آشور... أول نموذج للإمبراطورية شهده العالم

أغلب ما تم تداوله بشأنها ظل حتى قبل قرنين حبيس النصوص الكلاسيكية واليهودية القديمة

نمرود... عاصمة الإمبراطورية الآشورية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد
نمرود... عاصمة الإمبراطورية الآشورية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد
TT

آشور... أول نموذج للإمبراطورية شهده العالم

نمرود... عاصمة الإمبراطورية الآشورية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد
نمرود... عاصمة الإمبراطورية الآشورية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد

في أوج صعودها، نحو عام 660 قبل الميلاد، امتدت مملكة آشور عبر الشرق من البحر الأبيض المتوسط إلى الخليج العربي، ومن النيل إلى القوقاز، وأخضعت تحت سلطتها عدة أمم وأقوام لتكون، وفق خبراء العلوم السياسية، أول نموذج للإمبراطورية، شهده العالم على الإطلاق.

وعلى الرغم من أن آشور المهيبة التي حكمت الشرق بين نحو 2000 قبل الميلاد وحتى عام 609 قبل الميلاد، ما لبثت أن أصبحت أثراً بعد عين، فإن ذكر فتوحاتها لم يخمد يوماً، أقله في الثقافة الغربية، لتخيب في ذلك توقعات اللورد بايرون في مسرحيته الشهيرة (ساردانابالوس – 1821) على لسان بطلها - الذي يبدو مستلهماً من شخصية الإمبراطور آشور بانيبال، أحد آخر حكام آشور القديمة - بأن مجد إمبراطوريته سيتلاشى يوماً ما في غياهب النسيان؛ إذ «لا بد وسيطفئ الزمان ذكر الناس، وأفعال الأبطال، وستكتسح مملكة جديدة التي قبلها، وستؤول هذي بدورها إلى حال الإمبراطورية الأولى: إلى اللا شيء «لقد عمل كتبة العهد القديم (التوراة اليهودية)، كما العديد من المؤرخين الإغريق القدماء في نصوصهم على تعداد ووصف انتصارات الآشوريين ونفوذ دولتهم العظيمة على نحو ضَمِنَ تخليد ذكرها بعد أن أصبحت تلك الكتابات من بين المرجعيات المؤسسة للثقافة الغربية المعاصرة - يرد ذكر آشور في العهد القديم نحو 150 مرة كمصدر للشرور والبطش، ويظهر اسم نينوى، آخر عاصمة لآشور، 17 مرة، إلى جانب ذكر العديد من الحكام الآشوريين من تغلث بيلسر الثالث إلى سرجون الثاني، ومن سنحاريب إلى إشارهادون.

على أن غالب ما تداوله العالم بشأن تاريخ آشور حتى قبل مائتي عام تقريباً ظل طوال معظم العصور التاريخية حبيس تلك النصوص الكلاسيكية واليهودية القديمة، ولم تتوفر قبل رحلات الاستكشاف التي شرع غربيون في القيام بها بشكل مكثف إلى الشرق بداية من منتصف القرن التاسع عشر - ولدوافع متفاوتة - أي دلائل موثقة ذات قيمة عن التراث الآشوري. وقد اعتمدت التقاليد التاريخية العربية والفارسية بدورها على النصوص القديمة ذاتها فيما أوردته عن حضارات بلاد ما بين النهرين، بما فيها آشور وبابل.

صعود البرجوازيات في أوروبا إبان القرن التاسع عشر خلق مزاجاً عاماً شغوفاً بدراسة الآثار واللقى التي تركتها الحضارات السابقة بأكثر من مجرد قراءة النصوص، ترجم بداية اهتماماً ظاهراً بالآثار المعروفة التي تركها الرومان في غير ما بلد أوروبي من بريطانيا إلى اليونان، سرعان ما تحول إلى ما يشبه الهوس بالبقايا المادية للمدن القديمة في الشرق الأوسط. وقد أدى توسع المصالح السياسية للإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية في المنطقة التي كان أغلبها خاضعاً وقتها إلى حكم العثمانيين إلى وجود دبلوماسيين ومبعوثين وجواسيس كان لكثير منهم اهتمامات شخصية بما يتعلق بحضارات العالم القديم، إلى جانب اعتبار الكثيرين منهم اكتشاف الآثار (وسرقة اللافت منها) جزءاً من دورهم كوكلاء أوروبيين في المنطقة.

