«نابوليون» الجديد يقدم القائد الفرنسي بقلب عاشق

إخراج ريدلي سكوت وبطولة واكين فينكس

مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)
مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)
TT

«نابوليون» الجديد يقدم القائد الفرنسي بقلب عاشق

مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)
مشهد من حرب «نابوليون» (كولمبيا بيكتشرز)

النصف الثاني من الشهر الحالي وما يليه من أسابيع هو ملك «نابوليون»، الفيلم الجديد للمخرج ريدلي سكوت. لم يُكشف بعد عن ميزانيته، لكنها تقترب أو تتجاوز بقليل 150 مليون دولار، والطموح هو أن يتجاوز ضِعف هذا المبلغ في غضون أسبوعين وفوقهما نحو 300 مليون دولار أخرى.

ينضم الفيلم هذا بجدارة إلى أفلام سكوت التاريخية، وهو الذي بدأ باكراً في مشواره مخرجاً عندما حقّق «المتبارزان» سنة 1977، وأنجز بعده «1492: غزو الجنة» (1992)، و«غلاديايتر» (2000)، و«مملكة الجنّة» (2005)، و«روبين هود» (2010).

هذا هو اللقاء الثاني بين ريدلي سكوت والممثل يواكيم فينكس، الذي كان أدّى الدور الثاني أمام راسل كرو في «غلاديايتر» وكان الفيلم الأخير للممثل الراحل أوليفر ريد.

قال سكوت لهذا الناقد في عام 2018 عندما سألته سبب اهتمامه بالتاريخ: «اهتمامي بالأفلام التاريخية طبيعي، لأني لا أتصور أن هناك من يستطيع تجاهل التاريخ أو ينفيه».

ورداً على سؤال آخر: «أشعر طوال فترة تصوير أي فيلم تاريخي بأنني مسؤول أمام عملية إعادة ما حدث على أكثر من نحو. هناك مسؤولية نقل الحقائق بصياغة سينمائية، وهناك مسؤولية طرح بعد يربط العالمين الحالي والماضي معاً».

رورد ستايغر في «ووترلو» (باراماوننت)

تأكيداً على ولعه بالأفلام التاريخية وحبّه لسينما «سيسيل ب». دَميل وأفلام هوليوود التاريخية في الخمسينات والستينات، يبدأ سكوت قريباً إنجاز جزءٍ ثان من فيلمه السابق «غلاديايتر» مع دنزل واشنطن، هذه المرة في البطولة عوضاً عن رَسل كرو، الذي أسندت إليه بطولة الجزء الأول.

كان ديفيد سكوربا (كاتب سيناريو «نابوليون» الحالي) بدأ كتابة «غلاديايتر 2» في عام 2018 وسيتوجه به سكوت إلى المغرب ومالطا وبريطانيا لإنجازه، على أن يكون حاضراً للعرض بعد سنة من الآن في 21 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024. بذلك يكون المخرج المغرم بالتاريخ قد حقق فيلمين ضخمين الواحد تلو الآخر. مرّر أصعبهما أولاً وأبقى الفيلم الأضمن نجاحاً لكي يكون إنتاجه التالي. بذلك، يكون «نابوليون» في إحدى وظائفه نوعاً من الاختبار، علماً بأن النقاد الذين شاهدوا الفيلم الجديد أثنوا، في غالبيّتهم، على فيلم سكوت من نواحٍ متعددة.

واكين فينكس: نابوليون (كولمبيا بيكتشرز)

خلفيات سينمائية

نابوليون بونابرت (1769-1821) كان قائداً عسكرياً فذّاً وعاشقاً كبيراً لزوجته جوزفين (فانيسا كيربي في الفيلم الجديد) بعدما تزوّج سابقاً كما اتخذ لنفسه عدداً من العشيقات. بعض ارتباطاته العاطفية أنجبت له أولاداً، لكن زواجه من المرأة التي أحب، جوزفين، لم ينجب له أي وريث.

لكن الرجل مشهور بغزاوته وحروبه التي امتدت من إسبانيا إلى مصر، ومن الجنوب الإيطالي إلى روسيا مروراً بهولندا وألمانيا وجمهورية التشيك والنمسا لجانب دول أخرى.

