأت كتاب «الكويت والزلفي» لمؤلفه حمد الحمد، وهو يتحدث عن الصلات التاريخية والاجتماعية بين بعض العوائل والأسر العربية ذات العوامل المشتركة في الاسم والنسب والأرومة في كل من الكويت ومدينة الزلفي.

وفي الفكر والفلسفة، قرأت كتاب «الحضارة العربية الإسلامية وعوامل تأخرها» للدكتور أمين أحمد زين العابدين، وهو كتاب تطرّق فيه المؤلف للحضارة العربية والإسلامية عبر التاريخ وما مرت به من مراحل وتغيرات عبر الزمن وأثرها وتأثيرها في الحضارات الأخرى.

وفي العلوم، قرأت كتاب «في تاريخ العلوم» للدكتور عبد الله محمد العمري، وهو كتاب يبحث في تاريخ العلوم عند العرب القدامى حتى العصر الحديث، وأهم الاكتشافات والاختراعات التي قام بها العرب والمسلمون منذ القدم، ثم تم نقلها عنهم للشعوب الأخرى التي قامت بالاستفادة منها وتطويرها في الوقت الحاضر.

جمانة الطراونة

 

جمانة الطراونة: من «أشجار الكلمات» إلى «غيم على سرير»

الشاعرة الأردنية المقيمة في مسقط (سلطنة عُمان) جمانة الطراونة، تقول: أميل إلى قراءة كتب المختارات الشعرية، كونها تعطي فكرة عن التجارب الشعرية المتحقّقة، وضمن هذا السياق، قرأت كتاب «أشجار الكلمات»؛ وهو مختارات شعرية للشاعر عدنان الصائغ. اختارها وقدم لها: حاتم الصكر، وحسن ناظم، وناظم عودة. وصدر عن دار «صوفيا» للنشر والتوزيع في الكويت، ومما علق في ذهني قوله:

«في الليلِ

أرى شخصاً آخرَ

لا أَعْرِفُـهُ

يَتَعَقَّبُني

فأغذُّ خطايَ،

وأسرعُ

أسمَعُهُ يتوسّلُ خلفي:

– اصحبْني ظلاً

فأنا أخشى أنْ أمشي منفرداً في الطُرُقاتْ».

أما أحدث كتاب قرأته هذا العام من كتب المختارات فهو كتاب «غيم على سرير» وقد ضمّ بين دفتيه مختارات من شعر عبد الرزاق الربيعي، وقد صدر عن دار «شمس» للنشر والإعلام، بالتعاون مع بيت الشعر ببغداد، والنصوص من اختيار الشاعر عماد جبّار، وقدّم لها د. سعد التميمي، الذي قال: «ينفرد الشاعر عبد الرزاق الربيعي من بين شعراء جيل الثمانينات باتّساع تجربته الشعرية وعُمقها وتنوعها، وهو الحاضر باستمرار في الساحة الشعرية والقادر على الانتقال من منطقة إلى أخرى مجدِّداً في القصيدة على مستوى اللغة والأسلوب والمعالجة والمفارقة، كاشفاً ما يحمله من عمق معرفي يتجلى في تناصّاته المتنوعة، (...) فهو القادم من صومعة الشعر حاملاً الوطن المثخن بالجراح والألم وصور الخراب والموت التي يختلط فيها الدم بالدموع»، وعلى الغلاف الأخير للمختارات كتب د. حاتم الصكر شهادة حول تجربة الربيعي، وقد قرأت ديوان الصكر «الهبوط إلى برج القوس» الصادر عن دار «أرومة للدراسات والترجمة والنشر»، وأبحرت مع عوالم الفقد، وأحزان غربته، التي يسرّبها عن طريق الشعر الذي يعتبره ملاذه الأخير ويستثمر الموروث الرافديني حين يرسم «بورتريهات» لعدد من أصدقائه كما في «خُطى جلجامش» التي يهديها إلى الشاعر عبد الرزاق الربيعي.