في العراق كانت أطلال المدن القديمة مرئية في كثير من الأحيان على شكل تلال في مناطق خارج المدن، احتفظ بعضها في ذاكرة السكان المحليين باسمه أو على الأقل ببعض الأخبار عن تاريخها القديم. لكن العالم كان بانتظار كلاوديوس ريتش (1787 - 1820)، المقيم البريطاني المعتمد لشركة الهند الشرقية في بغداد من 1808 -1820، كي يجمع ملاحظاته على المواقع التي زارها، مع محاولة ربطها بمحتويات المصادر الكلاسيكية بالتشاور مع عراقيين، لا سيما في بحثه حول أصول الأسماء الحديثة لبعض تلك المواقع. وقد نشر ريتش لاحقاً أوصافاً مفصلة لمواقع كل من نينوى وبابل، كما جمع عدداً من الآثار العراقية القديمة التي انتهت لاحقاً ضمن مقتنيات المتحف البريطاني بلندن. على أن أول حفريات الآثار للبحث عن تركة آشور قد جرت بداية من عام 1842 من قبل القنصل الفرنسي في الموصل، بول إميل بوتا (1802 - 1870)، الذي انطلق في التنقيب من نينوى، قبل تحويل انتباهه لاحقاً إلى موقع خورسباد، حيث اكتشف قصر الملك الآشوري سرجون الثاني (حكم من 721 إلى 705 قبل الميلاد)، والذي بني نحو عام 710 قبل الميلاد.

لقد كان ما وجده بوتا مذهلاً بحق، لقد زينت جدران القصر بألواح من المرمر الجبسي نحتت عليها بحرفية عالية نقوش بارزة تصور الملك وأنشطة حاشيته وتعدد الانتصارات الآشورية، فيما كانت تحرس بوابات القصر تماثيل أسود مجنحة عملاقة تثير الرهبة. وشحن بوتا العديد من هذه الآثار إلى فرنسا، فأشعلت حماساً منقطع النظير في أوروبا. تالياً لحق به الإنجليزي أوستن هنري لأيارد (1817 - 1894) الذي بدأ بالحفر هذه المرة في موقع نمرود بداية من عام 1845، حيث اكتشف بدوره عدة قصور فارهة بناها الملوك على مدار 150 عاماً عندما كانت مدينة نمرود عاصمة للإمبراطورية الآشورية في القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد، لتستمر أعمال التنقيب بعدها على يد عدة بعثات بريطانية وفرنسية. لكن حجم وسرعة هذه الاكتشافات كانا بالضرورة نتاج عمل لصوص آثار متسرع أكثر منه عملاً علمياً محترفاً، كما حصل هؤلاء المنقبون الأوائل بفضل علاقاتهم الدبلوماسية - والرشاوى أحياناً - على أذونات وتسهيلات من السلطات العثمانية لتصدير قطع أثرية لا تقدر اليوم بثمن إلى باريس ولندن وعواصم أخرى، فيما بيعت لقى أخرى لمبشرين أميركيين نقلوها إلى الولايات المتحدة. ولا شك أن العثور على موقع بهذه الأهمية اليوم واستكشافه وتوثيقه بالطرق الحديثة سيستغرق ما لا يقل عن 10 أضعاف الوقت الذي صرفه مغامرو القرن التاسع عشر في خورسباد ونمرود. لا بل يعمد علماء الآثار المعاصرون أحياناً لإغلاق تلك المواقع أمام العامة للحفاظ على محتوياتها الثمينة من العبث.

بناء على نتائج تلك الحفريات المبكرة، نشر المؤرخ الأميركي ألبرت أولمستيد أول كتاب متكامل في العصر الحديث حول «تاريخ آشور» (بالإنجليزية) في عام 1923 أي قبل قرن كامل بالضبط. وقد بقي هذا العمل أساساً اعتمدت عليه معظم محاولات التأريخ للحضارة الآشورية بشكل أو آخر. لكن دراسة هذه الحضارة العظيمة التي تعد بحق أم الحضارات «يجب أن تبقى مجالاً دائم التحديث» كما يقول ييل إيكهارت فراهم، بروفسور علم الآشوريات بجامعة ييل (بالولايات المتحدة) في كتابه الجديد «آشور: صعود وسقوط الإمبراطورية الأولى»؛ إذ إن الاكتشافات الأثرية الجديدة كما التحليلات الحديثة للقى القديمة بالاستفادة من أحدث معطيات التكنولوجيا «تتطلب بلا شك منا إعادة تقييم شاملة دورية للتاريخ الآشوري».

وبالفعل، فإن أعمال التنقيب الميدانية في العراق بحثاً عن بقايا العالم الآشوري القديم استؤنفت بزخم متصاعد بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها. وشارك علماء عراقيون باحثين غربيين في حملات تنقيب محترفة عديدة عثرت على كم كبير من القطع الفنية الساحرة والأثاث الفاخر والمجوهرات من مقتنيات قصور ومقابر ملكية منحت الباحثين فكرة أوسع عن طبيعة ثقافة وآداب وفنون وبيروقراطية الدولة الآشورية وعلاقاتها التجارية ومبادلات الشعوب في إطار فضائها الإمبراطوري. كما أن سرعة قراءة النقوش والنصوص القديمة بفضل الذكاء الاصطناعي مكنتهم من استقراء كمية ضخمة من المعلومات التي حملتها قطع كانت متروكة للتخزين في متاحف العالم بوقت قياسي.

يطمح فراهم إلى أن يحل كتابه مكان مجلد أولمستيد العتيد كمرجع محدث شامل لتاريخ الحضارة الآشورية، وتأثيرها المديد في مجمل تاريخ العالم القديم من بعدها، وهو مستفيد من أحدث المعطيات المتوفرة لدى علماء الآثار لينجح بالفعل في تقديم صورة متعددة الأبعاد تتجاوز بكثير سير الحرب والفتوحات والانتصارات للحكام الآشوريين لتستعرض كذلك، وضمن نص قريب وممتع حتى للقارئ العادي، جوانب القوة الناعمة التي تمتعت بها تلك الحضارة: كالنظام البيروقراطي للسلطة، والمكتبات العامة، وشبكة الطرق الملكية التي ربطت أنحاء الإمبراطورية بكفاءة لعدة قرون، والسجلات الحكومية، والأدوار الجندرية، والآداب، والفنون، والعمارة، والمهارات الصناعية والحرفية، والتي أصبح جلها مصادر إلهام استمدت منه لاحقاً الإمبراطوريات البابلية، والفارسية واليونانية والرومانية والإسلامية الكثير.

ويتضمن الكتاب أيضاً تغطية شاملة للتهديدات التي يواجها التراث الحضاري العالمي في بلد مثل العراق، حيث كل ضربة معول تخرج قطعة أثرية، بما في ذلك الغزو الأميركي، مثل تفشي ظاهرة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، وبالنتيجة أيضاً ضعف قدرة الحكومات المحلية على حماية الآثار من السرقة أو التخريب، الأمر الذي قد يفقدنا، وإلى الأبد، فرصاً ثمينة لتعلم المزيد عن بدايات رحلة البشر عبر تاريخ العالم، الذي يجزم البروفسور فراهم بأنه «لا يبدأ بالإغريق أو الرومان - بل بآشور».


مقالات ذات صلة

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كتب كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة...

ندى حطيط
كتب محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب «دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري»...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

رواية سعودية عن «نجد» في سنوات الشدّة

تصدر قريباً عن «نوفل» في بيروت، رواية «ورق الكافور» للكاتب السعودي عبد الله العرفج، وهي رواية تسبر أغوار مجتمع نجد وسط الجزيرة العربية

«الشرق الأوسط» (الدمام)
ثقافة وفنون السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

السموم... «كلمة السر» في عالم أغاثا كريستي

في كتابها «أغاثا كريستي واستخدام السموم»، تكشف الكيميائية والباحثة البريطانية كاثرين هاركاب كيف استخدمت رائدة أدب الجريمة السموم في رواياتها البوليسية المشوقة..

رشا أحمد (القاهرة)

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟
TT

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

كيف سقط «الأبد» في «اللحظة المواتية»؟

في كل قراءة لخرائط المشرق العربي، تتبدى سوريا رقماً صعباً في معادلات التوازن والاستقرار؛ جغرافيتها الممتدة بين الداخل الآسيوي وشواطئ المتوسط، وهويتها الحاضنة لتنوع سكاني وثقافي معقد، جعلتا منها دائماً محوراً فاعلاً ومنفعلاً بالتحولات. فالجغرافيا تمنح هذا المشرق موقعه الاستراتيجي كعقدة مواصلات وممر دولي للتجارة ولخطوط الطاقة، والتاريخ يُضفي عليه وزنه الحضاري المتراكم عبر ألوف السنين من تقاطع الممالك والإمبراطوريات، بينما تسعى السياسة باستمرار إلى توظيف هذين العنصرين في صراعات النفوذ والقوة. وبسبب هذا التقاطع الفريد، عاشت البلاد في قلب الاضطرابات والتوترات، إذ يعكس استقرارها هدوءاً إقليمياً شاملاً، ويمتد اضطرابها ليتجاوز حدودها بمسافات بعيدة.

طوال تاريخ ممتد لـ54 عاماً، اختُزلت جغرافية البلاد وتاريخها وسياساتها في حدود أسرة الأسد، وفرض عليها «القائد الخالد» ووريثه كيقين ثابت مستمر «إلى الأبد».

إلى أن كانت لحظة سقوط «الأبد» السوري ذات ديسمبر (2024)، التي يكتب عنها الصحافي اللبناني منير الربيع شهادة جيل كامل تربى على يقين «أن ما يأتي من دمشق قدر لا مفر منه في بيروت». «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» الصادر حديثاً (عن دار رياض الريس للنشر) وثيقة سياسية وسردية مهمة تمزج بين الرصد التوثيقي والتحليل البنيوي، لتخرج من عباءة التقرير إلى فضاء التأمل في ماهية الطغيان وسقوطه، ثم في إمكانية ولادة دولة جديدة على أنقاض خمسة عقود من القمع والفساد.

ليس منير الربيع مراقباً بعيداً. مساره الصحافي، وإقامته في بلد عانى طويلاً من الوصاية السورية، وعلاقاته المتشعبة مع مختلف الأطياف السورية، كلها منحته مقعداً في الصف الأول لرصد الزلزال الجيوسياسي الذي ضرب المشرق العربي عام 2024 في نص يتوزع على محورين متكاملين: تشريح بنيوي لانهيار نظام آل الأسد، ورصد لرؤية أحمد الشرع في بناء سوريا الجديدة وإعادة تموضعها في قلب التحولات الإقليمية والدولية.

خواء النظام السابق

يقدم الربيع قراءة مفادها أن السقوط السريع للنظام السابق في 11 يوماً كان ثمرة اهتراء طويل وتآكل أصاب مفاصل «دولة المخابرات» من الداخل. الجيش العربي السوري بغياب مظلة الحلفاء - الروس بطائراتهم، الإيرانيون ومستشاروهم، «حزب الله»، وألوية «فاطميون» و«زينبيون» - انتهوا كمنظومة هرِمة متصدعة، «أذلت الجندي في معيشته» فتلاشت الرغبة في الموت من أجل نظام غير قادر على أن يكافئ جنوده إلا بالتجاهل والإهمال. السقوط إذاً لم يكن فشلاً عسكرياً تقليدياً بقدر ما كان خواءً وجودياً لمنظومة بنيت أركانها على القمع والولاء، لا على الكفاءة والمهنية. النظام، في وصف الربيع، أشبه بـ«احتلال داخلي» دمّر البلاد وجعلها «ديار قتل وخراب»، ونظريته أن بقاء النظام بعد 2015 لم يكن دليلاً على عافيته، بل على حجم اعتماده على الخارج للبقاء، وهكذا عندما بدأت تلك المظلة تتآكل، انهار كل شيء كما أحجار الدومينو.

يرسم محور الكتاب الأول صورة شاملة - بالقدر الذي تسمح به راهنية الحدث - للمشهد السوري عشية السقوط. : «كيف يمكن لسلطة بدت أبدية أن تختفي بين عشية وضحاها؟» بلهجة حاسمة: إنه الخواء الذي كان ممتداً تحت القشرة طوال الوقت، وأن قناعة السوريين بأن «الظلم أبدي والموت أبدي» كانت الوهم الأخير الذي تحطم مع أول خيوط فجر الثامن من ديسمبر.

تحولات الإقليم

يرصد الربيع خروج «حزب الله» كلاعب أساسي من الأراضي السورية قبل انطلاق ما سُمي بعملية «ردع العدوان». الضربات الإسرائيلية المكثفة طالت كبار قادة الحرس الثوري الإيراني والحزب، تحديداً «فرقة الرضوان»، ثم كانت تفجيرات أجهزة الاتصال واغتيال الأمين العام حسن نصر الله، وكلها أحدثت تخلخلاً في البنية القيادية للمحور الداعم للنظام. هذا الإنهاك أجبر «حزب الله» على بدء إعادة انتشار تدريجي، انتهى بانسحاب شبه كامل من سوريا، تاركاً حلب ومحيطها في حالة فراغ شامل قبيل انطلاق العملية. توازى ذلك مع ضغوط أميركية وإسرائيلية برية وجوية صارمة، قيدت قدرة طهران على إيصال التعزيزات العسكرية والإمدادات.

عن الجانب الروسي، يلتقط الربيع نفساً براغماتياً بامتياز. انشغال موسكو بحربها المفتوحة في أوكرانيا قلص غطاء النظام الجوي والبري إلى حدوده الدنيا. لكن الأهم أن اتصالات خلفية جرت بوساطة تركية بين فريق أحمد الشرع والروس، قُدم فيها عرض واضح: تحييد القوات الروسية وقواعدها (لا سيما حميميم) والحفاظ على عقودها الاستثمارية الاقتصادية، مقابل تجنب التصادم الميداني. هذا العرض قُبل من جانب موسكو، وتُرجم فعلياً بتوقف الطيران الروسي عن استهداف قوات المعارضة في الثالث من ديسمبر.

«ردع العدوان»... انتظار اللحظة المناسبة

في مقابل اهتراء النظام، يضيء الكتاب صعود قوات شابة ذات هدف واضح وإعداد دؤوب استمر سنوات. «ردع العدوان» كانت ثمرة ثلاث سنوات من إعادة التنظيم، وتصحيح الأخطاء، وانتظار اللحظة المواتية. الشرع كان يردد في دائرته المقربة عبارة اختصرت فلسفته: «المعركة دوماً استعداد وفرصة». أي أن الاستعداد يمكن التحكم به، أما الفرصة المواتية فهي لحظة نادرة لا تتكرر، وعلى المرء أن يترصد متى وكيف يلتقطها. وفي الحروب، أحياناً لا ينتصر الأسرع، بل الأقدر على الانتظار.

يكشف الربيع النقاب عن عمل استخباراتي دؤوب سبق الهجوم العسكري بأشهر طويلة. فريق تقني داخل «هيئة تحرير الشام» صمم تطبيقاً إلكترونياً بدا للوهلة الأولى خيرياً، يزعم أنه تابع لإحدى المؤسسات المرتبطة بأسماء الأسد، ويهدف إلى تقديم مساعدات مالية وغذائية لعائلات الضباط والعناصر «تقديراً لتضحياتهم»، في بلد تراجعت فيه الرواتب إلى حدود لا تكفي لشراء الخبز، كان عرض 25 دولاراً إضافياً ومعونات غذائية وطبية مغرياً. كل ما كان مطلوباً تحميل التطبيق وتسجيل الاسم الكامل والرتبة العسكرية ومكان الخدمة. هكذا جُمعت قاعدة بيانات دقيقة كشفت أماكن توزع الوحدات العسكرية وعديدها وعتادها وسلاسل الأوامر.

لكن الذروة في هذا العمل الاستخباراتي كانت الاتصالات الليلية المباشرة. عنصر في غرفة عمليات السابع من نيسان أو ضابط في الفرقة الرابعة يتلقى اتصالاً من رقم دولي، يظهر على الشاشة بمقدمة أميركية. صوت المتصل هادئ ومباشر: يبلغه أن غرفة العمليات التابع لها، أو التي يقع موقعه قربها ستستهدف خلال دقائق، وعليه إخلاء المكان فوراً. لا يمنحه وقتاً طويلاً للتفكير، ينهي المكالمة، وبعد دقائق يهز انفجار محيط الموقع. هنا يبدأ العامل النفسي: يقتنع الضابط أن ما يجري ليس مجرد هجوم بري تقليدي، بل عملية عسكرية واسعة ربما بغطاء دولي. الرسالة بنيت على معرفة دقيقة، وهذا ما جعلها قابلة للتصديق. خلال دقائق تفرغ الغرفة أو يتقلص عدد الموجودين فيها إلى الحد الأدنى، عندها تفقد القوة تماسكها، وتتقدم قوات «ردع العدوان». وهكذا لم يكن السلاح الحقيقي القذائف وحدها، وإنما المعلومات التي أحسن استخدامها فكانت أقوى وأكثر تأثيراً من الأسلحة النارية.

يرسم المؤلف ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع

من آيديولوجيا الخنادق إلى براغماتية الدولة

ينتقل الربيع إلى رسم ملامح القيادة السورية الجديدة من خلال رحلاته المتكررة إلى دمشق ولقاءاته المطولة مع الرئيس أحمد الشرع داخل القصر الجمهوري.

لكن التحدي الأكبر لرؤية طموحة كهذه يبقى داخلياً: كيف تطمئن الأكثرية السنية دون إثارة قلق الأقليات؟ الربيع يرى أن الشرع أدرك في دمشق أن نموذج إدلب لا يمكن نسخه استنساخاً على سوريا كلها. العاصمة بتنوعها الديني والطائفي والاجتماعي والثقافي تشكل صورة مكثفة لتعقيدات البلاد. معادلة الأكثرية والأقليات اهتزت بعنف مع أحداث الساحل والسويداء، ما وضع الشرع أمام امتحان أخلاقي وتاريخي. كان جوابه أن «الدولة تنظم الاختلاف وتمنع إدارة التوحش»، حيث عقلية الدولة تعني الاعتراف بالتعقيد لا تبسيطه، والفصل بين حق الضحايا في العدالة وبين خطر تحويل العدالة إلى انتقام جماعي. وعنده أن بناء الدولة لا يقوم على الانتصار العسكري وحده، بل على صوغ جديد للعلاقة بين السلطة والمجتمع، تقوم على المؤسسات والقانون والمساءلة، لا على عاطفة اللحظة أو منطق الثأر.

العلاقة مع لبنان

يفرد الربيع فصلاً كاملاً تحت عنوان «الخروج من إرث العلاقات اللبنانية - السورية» يحمل نبرة شخصية عميقة. كصحافي لبناني عاش طويلاً تحت وطأة وصاية دمشق على بلده، يكتب بدهشة عن تحول الخطاب في دمشق الجديدة. فالشرع يعلن تطلع سوريا إلى علاقة ندية طبيعية بين دولتين جارتين، تقوم على المصالح المتبادلة واحترام السيادة الكاملة، مع رفضه أن تستخدم الجماعات والأحزاب اللبنانية سوريا للاستقواء بها في صراعاتها الداخلية.

في هذا المشترك، يجد البلدان مصلحة وجودية في التعاون، لا في الصراع. ويخلص الربيع إلى أن القضايا العالقة بين بيروت ودمشق لم تعد شأناً ثنائياً فحسب، بل عقدة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والسياسة والتوازنات الإقليمية. لبنان الذي كان مُلهمَ المعارضات العربية وملجأَ المعارضين السوريين لعقود، يمكن أن يتحول اليوم إلى منصة فعلية في عملية إعادة إعمار سوريا، وأن يبني معها شراكات استراتيجية في الاقتصاد والتجارة والخدمات. والعبرة أن تجربة لبنان، بما فيها من أزمات وصدامات طائفية، تحمل دروساً يمكن لسوريا أن تستفيد منها: احترام التعددية، والسعي إلى حياة سياسية ديمقراطية، وترسيخ منطق التسوية بين الجماعات بدلاً من منطق الغلبة وفق معادلة «لا غالب ولا مغلوب».


محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني
TT

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

محاولة علمية لفكّ معضلة الفضاء السيبراني

عن دار «أركاديا للنشر والتوزيع»، في تونس، صدر مؤخراً كتاب: «الزّمن الميدياتيكي... معضلة الفضاء السيبراني»، للباحث التونسي الدكتور عبد الله الزين الحيدري، ويقع في 226 صفحة. ويمثّل الكتاب رحلة فلسفية وعلمية تبحث في كيفية تحول الفضاء الرقمي من مجرد وسيلة اتصال إلى بيئة فيزيائية موازية، لها زمنها الخاص، وجاذبيتها، وقوانينها التي تعيد تشكيل الوعي الإنساني. كما ينطلق الكتاب من أطروحة مركزية مفادها بأن «الزمن» لم يعد مجرد وعاء للأحداث، بل أصبح متغيراً فيزيائياً واتصالياً يتشكل عبر الشاشات والخوارزميات.

يتكون الكتاب من ثلاثة فصول رئيسية، تتناول التحولات العميقة لمفهوم الزمن وتأثيرات الفضاء الرقمي على الوعي الإنساني؛ حيث يتناول الفصل الأول، بحثين، الأول بعنوان: «موضوع الزمن في بحوث الإعلام والاتصال»، حيث يفكك مشكلة الزمن في أدبيات الاتصال، ومعضلة «الزمن الحاضر»، وموضوع «الزّمن في بحوث الإعلام».

أما البحث الثاني في هذا الفصل، فيحمل عنوان: «من الزّمن الأدبي إلى الزّمن الميدياتيكي»، وفيه يتتبع تطور مفهوم الزمن وانتقاله من الزمن الشعري إلى الزمن الميدياتيكي ثمّ الزمن السيبراني اللحظي.

بينما يركز الفصل الثاني على: «الزمن اللولبي والاستقطاب السيبراني»، ويسلط الضوء على الظواهر السلوكية والسياسية الناتجة عن إدمان الإنترنت، وزمن «القبيلة السيبرانية»، وزمن «الذباب الإلكتروني»، وظاهرة «ما بعد الحقيقة»، بالإضافة إلى دراسة المكونات الأنطولوجية للشبكات الرقمية الفاعلة.

الفصل الثالث، يحمل بحثين هما: «الوعي المنغمس والثقوب السوداء الرّقميّة»، ويتناول موضوعات مثل: الوعي المنغمس، والثقوب السّوداء الرّقميّة، والزّمن المشوّه. أما البحث الثاني فيحمل عنوان: «الزّمن الغائر: نحو بناء فيزياء رقميّة»، ويقدّم هذا الفصل مقاربة مبتكرة تسعى لبناء «فيزياء رقمية» لتفسير الفضاء السيبراني؛ عبر إسقاط مفاهيم فيزيائية كونية كـ«الزمن الغائر»، و«القوّة والجاذبيّة: أنطولوجيا الفضاء السيبراني»، و«القوّة الخامسة»، و«شياطين الأنتروبيا السيبرانية» على آليات عمل الشبكة واستهلاكها لوعي المستخدم ووقتِه.

ما الذي يصنع الزّمن؟

في مقدمة الكتاب، يتساءل المؤلف: ما الذي يصنع الزّمن حين لا تعود الساعة وحدها ما يقيسه؟ وفي إجابته يلاحظ أن هذا الكتاب «ليس كتاباً عن الزّمن، وإنْ لاح الزّمن العنصر الأبرز في عبورنا من فصل إلى فصل، ولا هو كتاب عن الميديا، على الرّغم مما قد يوحي به عنوان الكتاب». ويوضح أن محور البحث في هذا الكتاب هو «الزّمن الميدياتيكي».

وفي مكان آخر يقول المؤلف: «إذا كان سؤال (الوجود) قد ارتبط في تاريخه الفلسفي الطويل بمقولات الحضور والثبات والتعيّن في المكان، فإنّ هذا السّؤال يواجه اليوم شروطاً مغايرة لإثارته، ذلك لأنّ (الوجود) لم يعد يُختبر فيما هو قائم ومتحقّق، إنّما فيما هو جارٍ، متدفّق ويتكوّن باستمرار داخل مجرّات ميدياتيكيّة تُعيد تنظيم العلاقة بين الزّمن والتجربة والمعنى. والميديا كما ورَد توصيفها في عَملنا، ليست مجرّد منظومة تقنيّة من الوسائط، بقدر ما نراها بُنى زمنيّة - إدراكيّة تدير إيقاع الظهور والاختفاء، والحضور والغياب، والقرب والبعد».

ويقول: «لقد سَلَكنا هذا المسار لنبيّن أنّ الزّمن الذي نعالجه، ليس زمناً فيزيائيّاً ولا سيكولوجيّاً فحسب، إنّه، في المقام الأوّل، زمن سيبرني تتشكّل أليافه داخل شروط ميدياتيكيّة تصنع طرائق الوجود. إنّه باختصار شديد صيغة وجود».

ويضيف: «يصبح تفكير الفضاء السيبراني ممكناً في اتجاه الكفّ عن اعتباره تمدّداً تكنولوجيّاً فاحشاً؛ لأنّ جوهر التقنية في بنيته العميقة، كما يصرّح بذلك هايدجير، ليس تقنيّاً. من هنا، تنكشف حقيقة جديدة لحقل فيزيائي - سيبرني، يستدعي مفهوميّة مغايرة، ويؤسّس لإمكانية فيزياء لا تكتفي بوصف المادّة، بل تُصغي إلى ما يَصنع الوعي حين يَسقط في مدار الجذب الرّقمي».

ويكمل قائلاً: «لا يعني أنّنا سنتجاوز القوانين الفيزيائيّة، أو أنْ نُجبر الفيزياء على الانسجام مع طبيعة الفضاء السيبراني. إنّ همّ هذا الكتاب، على العكس من ذلك، يتمثّلّ في استخدام لغة الفيزياء لفكّ معضلة الفضاء السيبراني. ومن ثمّ، يُصبح ممكناً التفكير في بناء فيزياء رقميّة تكون جسراً مفاهيميّاً وعلميّاً يُدمج المبادئ الفيزيائيّة مع عالم التكنولوجيا والمعلومات ككيان أصبح جزءاً لا يتجزّأ من تجربتنا اليوميّة ومعرفتنا. غير أنّ هذا المشروع لا يمكن أن يتحقّق إلا من بوّابة الفلسفة».

والمؤلف، د. عبد الله الزين الحيدري، هو باحث تونسي في علوم الإعلام والاتصال، يعمل في قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم، بجامعة قطر. وله عدد من الدراسات المنشورة، بينها: «الإعلام الجديد النظام والفوضى»، و«مصفوفة المفاهيم والمصطلحات في مقدّمة ابن خلدون»، و«الصورة والتلفزيون، بناء المعنى وصناعة المضمون»، و«الزّمن: مقاربات وشهادات» (تأليف جماعي)، وغيرها.


«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية
TT

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

«دون أثر يُذكر»... امرأة غير مرئية

صدر حديثاً عن «دار المحرر» في القاهرة رواية «دون أثر يُذكر» للروائية والصحافية المصرية نسرين البخشونجي، التي صدر لها من قبل المجموعات القصصية: «بعد إجباري» و«تفاصيل» و«باليرينا»، وروايات: «غرف حنين» و«اتجاه عكسي» و«عطرشاه».

تدور الرواية حول «ليلى»، الشخصية المركزية التي تعاني اغتراباً وجودياً، وأزمات نفسية، وتشعر أنها غير مرئية من كل المحيطين بها، سواء في أسرتها أو حياتها أو مسارها المهني الذي لم يتحقق كما كانت تطمح، وقد تذوقت مرارات الفقد أكثر من مرة، بدءاً من طفولتها حين فقدت والدتها، مروراً بفقد حبيبها الأول في أثناء دراستها الجامعية، وصولاً إلى فقد ذاتها، وتحول حياتها إلى متاهة، لا استقرار فيها ولا ثوابت، وتعيش بإحساس مُمضّ أنها تمضي في الحياة دون أثر يُذكر.

ورغم زواجها من رجل يحبها، وسفرها إلى مدينة أوروبية، فإن إحساس التيه انتقل معها إلى أسرتها الجديدة ومكانها المغاير، فأساس أزمتها يكمن في مدينتها الساحلية الهادئة، التي عاشت فيها مرحلة طفولتها ومراهقتها، فاضطرت بعد سنوات في أوروبا للعودة إلى مكانها الأول بحثاً عن مصالحة ذلك العالم القديم، ومصالحة ذاتها بشكل أكبر، وبحثاً عن غفران للماضي؛ أن تغفر لمن خذلوها، وأن تغفر لنفسها أيضاً ما ارتكبته من أخطاء.

الرواية قصيرة، أقرب إلى نوفيلا، وتتكون من ثلاثة فصول رئيسة، كل منها يتكون من عدة وحدات سردية. يأتي السرد في الفصل الأول باستخدام ضمير الراوي العليم، الذي يحكي عن «ليلى» من الخارج، ومن زمن وجودها في أوروبا، ثم قرارها المفاجئ العودة إلى الماضي. ويستعيد الراوي عبر كثير من الاسترجاعات ماضي الشخصية وما ينطوي عليه من توترات. في الفصل الثاني يتحول السرد إلى ضمير الأنا، وتتولى «ليلى» عبر التداعي الحر حكي تاريخها ومشاعرها ووعيها وأزماتها. وينفتح الفصل الثالث على تعدد الرواة، وتأتي كل وحدة سردية منه بصوت من مروا في حياة البطلة: الأب، والجدة، والصديقة، والزوج، وغيرهم. ويكشف كل منهم عن ضعفه وأزماته، لتبدو في الأخير كل الشخصيات مأزومة وتائهة، فكل منهم كانت تحركه مخاوفه وهواجسه الخاصة، خصوصاً الخوف من ألا يكون كل منهم مرئياً.

من أجواء الرواية نقرأ:

«آدم، رافقني في كل مراحل المتاهة، دون أن أستدعيه، هو يعرف تماماً متى يجب أن يكون إلى جواري، وكأني متأصلة داخله مثل علامة ولادة خفية لا يراها أحد سواي. ورغم ذلك، أنا الذي خذلته. أول مرة حين تصورت أن الطموح أهم، وأن الحب لا يطعم القلب، ولا يعترف بالمستقبل، ولا يبني حياة. وثانية حين قررت أن أختبئ في حضنه، عندما أدركت فداحة ما فعلته. كان حينها عقلي مشوشاً، وروحي محبوسة في جسد لم يعد نقياً. لكنه، وللعجب، لم يعطني ظهره، بل استقبلني فاتحاً ذراعَيه. لم يتجنبني، لم يحاكمني، لم يسألني لماذا غبت، لماذا عدت وبداخلي جثة امرأة كنتها. هادئ، وديع، طيب، يحب بصمت، يغفر بغير مقابل...».