السينما العربية تعيش مرحلة نضج غير مسبوقة

تجول بين المهرجانات بنجاحات متوالية

من «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ (الحوش برودكشنز)
من «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ (الحوش برودكشنز)
TT

السينما العربية تعيش مرحلة نضج غير مسبوقة

من «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ (الحوش برودكشنز)
من «بركة يقابل بركة» لمحمود صباغ (الحوش برودكشنز)

لم يكن الفيلمان العربيان اللذان عُرضا في بعض تظاهرات مهرجان فينيسيا الأخير من النوع الذي يمكن كتابة القصائد حولهما. «وراء الجبال» لمحمد بن عطية، و«كواليس» (Backstage) لعفاف بن محمود وخليل بنكيران... فيلمان تونسيان لديهما ما يريدان قوله، لكنهما اشتركا في مشاكل الكتابة التي تسلّلت إلى التنفيذ ومن ثَمّ إلى قلب العمل المنجز.

من الأفلام العربية القليلة الأخرى، التي عرضتها شاشات هذا المهرجان «باي باي تبريس» للينا سويلم التي كانت قدّمت في إطار مهرجان «فيزيون دو ريل» (Visions du Réel) المتخصص في الأفلام الوثائقية والتسجيلية فيلمها السابق «جزائرهم» (Their Algeria). ذاك وفيلمها الجديد بحثان منفصلان في الذكريات العائلية ومحاولة رصف صورة لتاريخها القريب.

على ذلك، لا يجب الاستهانة بالمرحلة الحالية التي تمرّ بها السينما العربية وتتميّز بالقدرة على المناورة عالمياً والوصول إلى عروض مهرجانية وأحياناً تجارية في غير مكان حول العالم. المحرّك الأول هو الطموح الذاتي للانضمام إلى جملة صانعي الأفلام الذين تركوا بصماتهم عبر نجاحات فردية. والثاني هو تفعيل الرغبة في نقل حكايات محلية تتعرض بالنقد (أو على الأقل بالعرض) لأوضاع اجتماعية مختلفة. ليس أن كل الأفلام العربية التي خرجت للعروض العالمية حملت نقداً، بل إن بعضها اكتفى بعرض أحداث وشخصيات في بلورة تلتزم بالقصّة الواردة فقط.

مشهد عالمي

المحطات الرئيسية التي يمكن للفيلم العربي استحواذ اهتمامها وتسجيل حضور عالمي أمام النقاد والجماهير هي «كان» و«فينيسيا» و«تورنتو». تتوسع الدائرة لتشمل «لوكارنو» و«برلين» و«روتردام» و«لندن» وبضعة مهرجانات متخصصة بالفيلم غير الروائي مثل «لايبزغ» و«FID» و«فيزيون دو ريل» السويسري، و«سينما دو ريل» الفرنسي. ولكن إذا ما حقق الفيلم نجاحاً مهمّاً في أحد تلك المهرجانات (كما فعل «جزائرهم»، الذي خرج بعدة جوائز من المهرجانات التي عُرض فيها) كان ذلك، غالباً، بداية شق طريق تصاعدية صوب أعمال أخرى وجوائز أكثر.

ومع خروج «أربع بنات» للتونسية كوثر بن هنية، و«كذب أبيض» للمغربية أسماء المدير اللذين تمتعا بعروض مجزية في مهرجان «كان» للعام الحالي، يتبدّى أن السينما العربية (أو بعضها على الأقل)، يستفيد مما بناه سابقاً ويتحوّل إلى إثبات حضوره في المشهد العالمي حالياً.

من فيلم «أكاذيب بيضاء» لأسماء المدير (إنسايت فيلمز)

على نحو مؤكد تمتعت سينمات المغرب العربي (تونس، الجزائر، المغرب) بالعلاقات الثقافية والفنية والإنتاجية المبنية مع فرنسا ودول أوروبية أخرى. هذا ينطلي على السينما التونسية والمغربية أكثر من الجزائرية التي كانت أكثر نشاطاً في العقود السابقة مما هي عليه الآن.