بعض المؤرخين يعدّونه مسؤولاً عن نحو 4 ملايين إلى 6 ملايين قتيل سقطوا صرعى طموحاته العسكرية. وواحدة من غايات المخرج سكوت المصرّح عنها هي الربط ما بين تلك الحروب وما يقع اليوم وفي خلفية أذهان مشاهديه. وهو كان قصد الغاية نفسها عندما أخرج «مملكة الجنة» سنة 2005، الذي دار حول الحرب الصليبية، وأشار خلالها إلى الصراع الفلسطيني في الواقع الحاضر.

على الشاشة، صُوّرت قصة حياة وحروب نابوليون مرّات عدّة، إما عنه مباشرة أو في ثنايا الحديث عن الثورة الفرنسية التي استمرت وقائعها عشر سنوات (من 1789 إلى 1799).

نابليون كان شاغل السينما منذ سنة 1927 عندما أقدم الفرنسي آبل غانس على تحقيق ملحمة عن القائد مدتها أكثر من خمس ساعات متناولاً حياته من بداياتها في مكان ولادته (جزيرة كورسيكا) إلى نهايته مروراً بحبه لجوزفين التي يذكر الفيلم بوضوح أنها كانت ملهمته طوال الوقت «كما لو كانت حربه تأكيداً لها على بطولته وفروسيته»، كما يرد في الفيلم.

في عام 1954 مثّل مارلون براندو شخصية بونابرت في «Désirée» لهنري كوستر. الفيلم كان عذراً أكثر منه عملاً فنياً جيداً، وهو وُلد في العام نفسه الذي أطلق فيه براندو أحد أفضل أدواره على الشاشة في فيلم «على جبهة الماء» (On the Waterfront) لإيليا كازان.

هزيمة ووترلو

بعد أن خمدت نيران الهجمة الهوليوودية الأولى في الخمسينات، اقتبس المخرج الروسي سيرغي بوندارتشوك، سنة 1965، «حرب وسلام» لليو تولستوي، التي امتدت ست ساعات و55 دقيقة، ولو أن هناك نسخاً أقصر (في حدود ساعتين ونصف) تؤمّن رغبة من لا يريد مشاهدة كل رواية تولستوي.

الفيلم الملحمي له طريقته الخاصة في عرض الأحداث التاريخية التي سبقت، بالطبع، انهيار حكم القياصرة الروس. ظهور شخصية نابوليون (أداها الروسي فلاديسلاف سترزهيلكيك) ليس طاغياً عن الفيلم لأن الحكاية في الأصل ليست عنه، بل هو جزء من فصولها. فيلم بوندارتشوك ممارسة في أسلوب التصوير حيث تتحرك الكاميرا في المشاهد الداخلية كما لو كانت ترقص على بلاط القصور التي يتم التصوير فيها، وفي المشاهد الخارجية كما لو كانت جزءاً من الحرب.

لكن بوندارتشوك عاد إلى شخصية نابوليون بعد خمس سنوات على «حرب وسلام» ليقدم نسخته عن نابوليون بونابرت في فيلم «ووترلو». المنتج كان عاشق الإنتاجات الكبيرة دينو ديلارونتيس والتمويل من شركة باراماونت واللغة المحكية إنجليزية.

لعب رود ستايغر بطولة هذا الفيلم. بوضوح، حاول جاهداً تقديم صورة شخصية مناسبة للإمبراطور الشهير خلال واحد من أشهر مواقع القتال التي خاضها. لكن سعيه لم يكن انغماساً في الشخصية بقدر ما كان تمثيلاً لها لا يخلو من الاستعراض.

لسبب أو لآخر لم يتقدّم للأوسكار بل رُشح لجوائز البافتا البريطانية، حيث خرج بجائزتين واحدة عن تصميم الملابس والأخرى عن تصميم المستلزمات الفنية (ما يُسمّى اليوم بتصميم الإنتاج). تجارياً سقط الفيلم في حفرة العروض السينمائية وتحوّل إلى أحد معالم الإنتاجات الكبيرة التي لم تلقَ اهتماماً لدى الجمهور.

نابوليون - شاهين

في مقابل هذه المجموعة الأساسية من تاريخ ظهور نابوليون على الشاشة، لا بدّ من إضافة فيلم يوسف شاهين، الذي أثار الجدل منذ إنتاجه سنة 1985 ومن ثَمّ كلّما ذُكر في سياق مراجعة أعمال المخرج.

الواقع أن الفيلم يحمل عنواناً يمكن اعتباره استفزازياً. كلمتا «وداعاً وبونابرت» تميلان إلى نوع من النوستالجيا والعاطفة، كما لو أن المرء يودع شخصاً عزيزاً عليه. طبعاً يمكن اعتبارهما مجرد عنوان رآه المخرج مناسباً، لكن ماذا تفعل في المعالجة الودّية لشخصية كافاريللي (أداها ميشال بيكولي) التي بدت كما لو جاءت إلى مصر ليس لأجل هندسة الاحتلال (وكان ضابطاً مسؤولاً عن إرساء قواعد الاحتلال والاشتباك في حملات نابوليون في نهايات القرن الثامن عشر).

لم يتّفق لا نقاد مصر ولا نقاد فرنسا (الفيلم موّل عبر مخصصات الحكومة الفرنسية) على رأي مشترك فيما يتعلق بهذا الفيلم. النقاد المصريون انقسموا بين الإعجاب لبراعة المخرج في سرد التاريخ وأبرز دوراً مصرياً في لقاء أراده شاهين حضارياً بين شخصياته المصرية والفرنسية (بمن فيها بونابرت الذي أداه باتريس شيرو) وبين الذين انتقدوا الفيلم على أساس أن المخرج هادن الفرنسيين على حساب مقاومة الشعب المصري لذلك الاحتلال.

بدورهم انقسم نقاد فرنسا حسب مواقعهم، لكن معظمهم كان متفقاً على مهاجمة الفيلم. اليمين الذي وجد أن المال الفرنسي لا يجب إهداره بإنتاج أفلام لا تبرز الوجه الحضاري لفرنسا، واليسار رأى أن الفيلم ميّع أهم ما في حملة نابوليون العسكرية على مصر، وهي أنها كانت حملة احتلال عسكرية بالدرجة الأولى.

في حين أن صورة نابوليون الشخصية لا تشهد اختلافات كبيرة في أوساط المؤرخين كمواصفات سلوكية أو كملامح بدنية، إلا أن المرء يشعر إثر مشاهدته كل ما تقدّم من أفلام كما لو أن السينما ما زالت تأخذ جانبي بونابرت على نحو لا يخلو من التكرار.

طبعاً كان من فرسان فرنسا، ومن ثَمّ أبرز قادتها في التاريخ، وكان الزعيم الذي استُعيد من منفاه ليتبوأ قيادة فرنسا، كما أن حبه لجوزفين مؤرخ بالتفاصيل الضرورية، لكن المرء يتساءل عما إذا كان هناك وجه ثالث لهذه الشخصية لم تكتشفها السينما بعد، ربما لأنها ليست مثيرة لما تريده من شخصيّته وهو نابوليون الأسطورة.

نابوليون حسب كوبريك وسبيلبرغ

خلال حضور المخرج الأميركي ستيفن سبيلبرغ مهرجان برلين في مطلع السنة الحالية، صرّح بأنه يُنتج نسخة جديدة عن حياة نابوليون بونابرت وحروبه، وذلك عن خطّة إنتاج وسيناريو أول كان المخرج الراحل ستانلي كوبريك قد وضعهما مشروعاً مقبلاً. المشروع الذي يتحدّث سبيلبرغ عنه كان بحوزة كوبريك منذ سنوات بعيدة، تحديداً بعد إخراج سيرغي بوندارتشوك «ووترلو». كانت خطّة كوبريك حينها إسناد شخصية القائد الفرنسي إلى جاك نيكلسون وجلب أودري هيبورن لتكون جوزيفين. عندما فشل «ووترلو» تجارياً، تراجع كوبريك عن المشروع برمّته. مشروع سبيلبرغ سيتألف من 7 حلقات تلفزيونية بوشر بكتابته وينتظر الانطلاق بتنفيذه تحت إدارة سبيلبرغ الإنتاجية. لا بدّ من ذكر أن نسخة كوبوريك التي لم تتحقق نصّت على الاستعانة بـ40 ألف ممثل. هذه الأيام يمكن تأليف هذا الرقم بمجرد استخدام التقنيات الحديثة.


مقالات ذات صلة

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
TT

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين على الأقل قبل أن ينتقل إلى الأفلام الطويلة، بدءاً بفيلم «خوف ورغبة» (Fear and Desire) سنة 1952.

أما الأفلام التي لا تدور حول حروب عسكرية مباشرة أو احتمالاتها فهي: «قبلة القاتل» (Killer’s Kiss، 1955)، و«القتل» (The Killing، 1956)، و«سبارتاكوس» (1960)، و«لوليتا» (1962)، و«2001: أوديسا الفضاء» (1968)، و«البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange، 1971)، و«باري ليندون» (1975)، و«اللمعان» (The Shining، 1980)، و«عينان مغمضتان باتساع» (Eyes Wide Shut، 1999).

ستانلي كوبريك في التصوير (وورنر برذرز)

الخوف الكبير

أفلام كوبريك الحربية 5، يتبع كل منها أسلوباً مختلفاً في نقد الحرب. بدأت هذه السلسلة سنة 1952 بفيلمه المتواضع «خوف ورغبة»، وانتهت سنة 1987 بفيلم «سترة معدنية كاملة» (Full Metal Jacket).

أفلام كوبريك الحربية ليست أفلام إثارة أو أكشن بالمعنى التقليدي، بل تضمن التشويق من خلال طرح إنساني عميق، وشخصيات تستحق التأييد والتعاطف، بصرف النظر عن مواقعها. قد تكون الحرب هي الحرب العالمية الأولى، أو حرب ڤيتنام، أو حرباً غير محددة المكان. ما يهم كوبريك هو تصوير شخصياته في الأزمات، والربط بين تصرفاتهم الفردية وبنية الحرب العامة وعبثها.

يتبدّى ذلك في فيلمه الأول في هذه المجموعة «خوف ورغبة»: 4 جنود في حرب غير محددة الجبهات أو الهوية، حيث يتوازى الخوف من العدو مع الخوف من الضياع في أرض مجهولة، وتتداخل الرغبة في النجاة مع غريزة البقاء. الفيلم متواضع التنفيذ، لكنه ذو دلالة.

«سترة معدنية كاملة» (وورنر برذرز)

لم يكن كوبريك راضياً عن هذا الفيلم، وتشير بعض الروايات إلى أنه حرق النيغاتيف، غير أن نسخاً منه مسجلة بقيت متداولة حتى اليوم.

الفيلم التالي هو «ممرات المجد» (Paths of Glory) سنة 1957، وهو أول فيلم كبير الإنتاج (والرابع في مسيرته) ينجزه كوبريك. الفيلم مقتبس عن رواية معادية للحرب ألّفها همفري كوب، وكتب السيناريو الروائي البوليسي جيم تومسون، الذي سبق أن كتب فيلم «القتل» (The Killing)، ولاحقاً شارك في كتابة فيلم سام بيكنباه «The Getaway». ينتمي الفيلم إلى الأعمال التي أرَّخت للحرب العالمية الأولى، مثل All Quiet on the Western Front» (1930)» للويس مايلستون، وThe Big Parade» (1925)» لكينغ ڤيدور، وكلاهما من أبرز الأفلام الحربية.

يقدّم كوبريك منظوراً يقوم على الدفاع عن الجندي العادي واتهام القيادة العسكرية بالفشل والتضحية بالجنود. أدَّى كيرك دوغلاس دور الضابط داكس، الذي يعارض إرسال فرقته الفرنسية لمواجهة الألمان في مهمة محكوم عليها بالفشل.

من خلال هذه الشخصية، يبرز الفيلم بوصفه عملاً معادياً للحرب، إذ يدرك داكس أن أوامر القيادة الفرنسية بمهاجمة القوات الألمانية غير واقعية، وأن مصيرها الفشل، مؤيداً تمرُّد بعض جنوده في مواجهة القيادة العسكرية.

كما يعقد كوبريك مقارنة واضحة بين حياة الجنرالات المريحة، من طعام وشراب ونوم بعيداً عن أصوات المدافع، وحياة الجنود في الخنادق تحت خطر الموت، مع نقص حاد في المؤن. وقد دفعت هذه الرسالة السلطات الفرنسية إلى منع عرض الفيلم حتى عام 1975.

تضحيات مجانية

الفيلم اللاحق لم يكن حربياً بالمعنى التقليدي، إذ لا تدور أحداثه في ساحة حرب مباشرة، بل يتناول حرباً محتملة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوڤياتي. إنه «دكتور سترينجلوڤ، أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» (1964).

الفيلم كوميديا سوداء عن الحرب الباردة، تنضح بمواقف سوريالية. تدور أحداثه حول طائرة لا يمكن استعادتها بعد إطلاقها، وهي تحمل قنبلة نووية متجهة لضرب موسكو. يحاول رئيس الجمهورية الأميركي (بيتر سلرز) تفادي ضربة انتقامية عبر الاتصال بالرئيس السوڤياتي (نسمعه ولا نراه)، معتذراً عن الخطأ ومشيراً إلى أن بعض صقور اليمين في إدارته يقفون وراءه.

إلى جانبه يظهر الدكتور سترينجلوڤ (يؤدي دوره سلرز أيضاً)، المستشار المقعد ذو الأطراف الميكانيكية، الذي يبدو خالياً من أي عاطفة إنسانية. كما يؤدي سلرز دور الضابط البريطاني ليونيل، الذي يحاول فهم السبب الذي دفع الجنرال ريبر (سترلينغ هايدن) إلى إطلاق الهجوم النووي. وفي الطائرة، يظهر الطيار الذي يؤدي دوره سليم بيكنز، والذي اختاره كوبريك لما عُرف به من أدوار في أفلام الغرب الأميركي. الفيلم ذو تركيبة مجنونة، يحمل تحذيراً واضحاً من ويلات حرب نووية محتملة.

يصوِّر كوبريك شخصياته في الأزمات رابطاً بين أفعالهم الفردية وبنية الحرب وعبثها

أما فيلمه الحربي الأخير فهو «سترة معدنية كاملة» (1987)، وقد قسَّمه كوبريك بإحكام إلى جزأين متكاملين. يدور الجزء الأول في مركز تدريب عسكري أميركي، حيث يتعرض أحد المجندين (ڤنسنت دونوفريو) لمعاملة قاسية من قبل الضابط المسؤول، مما يدفعه في النهاية إلى الانتحار.

ومع موته، ينتقل الفيلم إلى ساحة المعركة في ڤيتنام، حيث يطرح كوبريك نقداً مباشراً للحرب وتساؤلات حول مغزاها ومعناها. الجنود الأميركيون يقتلون ويُقتلون، ويقدّم المخرج مشهداً لفتاة ڤيتنامية شابة تتصدى لهم، في دلالة رمزية واضحة.

في معظم أفلام كوبريك، ثمة مواجهة حاسمة مع «الآخر»: مع الحاسوب في «2001: أوديسا الفضاء»، ومع المجتمع الذي ينتج العنف في «البرتقالة الآلية»، ومع الانهيار النفسي الفردي في «اللمعان».

أما فيلمه الأخير «عينان مغمضتان باتساع»، فيدور حول جماعة سريَّة تتيح لأعضائها الانغماس في الشهوات بلا قيود، وليس هذا العالم السري الذي يرسمه كوبريك بعيداً تماماً عن الواقع، إذ كشفت قضايا حديثة، مثل قضية جيفري إبستين، عن شبكات مغلقة تتقاطع فيها السلطة مع الرغبات والنفوذ.


شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

THE RED HANGAR

★★★★★

إخراج:‫ خوان بابلو سالاتو‬

تشيلي/ فرنسا (2026)

فيلم آخر من أفلام أميركا اللاتينية السياسية

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال والاضطهاد.

في «الحظيرة الحمراء» (والمقصود بها حظيرة مطار)، مستوحى من قصة واقعية عن ضابط الطيران جورج سيلڤا (يؤديه نيكولاس زاراتي)، يشهد الانقلاب العسكري الذي طوى صفحة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلڤادور أليندي عام 1973. صاحب الانقلاب العسكري حملات اعتقال لآلاف المؤيدين واليساريين.

الضابط سيلڤا يؤكد التزامه بالتعليمات العسكرية، ويكرِّر أنه مجرد بيدق في الخدمة وسينفذ ما يُؤمر به، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالأسى لما يشاهده. يحاول السيطرة على مشاعره والبقاء على الحياد، لكن علاقته بالكولونيل الذي أشرف على تحويل الحظيرة إلى سجن تعذيب كانت متوترة.

في النهاية يُطرد من الخدمة ويدخل السجن لثلاث سنوات (وقد توفي في لندن قبل عامين).

لا مجال لسرد أحداث الفيلم (83 دقيقة)، إذ يقوم على حكاية محدودة التنوع تُمعن في تصوير المشاعر، يواكبها حوار مقتصد، ويرتكز أساساً على أداء زاراتي المتماسك خارجياً والمنفعل داخلياً.

هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، وقد اختار تصويره بالأبيض والأسود تعبيراً عن ظلام تلك الفترة. لا تفوته لمحات تفصيلية ولا ملامح مكبوتة يعكسها الممثلون. هناك لقطات عديدة تنتمي إلى التفاصيل الملتقطة بعناية، وكل واحدة منها تؤكد موهبة مخرج يدرك تماماً كيف يلتقط اللحظة ويوظفها في فيلمه.

وتبرز هذه الصياغة الفنية في استخدام الصوت والموسيقى، في المقابل يعرض الفيلم ببساطة كيف تؤول التطورات، التي تدفع بقيادة المطار العسكري نحو القبول المطلق، خوفاً من عاقبة الكولونيل الذي بات الحاكم بأمره، ويحمل ثأراً قديماً ضد سيلڤا سيستخدمه حين يشاء.

ANCESTOR

★★★

إخراج: آدم خليل وزاك خليل

تسجيلي | الولايات المتحدة (2026)

بحث عن عظام مسروقة للسكان الأصليين

يستخدم هذا الفيلم عنواناً أصلياً لقبيلة من مواطني الولايات المتحدة، يعود تاريخ وجودها في ولاية ميشيغان إلى آلاف السنين، شأنها شأن باقي قبائل السكان الأصليين في أميركا. العنوان المستخدم هو «Aanikoobijigan»، ويعني «الأجداد».

الفيلم، من إخراج الأخوين آدم وزاك خليل، معني بسرد كيف تمكنت تلك القبيلة، عبر سنوات طويلة، من استعادة العظام التي نُبشت وسُرقت لتوضع في المتاحف من دون إذن أو حقوق.

«أسلاف» (مهرجان صندانس)

حسب المعتقدات المتوارثة، فإن أرواح الموتى الذين سُرقت عظامهم ستبقى هائمة إلى أن تعود تلك العظام إليها. المهمة صعبة، لذلك شُكِّلت مؤسسة ثقافية لحفظ التراث، وقد وُوجهت هذه المؤسسة، في البداية ولسنوات عدة، بتمنُّع المتاحف عن الاستجابة.

يشرح الفيلم ذلك عبر مقابلات مع شخصيات عدة (من القبيلة ومن البيض المؤيدين)، وينتهي بنجاح المحاولة واستعادة تلك العظام المنهوبة.

إنه فيلم غير متوقع من حيث الموضوع، ومباشر في تنفيذه وصنعته، يراد به توجيه الاهتمام إلى صورة من سوء معاملة البيض للسكان الأصليين. وفي فحواه، هو فيلم عن تاريخ من النظرة الفوقية التي لا تعير اهتماماً لأي معتقد أو تراث، ما يعكس عنصرية سادت التاريخ الأميركي منذ مئات السنين وحتى اليوم.

كان من الممكن إحداث بعض التنوع في الأسلوب المباشر للفيلم وانتقالاته بين الأطراف المختلفة ومواقفها، لكن، مع ذلك، فإن ما يقدمه ببساطة كافٍ لإثارة الموضوعات التي يطرحها.

THRASH

★★

إخراج: تومي ويركولا

كوارث | الولايات المتحدة (2026)

طوفان وأسماك قرش وضحايا

أفلام الكوارث، غالباً، كوارث فنية، تستغل فكرة: ماذا يمكن أن يحدث لو ضرب زلزال أو إعصار أو فيضان أو نيزك الأرض؟ خلال استعراض الحكايات، يتم تقديم أشخاص في أزمات ومواقف تنذر بالموت؛ بعضهم يموت فعلاً، والبعض الآخر ينجو قبيل إسدال الستار.

«سحق» (نتفليكس)

«سحق» (وهو عنوان غريب لفيلم) يدور حول إعصار يضرب بلدة ساحلية. ينجح قليلون في الفرار قبل وصوله، الذي يسبب فيضان البحر ويغطي الشوارع والطوابق السفلية من المنازل. لكن هذا ليس كل شيء؛ فهناك أسماك قرش تجول الآن في البلدة، تبحث عما تأكله من البشر.

ينتقل الفيلم، وفق إيقاع المخرج، بين حكايات شخصيات عدة تواجه العاصفة والطوفان والأسماك في وقت واحد، بدلاً من أن يمسك بزمام السرد عبر قصة واحدة أو اثنتين.

هناك تنفيذ نمطي بعيد عن الإبداع، وتمثيل مبرمج يسوده الخوف والصراخ. بعض الشخصيات مقدَّم على أساس أنه يستحق الموت، وأخرى تستحق الحياة، هكذا، وبكل سذاجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)
TT

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)

في وقتٍ تشهد فيه السينما السعودية تنوّعاً في العروض بين الجديد والكلاسيكي، يعود الفيلم الأيقوني «Goodfellas» («غودفيلاز» أو «الأصدقاء الطيبون») للمخرج مارتن سكورسيزي، الصادر عام 1990، إلى صالات العرض بوصفه واحداً من أكثر الأعمال رسوخاً في سينما العصابات. ويأتي عرضه اليوم، بتوزيع «سينيويفز»، بعد أكثر من 35 عاماً على طرحه الأول، ضمن حراك سينمائي أوسع يستعيد أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما، وامتدَّ تأثيرها عبر أجيال متعاقبة من المشاهدين.

ويستمد الفيلم قيمته من مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال تأثيراً في تناول عالم الجريمة المنظمة. وتأتي إعادة عرضه في صالات السينما السعودية ضمن توجه متزايد لإحياء أفلام بارزة أمام جمهور جديد، في تجربة تمنحها حياة إضافية خارج زمنها الأصلي. وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت دور العرض السعودية عدداً من العناوين التي عادت إلى الشاشة، مثل: «تايتانيك» (1997) و«إنترستلر» (2014)، إلى جانب روائع سينمائية أخرى.

قصة حقيقية... صعود داخل العصابات

رجال العصابة بالفيلم في محاكاة للقصة التي رواها هنري هيل للصحافة (imdb)

يستند «غودفيلاز» إلى قصة حقيقية جرت أحداثها بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، داخل عالم الجريمة المنظمة في نيويورك. ويروي الفيلم حكاية هنري هيل (راي ليوتا)، الشاب الذي نشأ في حيٍّ تحكمه العصابات، وانجذب منذ طفولته إلى ما تمثِّله من قوة ونفوذ، ليتسلل تدريجياً إلى هذا العالم. وتتحول حياته من مراقبة الحلم إلى عيشه، ثم إلى مواجهة ثمنه.

يستند السيناريو إلى كتاب للصحافي نيكولاس بيليجي، الذي وثّق تجربة هنري من الداخل، اعتماداً على شهادته الشخصية وما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وشخصيات حقيقية.

وخلال رحلته، يتعرَّف هنري إلى عدد من رجال العصابات، أبرزهم جيمي كونواي (روبرت دي نيرو)، الرجل الهادئ الذي تستند سلطته إلى الحضور والحسابات الدقيقة بعيداً عن الصخب، وتومي ديفيتو (جو بيشي)، بشخصيته الحادّة والمتقلّبة، القادر على تحويل المزاح إلى خطر في لحظة.

وفي خضمّ هذا العالم، يرتبط هنري بكارين هيل (لورين براكو)، فيتزوجها وينجب منها طفلتين. تدخل كارين هذه التجربة بدافع الإعجاب به، لكنها تجد نفسها تدريجياً داخل دوامة يصعب الخروج منها.

مشاهد أيقونية... راسخة في الذاكرة

والدة سكورسيزي الحقيقية تظهر في مشهد من الفيلم (imdb)

وقدم سكورسيزي في الفيلم أسلوباً بصرياً مختلفاً عن السائد آنذاك، جعل كثيراً من مشاهد «غودفيلاز» تُصنَّف بوصفها لقطات أيقونية تُدرَّس في بعض الجامعات. ومن أبرزها اللقطة الطويلة التي تتابع هنري وكارين في أثناء دخولهما المطعم من الباب الخلفي، متجاوزين انتظار الدور، في تجسيد واضح لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه، وحجم النفوذ الذي بلغه هنري، حيث يصبح الوصول امتيازاً، وتُزال الحواجز.

ومن المشاهد اللافتة أيضاً مشهد «هل أنا مضحك؟»، الذي يبدأ بأجواء مرحة داخل مطعم، حين يضحك هنري على تعليق لتومي ويصفه بأنه «مضحك»، قبل أن تنقلب النبرة فجأة، مع سؤال تومي الحاد: «هل أنا مضحك؟ هل تراني مهرجاً؟». سؤال يبدو عابراً، لكنه يتحوَّل إلى اختبار قوة صامت يكشف عن توتر كامن خلف المزاح. وتنبع قوة المشهد من أداء جو بيشي، الذي يتنقّل ببراعة بين الضحك والحدّة في لحظات خاطفة، مانحاً الشخصية طابعاً متقلّباً ومقلقاً، وهو ما أسهم في فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم.

روبرت دي نيرو... العقل الهادئ

روبرت دي نيرو في دور مجرم العصابات الحقيقي جيمي (imdb)

أما روبرت دي نيرو، فجسَّد شخصية جيمي كونواي، المستوحاة من المجرم الحقيقي جيمس بيرك، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بعالم السرقة المنظمة في نيويورك خلال السبعينات. وكان بيرك العقل المدبر لعملية سرقة «لوفتهانزا» الشهيرة عام 1978، وهي من كبرى عمليات السرقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث جرى الاستيلاء على ملايين الدولارات من مطار جون إف كينيدي.

وتعامل دي نيرو مع الدور ببحث دقيق؛ إذ تواصل مع هنري هيل الحقيقي للوقوف على تفاصيل شخصية بيرك، من طريقة التدخين وحمل السيجارة إلى الإيماءات الدقيقة وأسلوب التعامل مع المحيطين به. وانعكست هذه الملاحظات على أدائه، حيث جاء كثير من التفاصيل الجسدية، مثل حركة اليدين، وطريقة النظر، والهدوء المتعمّد قبل اتخاذ قرار عنيف، مبنية على وصف هنري هيل للشخصية الحقيقية.

ويُعد هذا الدور من أبرز تعاونات دي نيرو مع مارتن سكورسيزي، ويأتي ضمن سلسلة أدوار أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أهم من جسّدوا شخصيات الجريمة المنظمة في السينما الأميركية.

العنف بوصفه حياة يومية

لورين براكو تؤدي دور زوجة هنري هيل (imdb)

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية، مما يضفي على التجربة قسوة مضاعفة. وفي كثير من المشاهد، يظهر العنف بشكل مفاجئ، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، في تناقض حاد يترك أثراً عميقاً. ويتجلّى ذلك في مشهد العشاء داخل منزل والدة تومي، حيث تجتمع أجواء عائلية هادئة، وحديث بسيط وطعام منزلي، في وقت يدرك فيه المشاهد أن الحاضرين كانوا منخرطين في فعل عنيف قبل لحظات.

ويزداد المشهد تأثيراً بكون والدة تومي هي في الواقع والدة المخرج سكورسيزي، وقد جاء ظهورها بعفوية لافتة، إذ يبدو الحوار طبيعياً إلى حد مربك، كما لو أن الكاميرا التقطت لحظة من الحياة كما هي. هذا التداخل بين الألفة والخطر يمنح المشهد وزناً خاصاً، ويجعله عالقاً في الذاكرة.

الزمن في إيقاع الصوت

المخرج مارتن سكورسيزي يتوسط نجوم الفيلم (imdb)

يلعب الصوت في «غودفيلاز» دوراً محورياً في بناء التجربة، لا سيما من خلال التعليق الصوتي لهنري هيل (راي ليوتا)، الذي يرافق الأحداث ويكشف عن طبقات من وعي الشخصية، مقرّباً المتفرج من عالمها الداخلي بدل الاكتفاء بالمراقبة من الخارج. كما ترتبط الاختيارات الموسيقية بزمن الأحداث، مانحة الفيلم إحساساً دقيقاً بالحقبة، وتضع المشاهد داخل أجواء نيويورك في الستينات والسبعينات، حيث يتقاطع صعود العصابات مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل عالم يهيمن عليه الرجال، فإن شخصية كارين هيل (لورين براكو) تمنح الأحداث بعداً مختلفاً، إذ تكشف عن أثر هذا العالم على الحياة الخاصة. ومن خلال منظورها، يتجلّى التوتر بين الانجذاب إلى السلطة والخوف من تبعاتها، وكذلك بين البحث عن الأمان والانزلاق إلى الخطر. وفي علاقتها بهنري، تنكشف هشاشة الروابط حين تُبنى على الانبهار، ويظهر كيف يمكن للولاء أن يتحول إلى عبء، وللحب أن يصبح ساحة صراع.

اللحظات الأخيرة للفيلم حين تتصدع العلاقة بين هنري وجيمي (imdb)

يمكن القول إن عودة «غودفيلاز» إلى صالات السينما في السعودية أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك الجمهور انطباعاتهم حول التجربة، في حين توقّف آخرون عند مشاهد أعادوا اكتشافها، وتناولت بعض النقاشات أداء الممثلين أو أسلوب الإخراج، بينما انشغل آخرون بالتفاصيل الدقيقة التي تتجلّى بشكل أوضح على الشاشة الكبيرة.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم حقق نجاحاً تجارياً وجماهيرياً لافتاً في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات بلغت 46.8 مليون دولار، أي ما يقارب ضعف ميزانيته المقدّرة بـ25 مليون دولار. كما رُشّح لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وفاز بخمس جوائز من الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (البافتا)، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج.