رئيس تركيا السابق يتذكر مراحل علاقته مع إردوغان

عبد الله غُل: لم أحلم يوماً بأن يكون بلدنا كما هو اليوم

 غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
TT

رئيس تركيا السابق يتذكر مراحل علاقته مع إردوغان

 غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)
غل واروغان يقترعان في أحد الانتخابات في البرلمان (الشرق الأوسط)

يصدر قريباً عن دار «نوفل» كتاب للزميل ثائر عباس «يبحث في ذاكرة الرئيس التركي السابق عبد الله غُل»، ليؤرخ لمرحلة وصول حزب «العدالة والتنمية» إلى الحكم في تركيا، ويتحدث عن تفاصيل «الصعود والهبوط التركي»، من خلال مقابلات أجراها مع الرئيس غُل، ولقاءات مع كثيرين من المحيطين به من مسؤولين فاعلين كانوا إلى جانبه خلال الفترة المذكورة، وصولاً إلى مغادرته السلطة.

في الفصل الأخير من الكتاب الذي تنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات منه، ينشر الكاتب حواراً مع الرئيس غُل يتحدث فيه عن خيبة أمله من الواقع الذي أصبحت عليه البلاد. يقول غُل: «رؤيتي كانت لتركيا ديمقراطيّة بنظام برلماني ودولة قانون ومعايير عالية قانونيّاً واقتصادياً. هي الآن بعيدة جدّاً عن هذا، هذه ليست تركيا التي حلمنا بها. هناك حكم شخص واحد في تركيا، فإذا قام بعمله جيّداً تذهب تركيا في الاتّجاه الجيّد، وإذا قام بعمل سيّئ تذهب في هذا الاتّجاه. لا أريد أن ألوم أحداً؛ لكنّ رجلاً واحداً لا يستطيع القيام بكلّ هذا. التاريخ يقول هذا، وليس مفاجئاً أنّ نظام حكم الرجل الواحد لن يحمل النجاح ولا السعادة للشعب التركي».

غلاف الكتاب (الشرق الأوسط)

يضيف رداً على سؤال: «لقد أعلنت صراحة أنّني ضدّ النظام الرئاسي عندما بدأ البحث فيه... رئيس الجمهوريّة الحالي هو صديقي، ولهذا كنت أتمنّى له النجاح في قيادة البلاد؛ لكن التجربة أثبتت أنّ هذا ليس صحيحاً وغير مفيد له ولا للوطن. وقد تحدّثت إليه بهذا الشأن كثيراً، وأعلنت ذلك للرأي العامّ. لم يكن ذلك منبعه أي مشكلة شخصيّة، ولا اعتبارات شخصيّة لديّ؛ لكنني أدرس التاريخ السياسي وأعلم ما يعنيه هذا».

قدم للكتاب الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، عمرو موسى، الذي عاصر العلاقات العربية - التركية. ولعل أكثر ما قاله دلالةً في تقديمه للكتاب، كان عند مقاربته لـ«الاختلاف الشديد» بين رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب إردوغان ومصر. يجزم موسى بأنّه «لم يكن خلافاً شخصيّاً؛ بل كان خلافاً استراتيجيّاً إقليميّاً رئيسيّاً كبيراً. تأكّد ذلك عندما زرت تركيا مع رئيس الوزراء العراقي الأسبق إياد علّاوي، ورئيس الوزراء اللبناني الأسبق فؤاد السنيورة، ورئيس الوزراء الأردني السابق طاهر المصري، ورئيس مجلس العلاقات العربيّة والدوليّة بالكويت الأخ محمد جاسم الصقر».

ويضيف: «لقد لاحظنا، إذ التقينا الرئيس غُل والرئيس إردوغان والوزير داود أغلو، أنّ الخطّ السياسي المتوتّر حاضرٌ مع الجميع، ولكن اختلف التناول الرقيق من جانب غُل عن التناول القاسي من جانب إردوغان، مع التناول (الحيران) للوزير أحمد داود أوغلو».

وهنا مقتطفات من فصول الكتاب:

غُل - إردوغان... الخلاف الصامت

مثّل إعلان الرئيس التركيّ عبد الله غُل في كلمته أمام البرلمان خلال افتتاح دورته التشريعيّة في عام 2013، أنّه «سيستمرّ في خدمة الشعب والمواطن ما دام يستطيع فعل ذلك»، أول إعلان مُضمَر لصراع خفيّ مع رئيس الحكومة رجب طيّب إردوغان. فالتباينات في السابق بقيت قيد الكتمان، رغم أن التقديرات في الخلافات كانت قائمة، وكان أبرزها صمت غُل في مواجهة التحرّكات الاجتماعيّة، على غرار مظاهرات متنزه «جيزي بارك» في إسطنبول، التي تعاملت خلالها الشرطة بعنف مع المتظاهرين.

والاختلاف على إتاحة مساحة حرّية للشعب يؤكّد المقاربات المختلفة بين الرجلين. ففي احتفال قومي، سمح غُل بمظاهرة في أنقرة، بينما كانت الحكومة ترفض ذلك، وصرّح غُل بأنّه هو من أعطى التعليمات بدخول المتظاهرين إلى ضريح أتاتورك، وانتهت المظاهرة بسلام، وهذا أثار حفيظة إردوغان، ليصرّح بأنّه كيف يمكن لبلد أن يدار برأسين؟ ويقول أحد مساعدي غُل إن هذا «أظهر حكماً أنّ هناك جنوحاً نحو التفرّد بالقرارات، ومحاولة فرض رأي واحد على السلطة في تركيا، الأمر الذي انتهى لاحقاً بابتعاد غُل عن المشهد السياسي، منعاً لأن يجد إردوغان من يقول له: (لا)، أو: (تمهّلْ)».

شهدت العلاقة بين عبد الله غُل وإردوغان سلسلة من المواقف المتباينة والمختلفة. ولعلّ أبرزها كانت المواقف من الحروب التي لاحت في الأفق بعد 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وأهمّها حرب العراق. يومها كان إردوغان رئيساً للحزب، ولكن لم يكن عضواً في الحكومة ولا في البرلمان. وكانت تلك الحادثة أول اختبارات العلاقة بين الطرفين، وبداية التباينات التي قامت على أساس مقاربات مختلفة. والتباين لم يُحصر بالمسألة السورية، والنظام المستقبلي الرئاسي في تركيا، وربما الموقف من الدول العربيّة والأجنبيّة.

تعود العلاقة بين غُل وإردوغان إلى أيّام الدراسة التي جمعتهما، فهما من الجيل نفسه، وفارق العمر بينهما قليل (ثلاث سنوات ونصف سنة). خلال الفترة التي كان فيها إردوغان رئيساً لبلديّة إسطنبول الكبرى، كان ينشط سياسياً مع رفاقه ضمن الاتّجاه الإسلامي، ومنهم عبد الله غُل الذي كان أوّل من زاره في سجنه.

على الرغم من الصداقة التي تجمع بين غُل وإردوغان، فإن هذا لا ينفي اختلاف وجهات النظر بينهما، لا سيما في التصوّرات والرؤى حول قيادة تركيا، داخليّاً وإقليميّاً ودوليّاً. غير أنّ التباينات لم تشكّل حواجز شخصيّة وسياسيّة بين الطرفين، يمكن القول إنّ من جعل العلاقة بين غُل وإردوغان بهذه السلاسة هو عبد الله غُل نفسه. يقول المستشار أرشد هورموزلو: «عبد الله غُل بطبيعته شخص هادئ جدّاً، لا يمثّل طبيعة الصراع في أفكاره، وإنما يفضّل الإقناع قبل كلّ شيء، والدعوة إلى قضايا حضاريّة».

في السنوات العشر الأولى من وصول «العدالة والتنمية» إلى الحكم، كانت العلاقة طيّبة بين عبد الله غُل ورجب طيّب إردوغان. عندما كان إردوغان رئيساً للحكومة وغل وزيراً للخارجيّة كانت هناك تباينات بينهما؛ لكنهما لم يصطدما، وكانا يتّفقان على الأمور الأساسيّة. لكن بعد ذلك حدث تغيير، وأصبح إردوغان أقوى، ووظّف قوّته في السياسة. ومنذ عام 2014 أصبح غُل أكثر حذراً في علاقته مع إردوغان لعدم إظهار التباين بينهما.

في عام 2013 قال غُل لإردوغان إنّه لن يترشّح لرئاسة الجمهوريّة إن كان هو يطمح للمنصب، ولكنّه لن يترك السياسة، وتوقع الناس أن يصبح غُل رئيساً للوزراء؛ لكنّ إردوغان لم تكن لديه النيّة لذلك «لأنّه كان يريد حكم البلاد بمفرده»، كما يقول أحد المقرّبين من غُل. غير أنّ غُل لو أصبح رئيساً للحكومة في ذلك الوقت، لما استطاع حكم البلاد كما يريد؛ لأن إردوغان يميل إلى الأحاديّة في السلطة، كما يقول حزبيون في «العدالة والتنمية»، وهو ما أدّى لاحقاً إلى تشظِّي الحزب في عام 2020. في تلك المرحلة، ما كان غُل بوارد تحدِّي إردوغان لأنّه صديقه ولا يزال، كما أنّه لا يريد أن ينشب الصراع داخل الحزب فتقع الملامة عليه.

يقول مطّلعون على معرفة بالرئيسين إنّه عندما كان عبد الله غُل وزيراً للخارجيّة في الحكومة حتى عام 2007، كان لديه تأثير قوي وفعّال على القرارات المتّخذة. وكلّما كان إردوغان يقوم بأمرٍ يتخطّى فيه الحدود، كانت لديه القدرة على إيقافه.

وهكذا عندما كانت تُسنّ القوانين، كان يتم إبلاغه، فيطلب إجراء تغييرات في البرلمان، ولكنّ القليل من الناس يعرفون ذلك، إذ يعتقد معظم الناس أنّ غُل كان يضع ختم الموافقة على معظم القوانين من دون مخالفتها. إلا أنّه كان يفعل ذلك بفاعليّة حتى لا يحصل أي خلاف علني بين الرئيس والحكومة.

وعندما كان يحين موعد التعيينات، كان غُل يبدي رأيه في الأشخاص المطروحين خلال مرحلة التحضير للمسوّدة، حتى لا يُضطرّ إلى استخدام حق النقض على قرار تعيينهم. وكان يعمل على تدخّله في الوقت المناسب حتى يتم تعيين الأشخاص الأكثر جدارة.

ويجزم المصدر بأنّ غُل «مارس سلطاته الرئاسيّة على الحكومة بطريقة غير علنيّة، تجنّب فيها حصول أي نوع من الخلاف العلني، وكان ذلك حتى عام 2014».

وأتت قضيّة الفساد التي طالت أربعة من وزراء حكومة إردوغان عام 2013، في الأحداث المعروفة باسم 17 و25 ديسمبر (كانون الأول)؛ حيث طالت عمليّة أمنيّة أبناء وزراء ورجال أعمال مقرّبين من حزب «العدالة والتنمية»، الأمر الذي عدّته الحكومة محاولة انقلابيّة من «الكيان الموازي» (الاسم الذي تطلقه الحكومة التركيّة على جماعة الداعية فتح الله غولن)، وعملت لاحقاً على الدفاع عن الوزراء ومنع محاكمتهم في المحكمة الإداريّة العليا، وفرضت قوانين جديدة شملت مناقلات لقادة أمنيين محسوبين على جماعة غولن. وعلى الرغم من سعي إردوغان لإجبار الوزراء المتورّطين على الاستقالة، بدل استدعائهم للاستجواب في البرلمان وتشكيل حكومة جديدة، فإنه كان مصرّاً على الاحتفاظ بأحد الوزراء المتورّطين، وهو وزير شؤون الاتّحاد الأوروبي إغمن باغيش، ومع تدخّل غُل امتنع عن تسميته في الحكومة الجديدة.

- سوريا... اللقاء الذي فجّر العلاقات بين دمشق وأنقرة

ساد الظنّ في المنطقة أنّ تجربة التوتّر العسكري على الحدود السورية – التركيّة في عام 1998، انطوت إلى غير رجعة. لكنّ اندلاع الاحتجاجات في سوريا في مارس (آذار) 2011، وتعامل النظام معها بواسطة الحلّ الأمني، ثمّ الحلّ العسكري، بدّل المعادلات، وأعاد خلط الأوراق في علاقة الطرفين التي بدأت بالتشقّق في ربيع 2011، وانكسرت في صيف 2011، إثر زيارة وزير الخارجيّة التركيّة آنذاك أحمد داود أوغلو إلى دمشق، ولقائه مع الرئيس السوري بشار الأسد لمدّة 6 ساعات ونصف ساعة.

اتّسم اللقاء بالتوتّر، وهو واحد من الأخطاء الاستراتيجيّة التي حصلت، من وجهة نظر الرئيس عبد الله غُل الذي كان ميّالاً إلى إرسال مستشاره أرشد هورموزلو، بدلاً من أحمد داود أوغلو، مبعوثاً يحمل الرسالة التركيّة إلى الأسد، قبل أن يستقرّ الخيار على أوغلو الذي يوصف بالمتشدّد، والمقرّب من رئيس الحكومة التركيّة آنذاك رجب طيّب إردوغان، ما أدخل علاقات البلدين في مرحلة جديدة من التأزّم، أدّت عبر مسار السنوات التسع من الأزمة السورية إلى تدخّل تركيا مرّة أخرى عسكريّاً، وبشكل مباشر، داخل الأراضي السورية. وقال غُل مجدداً إنّه «لو كان أرسل مستشاره بدلاً من داود أوغلو... لربما كنا رأينا شيئاً مختلفاً في الأزمة السورية، أعتقد أنّه كان من الممكن أن يقنع الأسد بشكل أفضل».

عندما بدأت المظاهرات في مصر وتونس، وصلت الأحداث إلى سوريا، وبدأ الشعب السوري يتّجه إلى التظاهر بدوره، وبدأت الأحداث من درعا. ولكن في سوريا كان ثمّة اختلاف. الجماهير التي كانت تحتشد في مصر وتونس واليمن كانت ترفع شعار: «الشعب يريد إسقاط النظام»، ولكن في سوريا كانت المظاهرات تنادي بأنّ «الشعب يريد إصلاح النظام». فلذلك، يرى غُل أنّه كان من الممكن التعايش مع السلطة، بالانتقال إلى نوع معيّن من الديمقراطيّة، خصوصاً بعدما وقعت أحداث درعا.

بدأ الأتراك يتحدّثون مع الأسد حول التطوّرات، ولطالما قالوا له إنّه يجب أن يأخذ المبادرة في قسم من الإصلاحات التي تُطمئن الشعب، وإنّ المبادرة يجب أن تتمّ بشكل فوري لإصلاح الوضع؛ لأن الخيار الآخر هو تدخّل الآخرين، وإن حدث فسيكون أي شيء يقدّمه متأخّراً وقليلاً جدّاً ولن يكون مفيداً. قد يضطرّ إلى تقديم تضحيات أكبر فيما بعد.

يتذكّر غُل: «كنا نتحدّث وكان يرسل إلينا بعضاً من مستشاريه، وبينهم ممن هم معه حاليّاً، وكنت أدلي أمامهم ببعض الأفكار. إلا أنّ المسار ذهب بشكلٍ مختلف تماماً، وبدأ القمع باستخدام السلاح والبراميل المتفجّرة، ما أثار الشعب كلّه». قدّم غُل مقترحات غير مباشرة للأسد، ضمن سياق الحديث عن موضوع الانتخاب الحرّ، وعن الحياة الحزبيّة والانتخابات، من ضمنها إطلاق سراح كثيرين من الموقوفين بقرار رئاسي.

في أغسطس (آب) قرّر الرئيس التركي أن يبعث مندوباً شخصيّاً، ورسالة لعلّها الأخيرة، إلى الرئيس بشّار الأسد، في محاولة لرأب الصدع؛ لأن الأمور بدأت تتطوّر وتتحوّل إلى صراع مسلّح، فكتب رسالة مؤثّرة ذكر فيها مرئيّاته، وطلب من مستشاره أرشد هورموزلو أن يصوغ الرسالة بالمفهوم نفسه باللغة العربيّة، بالنظر إلى أنّ غُل كان يتصوّر أنّ الرئيس بشّار الأسد شخصيّاً سوف يقرأها، إذا سُلّمت له باليد من المبعوث الشخصي، وسيقرأ حتماً الصيغة العربيّة.

يذكر هورموزلو أن مسارات نقل الرسالة التي تلاها تهشّم العلاقات التركيّة – السورية. يقول: «كان توجّه الرئيس أن أنقل أنا هذه الرسالة إلى الرئيس بشّار الأسد، وأن أتحدّث معه شخصيّاً بهذه الأفكار، وبلُغته. ولكن في اللحظات الأخيرة، طلب الدكتور أحمد داود أوغلو وزير الخارجيّة آنذاك، بما أنّه يدير هذا الملفّ، أن يقوم هو بحمل الرسالة، وطلب من الرئيس بشكل شخصي أن يكون هو الشخص الذي يحمل هذه الرسالة».

ذهب وزير الخارجيّة أحمد داود أوغلو إلى دمشق، وكان اللقاء الذي استمرّ 6 ساعات ونصف ساعة. وكما أذيع في وسائل الإعلام، انفجر داود أوغلو غضباً بوجه الأسد، وعامله بطريقة فوقيّة أثارت غضب الأخير، فأنهى الاجتماع. يقول المستشار: «أتصوّر أنّ ما سمعه الرئيس بشار الأسد وما حدث في ذلك اللقاء كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير للأسف».

من وجهة نظر تركيّة، ظهر أنّه كان هناك صراع في سوريا بين جهات معيّنة ترى الانفتاح، وجهات أخرى تدعو إلى التشدّد، لدرجة أنّ الرئيس السوري قرّر أن يلقي خطاباً في البرلمان، وانتظر الأتراك هذا الخطاب باهتمام كبير. يتذكّر هورموزلو أنّه في تلك اللحظات «هيّأنا جهاز التلفزيون في المكتب الملاصق لمكتب الرئيس؛ لأن كبار المسؤولين كانوا سيطّلعون على محتوى الخطاب عندما يُترجم ويُنشر، ولكن كنت معهم وأترجم لهم الخطاب بصورة فوريّة».شعر الموجودون بخيبة أمل؛ لأنّهم كانوا يتوقعون أن الرئيس سيفصح عن مفاجأة كبيرة تريح جميع الأطراف، ولكن قيل له إنّه كان هناك خطاب جيّد، بالمفهوم الذي كان الأتراك ينتظرونه، وقد تمّ تغييره في اللحظات الأخيرة. يقول غُل: «هذا ما سمعناه، وأتصوّر أنّ الموضوع قد يكون صحيحاً؛ لأن الرسائل الإيجابيّة التي كانت تصل من دمشق عن الخطاب تحوّلت إلى نوع من التشدّد، وهذا يعني أنّ الخطاب أصابته أصابع التغيير من الجهة المتشدّدة، أي الصقور الموجودين في محيط الرئاسة».


مقالات ذات صلة

ترحيب طرابزون بمحمد صلاح عبر إعلان ترويجي يثير تفاعلاً في مصر

رياضة عربية الفيديو الترويجي انتشر بشكل واسع بين المستخدمين المصريين على منصات التواصل الاجتماعي (الفيديو الدعائي)

ترحيب طرابزون بمحمد صلاح عبر إعلان ترويجي يثير تفاعلاً في مصر

وسط أجواء عائلية تركية، ظهر النجم المصري محمد صلاح في إعلان ترويجي لنادي طرابزون سبور، تجاوز التقديم الرياضي التقليدي للاعبين، ليحمل طابعاً درامياً.

محمد عجم (القاهرة )
رياضة عالمية قرار صلاح اختيار طرابزون سبور مفاجأة كبيرة (أ.ب)

كيف صدم طرابزون سبور عمالقة تركيا وجعل محمد صلاح «منقذ البحر الأسود»؟

بدأ كل شيء برسالة نصية خلال كأس العالم. كان أرطغرل دوغان، رئيس طرابزون سبور، يتابع منتخب مصر عندما أمسك هاتفه وأرسل إلى مدرب الفريق: «كابتن، هل تريد صلاح؟.

«الغارديان الرياضي» (طرابزون)
رياضة عالمية محمد صلاح (إ.ب.أ)

34 مليون يورو تنقل محمد صلاح إلى طرابزون سبور لموسمين

انتقل النجم المصري محمد صلاح رسمياً الخميس إلى طرابزون سبور التركي بتوقيعه عقداً لموسمين، بعد تسعة أعوام حافلة، وتسعة ألقاب أحرزها بألوان ليفربول الإنجليزي.

«الشرق الأوسط» (اسطنبول)
رياضة عالمية محمد صلاح (أ.ف.ب)

محمد صلاح لجماهير طرابزون: هل أنتم مستعدون؟

وصل المصري محمد صلاح إلى إسطنبول اليوم الأربعاء مع اقتراب انضمامه إلى طرابزون سبور المنافس في الدوري التركي الممتاز لكرة القدم

«الشرق الأوسط» (أنقرة )
أوروبا غوتيريش يتوسط الطرفين في مطار نيقوسيا القديم بالمنطقة الفاصلة بين شطري قبرص (أ.ب)

قبارصة يقسمهم توحيد الجزيرة ويجمعهم عدم التعويل على السلام

فشلُ جهود السلام برعاية الأمم المتحدة على مدى عقود في قضية قبرص يجعل كثيرين غير متفائلين بالمحاولة الجديدة، وغير مكترثين حتى بزيارة أنطونيو غوتيريش...

«الشرق الأوسط» (فماغوستا (قبرص))

«كتارا» تعلن قائمتها لأفضل 9 أعمال في جائزة كتارا للرواية العربية

سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
TT

«كتارا» تعلن قائمتها لأفضل 9 أعمال في جائزة كتارا للرواية العربية

سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)
سجلت الجائزة في هذه الدورة رقماً قياسياً هو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014 (كتارا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر (كتارا) عن قائمة الـ9 لأفضل الأعمال المشاركة في الدورة الثانية عشرة لجائزة كتارا للرواية العربية.

وأعلنت «كتارا» الأعمال التسعة الفائزة في فئات «الروايات المنشورة، والروايات غير المنشورة، وروايات الفتيان غير المنشورة، والروايات التاريخية غير المنشورة، والرواية القطرية المنشورة، والدراسات النقدية غير المنشورة»، البالغ مجموعها 45 رواية و9 دراسات نقدية مؤهلة للفوز بجائزة كتارا للرواية العربية.

وسجلت في هذه الدورة الجائزة رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو الأعلى منذ إطلاقها عام 2014، إذ ضمت قائمة الـ9 لفئة الروايات المنشورة روائيين من 6 دول عربية.

وتصدرت مصر القائمة بـ3 روايات، تلتها السودان بروايتين، ورواية واحدة من كل من السعودية والجزائر وسوريا والأردن. وضمت القائمة الخاصة بفئة الرواية المنشورة رواية «معزوفة اليوم السابع» لجلال برجس (الأردن)، و«آشا الجعران والقمر»، لسمر نور (مصر)، و«مجانين أم كلثوم»، لشريف صالح (مصر)، و«رأيت ما لا يجوز لك»، لطارق الطيب (السودان)، و«سبدلا»، لعبد القادر الجاسم (سوريا)، و«بخلاف ما سبق»، لعزت القمحاوي (مصر)، و«مزامير التجاني»، لمحمد فتيلينه (الجزائر)، و«يداي لا ترتجفان»، لمها اليمني (السعودية)، و«حصار الغزالة واو»، لمهند رجب الدابي (السودان).

أما قائمة الـ9 لفئة الروايات غير المنشورة فقد اشتملت على روائيين من 8 دول عربية، تصدرت فلسطين القائمة بروايتين، ورواية واحدة من كل من السعودية، ومصر، والجزائر، واليمن، وسوريا، والأردن، وتونس.

وتأهلت رواية «موسيقى جنائزية في ديار العجزة» للروائي المصري إيهاب نجاني، ومن تونس، رواية «عرش الريح» لحسن سامي، ومن الجزائر، رواية «قد نلتقي» لسارة سليني، ومن سوريا، رواية «مدينة الماضي» لسامر محمد إسماعيل، ومن الأردن، رواية «الأطلسي... دستور من خاطره» لشاكر خلف قاسم المكل، ومن اليمن، رواية «الطسم- نقش على رماد الممالك» لمحمد محمود الشويع، ومن السعودية، رواية «الصوت الذي لم يبلغه زرياب» لناصر العماري، ومن فلسطين، رواية «المخيم» لنسرين القيسي، ورواية «للموت يوم آخر» لهدى المشهراوي.

وتضم قائمة الـ9 لفئة روايات الفتيان غير المنشورة روائيين من 4 دول عربية، تصدرت مصر والجزائر القائمة بعدد 3 روايات لكل دولة، تلتها المغرب بعدد روايتين، ورواية واحدة من اليمن.

وشملت هذه القائمة؛ رواية «الخالة» لإيمان مرسي (مصر)، و«أجنحة تكسر الظلام»، لجلول رفيق (الجزائر)، و«خيّاط طولقة»، لخديجة تلي (الجزائر)، و«شهرزاد في بلاد الوقواق» لمحمد دادي عدون (الجزائر)، و«الهدهد» لمحمد زكريا عبد الفتاح (مصر)، و«نظارة شمسية» لمنال الجراش (اليمن)، و«الولد الذي أنقذته الكتب» لمنير السرحاني (المغرب)، و«مملكة الحجر» لهاني القط (مصر)، و«زقاق الغربال» ليونس الديدي (المغرب).

وتضم قائمة الـ9 لفئة الدراسات النقدية غير المنشورة نقاداً من 5 دول عربية. تصدرت مصر والمغرب القائمة بـ3 دراسات نقدية لكل دولة، ودراسة واحدة من الأردن، وفلسطين، واليمن.

وشملت هذه القائمة دراسة «تقويض الاستشراق في الرواية التاريخية العربية المعاصرة: قراءة ما بعد كولونيالية في نماذج مختارة» للدكتورة أسماء رأفت عليان (الأردن)، و«الرواية العربية المعاصرة في ضوء النقد الجيني: من المخطوط الورقي إلى الرقمي (دراسة في مسودات رقمية)»، د. الحسن أيت العامل (المغرب)، و«الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما- رواية مصاطر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، د. أمل يونس محمد إرحيم (فلسطين)، و«الرواية العربية على عتبة التطور دراسة في التحقيق من منظور المصطلح النقدي التصنيفي»، د. حميد الكتاني (المغرب)، و«الرواية في مواجهة ذاتها، تمثيل الكتابة في الرواية المغربية»، د. عبد الرحيم الإدريسي البوزيدي (المغرب)، و«فلسفة الصورة السردية وتمثيلاتها في رواية دفاتر الوراق»، د. فوزي علي صويلح (اليمن)، و«سرديات الذكاء الاصطناعي في الرواية العربية: بين صناعة النص وتفكيك الإنسان»، محمد أبو الخير ستو (مصر)، و«شعرية الوثيقة وسرديات التحول: نماذج مختارة من الرواية القطرية المعاصرة (دراسة في ضوء التاريخانية)»، محمود ربيع سمرة (مصر)، و«تمثلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي»، د. محمود فرغلي علي موسى (مصر)

وبالنسبة لقائمة الـ9 لفئة الروايات التاريخية فهي تضم روائيين من 5 دول عربية، تصدرت مصر القائمة بعدد 5 روايات، ثم رواية واحدة من كل من الجزائر والمغرب وتونس واليمن.

وضمّت القائمة رواية «منابت الجوع»، أحمد عامر (مصر)، «جابر بن حيان»، أحمد محمد المحفلي (اليمن)، «حين يُظلم العالم»، أحمد محمد أبو النجا (مصر)، «حين تكلّم النّاجي ما بين الصّفتين»، بشير توهامي (الجزائر)، «البيّة قمر (أكلة رؤوس بايات تونس)»، خديجة التومي (تونس)، «يويا»، سامح علي (مصر)، «قبل أن يطلع الفجر، رجال الظل القاهرة 1941»، صبري محمد أمين (مصر)، «أولاد الولي»، عبد العلي عالمي (المغرب)، «غروب الكازار»، نهى فهيم (مصر).

وبالنسبة لفئة الرواية القطرية، فإن عدد الروايات المشاركة في جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة بلغ نحو 11 رواية، وسيتم اختيار فائز واحد لهذه الفئة.


«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي
TT

«التحول الكبير»... رسالة لطفية الدليمي المفتوحة على المستقبل

لطفية الدليمي
لطفية الدليمي

يصدر كتاب «التحوّل الكبير: أفكار لعالم آتٍ» بعد رحيل مترجمته ومقدمته الروائية والكاتبة والمترجمة العراقية الكبيرة لطفية الدليمي، فكأنه كتابها الأخير ورسالتها التي تركتها مفتوحةً على المستقبل. لقد أنجزته وهي تدرك، على الأرجح، أن المعرفة لا تتوقف عند حدود العمر، وأن الكتاب يستطيع أن يصل إلى قارئه حتى بعد غياب صاحبه؛ ولذلك فإن نشره اليوم لا يمثّل إضافة جديدة إلى رصيدها الغني فحسب إنما يحمل أيضاً معنى الوفاء لكاتبة اقترن اسمها طوال أكثر من نصف قرن بالكتابة والحرية والفضول المعرفي والدفاع عن حق الإنسان في التفكير.

رحلت لطفية الدليمي في عمّان في الثامن من مارس (آذار) عام 2026، بعد يوم واحد من بلوغها السابعة والثمانين، تاركةً وراءها منجزاً واسعاً توزّع بين الرواية والقصة والمسرح والدراسة والمقالة والترجمة. ولم تكن وفاتها غياباً لروائية عراقية بارزة فحسب إنما لشخصية ثقافية نادرة استطاعت أن تجمع بين حساسية المبدعة، ودقة المترجمة، وشغف الباحثة، وصلابة المثقفة المدافعة عن المرأة والحرية المدنية.

منذ مجموعتها القصصية الأولى «ممرّ إلى أحزان الرجال» عام 1970، شقّت لطفية الدليمي لنفسها طريقاً متفرّداً في السرد العراقي. لم تتعامل مع المرأة بوصفها موضوعاً اجتماعياً جاهزاً، ولا بوصفها ضحيةً صامتة، بل جعلتها ذاتاً تفكر وترغب وتقاوم وتعيد بناء عالمها الخاص وسط عالم مضطرب. وفي أعمال مثل «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«بذور النار» و«حديقة حياة» و«سيدات زحل» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مشروع أومّا»، تتداخل الذاكرة الفردية بالتاريخ العراقي، ويصبح مصير المرأة مدخلاً إلى مساءلة الحرب والمنفى والعنف والمدينة والسلطة والخراب.

غلاف الكتاب

لم تكن رواياتها منفصلة عن أسئلتها الفكرية؛ فقد ظلّت لطفية الدليمي تكتب كما لو أن الرواية مختبرٌ للمعرفة، وأن الخيال ليس نقيضاً للفكر إنما أحد أكثر أشكاله عمقاً؛ ولهذا انتقلت بحُرية بين السرد والفلسفة والعلوم وتاريخ الحضارات وقضايا المرأة، من غير أن ترى بين هذه الحقول حدوداً مغلقة. كانت تؤمن بأن الثقافة الحقيقية تنشأ عند تقاطع المعارف، وأن الكاتب لا يستطيع فهم الإنسان إذا عزل الأدب عن تحولات العلم والتقنية والمجتمع.

وتكشف ترجمتها الأخيرة «التحوّل الكبير» عن هذه الروح بأوضح صورها. فهو يضم مجموعة منتقاة من المقالات والدراسات المترجمة عن الإنجليزية، كتبها علماء وفلاسفة وروائيون ومفكرون معاصرون، وتدور حول أسئلة الذكاء السردي، والثورة الصناعية الخامسة، والذكاء الاصطناعي، والوعي، والفيزياء، والاقتصاد، ومستقبل الجامعات، والحرية، والحظ، والكتابة، ومعنى الحياة الجيدة. لا تجمع هذه النصوص أطروحة مغلقة، بل يجمعها القلق المعرفي والرغبة في إعادة النظر في المسلّمات.

لقد كتبت لطفية الدليمي في تقديمها لهذا الكتاب أن القراءة نوعان: قراءة تلبي حاجة وظيفية عابرة، وقراءة تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم. وكانت ترى أن كتابها ينتمي إلى النوع الثاني، فهو لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله: الكتابة في نظرها ليست وسيلة لتوزيع الأجوبة إنما طريقة لتوسيع السؤال وزعزعة اليقين وتدريب العقل على الشك الخلّاق.

أما الترجمة، فلم تكن عند لطفية الدليمي عملاً موازياً للكتابة أو نشاطاً ثانوياً في مسيرتها. كانت جزءاً جوهرياً من رؤيتها الثقافية. لقد نظرت إليها بوصفها فعلاً لاستضافة الأفكار داخل العربية، وتوسيعاً لحدود المكتبة والقارئ معاً. ومن خلال ترجماتها نقلت أعمالاً في الرواية والفلسفة والعلوم والنقد والدراسات المستقبلية، من «بلاد الثلوج» لياسوناري كاواباتا و«ضوء نهار مشرق» لأنيتا ديساي و«من يوميات أناييس نن»، إلى كتب كولن ولسون وتيري إيغلتون وستيفن هوكينغ ونك بوستروم وبول ديفيز ومارتن ريس، فضلاً عن مختاراتها من حوارات كبار الروائيين والعلماء والفلاسفة.

كانت تختار ما تترجمه وفق حاجة ثقافية واضحة، لا وفق شهرة الاسم وحدها؛ فقد انشغلت بأسئلة الرواية الحديثة، والعلاقة بين الأدب والفلسفة، والثقافتين العلمية والأدبية، ومستقبل الإنسانية، والذكاء الاصطناعي، والتحولات المعرفية الكبرى؛ ولهذا تبدو ترجماتها، عند قراءتها اليوم، أجزاءً من مشروع واحد متكامل: إدخال القارئ العربي إلى النقاش العالمي المعاصر، مع الحفاظ على وضوح اللغة وكرامة الفكرة.

ارتبطت لطفية الدليمي بدار المدى بعلاقة ثقافية وإنسانية طويلة، ولم تكن بالنسبة إليها مجرد مؤلفة أو مترجمة تتعاقد الدار على نشر كتاب لها. كانت واحدة من الكتّاب الذين أسهموا في تكوين هوية المدى ومشروعها الثقافي. وقد احتفت بها الدار ككاتبة ومترجمة ومثقفة عراقية كبيرة، وحرصت على نشر كتبها وإعادة طباعة أعمالها السابقة، لتبقى متاحة للأجيال الجديدة من القرّاء.

أعادت المدى تقديم أعمالها السردية والفكرية والترجمية، من «عالم النساء الوحيدات» و«من يرث الفردوس» و«موسيقى صوفية» و«شريكات المصير الأبدي»، إلى «مسرّات النساء» و«إذا كنت تحب» و«عشّاق وفونوغراف وأزمنة» و«مملكة الروائيين العظام» و«عصيان الوصايا» و«إضاءة العتمة» و«كاليدوسكوب» و«مشروع أومّا» و«آفاق لا نهائية» و«كراساتي الباريسية» و«بعيداً عن ضوضاء العالم»، إلى جانب عدد كبير من ترجماتها. وهكذا لم تحتفِ المدى باسمها في مناسبة عابرة، بل عملت على حفظ مشروعها الأدبي والمعرفي كاملاً، ونشره وإعادة طباعته وإيصاله إلى القارئ العربي.

الكتاب لا يعد القارئ بحلول نهائية، وإنما يدعوه إلى مرافقة الأسئلة. وربما كانت هذه العبارة خير تلخيص لمشروعها كله

يأتي كتاب «التحوّل الكبير» اليوم ليواصل هذه العلاقة حتى بعد رحيلها؛ ففي هذا الكتاب نسمع صوتها في الاختيار، وفي ترتيب الموضوعات، وفي ملاحظاتها التي تسبق النصوص، وفي اللغة التي تمنح الأفكار المعقّدة وضوحاً من دون أن تسلبها عمقها. إنها حاضرة فيه بوصفها مترجمة، ولكنها حاضرة أيضاً بوصفها قارئةً كبيرة تقود قارئها إلى الكتب والأسئلة التي رأت أنها جديرة بالبقاء.

لم تتمكن لطفية الدليمي من رؤية هذا الكتاب مطبوعاً، لكن الكتاب يحمل أثرها كاملاً. وربما كان من العزاء أن يكون آخر ما يصل منها إلى القراء كتاباً عن العالم الآتي فهي التي أمضت حياتها تنظر إلى ما وراء اللحظة، وتبحث عن المعرفة القادرة على مقاومة العزلة والخوف واليقين. لقد رحلت الكاتبة، لكن الأسئلة التي اختارتها ما زالت حية، والكتب التي كتبتها وترجمتها ما زالت تفتح نوافذها على العالم.

وبنشر هذا الكتاب، تودع دار المدى واحدةً من أبرز كاتباتها ومترجماتها، لا بكلمات الرثاء وحدها، بل بالطريقة التي تليق بها أكثر هو أن تضع كتابها بين أيدي القرّاء، وأن تترك صوتها يواصل الحديث إليهم. إنه كتابها الأخير، لكنه هديتها الأثيرة لي شخصياً؛ فقد وجدتها خير من يضعني في قلب الحاضر واستشراف المستقبل من خلال ترجمة كتاب يجعلني أقرب إلى ما يرتقي بي معرفياً إلى مستوى فهم القفزات العلمية والإبداعية في كل الميادين التي جعلت عالمنا مفتوحاً على تحقيق أكبر قفزة في تاريخ العلم والتكنولوجيا والمعرفة الإنسانية، مواجهة تحدي عقل الإنسان ومخلوقاته المثيرة والمريبة... ثورة الذكاء الاصطناعي ومآلاته...!

كأنّها أدركت أن لقاءنا الأخير إنما هو وداعٌ أبدي، وهي تُقبِل بشغفٍ على إعداد وترجمة التحول الكبير!


إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم
TT

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

إدارة فلسطين... مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم

يُعدّ كتاب توفيق الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم»، الصادر عن «مشروع بريطانيا وفلسطين» (Britain Palestine Project)، مهماً في البحث التاريخي الرصين والتحليل السياسي. ويكمن إنجازه المحوري في استعادة سؤالٍ طالما أزاحته لغاتُ الدبلوماسية والأمن والتنمية والضرورة الإنسانية: مَن يمتلك السلطة الشرعية لتقرير مستقبل فلسطين السياسي؟

ينطلق الغصين من مفارقةٍ حاسمة: فلسطين لم تفتقر يوماً إلى الإدارة. فقد جرى إحصاء الفلسطينيين وتصنيفهم وتسجيلهم ومسحهم وتمثيلهم وتهجيرهم وإغاثتهم والتفاوض بشأنهم بكثافةٍ استثنائية. أمّا ما حُجِب عنهم فهو الاعتراف بهم مصدراً للسلطة التي تُمارَس على أرضهم وحياتهم. إنهم حاضرون في كل موضعٍ من السجلّ الإداري، لكنهم قلّما يظهرون بوصفهم الذات السياسية صاحبة الحق في القرار. لقد جُعِلوا مرئيين بوصفهم «سكّاناً»، وظلّوا في الوقت نفسه غيرَ مرئيين سياسياً بوصفهم شعباً صاحب سيادة.

هذا التمييز بين الإدارة والسلطة هو ما يمنح الكتاب تماسكه اللافت. ينتقل الغصين من مذكّرة هربرت صمويل عام 1915 ووعد بلفور، مروراً بانتداب عصبة الأمم، وتحطيم المؤسسات الفلسطينية التمثيلية، ونشوء «منظمة التحرير الفلسطينية»، ومسار أوسلو، وحوكمة المانحين، والإدارة الإنسانية، وصولاً إلى تدمير غزة في زمننا الراهن. ويكشف كيف أنّ أحداثاً يفصل بينها عادةً التسلسلُ الزمني والاختصاصُ المعرفي والمفردات إنما تنتمي إلى بنيةٍ واحدة متصلة: سلطةٌ تُمارَس على الفلسطينيين في حين يظلّ مصدرها خارجاً عنهم.

ويبلغ الكتاب ذروة أهميته حين يقرأ المؤلف الوثائق الرسمية على نحوٍ يناقض ادّعاءاتها الحياد. فالمذكّرات والتصريحات والإحصاءات وتقارير اللجان والقرارات القانونية والخرائط وبطاقات التموين وأنظمة التصاريح... لا يعاملها الغصين بوصفها سجلّاتٍ محايدة ساكنة، بل أدواتٍ يُنظَّم بها الواقع السياسي. يسأل: مَن يُسمَّى، ومَن يُعترَف به، ومَن يُمثَّل، ومَن يُختزَل إلى مجرّد فئة؟ وتأتي مناقشته للانتداب نافذةً حادّة؛ إذ تُشكَّل جماعةٌ واحدة بوصفها ذاتاً سياسية ذات مؤسسات معترَف بها وغايةٍ قومية، في حين تُصاغ الأغلبية العربية عبر التجريد، بوصفها «سكّاناً» أو «طوائف» أو «شرائح من السكّان». وليس هذا الإغفال عرضياً، بل هو ما يؤسّس التمييزَ الذي يقوم عليه النظام الأوسع.

وتكمن قوّة الحجّة في بيان كيف تصمد هذه البنية أمام كل تبدّلٍ في المفردات. فالمذكّرة تصبح إعلاناً، والإعلان يصبح انتداباً، والانتداب يصبح أمراً عسكرياً، والأمر العسكري يصبح تصريحَ مرور، ثم يفسح تصريحُ المرور المجال، لاحقاً، لمعايير المانحين، وأُطر إعادة الإعمار، وعتبات المجاعة، وقواعد البيانات، وسياسات ضبط المحتوى. تغدو المصطلحات أكثر تقنيةً وأكثر إنسانيةً في الظاهر، في حين تبقى العلاقة الكامنة على حالها دون تغيير.

وتُعدّ معالجة الغصين للعمل الإنساني من أهمّ إسهامات الكتاب. فهو لا يشكّك في ضرورة الإغاثة، وإنما يبيّن كيف تُترجَم الحقوق إلى احتياجات. فشعبٌ يطالب بالحرية السياسية يصير «سكّاناً» بحاجة إلى المساعدة، ويصير سلبُ الأرض والملكية «حالة طوارئ» تُدار. وتبرز غزة بوصفها فضاءً مُداراً يُحسَب فيه البقاءُ على قيد الحياة ذاته بالسعرات الحرارية وحمولات الشاحنات والسجلّات والعتبات المؤسسية. وتزداد الآلةُ دقّةً كلما تراجع الاعتراف السياسي.

وتمتدّ الحجّة بالقوّة ذاتها إلى المجال الرقمي. فالشهادة الفلسطينية تحكمها منصّاتٌ تقرّر ما يجوز أن يُرى أو يُتداوَل أو يُبحَث عنه أو يُحذَف. وتغدو الرؤية ذاتها مسألةً إدارية. فأنظمةٌ خاصة بالترتيب الخوارزمي وضبط المحتوى والتصنيف، تكتسب القدرةَ على تحديد ما إذا كانت التجربة الفلسطينية ستظلّ متاحةً للذاكرة العامة.

وتتّسم لغة الكتاب بالوضوح والانضباط والدقّة الأخلاقية. يكتب الغصين بتحفّظٍ متعمَّد، تاركاً للسجلّ الوثائقي أن يفضح العنف المتواري خلف مصطلحاتٍ مثل «التنسيق» و«الحوكمة» و«إعادة الإعمار» و«الأمن» و«الوصول الإنساني». والحصيلة ليست مجرّد تاريخٍ لفلسطين، بل تشريحٌ للمؤسسات واللغات التي تُظهر القوّةُ الخارجيةُ من خلالها نفسَها بوصفها ضروريةً ومحايدة.

يقدم كتاب توفيق جويد الغصين «إدارة فلسطين: مسألة السُّلطة التي لم تُحسَم» مساهمة مهمة في حقل الدراسات الفلسطينية والقانون الدولي ودراسة الإمبراطورية. فهو يبرهن أنّ المشكلة الجوهرية ليست مجرّد الاحتلال، أو سلب الأرض، أو انعدام الدولة، وإن كانت تشمل هذه الثلاثة جميعاً، بل هي السؤال غير المحسوم: مَن يملك الحقّ المعترَف به في اتخاذ القرار؟

* أكاديمية فلسطينية