السينما اللبنانية في حوض الشرق الأوسط، تواصل بجهد ملحوظ توفير أعمال جيدة شاهدنا منها في الأعوام القليلة السابقة «كوستا - برافا» لمنية عقل، و«البحر أمامكم» لإيلي داغر، و«أخطبوط» لكريم قاسم، كذلك تفعل السينما الفلسطينية على الرغم من الأوضاع و- عادة - بمساعدات صناديق الدعم في دول خليجية وأوروبية. وحقق الأردن وجوداً لا بأس به عبر الأفلام القليلة المنتجة هناك، آخرها فيلم «إنشا الله ولد» لأمجد الرشيد.

حتى وقت قريب، كانت تلك السينمات المذكورة هي الوحيدة التي تطرق أبواب المهرجانات العالمية وتستوفي شروطها الفنية للاشتراك فيها. لكن الذي حدث في السنوات القليلة الماضية أن السينما السعودية انطلقت بدورها لتثبت حقها في الحضور العالمي. الاستقبال الحافل كان سبق الموجة الحالية عندما باشر كل من محمود صبّاغ وهيفاء منصور بعرض أفلامهما عالمياً.

كان الاستقبال حافلاً بـ«عمرة والزواج الثاني» و«بركة يقابل بركة» للصبّاغ، و«وجدة» و«المرشحة المثالية» لهيفاء المنصور، ذلك لأن الوسطين الشعبي والإعلامي لم يتعوّدا مشاهدة أفلام سعودية من قبل. لكن لا بد من ملاحظة أن حب الاستطلاع لم يفتر بعد عروض أفلام هذين السينمائيين، بل استمر مستقبلاً الجيل التالي لهما من المخرجين السعوديين.

دعم منشود

تبلور هذا التقدّم المنجز خلال أعمال مهرجان «تورنتو» السينمائي، الذي انتهي في 8 سبتمبر (أيلول) الحالي، حيث عرض ثلاثة أفلام سعودية جديدة اثنان منها («ناقة» لمشعل الجاسر و«مندوب» لعلي كلثوم) لسينمائيين سعوديين ومن إنتاج «تلفاز11»، التي تكسب مواقع جديدة متوالية، والثالث هو إنتاج سعودي من إخراج المصري أبو بكر شوقي بعنوان «هجّان».

ليس من بين المخرجين السعوديين في هذه المرحلة من أمضى 10 سنوات أو أكثر في مهنة الإخراج. على عكس بعض سينما الجوار لم يبنِ أحدهم علاقة مهنية مسبقة مع الغرب إلا عندما باشر تحقيق فيلمه الأول. والجامع بينهم أنهم لا يزالون في سن النهضة الشبابية التي تمدّهم بالرغبة والطموح وبمؤازرة «هيئة الأفلام السعودية»، المظلة التي تأسست لغاية صنع السينما السعودية ونشرها.

والحال أن السينما السعودية بوجود هذه المواكبة الرسمية لصناعة وليدة، هي التي تعرض التمويل عوض أن تطلبه كحال العديد من السينمات العربية الأخرى. هذا ما يجعلها قادرة أيضاً على عرض التمويل، شأنها في ذلك شأن الدول الأوروبية المعنية بالإنتاجات العربية.

وفي مهرجان «فينيسيا» الأخير، شاهدنا نماذج من هذا المنهج، فالفيلم التونسي «كواليس» (الذي عرضه قسم «أيام فينيسيا») استفاد من تمويل مؤسسات عالمية عدّة من بينها السعودية، كذلك فعل «خلف الجبال»، الذي جمع تمويله من أقطار متعددة من بينها السعودية.

ما يتعدّى هذا الوضع ويزيد الاهتمام به هو أن السينما العربية ككل، شهدت سابقاً غزواتها الناجحة. كان لا بد من هذه الغزوات ولا بد من نجاحها، وهذا تبلور في أفلام لهاني أبو أسعد («الجنة الآن»)، وإيليا سليمان («يد إلهية»)، وهيفاء المنصور («وجدة»)، ونادين لبكي («كفرناحوم»)، وأبو بكر شوقي («يوم الدين»)، وأمجد أبو العلا («ستموت في العشرين»)، وآخرين عديدين.

على ذلك من الخطأ تجاهل المخرجين السابقين الذين أسسوا محاولات الاندماج في الأسواق العالمية، نجحوا في ذلك أو أخفقوا؛ لكن نجاحهم كان فردياً. هذا ما يمكن قوله بالنسبة للمخرجين التونسيين محمود بن محمود ورضا الباهي (من بين آخرين) وبالنسبة للمخرجين المصريين يوسف شاهين ويسري نصر الله. فما الذي يختلف فعلياً هذه المرّة؟ ولماذا تبدو السينما العربية من الخليج إلى المحيط كما لو أنها في ولادة جديدة؟

ينقسم الجواب إلى قسمين: الأول وجود ذلك الاستعداد الخليجي لدعم الصناعة المحلية (كما في السعودية)، أو الحضور العالمي عن طريق صناديق الدعم (كما الحال في السعودية وقطر). الثاني هو تكاتف الجهود والعلاقات العربية في لبنان وفلسطين ومصر والأردن وتونس والمغرب لمواصلة العمل لاحتلال الموقع المناسب على شاشات العالم.

في كلتا الحالتين، الوقت مناسب والطموح متوفر، كذلك أساليب الدعم وتوفير الميزانيات. الباقي متعلّق بكيف تستطيع المواهب العربية القيام بالمهام الفنية الصحيحة المطلوبة.

أفلام عربية شوهدت العام الحالي

مجموعة من الأفلام العربية الأخرى التي لم تُذكر في هذا التحقيق: العنوان، المخرج، البلد، التقييم.

‫1- ‬«القفطان الأزرق» مريم توزاني (المغرب)

2- «أشكال» يوسف الشابي (تونس)

3- «حرقة» يوسف ناتان (تونس)

4- «أفنية الغراب» محمد السلمان (السعودية)

5- «الثلث الخالي» فوزي بن سعيدي (المغرب)

6- «قلق في بيروت» زكريا جابر (لبنان)

7- «أنا يوسف يا أبي» محمد ملص (سوريا)

8- «الكلاب» كمال الأزرق (المغرب)

9- «ملكات» ياسمين بنكيرون (المغرب)

10- «اليد الخضرا» جمانة منّاع (فلسطين)


مقالات ذات صلة

ريهام عبد الغفور تخلع عباءة التراجيديا وتتجه للكوميديا في موسم العيد

يوميات الشرق حصدت ريهام إشادات نقدية وجماهيرية واسعة من خلال دورها في «حكاية نرجس» (الشركة المنتجة)

ريهام عبد الغفور تخلع عباءة التراجيديا وتتجه للكوميديا في موسم العيد

خلعت الفنانة المصرية ريهام عبد الغفور عباءة التراجيديا التي تألقت فيها خلال دراما رمضان عبر مسلسل «حكاية نرجس»، لتقدم دوراً كوميدياً في فيلم «برشامة».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق جانب من كواليس تصوير فيلم «اعترافات سفاح التجمع» (حساب المخرج على فيسبوك)

جدل في مصر بعد وقف عرض «اعترافات سفاح التجمع»

أوقفت «هيئة الرقابة على المصنفات الفنية» في مصر عرض فيلم «اعترافات سفاح التجمع» بعد وقت قصير من طرحه بالصالات السينمائية مع انطلاق موسم عيد الفطر السينمائي.

أحمد عدلي (القاهرة)
سينما مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج.

محمد رُضا (لندن)
سينما  هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»).

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)

«منافسة خجولة» في موسم عيد الفطر السينمائي بمصر

يشهد موسم عيد الفطر السينمائي في مصر منافسة خجولة؛ إذ ينافس فيه 4 أفلام جديدة فقط.

داليا ماهر (القاهرة )

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.