السينما تستعيد مواقعها التجارية التي فقدتها

فرنسا تأتي في المقدّمة أوروبياً

من «أوبنهايمر» (يونيفرسال)
من «أوبنهايمر» (يونيفرسال)
TT

السينما تستعيد مواقعها التجارية التي فقدتها

من «أوبنهايمر» (يونيفرسال)
من «أوبنهايمر» (يونيفرسال)

بدأت أرقام الإيرادات عمّا سجّلته صالات السينما وشركات الإنتاج تتبدّى منذ مطلع العام الحالي. الإقبال ارتفع هنا وانخفض هناك، أو ما زال على ما هو عليه في سوق ثالثة. لكن معظم الناتج، وكما تؤكد الأرقام، هو إيجابي ومهم ويدفع من تساءل في الماضي عمّا إذا كانت السينما دخلت مرحلة الاحتضار لتغيير موقفه.

الحقيقة، أن لا المنصّات الشرعية ولا غير الشرعية أثّرت على إيرادات السينما في الأسواق الكبرى. هي استفادت من انتشار الوباء وحملات التخويف التي سادته قبل ثلاث سنوات فامتدت ونشطت واستفادت. لكن صناعة السينما نفسها من تلك الصناعات الراسخة التي ما أن يبرز منافس لها حتى تلتف حوله وتستفيد منه. في واحد من أوجه تاريخ السينما مرورها بأزمات مختلفة (اليأس الاقتصادي في الثلاثينات، الحروب العالمية، اختراعات التلفزيون والفيديو ومن ثمّ المنصّات)، وفي كل مرّة تخرج نبوءات لا تتحقق تقترح بأن السينما تحتضر.

الأرقام لديها لغة خاصّة في هذا الموضوع. لغة لا تتحمّل النقاش. عندما يُعلن عن أن العروض السينمائية في فرنسا شهدت ارتفاعاً بيّناً في العام الماضي (2023)، عن ذاك المسجل في العام السابق له (2022)، فإن هذا برهان مؤكد على أن الأزمة تمر من تحت الجسر ولا تطمره.

ما حدث في فرنسا هو أن عدد التذاكر المباعة ارتفع في العام الماضي 19 في المائة عمّا كان عليه في العام السابق. عدد التذاكر المباعة ارتفع إلى 181 مليوناً و200 ألف تذكرة. بتحويل هذا الرقم إلى دولارات فإن الناتج مليار و400 مليون دولار.

بذلك، فإن فرنسا تقود حالياً الدول الأوروبية النشطة (مثل ألمانيا وأسبانيا وإيطاليا) بحجم إيرادات الأفلام المعروضة فيها. هذا على الرغم من أن النسبة المُشار إليها لا تزال أقل من تلك المسجّلة في الأعوام السابقة لسنة 2019 عندما انتشر الوباء.

في ألمانيا، فإن الإقبال ما زال أقل ممّا كان عليه سابقاً بنسبة 17 في المائة. وفي إسبانيا بنسبة 24 في المائة. أما في إيطاليا فالنسبة تبلغ 21‪.‬8 في المائة.

أميركا والعالم

واحدة من الأسواق التي ما زالت تعاني أكثر من سواها مما وقع في عام 2020 هي السوق الكورية التي كانت مع الصينية واليابانية، ضلعاً أساسياً في تلك المنطقة والتي عُدّت السوق الخامسة الكبيرة حول العالم.

الأرقام المعلنة، تشير إلى أن الإقبال على السينما (رغم ارتفاع عدد مشتري التذاكر في الشهر الأخير من السنة المنصرمة) لم يتجاوز الـ964 مليون دولار عن ذلك العام بأسره. هذا أقل بنسبة 44 في المائة عمّا كان حال الإقبال على صالات السينما في كوريا (الجنوبية طبعاً) سنة 2019. هذا على الرغم من ارتفاع عدد التذاكر المباعة في العام الماضي بنسبة 11 في المائة عمّا كان عليه في عام 2022.

علينا ملاحظة أنه في كل الأسواق المذكورة تلعب السينما الأميركية دوراً رئيسياً في الوضع التجاري المسجل على درجاته كافة. السينما الأميركية تقود أو تأتي، في بعض الأسواق، في المركز الثاني بين أعلى الإيرادات التي تسجلها الأسواق المحلية حول العالم.

الأفلام الأميركية بحد ذاتها هي الأعلى نجاحاً وإيراداً من أي سينما أخرى. هذا الوضع ساد قبل «كورونا» بعقود طويلة وخلاله وإلى اليوم.

وهذا ما يثير الانتباه إلى أن شركة «ديزني»، ولأول مرّة منذ عام 2015 فقدت ريادتها كأنجح شركة إنتاج وتوزيع حول العالم. الأرقام المعلنة حول نتائج 2023 بالنسبة للسينما الأميركية تفيد بأن شركة «يونيفرسال» هي التي قادت إيرادات السينما الأميركية في السنة الماضية حاصدة 4 مليارات و907 ملايين دولار.

الاستوديو الأول

الأفلام التي مكّنت «يونيفرسال» من تحقيق هذا الفوز هي «ذَا سوبر ماريو بروس موفي» و«M3GAN» و«أوبنهايمر». هذا الأخير (سجل حتى الآن 950 مليون دولار) يختلف عن الفيلمين الآخرين في أنه ليس مبنياً على قواعد تجارية محضة. ليس من صنع فانتازيات الكوميكس (مثل «ذا سوبر ماريو بروس موفي»)، ولا من الأجواء المخيفة كفيلم الطفولة القاتلة في «M3GAN»، بل سيرة حياة لرجل ذاع صيته لدى الأجيال الأخيرة تدريجياً إلى أن أعاده المخرج كريستوفر نولان إلى الواجهة.

«الحورية الصغيرة» (ديزني)

«ديزني» لم تتأخر كثيراً على أي حال. في العام الماضي عرضت 17 فيلماً (في مقابل 24 فيلماً لـ«يونيفرسال») وحصدت 4 مليارات و800 مليون دولار. أحد أنجح أفلامها كان «إنديانا جونز وقرص القدر» وفيلم المغامرات الولادية «الحورية الصغيرة» (The Little Mermaid). وحسب مجلة « فارايتي» المطّلعة، فإنها المرّة الأولى، ومنذ سنوات بعيدة، التي لا يحقق فيلم من إنتاجها الإيراد الأعلى بين الأفلام «السوبر» ناجحة. وهي على التوالي:

• «باربي» (وورنر) الذي سجل وحده ملياراً و400 ألف دولار.

• The Super Mario Bros‪.‬ Movie (يونيفرسال): سجّل ملياراً و300 مليون دولار.

• «أوبنهايمر» (يونيفرسال) الذي جمع 950 مليون دولار.

بمراجعة أرقام الأمس، يتبيّن هنا أن «ديزني» لأول مرّة منذ عام 2014 خسرت تحقيق إيراد يتجاوز مليار دولار عن أحد أفلامها أسوة بالأفلام الثلاثة المذكورة.

حقيقة أخرى، هي أن تبوأ فيلم «باربي» المركز الأول في الإيرادات الأميركية في العام الماضي لم يسعف «وورنر» إلا بحدود؛ إذ حلّت ثالثاً في القائمة، إذ بلغت مجمل إيراداته 3 مليارات و840 مليون دولار. تليها «سوني» في المركز الرابع (ملياران و94 مليون دولار) ومن ثَمّ «باراماونت» (ملياران و26 مليون دولار).

«أم 3 غان» (يونيفرسال)

بالعودة إلى فرنسا، لأهمية ما تعنيه سوقها ولصادرتها الأوروبية، فإن نصيباً كبيراً من التعافي والإيرادات المسجّلة يعود إلى عاملين شبه وحيدين: الأفلام الفرنسية والأفلام الأميركية. هناك بالطبع أفلام من كل بلد ونوع منتشرة في مئات الصالات المستقلة (وأحياناً الرئيسية أيضاً)، لكن السائد والجاذب الأكبر للجمهور موزع بين المستورد الهوليوودي والمنتج المحلي.

في النطاق الأميركي ارتفع عدد الأفلام الأميركية التي عُرضت في العام الماضي في السوق الفرنسية إلى 81 فيلماً مقابل 68 فيلماً في العام الأسبق. حسب «المجلس الوطني للفيلم» (CNC)، فإن هذا العدد ما زال أقل ممّا سجّل في السنوات السابقة للوباء؛ إذ بلغ ما معدّله 127 فيلماً أميركياً في العام الواحد.

نسبة التذاكر المباعة للأفلام الأميركية في 2023 بلغ 41‪.‬3 في المائة. نسبة التذاكر المبيعة للأفلام الفرنسية بلغ 39‪.‬8 في المائة، بما في ذلك الأفلام التي شاركت فرنسا في تمويلها (بصرف النظر عن حجم ذلك التمويل).

توب تن الأسواق

لا بدّ من الإشارة إلى أن السنوات القليلة الماضية منعت الكثير من الأسواق من التقدم إلى مراتب غير تلك التي احتلتها من قبل. مثلاً، لا تزال السوق الألمانية تحتل المركز الثامن بين أسواق العالم والسوق الأسترالية تحتل المركز التاسع. سنوات الأمس القريب هزّت كل الأسواق السينمائية من الولايات المتحدة إلى فرنسا، ومن فرنسا إلى الصين وكوريا وباقي دول العالم. لذلك؛ من الأمان القول: إن الدول المذكورة في القائمة التالية لأعلى 10 أسواق نجاحاً في الإيرادات ما زال على نحو قريب جداً مما كان عليه حتى عام 2020، وهي:

1- الولايات المتحدة

2- الصين

3- الهند

4- كوريا

5- فرنسا

6- اليابان

7- المكسيك

8- ألمانيا

9- بريطانيا

10- إسبانيا

وكانت السوق الروسية تحتل المركز التاسع حتى ذلك التاريخ، بيد أنّ الحرب الأوكرانية وظروفها الاقتصادية حدّت من توزيع الأفلام الغربية فيها في حين لا توجد بيانات تحدّد مدى نجاح الأفلام محلية الصنع فيها.

حين يأتي الأمر لضمّ الأسواق العربية إلى ذلك المحيط، فإنّ السوق السعودية تتقدمها حالياً، تليها سوق الإمارات. لا أرقام جديدة معلنة من قِبل المراقبين أو المؤسسات في كلا البلدين، لكن هذا ما يجتمع عليه الموزّعون اللبنانيون الذين يتولّون معظم الوارد إلى الأسواق الخليجية من أفلام أميركية.

باقي الأسواق العربية هي في نهايات السّلم الدّولي كما كان حالها قبل وخلال عام 2020 وإلى اليوم.

5 أفلام برسم النجاح في 2024

ستعتمد هوليوود على نحو 15 فيلماً من تلك التي ستشهد عروضها في العام الجديد لجذب النجاح الكبير، الذي تعد به تلك الإنتاجات. التالي أهم الأفلام الأكثر ضمانة للنجاح:

1- Dune Part Two

الجزء الثاني (وربما الأفضل) من الملحمة الشهيرة (وورنر)

2- Gladiator Part 2

قد يعوض خسارة ريدلي سكوت في «نابليون» (باراماونت)

3- Mufasa: The Lion King

رسوم متحركة مشتقّة من شخصية «ذَا ليون كينغ» (ديزني)

Civil War-4

احتمال حرب أهلية جديدة في الولايات المتحدة هو موضوع هذا الفيلم (A2A)

5- Deadpool 3

الجزء الثالث (ويا ليته الأخير) من فانتازيا يقودها رايان رينولدز (ديزني)


مقالات ذات صلة

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

يوميات الشرق مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق اعتمد الفيلم على أرشيف متنوع لطرابلس (الشركة المنتجة)

المخرجة اللبنانية رانية الرافعي: لا أؤمن بالحياد في السينما

قالت المخرجة اللبنانية رانية الرافعي إن فكرة فيلمها الوثائقي «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» لم تبدأ من قصة محددة، وإنما انطلقت من أسئلة طويلة.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق الفنان أحمد زكي المُلقَّب بـ«النمر الأسود» (فيسبوك)

أين تُعرض مقتنيات أحمد زكي؟ لغز يتجدَّد كلّ عام

قائمة مقتنياته وأغراضه الخاصة لم تُعرض جماهيرياً حتى الآن، أسوةً ببعض نجوم الفنّ المصري.

داليا ماهر (القاهرة )
سينما بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي صِراط وخاطئون ومعركة بعد أخرى.

محمد رُضا (لندن)
سينما شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015.

محمد رُضا (لندن)

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.