مهرجان «برلين» ينطلق وسط متاعب وتحديات

خلفيات مثيرة لمشاكل عديدة

 من «شاي أسود» (مهرجان برلين)
من «شاي أسود» (مهرجان برلين)
TT

مهرجان «برلين» ينطلق وسط متاعب وتحديات

 من «شاي أسود» (مهرجان برلين)
من «شاي أسود» (مهرجان برلين)

يبدو أن مهرجان «برلين» (الذي انطلق أمس الخميس) وقد بدأ يتعافى بعد سنتين من السعي للحفاظ على وضعه كأحد ثلاثة مهرجانات عالمية لا يجب تفويتها. إلى جانب «فينيسيا» (80 سنة)، و«كان» (77 سنة)، و«برلين» (74) هو المهرجان الذي وُلد ليشهد الكثير من المتغيّرات الفنية والسياسية على وجه التحديد.

كونه يقع في النصف الأوروبي الذي كان منشقّاً بين شرق وغرب جعله محطة لقاء فريدة في الستينات والسبعينات والثمانينات. الاتحاد بين شرق ألمانيا وغربها أضاف ثقلاً لهذا المهرجان الكبير، ولو أن هذا لم يمنع من انحسار تلك الأفلام النقدية التي طفحت الستينات والسبعينات بها شرقاً وغرباً.

هذا لا يعني أنه فقد بوصلته السياسية. هناك من المشاكل في هذا العالم ما يكفي دائماً لتطعيم الدورة الحالية بالمضامين السياسية، ولو بحدود، حتى لا تندرج كل أفلامه تحت بند واحد.

عريضة

حتى لو أراد برلين ترك السياسة، فإن السياسة لا تتركه.

رسالة من «العاملين في برلينالي» وُجّهت قبل يومين إلى إدارة المهرجان تطالبه بإعلان موقف حيال «ما يبدو إبادة جماعية للفلسطينيين»، وتطالب بموقف موحّدٍ مع القوى المناهضة للحرب الدائرة «متوافقاً مع قرار محكمة العدل الدولية». وقال العاملون في رسالتهم: «إن منصة عالمية كمهرجان برلين وكنحن، في مختلف أدوارنا من مبرمجين ومستشارين ومنفّذين (.....) وإلى جانب عاملين آخرين، نستطيع، وعلينا أن نستطيع، إيصال صوتنا ضد الهجوم على أرواح الفلسطينيين».

هذه رسالة قويّة في مضمونها وموقوتة ولا تهدّد بإضراب أو إحداث أي خلل في يوميات المهرجان المتوقعة. لكن ما تفعله هي أنها تلقي ظلالاً ثقيلة على الدورة، مناشدة إدارة المهرجان بأن «تدعو للسلام»، مشيرة إلى أن هذه المسؤولية تواكب «التزامات المهرجان السابقة التي منحت المهرجان مركزاً فريداً ومحترماً ضمن المشهد الثقافي».

مديرا المهرجان كارلو شاتريان وميرييت رايزنبيك (مهرجان برلين)

تأتي هذه المطالبة بعد أيام من سحب المهرجان دعوته لليمين المتطرّف لحضور حفل الافتتاح، لأسباب لا يزال بعض الإعلام الألماني يتساءل عن دوافعها الحقيقية، وفي مثل هذه الظروف.

لكن ما ذكر حتى الآن مقاطع مجتزأة مما حدث وبدأ بقيام المهرجان، قبل نحو أسبوعين من افتتاحه، بدعوة ممثلين عن منظمة AFD («البديل لألمانيا»، Alternative to Germany) لحضور افتتاح المهرجان، الأمر الذي استدعى اعتراضات عديدة. كون المنظمة المتطرّفة تمارس قناعات ونشاطات معادية للإسلام وللمهاجرين وللاتحاد الأوروبي على حد سواء.

إذ تراجعت إدارة المهرجان عن موقفها بعد أيام من تلك الدعوة، انقسم العاملون في بعض أركانها إلى معسكرين، واحد مع والآخر ضد.

ولم تدع رسالة العاملين في المهرجان (حملت 40 توقيعاً حتى ظهر يوم 14 من هذا الشهر) الفرصة من دون أن تحتج على إهمال الإدارة لهم وتجاهل استشارتهم في مثل هذا الموقف من البداية.

لكن هذه الرسالة تأتي بعد تراجع المهرجان عن دعوته لعناصر تلك المنظّمة وهذا التراجع تم بعد تسلمها رسالة مفتوحة وقّعها نحو 200 سينمائي ألماني يرفضون ما عدّوه تأييداً للمهرجان، عبر دعوته تلك، لسياسة تلك المنظّمة. تبع ذلك لقاء بين المديرين مارييت رايزنبيك وكارلو شاتريان مع العاملين في المهرجان حيث تمسكا بقرارهما وبرّراه؛ حسب اتصال أجراه هذا الناقد به، تبيّن أن التبريرات كانت ضعيفة وغير مقنعة.

على أن المهرجان، وإن ألغى الدعوة العامّة أبقى، بناء على طلب الحكومة الفيدرالية، على عدد محدود منها. أول من أمس (الأربعاء)، قامت رايزنبيك ووزيرة الثقافة كلوديا روث بتخصيص عدد محدد من الصحف الألمانية بمقابلات دافعتا فيها عن قرار المهرجان. لكن، وحسب بعض المقالات التي علّقت على تلك المقابلات، فإن ما أثار الاستغراب أن رايزنبيك ألقت المسؤولية على أكتاف الحكومة الفيدرالية التي أدت إلى هذه الفوضى السياسية.

«بذلك، أظهرت المديرة مدى غياب المبادئ من ممارسات المهرجان وسرعة تغييرها» كما ذكر أكثر من مصدر إعلامي.

كيليان مورفي في «أشياد صغيرة كهذه» (مهرجان برلين)

تاريخ دورات أنجح

كل هذا، والعديد من المناقشات الحادة بين مختلف موظّفي المهرجان والعاملين فيه من ناحية والمديرين راينزبيك وشاتريان من ناحية أخرى، سبق إرسال خطاب رسمي لـ«AFD» بسحب الدعوات المرسلة سابقاً.

هذا تم قبل يومين، وفي اليوم التالي خرجت وزيرة الثقافة بردٍ رسمي اعتبرت أن «المهرجان هو في النهاية يقرر من يدعوهم لحضور نشاطاته، ونحن نحترم هذا القرار».

المفاجأة هي أن إلغاء دعوة الحضور للافتتاح هذه الليلة لا يعني إلغاء كل الدعوات الأخرى لحفلات السّمر والاحتفاءات خارج النطاق الرسمي، رغم أن برنامج المنظّمة واضح من رغبته طرد كل المهاجرين حتى أولئك الذين وُلدوا في ألمانيا أو حصلوا على جنسيتها.

في كل الأحوال هذه الدورة هي الأخيرة لكل من مديريه شاتريان وراينزبيك وكل المحيط الثقافي والسينمائي في ألمانيا والعالم على قناعة من أن الدورات التي قاما بإدارتها كانت من أضعف دورات المهرجان في تاريخه.

بعض الكاريزما التي عرفها المهرجان عبر مديرين سابقين اختفت من عام 2019 وحتى الآن. في السبعينات تسلم وولف دونر إدارة سابقة دخلت في نزاعات. أسس لمهرجان رائع توزّعت أفلامه على شاشات في مختلف أرجاء المدينة. عرض دونر إقامة المهرجان في شهر فبراير (شباط) عوض عن إقامته في يناير (كانون الثاني)، وعندما لاقى موافقة أنجز دورتين متعاقبتين في غضون تسعة أشهر، وهما الدورة الأخيرة للمهرجان في الربيع (والأولى التي حضرتها بالنسبة لي) وأخرى في موعده الشتوي الذي ما زال يحافظ عليه.

خلفه في عام 1980 السويسري موريتز د هادلن، الذي بنى على النجاح السابق وأضاف إليه البريق الكبير جاعلاً منه منافساً قوياً لمهرجان «كان». عبر اتصالاته والإنفاق الكبير على نشاطاته وحفلاته أدخل د هادلن المهرجان في عصر جديد لم يعهده من قبل.

تلاه في المنصب دييتر كوزليك، وفي عهده استمر الاندفاع الكبير لمهرجان رفض أن يتراجع عن حضوره العالمي بوصفه إحدى أهم المناسبات الدولية الكبرى.

المشكلة بدأت عند تسلم شاتريان (الآتي من إدارته لمهرجان لوكارنو) الذي افتقد دفتر هواتف الأسماء الكبيرة في عالم السينما ورايزنبيك، التي أعلنت قبل أشهر عدّة من أنها لن تجدّد عقدها مع المهرجان.

في الواقع الحكومة هي التي طلبت منهما الاستقالة، الأمر الذي دفع شاتريان للطلب من سينمائيين يعرفهم تقديم عريضة تدعو الحكومة لإبقائه، لكن هذه العريضة (التي يُقال إنها جمعت 100 توقيع) لم تغيّر رأي الحكومة.

اشتراكات

تبدو الدورة الرابعة والسبعون (من 15 إلى 25 من الشهر الحالي) أفضل من سابقاتها، ربما لأن الثنائي الذي يريدها لم يشأ أن يترك الإدارة بصيت سلبي.

هناك 20 فيلماً في المسابقة من بينها فيلم الافتتاح «أشياء صغيرة كهذه» (Small Things Like These) الذي يجمع بين كيليان مورفي (بطل «أوبنهايمر») وإميلي واتسون (كلاهما سيحضران العرض). هذه دراما عن المعاملة القاسية التي مارستها إحدى كنائس آيرلندا على الراهبات «الخاطئات» التي دامت من عشرينات القرن الماضي و- للغرابة - حتى منتصف التسعينات.

من بين هذه المجموعة أيضاً، وللمرّة الأولى، ثلاثة أفلام أفريقية تشترك معاً في المسابقة وهي: «شاي أسود» للموريتاني عبد الرحمن سيساكو، و«لمن أنتمي» للتونسية مريم جوبور، والسنغالية ماتي دبوب بعنوان «داهومي»، وهو أحد فيلمين تسجيليين داخل المسابقة.

زوبعة في فنجان إيراني سببه قبول برلين بعرض فيلم يُقال إن الرقابة الإيرانية لم توافق عليه وهو «كعكتي المفضلة» للمخرجتين مريم مقدّم وبهتاش صناعية. بعد وصول الفيلم إلى لجنة الاختيار وقبوله، أصدرت المحكمة الإيرانية قراراً بمنع سفر المخرجتين لمواكبة فيلمهما.

بين المشتركين في المسابقة كذلك هونغ - سانغ سو الذي سبق له أن فاز ثلاث مرّات بجوائز من هذا المهرجان وهو حاضر هذه المرّة بفيلم «احتياجات مسافر» (A Traveler‪’‬s Needs) مع الفرنسية جولييت بينوش في البطولة.

هذه ستشهد احتفاءً تكريمياً بها كان تأجل من قبل عامين عندما لم تستطع الحضور.

والحديث عنها يقود للحديث عن الاشتراك الفرنسي والألماني والإيطالي الذي كثيراً ما يمتزج بعضه ببعض تبعاً للمشاركات الإنتاجية لهذه البلدان.

‫من بين هذه الأفلام «نهاية أخرى» (Another End) لبير مسينا (إيطاليا) و«كنز» (Treasure) لجوليا فون دونام (ألمانيا) و«زمن عالق» (Suspended Time) لأوليفييه أساياس (فرنسا) و«الإمبراطورية» لبرونو دومو (فرنسا).‬

الغياب الملحوظ هو من نصيب السينما الأميركية، وثمة رأيان في هذا المجال. الأول يقول إن الإدارة الحالية لا تملك مفاتيح هوليوود كما الحال مع «فينيسيا» و«كان». والثاني أن هوليوود لا تعير أهمية كبيرة على اشتراكها في المهرجان الألماني لأنه لا يخدم تسويقها كثيراً.

والأرجح أن السببين معاً صحيحان. هذا رغم أن شركة «نتفليكس» مشتركة عبر فيلم «رجل فضاء» (Spaceman)، من بطولة آدم ساندلر، ورغم وجود فيلم من إنتاج مستقل قام مهرجان «صندانس» الأميركي بعرضه في الشهر الماضي تحت عنوان «الحب يستلقي نازفاً» (Love Lies Bleeding).


مقالات ذات صلة

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

سينما تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور.

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق صوِّر الفيلم على مدار سنوات (الشركة المنتجة)

«80 صحافياً غاضباً»... وثائقيّ يرصد انهيار مؤسسة إعلامية مجرية

الرسالة الأساسية للعمل تتمثل في أن مواجهة هذه الضغوط تحتاج إلى التماسك الجماعي، وأن قوة أي مؤسسة أو مجتمع تكمن في القدرة على البقاء والاتحاد في مواجهة الأزمات.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق مشروع هيل ماري يكتسح عالمياً ويحتل المركز الثاني في شباك التذاكر السعودي (imdb)

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

دخلت صالات السينما في السعودية موسم عيد الفطر بإيقاع مرتفع، انعكس مباشرة على أرقام شباك التذاكر في أول أسبوع بعد شهر رمضان

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً


بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز