شاشة الناقد: فيلم سعودي أصيل وأميركي هزيل

من «مندوب الليل» (مهرجان البحر الأحمر)
من «مندوب الليل» (مهرجان البحر الأحمر)
TT

شاشة الناقد: فيلم سعودي أصيل وأميركي هزيل

من «مندوب الليل» (مهرجان البحر الأحمر)
من «مندوب الليل» (مهرجان البحر الأحمر)

فيلم سعودي أصيل، فيلم أميركي هزيل مع استعادة لفيلم حول الكومبيوتر الذي قد يشعل حرباً نووية

مندوب الليل ★★★★

إخراج: علي الكلثمي | درما | السعودية | 2023

أحد المشاهد التي تمرّ على العين غير الخبيرة، ذلك الذي يضع فيها المخرج الكاميرا عالية عن مستوى الأرض تصوّر سيارة بطل الفيلم فهد (محمد الدوخي) وهو يبتعد بسيارته في ظلمة الليل في شارع يمتد أمامه طويلاً. هناك في نهاية الشارع ظل رجل لا علاقة للفيلم به، ظلّه مرسوم على الأرض تحت ضوء الطريق. لن تمر السيارة به، فاللقطة هي لبداية تحرّك السيارة ومصممّة لكي توحي وليس لتتحدّث.

الحديث والإيحاء يتناوبان هنا جيداً. في لقطة أخرى ينتظر فهد في شقة في طابق علوي. تنطلق الألعاب النارية في سماء المدينة (الرياض) ويستدير لينظر إلينا وإليها معاً. ليس من السهل كتابة وصف هنا لكن سأحاول: أول ما يستدير صوب النافذة الكبيرة. تقطع الكاميرا لوجهه فنجده يحدّق بها. تلتقطه من الخلف ها هو يحدّق. مدهوشاً، بتلك الألعاب التي تبدو كما لو كانت تحتفي به. أو هكذا سيشعر لحين، فتوقيت المشهد مرتبط بأول عملية بيع كحول مهرّبة ينفّذها.

الطريق التي أوصلته إلى هذا المشهد ليست طويلة لكنها حافلة. هو شاب طيّب نراه يعمل في مطلع الفيلم في شركة اتصالات هاتفية، وبعد قليل يُطرد من العمل. لديه أب معتلّ وشقيقة تطلّقت من زوجها تعيش في البيت مع ابنتها الصغيرة، وهو يعيل العائلة بكاملها. يجد عملاً مندوباً لتوصيل البيتزا. لكنه ينتبه إلى أن هناك من يوصل طلبات الكحول فيقرّر سرقة المكان وبيع الكحول على حسابه. ذلك المشهد المذكور يمثّل نجاحه الأول من اثنين قبل أن يكتشف أنه وضع نفسه وعائلته في خطر.

الفيلم ليس قصّة بوليسية، لكنه قصّة تشويقية، والتشويق فيه مُحكم من البداية باستثناء جزءٍ سيأتي ذكره. فيلم متقن كتابة وإخراجاً وتوليفاً وتصويراً وتمثيلاً مصمّم بدقة. مُعالج بدراية، وفعّال في عرض التفاصيل التي بيّنها المشهد الأول المشار إليه لكنها منسابة على كل مشاهد الفيلم بلا تلكؤ أو هفوات. الفيلم نتيجة رائعة لعملية لا بدّ استغرقت الكثير من التصميم المسبق والتنفيذ.

نعم، هو أيضاً عن رجل القاع يجد من رياض الأزقة نفسه في الرياض الجديدة. المباني الشاهقة. الأضواء. الرفاهية التي يعيش فيها البعض. لكن ذلك لا يتحوّل إلى رسالة اجتماعية. هو إيحاء وجودٍ لكنه ليس رسالة. مضمون ينساب بلا تعليق. عميق الدلالات التي لا تحتاج لحوارات توضح أو مشاهد مبنية على أساس استنساخ الواقع. كل ما تريده من فيلم جيّد بأسلوب عمل عالمي اللغة، تجده فعلاً في هذا الفيلم.

بداية الفيلم هي الناحية التي أجدها ضعيفة. مشهد سيُعاد تقديمه لاحقاً لفهد وهو في كرنفال مع ابنة شقيقته قبل أن يتلقى اتصالاً فينطلق لتلبيته. حين إعادة عرض هذا المشهد نفهمه كاملاً، لكنّ تقديمه في المرّة الثانية هي المناسبة توقيتاً ودرامياً. الأولى لا تعدو سوى محاولة لجذب المُشاهد إلى وضع ما، ينصرف عنه في المشهد الثاني (دخوله مكتب العمل) مما يجعله يبدو محشوراً.

تمثيل محمد الدوخي جيد جداً في بساطة تلقيه وإلقائه. لكن العلامة الأكثر تميّزاً هي للتصوير الذي قام به أحمد الطاحون، ليس سهلاً التصوير في الليل إذا كان لديك موضوع على كل شيء في تلك العتمة أن يبرز بأدواته (سيارة، مدخل منزل، شارع... إلخ) وبمعانيه حين تكون بمثابة الكيفية التي على تلك الأدوات أن تشكل الحكاية وعمق مدلولاتها.

* عروض مهرجان البحر الأحمر

REBEL MOON PART TWO: THE SCRGIVER ★

إخراج: زاك سنايدر | أكشن | الولايات المتحدة | 2024

حال يتولى الحوار القول بأنه من المستحيل تحقيق الانتصار في المعركة المقبلة، أغمض عينيك واستمتع براحة نفسية واثقاً من أن النبوءة لن تتحقق.

إنها إسطوانة مشروخة كغيرها. رغبة صانعي الفيلم في إثارة شكٍّ وخوفٍ وترهيبٍ. فقط الذين لم يشاهدوا فيلماً من قبل سيصدّقون أن هذا الوعد صادق، وهذا الوعيد سيتحقق وسينتصر الشّر على الخير في النهاية. الباقون موجودون من باب الفضول أو لملء فراغٍ يدركون أنه لن يُملأ.

«قمر متمرد 2» (نتفليكس)

في النصف الأول من هذا الفيلم يجمع المحارب القديم تايتوس (جيمون هاونسلو) المزارعين حوله ليقِصّ عليهم، ومن خلالهم علينا، حكايات عمّا حدث معه عندما تم غزو بلاده (فوق كوكب ما) من قِبل مجرمين ومحاربين أشرار مسلّحين بما لا يملكه وشعبه من أدوات حرب، وإلقاء القبض عليه. يحمل الرجل شعوراً بالذنب لأنه فضّل الحياة على الموت عندما خيّروه بينهما.

مستمعوه يصغون إليه ويهزّون رؤوسهم معاً. يهمهمون معاً ويوافقون معاً. مع مطلع النصف الثاني يهيم بمستمعيه أن يهبوا لمقاومة الغزاة: «تسلّحوا بكل بندقية وسكين». نعم؟ ضد مركبات فضائية مسلّحة تستخدم الليزر؟ بندقية وسكين؟ ماذا عن «مدقّة» ثوم... ألا تنفع؟

خِطب رئيس البلدة تشبه تلك التي ألقاها الممثل بلاك بوزمان في «بلاك بانثر» لرايان غوغلر والمزارعون، الذي يهيب بهم رئيس بلدتهم وحاكمهم الدفاع عن أرضهم يشبهون مزارعي «الساموراي السبعة» لأكيرا كوررساوا. الفيلم بأسره يبدو نتفاً مأخوذة من أكثر من مكان، لكن حين تقع الأحداث في مكان غير الأرض، وفي زمن من المفترض أن يكون غير زمننا، يبدو عجيباً أن حياة الفلاحين لم تتغير. أضف إلى هذه الخلطة ما استورده هذا الفيلم (من كتابة المخرج مع آخرين) من شخصيات تدور في محيط الأفلام الأولى من سلسلة «ستار وورز».

بعد خطبة السيد الرئيس يَطلب من بعض المجتمعين حوله سرد حكاياتهم الخاصّة. مرّة أخرى نجد أنفسنا في مشاهد «فلاشباك» تبتعد بنا عن الحدث الحاصل (على ضجره)، ثم تعود (بعد ضجر مماثل) إليه. لا يمنحنا الفيلم شيئاً عميقاً عن تلك الشخصيات، بل هي، والفصل بكامله، لأجل الاستماع وليس القبول.

لا يتحسّن الوضع إلا في نهاية الفيلم عندما تقع المعركة الفاصلة التي نعرف نتيجتها مسبقاً، كون أصحاب القضايا ينتصرون في كل مرّة في الأفلام التي هي على هذه الشاكلة. لكنه تحسّنٌ تقني لا يفضي إلى مفاد ما.

هذا هو الجزء الثاني من مسلسل من المفترض به أن يكون «فانتازيا من الخيال العلمي» كما أحب سنايدر وصفه. إذ تضع هذه المعلومة في مؤخرة رأسك وتتابع بعينيك فيلماً لا جديد فيه تدرك كم نحن محظوظون أن المخرج لم ينبرِ لتحقيق فانتازيا فعلية من الخيال العلمي مثل «Dune»، أو لم يُسند إليه تحقيق ثلاثية بيتر جاكسون البديعة «The Lord of the Rings».

لا أحد قال إن زاك سنايدر مخرج فنان ولا حتى منفّذ جيد، وهذا هو عذره الوحيد.

* عروض عالمية و«نتفليكس».

WARGAMES ★

إخراج: جون بادهَم | تشويق | الولايات المتحدة | 1983

بينما ترتفع التكهنات حول حرب نووية محتملة، يمكن للمرء العودة إلى بضعة أفلام حول الخطر الماثل في هذا الموضوع. هناك بالطبع فيلم ستانلي كوبرَك الساخر «دكتور سترانجلف» (1964) مثالاً بارزاً على مثل هذا الاحتمال، إلّا أن هناك أفلاماً أقل شهرة تناولت الموضوع نفسه ومن بينها «ألعاب حرب» للمخرج جون بادهَم.

«ألعاب حرب» (يونايتد آرتستس)

الفيلم هو عمّا يمكن أن يحدث فيما لو تدخلت التكنولوجيا نتيجة خطأ لتُنذر بهجوم نووي فوق الولايات المتحدة. عن سهولة وقوع مثل هذه الأخطاء (قيل إن 172 حالة من هذا النوع وقعت في الأشهر الـ18 التي سبقت إنتاج هذا الفيلم) واحتمالات عدم القدرة على تداركها والاندفاع بالتالي لتدمير هذا العالم الذي لا ملجأ للبشر سواه.

يحقق جون بادهَم في نظريات قابلة للتّصديق. بطله مراهق كومبيوتر (ماثيو برودريك) محترف شاب يعرف أسرار التكنولوجيا وكيف يسبر أغوارها ويتسلل إلى أي موقع يريد. في واحدة من المرّات التي عاين فيها موقعاً للعبة فيديو يكتشف أن اللعبة تحمل إنذاراً حقيقياً تبعاً لتمرد الكومبيوتر ورفضه الاستجابة لإيقاف اللعبة. النتيجة هي أن الكومبيوتر يلفّق وجود صواريخ نووية معادية في طريقها للولايات المتحدة.

ما بين احتمالات أن يكون ذلك صحيحاً يسارع الأميركيون لإطلاق السّلاح النووي على الاتحاد السوڤياتي. الفصول الأولى تمهيدية ومليئة بالحوار. الأخيرة أفضل. ليس بالفيلم الذي يمضي عميقاً فيما يعرضه، لكنه يؤدي ذلك القدر من واجب التحذير. مشاهدته اليوم تشي بأن كل الاحتمالات ما زالت على الطاولة، وقعت أو لم تقع.

* عروض منصّات مختلفة

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


مقالات ذات صلة

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

يوميات الشرق أحمد مالك متسلماً الجائزة من الرئيس الشرفي للمهرجان محمود حميدة (إدارة المهرجان)

جوائز «الأقصر السينمائي» تنحاز للقضايا الاجتماعية

انحازت جوائز المسابقة الرسمية للنسخة الخامسة عشرة من مهرجان «الأقصر للسينما الأفريقية» للقضايا الاجتماعية في مجمل اختياراتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «حفّار»... توم كروز كما يبدو في الفيلم (وورنر)

لقاء فريد بين نجمين لامعين... «حفّار» يجمع إيناريتو وتوم كروز

تفاصيل الحكاية في فيلمه الجديد «حفّار» غير واضحة بعد، لكنّ خيطها الأساسي يدور حول رجل عُرِف بأنه الأقوى في العالم...

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عرض الفيلم في النسخة الماضية من «مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية» (الشركة المنتجة)

إليزابيث راسموسن: نشأتي قرب الدائرة القطبية جعلت السماء جزءاً من هويتي

قالت المخرجة النرويجية، إليزابيث راسموسن، إن الشرارة الأولى للفيلم الوثائقي «نحن غبار النجوم» جاءت من قصة بدت لها في البداية أقرب إلى الحكايات الخيالية.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما «أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية»

محمد رُضا (لندن)
سينما «ذباب» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال.

محمد رُضا (لندن)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً