«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا: ارتفاع الإقبال على المشاهدة يدحض التوقعات

فيلم مؤلم عن الهجرة وآخر عن رجل محتال

وودي ألن يُخرج مشهداً من «انقلاب حظ» (غرافييه برودكشنز)
وودي ألن يُخرج مشهداً من «انقلاب حظ» (غرافييه برودكشنز)
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان فينيسيا: ارتفاع الإقبال على المشاهدة يدحض التوقعات

وودي ألن يُخرج مشهداً من «انقلاب حظ» (غرافييه برودكشنز)
وودي ألن يُخرج مشهداً من «انقلاب حظ» (غرافييه برودكشنز)

أعلن مهرجان فينيسيا في دورته الثمانين المُقامة ما بين 30 أغسطس (آب) الماضي و9 سبتمبر (أيلول) الحالي، عن قفزة كبيرة شهدتها عروض الأفلام في النصف الأول من الدورة، بالنسبة إلى عدد المشاهدين من مشتري البطاقات.

للتنويه، ثمة نوعان من الحضور: المدعوّ للمشاهدة بتذاكر مجانية (سينمائيون وصحافيون ونقاد)، وعشاق السينما من الجمهور العادي، الذي عليه شراء التذاكر.

وفق المُعلَن، ارتفع عدد التذاكر المُباعة 9 في المائة عمّا كان عليه في العام الماضي، إذ بلغ عدد مشتريها 35 ألفاً و375 شخصاً. أما بالنسبة إلى إقبال ذوي التذاكر المجانية، فبلغت الزيادة 17 في المائة عمّا كانت عليه في العام الماضي.

بالجمع بين التذاكر المجانية للمحترفين والمُباعة للجمهور العام، فإنّ العدد الإجمالي هو 114 ألفاً و851 شخصاً، بزيادة 18 في المائة عن إجمالي العدد في العام الماضي. هذه الأرقام ليست نهائية، بل تتوقّف عند اليوم السابع من أيام المهرجان الإيطالي العريق.

هذا، باعتراف مسؤولي المهرجان أنفسهم لدى سؤال ثلاثة منهم، لم يكن مُتوقَّعاً. ذلك لأنّ إضراب هوليوود أشاع نوعاً من التحذير للمهرجان قبل انعقاده، مفاده عدم توقُّع اهتمام كبير بدورة هذا العام من مرتاديه الدائمين، وهم النقاد والإعلاميون، ولا من الجمهور الذي اعتاد استغلال المناسبة لمتابعة بانوراما ثرية من الأفلام الجديدة وبعض الكلاسيكيات.

طرف يؤيّد وطرف يتظاهر

النجاح الحالي ألغى تلك المخاوف، لكنه أيضاً مناسبة للفت اهتمام هوليوود إلى أنّ المهرجانات العالمية (خصوصاً الثلاثة الرئيسية؛ برلين وكان وفينيسيا) لا يمكن تجاهل أهميتها على صعيد تشجيع الصناعة ودفع عجلاتها إلى الأمام. فالمهرجان أصدر بياناً قال فيه إنه يأمل في نهاية مُرضية للأطراف جميعاً فيما يتعلّق بإضراب الممثلين والكتّاب. لم يكن البيان حيادياً، بل وخز خاصرة الاستوديوهات المُمتنعة عن الاستجابة لطلب المُضربين زيادة أجورهم وتحصين مستقبلهم ضد الاستنباطات التكنولوجية التي من شأنها الإضرار بالممثلين (عبر الاستنساخ) وبالكتّاب (عبر الاعتماد على سيناريوهات تنتجها تلك التقنيات من دون جهد بشري).

الوخزة جاءت في نهاية البيان، إذ قال: «يمثّل المهرجان فعل الاحترام والتأييد للفنانين والمؤلّفين المُضربين (خصوصاً) الذين حضروا المهرجان منهم».

المخرجون وبعض الممثلين صرّحوا بتأييد الإضراب وبأنهم يريدون للنقابتين (الممثلين والكتّاب) الإصرار على تحقيق الأهداف التي رفعوها إلى الاستوديوهات. في هوليوود، المحادثات مجمّدة الآن بعد الجولة الأخيرة في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي.

إلى ذلك، فإنّ استقبال فيلم وودي ألن «انقلاب حظ» قبل يومين، عندما قُدِّم في الحفل المسائي، شهد ترحيباً كبيراً من رئيس المهرجان ألبرتو باربيرا، في مقابل مظاهرة نسائية ضد المخرج، قادتها نساء أردن إيصال أصواتهن المعارِضة لاستقباله بسبب تهم جنسية برأته المحكمة الأميركية منها.

هذا الموقف كان مُتوقَّعاً، ولن يغيّر في مسيرة المهرجان شيئاً. سيمضي وودي ألن معظم العام المقبل باحثاً عن مموّل مستقلّ، وهو شرطه للاستمرار. في مقابلة لمجلة «فارايتي» قبل أيام، قال: «هذا الفيلم (انقلاب حظ) هو فيلمي الخمسون وبعده لا أدري. قد أتوقّف عند هذا الحد من الأفلام لأنّ البحث عن التمويل بات أصعب من قبل. يتطلّب جهداً استثنائياً وكبيراً في مثل هذه الظروف. إذا وجدت المموّل المستقلّ، فكرتُ بالاستمرار؛ لكن ليس قبل ذلك».

بالنسبة إلى رومان بولانسكي، فإنّ الرجل لن يقدر على العودة إلى مهرجان فينيسيا قبل عامين أو ثلاثة إذا ما أراد بدوره الاستمرار - قال إنّ فيلمه الجديد، «القصر»، هو آخر أفلامه - هذا يضع المخرج الفرنسي لوك بيسون، الذي عرض «دوغمان» ضمن مسابقة الدورة الحالية، في الواجهة. هو قادر على العمل بوتيرة سريعة، لكن عليها أن تكون أسرع من المعتاد، إذا ما أراد الاشتراك في الدورة المقبلة، وهذا مُستبعد.

بين الأفلام الثلاثة، نال «دوغمان» الحظ الأوفر من الترحيب النقدي. «انقلاب حظ» جاء ثانياً، وحلَّ «القصر» أخيراً. لكن عجلة العروض لا تتوقف عند آراء الجمهور أو المحترفين، وسط أفلام تجاوزت الأعمال الثلاثة المذكورة.

حكاية رون الذي هو غاري

أحد الأفلام البديعة التي شوهدت هنا خلال اليومين السابقين، هو «ضارب» للمخرج ريتشارد لينكليتر، الذي عادة ما ينجز أفلامه كمؤلف مستقلّ وينال على غالبيتها مديح النقاد والجمهور المتخصّص.

هذه المرة، يحيد عن درب الاستقلالية، ولو في المبدأ. فيلمه مثل معزوفة جاز تتنوّع مفاتيحها وتتنقّل أنغامها من الكوميدي إلى البوليسي، من دون أن تخفف من درجة حضورها الساخر. في جانب آخر، هو مثال لفيلم «نوار» حديث، إذا لم يكن بسبب أجوائه (وبعض اللقطات السريعة لأفلام «نوار» سابقة)، فبسبب أنّ التيمة تتبع تيمة معظم ذلك الصنف من الأفلام والدراميات البوليسية.

نتعرّف إلى غاري (غلين باول)، يلقي محاضراته في الجامعة حول الفرد والمجتمع من منظور فلسفي. هو ماهر ويعرف عما يتحدّث وكيف يجعل محاضراته مسلّية ومفيدة. سنلحظ أنّ عدد طلابه ارتفع في نهاية الفيلم، فإذا بكل المقاعد ممتلئة ومهتمة بما يقوله.

لدى غاري عمل آخر، فهو يساعد في التنصّت ورسْم صور لشخصيات كل منها ينوي تنفيذ جريمة. لا نزال في مطلع الفيلم عندما يُرشَّح غاري لدور «الهِت مان»، الذي سيقابل (باسم آخر وشخصية مختلفة) أي شخص يتصل به لتنفيذ جريمة قتل. سيستمع إليه. سيعده بتلبية طلبه مقابل المبلغ المُتفق عليه وسينجز المهمّة في أقرب فرصة. كل هذا مسموع لفريق من المساعدين، وبمجرّد خروج غاري (بات اسمه رون)، يقتحم الفريق المكان للقبض على ذاك الذي اعتقد أنه استأجر قاتلاً لتنفيذ جريمته.

بين هؤلاء امرأة متزوّجة تدعى ماديسون (أدريا أرخونا التي تشبه سلمى حايك في شبابها)، تريد من رون قتل زوجها لأنه عنيف. عوض أن يوافقها، بعدها يراها مُكبّلة بالأصفاد وهي تُساق إلى مركز الشرطة، من ثَم إلى المحكمة؛ يقنعها بعدم التفكير بهذه الخطّة وطلب الطلاق والتمتع بحياة خاصة بعيداً عن زوجها. بينما يثير ذلك غضب مسؤولي غاري/ رون، تشعر المرأة بالانجذاب إلى شخصيته ويبادلها سريعاً الإعجاب، فينطلقان في علاقة عاطفية بعد طلاقها من زوجها.

هنا تدخل تيمة الفيلم «نوار»، فالمرأة في هذه الأفلام أداة هدم للبطل الرجل. قد تخونه، قد تدفعه إلى إفلاس أخلاقي أو مادي، أو قد تحاول قتله. في فيلم «نفس مقطوع» (أول أفلام الفرنسي جان - لوك غودار)، عبارة يقولها جان - بول بلموندو مفادها أنّ المرأة التي يقع في غرامها الرجل هي المرأة التي تدمّره. هذا ما يحدث هنا مع فارق أنّ القصّة ستُصوّر الاثنين وقد احتالا على القانون (بعدما قتلت زوجها السابق بالفعل)، وها هما يتزوّجان ويُرزقان بطفل.

مهاجرون بين جحيمين

على بُعد 180 درجة، ثمة فيلم جادّ ومؤلم توفره المخرجة البولندية أغنيشكا هولاند يحاكي معاناة المهاجرين غير الشرعيين في الغرب. تكاثرت الأفلام التي تناولت هذا الموضوع في السنوات العشر الأخيرة تبعاً للهجرة المتواصلة عبر شمال أفريقيا، التي تلت بداية الحرب في سوريا. لكن «الحدود الخضراء» المموَّل من 5 شركات أوروبية خاصة (بولندا، وألمانيا، وفرنسا، والتشيك وبلجكيا) يتجاوز معظمها بحجم حضور الواقع فيه، وبإمعانه تصوير قسوة الشرطة تجاه الهاربين من جحيم الحرب إلى جحيم آخر لم يكن في حسبانهم.

يبدأ الفيلم (المقسّم إلى 5 أجزاء) بفصل عنوانه «العائلة»، عن عائلة سورية مؤلّفة من الجد وابنه وزوجة الابن وأولاده الثلاثة. يتواصلون مع أحد أقاربهم في السويد الذي توقّع مرورهم من أراضي بيلاروسيا إلى تلك البولندية، ومنها إلى السويد. لكن لا شيء من ذلك تم وفق المُتوقَّع.

تزامن وصول العائلة (بينها امرأة مسلمة، لكنها غير عربية) إلى الحدود بين بيلاروسيا وبولندا، مع بدء الضرب الوحشي من شرطة الجانبين. العائلة وسواها من المظلومين يجدون أنفسهم حيناً في بيلاروسيا وحيناً في بولندا. الطرف الأول ينفيها بعد الضرب إلى الثاني، والثاني ينفيها بعد الضرب إلى الأول.

في الأثناء، تقع مآسٍ عدّة: العائلة تفقد طفلاً غرق في مستنقع، الجدّ ينفصل عن العائلة (لا نراه بعد ذلك). الزوجة تفقد طفلها خلال الإنجاب.

تنتقل المخرجة المخضرمة هولاند، بالتناوب، ما يحدث للعائلة وسعي نساء في الريف المجاور إلى مساعدتها قدر الإمكان. ينجحن حيناً ويفشلن حيناً آخر، لكنهن مصرّات على مساعدة من تبقى منهم للجوء إلى السويد بعد كل هذا الشقاء.

الفيلم بالأبيض والأسود، يكاد يفلت من يدي مخرجته في منطقة الوسط، حيث بعض التكرار، لكن ما ينقذه هو صدقه وواقعيته والرغبة المخلصة في عرض الحال كما هي، رغم أنه فيلم مؤلّف، غير مقتبس عن واقعة حقيقية، ولو أن ما يُسرد مُستنتج من حقائق.

ممثلون عرب غير معروفين يتوّجون هذا الجهد: بهية عطية، وجلال الطويل، ونديم سليمان وداليا نعوس. يمكن للمرء أن يتصوّر صعوبة انتقال هؤلاء من حالاتهم إلى تجسيد المرارة التي تعيشها شخصياتهم.


مقالات ذات صلة

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

يوميات الشرق وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

قال المخرج السويسري، مارسيل فايس، إن فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق المعهد العالي للسينما في مصر (فيسبوك)

أزمة في «أكاديمية الفنون» المصرية فجّرها قسم التصوير بمعهد السينما

أصدرت أكاديمية الفنون المصرية، التابعة لوزارة الثقافة، بياناً حول الأزمة التي أثيرت بخصوص إلحاق طالب بالدراسات العليا في قسم التصوير بمعهد السينما.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
سينما «ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين

محمد رُضا (لندن)
سينما «الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال.

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
TT

أفلام ستانلي كوبريك العسكرية تقاوم منطق الحرب

«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)
«ممرات المجد» (يونايتد آرتستس)

أنجز المخرج الأميركي ستانلي كوبريك (1928 - 1999) 13 فيلماً طويلاً، من بينها 5 أفلام تدور حول حروب مختلفة. بدأ مصوراً صحافياً لمجلة «لايف»، ثم أخرج فيلمين قصيرين على الأقل قبل أن ينتقل إلى الأفلام الطويلة، بدءاً بفيلم «خوف ورغبة» (Fear and Desire) سنة 1952.

أما الأفلام التي لا تدور حول حروب عسكرية مباشرة أو احتمالاتها فهي: «قبلة القاتل» (Killer’s Kiss، 1955)، و«القتل» (The Killing، 1956)، و«سبارتاكوس» (1960)، و«لوليتا» (1962)، و«2001: أوديسا الفضاء» (1968)، و«البرتقالة الآلية» (A Clockwork Orange، 1971)، و«باري ليندون» (1975)، و«اللمعان» (The Shining، 1980)، و«عينان مغمضتان باتساع» (Eyes Wide Shut، 1999).

ستانلي كوبريك في التصوير (وورنر برذرز)

الخوف الكبير

أفلام كوبريك الحربية 5، يتبع كل منها أسلوباً مختلفاً في نقد الحرب. بدأت هذه السلسلة سنة 1952 بفيلمه المتواضع «خوف ورغبة»، وانتهت سنة 1987 بفيلم «سترة معدنية كاملة» (Full Metal Jacket).

أفلام كوبريك الحربية ليست أفلام إثارة أو أكشن بالمعنى التقليدي، بل تضمن التشويق من خلال طرح إنساني عميق، وشخصيات تستحق التأييد والتعاطف، بصرف النظر عن مواقعها. قد تكون الحرب هي الحرب العالمية الأولى، أو حرب ڤيتنام، أو حرباً غير محددة المكان. ما يهم كوبريك هو تصوير شخصياته في الأزمات، والربط بين تصرفاتهم الفردية وبنية الحرب العامة وعبثها.

يتبدّى ذلك في فيلمه الأول في هذه المجموعة «خوف ورغبة»: 4 جنود في حرب غير محددة الجبهات أو الهوية، حيث يتوازى الخوف من العدو مع الخوف من الضياع في أرض مجهولة، وتتداخل الرغبة في النجاة مع غريزة البقاء. الفيلم متواضع التنفيذ، لكنه ذو دلالة.

«سترة معدنية كاملة» (وورنر برذرز)

لم يكن كوبريك راضياً عن هذا الفيلم، وتشير بعض الروايات إلى أنه حرق النيغاتيف، غير أن نسخاً منه مسجلة بقيت متداولة حتى اليوم.

الفيلم التالي هو «ممرات المجد» (Paths of Glory) سنة 1957، وهو أول فيلم كبير الإنتاج (والرابع في مسيرته) ينجزه كوبريك. الفيلم مقتبس عن رواية معادية للحرب ألّفها همفري كوب، وكتب السيناريو الروائي البوليسي جيم تومسون، الذي سبق أن كتب فيلم «القتل» (The Killing)، ولاحقاً شارك في كتابة فيلم سام بيكنباه «The Getaway». ينتمي الفيلم إلى الأعمال التي أرَّخت للحرب العالمية الأولى، مثل All Quiet on the Western Front» (1930)» للويس مايلستون، وThe Big Parade» (1925)» لكينغ ڤيدور، وكلاهما من أبرز الأفلام الحربية.

يقدّم كوبريك منظوراً يقوم على الدفاع عن الجندي العادي واتهام القيادة العسكرية بالفشل والتضحية بالجنود. أدَّى كيرك دوغلاس دور الضابط داكس، الذي يعارض إرسال فرقته الفرنسية لمواجهة الألمان في مهمة محكوم عليها بالفشل.

من خلال هذه الشخصية، يبرز الفيلم بوصفه عملاً معادياً للحرب، إذ يدرك داكس أن أوامر القيادة الفرنسية بمهاجمة القوات الألمانية غير واقعية، وأن مصيرها الفشل، مؤيداً تمرُّد بعض جنوده في مواجهة القيادة العسكرية.

كما يعقد كوبريك مقارنة واضحة بين حياة الجنرالات المريحة، من طعام وشراب ونوم بعيداً عن أصوات المدافع، وحياة الجنود في الخنادق تحت خطر الموت، مع نقص حاد في المؤن. وقد دفعت هذه الرسالة السلطات الفرنسية إلى منع عرض الفيلم حتى عام 1975.

تضحيات مجانية

الفيلم اللاحق لم يكن حربياً بالمعنى التقليدي، إذ لا تدور أحداثه في ساحة حرب مباشرة، بل يتناول حرباً محتملة بين القوتين العظميين: الولايات المتحدة والاتحاد السوڤياتي. إنه «دكتور سترينجلوڤ، أو: كيف تعلمت التوقف عن القلق وأحببت القنبلة» (1964).

الفيلم كوميديا سوداء عن الحرب الباردة، تنضح بمواقف سوريالية. تدور أحداثه حول طائرة لا يمكن استعادتها بعد إطلاقها، وهي تحمل قنبلة نووية متجهة لضرب موسكو. يحاول رئيس الجمهورية الأميركي (بيتر سلرز) تفادي ضربة انتقامية عبر الاتصال بالرئيس السوڤياتي (نسمعه ولا نراه)، معتذراً عن الخطأ ومشيراً إلى أن بعض صقور اليمين في إدارته يقفون وراءه.

إلى جانبه يظهر الدكتور سترينجلوڤ (يؤدي دوره سلرز أيضاً)، المستشار المقعد ذو الأطراف الميكانيكية، الذي يبدو خالياً من أي عاطفة إنسانية. كما يؤدي سلرز دور الضابط البريطاني ليونيل، الذي يحاول فهم السبب الذي دفع الجنرال ريبر (سترلينغ هايدن) إلى إطلاق الهجوم النووي. وفي الطائرة، يظهر الطيار الذي يؤدي دوره سليم بيكنز، والذي اختاره كوبريك لما عُرف به من أدوار في أفلام الغرب الأميركي. الفيلم ذو تركيبة مجنونة، يحمل تحذيراً واضحاً من ويلات حرب نووية محتملة.

يصوِّر كوبريك شخصياته في الأزمات رابطاً بين أفعالهم الفردية وبنية الحرب وعبثها

أما فيلمه الحربي الأخير فهو «سترة معدنية كاملة» (1987)، وقد قسَّمه كوبريك بإحكام إلى جزأين متكاملين. يدور الجزء الأول في مركز تدريب عسكري أميركي، حيث يتعرض أحد المجندين (ڤنسنت دونوفريو) لمعاملة قاسية من قبل الضابط المسؤول، مما يدفعه في النهاية إلى الانتحار.

ومع موته، ينتقل الفيلم إلى ساحة المعركة في ڤيتنام، حيث يطرح كوبريك نقداً مباشراً للحرب وتساؤلات حول مغزاها ومعناها. الجنود الأميركيون يقتلون ويُقتلون، ويقدّم المخرج مشهداً لفتاة ڤيتنامية شابة تتصدى لهم، في دلالة رمزية واضحة.

في معظم أفلام كوبريك، ثمة مواجهة حاسمة مع «الآخر»: مع الحاسوب في «2001: أوديسا الفضاء»، ومع المجتمع الذي ينتج العنف في «البرتقالة الآلية»، ومع الانهيار النفسي الفردي في «اللمعان».

أما فيلمه الأخير «عينان مغمضتان باتساع»، فيدور حول جماعة سريَّة تتيح لأعضائها الانغماس في الشهوات بلا قيود، وليس هذا العالم السري الذي يرسمه كوبريك بعيداً تماماً عن الواقع، إذ كشفت قضايا حديثة، مثل قضية جيفري إبستين، عن شبكات مغلقة تتقاطع فيها السلطة مع الرغبات والنفوذ.


شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد- من الانقلاب إلى الطوفان: 3 أفلام بين السياسة والكارثة

«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)
«الحظيرة الحمراء» (مهرجان برلين)

THE RED HANGAR

★★★★★

إخراج:‫ خوان بابلو سالاتو‬

تشيلي/ فرنسا (2026)

فيلم آخر من أفلام أميركا اللاتينية السياسية

ما زالت بعض أهم الأفلام السياسية تأتي من دول أميركا اللاتينية التي عايشت أوضاعاً وتقلبات عنيفة مع انتقال سلطة قائمة إلى أخرى، غالباً بالعنف وحملات الاعتقال والاضطهاد.

في «الحظيرة الحمراء» (والمقصود بها حظيرة مطار)، مستوحى من قصة واقعية عن ضابط الطيران جورج سيلڤا (يؤديه نيكولاس زاراتي)، يشهد الانقلاب العسكري الذي طوى صفحة الرئيس المنتخب ديمقراطياً سلڤادور أليندي عام 1973. صاحب الانقلاب العسكري حملات اعتقال لآلاف المؤيدين واليساريين.

الضابط سيلڤا يؤكد التزامه بالتعليمات العسكرية، ويكرِّر أنه مجرد بيدق في الخدمة وسينفذ ما يُؤمر به، لكنه في الوقت نفسه يشعر بالأسى لما يشاهده. يحاول السيطرة على مشاعره والبقاء على الحياد، لكن علاقته بالكولونيل الذي أشرف على تحويل الحظيرة إلى سجن تعذيب كانت متوترة.

في النهاية يُطرد من الخدمة ويدخل السجن لثلاث سنوات (وقد توفي في لندن قبل عامين).

لا مجال لسرد أحداث الفيلم (83 دقيقة)، إذ يقوم على حكاية محدودة التنوع تُمعن في تصوير المشاعر، يواكبها حوار مقتصد، ويرتكز أساساً على أداء زاراتي المتماسك خارجياً والمنفعل داخلياً.

هذا هو الفيلم الأول لمخرجه، وقد اختار تصويره بالأبيض والأسود تعبيراً عن ظلام تلك الفترة. لا تفوته لمحات تفصيلية ولا ملامح مكبوتة يعكسها الممثلون. هناك لقطات عديدة تنتمي إلى التفاصيل الملتقطة بعناية، وكل واحدة منها تؤكد موهبة مخرج يدرك تماماً كيف يلتقط اللحظة ويوظفها في فيلمه.

وتبرز هذه الصياغة الفنية في استخدام الصوت والموسيقى، في المقابل يعرض الفيلم ببساطة كيف تؤول التطورات، التي تدفع بقيادة المطار العسكري نحو القبول المطلق، خوفاً من عاقبة الكولونيل الذي بات الحاكم بأمره، ويحمل ثأراً قديماً ضد سيلڤا سيستخدمه حين يشاء.

ANCESTOR

★★★

إخراج: آدم خليل وزاك خليل

تسجيلي | الولايات المتحدة (2026)

بحث عن عظام مسروقة للسكان الأصليين

يستخدم هذا الفيلم عنواناً أصلياً لقبيلة من مواطني الولايات المتحدة، يعود تاريخ وجودها في ولاية ميشيغان إلى آلاف السنين، شأنها شأن باقي قبائل السكان الأصليين في أميركا. العنوان المستخدم هو «Aanikoobijigan»، ويعني «الأجداد».

الفيلم، من إخراج الأخوين آدم وزاك خليل، معني بسرد كيف تمكنت تلك القبيلة، عبر سنوات طويلة، من استعادة العظام التي نُبشت وسُرقت لتوضع في المتاحف من دون إذن أو حقوق.

«أسلاف» (مهرجان صندانس)

حسب المعتقدات المتوارثة، فإن أرواح الموتى الذين سُرقت عظامهم ستبقى هائمة إلى أن تعود تلك العظام إليها. المهمة صعبة، لذلك شُكِّلت مؤسسة ثقافية لحفظ التراث، وقد وُوجهت هذه المؤسسة، في البداية ولسنوات عدة، بتمنُّع المتاحف عن الاستجابة.

يشرح الفيلم ذلك عبر مقابلات مع شخصيات عدة (من القبيلة ومن البيض المؤيدين)، وينتهي بنجاح المحاولة واستعادة تلك العظام المنهوبة.

إنه فيلم غير متوقع من حيث الموضوع، ومباشر في تنفيذه وصنعته، يراد به توجيه الاهتمام إلى صورة من سوء معاملة البيض للسكان الأصليين. وفي فحواه، هو فيلم عن تاريخ من النظرة الفوقية التي لا تعير اهتماماً لأي معتقد أو تراث، ما يعكس عنصرية سادت التاريخ الأميركي منذ مئات السنين وحتى اليوم.

كان من الممكن إحداث بعض التنوع في الأسلوب المباشر للفيلم وانتقالاته بين الأطراف المختلفة ومواقفها، لكن، مع ذلك، فإن ما يقدمه ببساطة كافٍ لإثارة الموضوعات التي يطرحها.

THRASH

★★

إخراج: تومي ويركولا

كوارث | الولايات المتحدة (2026)

طوفان وأسماك قرش وضحايا

أفلام الكوارث، غالباً، كوارث فنية، تستغل فكرة: ماذا يمكن أن يحدث لو ضرب زلزال أو إعصار أو فيضان أو نيزك الأرض؟ خلال استعراض الحكايات، يتم تقديم أشخاص في أزمات ومواقف تنذر بالموت؛ بعضهم يموت فعلاً، والبعض الآخر ينجو قبيل إسدال الستار.

«سحق» (نتفليكس)

«سحق» (وهو عنوان غريب لفيلم) يدور حول إعصار يضرب بلدة ساحلية. ينجح قليلون في الفرار قبل وصوله، الذي يسبب فيضان البحر ويغطي الشوارع والطوابق السفلية من المنازل. لكن هذا ليس كل شيء؛ فهناك أسماك قرش تجول الآن في البلدة، تبحث عما تأكله من البشر.

ينتقل الفيلم، وفق إيقاع المخرج، بين حكايات شخصيات عدة تواجه العاصفة والطوفان والأسماك في وقت واحد، بدلاً من أن يمسك بزمام السرد عبر قصة واحدة أو اثنتين.

هناك تنفيذ نمطي بعيد عن الإبداع، وتمثيل مبرمج يسوده الخوف والصراخ. بعض الشخصيات مقدَّم على أساس أنه يستحق الموت، وأخرى تستحق الحياة، هكذا، وبكل سذاجة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)
TT

«غودفيلاز» في السينما السعودية... حين يصبح العنف أسلوب حياة

روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع  راي ليوتا (imdb)
روبرت دي نيرو في مشهد من الفيلم مع راي ليوتا (imdb)

في وقتٍ تشهد فيه السينما السعودية تنوّعاً في العروض بين الجديد والكلاسيكي، يعود الفيلم الأيقوني «Goodfellas» («غودفيلاز» أو «الأصدقاء الطيبون») للمخرج مارتن سكورسيزي، الصادر عام 1990، إلى صالات العرض بوصفه واحداً من أكثر الأعمال رسوخاً في سينما العصابات. ويأتي عرضه اليوم، بتوزيع «سينيويفز»، بعد أكثر من 35 عاماً على طرحه الأول، ضمن حراك سينمائي أوسع يستعيد أعمالاً تركت بصمتها في تاريخ السينما، وامتدَّ تأثيرها عبر أجيال متعاقبة من المشاهدين.

ويستمد الفيلم قيمته من مكانته بوصفه أحد أبرز الأعمال تأثيراً في تناول عالم الجريمة المنظمة. وتأتي إعادة عرضه في صالات السينما السعودية ضمن توجه متزايد لإحياء أفلام بارزة أمام جمهور جديد، في تجربة تمنحها حياة إضافية خارج زمنها الأصلي. وخلال السنوات الأخيرة، استقبلت دور العرض السعودية عدداً من العناوين التي عادت إلى الشاشة، مثل: «تايتانيك» (1997) و«إنترستلر» (2014)، إلى جانب روائع سينمائية أخرى.

قصة حقيقية... صعود داخل العصابات

رجال العصابة بالفيلم في محاكاة للقصة التي رواها هنري هيل للصحافة (imdb)

يستند «غودفيلاز» إلى قصة حقيقية جرت أحداثها بين الخمسينات والسبعينات من القرن الماضي، داخل عالم الجريمة المنظمة في نيويورك. ويروي الفيلم حكاية هنري هيل (راي ليوتا)، الشاب الذي نشأ في حيٍّ تحكمه العصابات، وانجذب منذ طفولته إلى ما تمثِّله من قوة ونفوذ، ليتسلل تدريجياً إلى هذا العالم. وتتحول حياته من مراقبة الحلم إلى عيشه، ثم إلى مواجهة ثمنه.

يستند السيناريو إلى كتاب للصحافي نيكولاس بيليجي، الذي وثّق تجربة هنري من الداخل، اعتماداً على شهادته الشخصية وما ارتبط بها من أحداث وعلاقات وشخصيات حقيقية.

وخلال رحلته، يتعرَّف هنري إلى عدد من رجال العصابات، أبرزهم جيمي كونواي (روبرت دي نيرو)، الرجل الهادئ الذي تستند سلطته إلى الحضور والحسابات الدقيقة بعيداً عن الصخب، وتومي ديفيتو (جو بيشي)، بشخصيته الحادّة والمتقلّبة، القادر على تحويل المزاح إلى خطر في لحظة.

وفي خضمّ هذا العالم، يرتبط هنري بكارين هيل (لورين براكو)، فيتزوجها وينجب منها طفلتين. تدخل كارين هذه التجربة بدافع الإعجاب به، لكنها تجد نفسها تدريجياً داخل دوامة يصعب الخروج منها.

مشاهد أيقونية... راسخة في الذاكرة

والدة سكورسيزي الحقيقية تظهر في مشهد من الفيلم (imdb)

وقدم سكورسيزي في الفيلم أسلوباً بصرياً مختلفاً عن السائد آنذاك، جعل كثيراً من مشاهد «غودفيلاز» تُصنَّف بوصفها لقطات أيقونية تُدرَّس في بعض الجامعات. ومن أبرزها اللقطة الطويلة التي تتابع هنري وكارين في أثناء دخولهما المطعم من الباب الخلفي، متجاوزين انتظار الدور، في تجسيد واضح لطبيعة العالم الذي يعيشان فيه، وحجم النفوذ الذي بلغه هنري، حيث يصبح الوصول امتيازاً، وتُزال الحواجز.

ومن المشاهد اللافتة أيضاً مشهد «هل أنا مضحك؟»، الذي يبدأ بأجواء مرحة داخل مطعم، حين يضحك هنري على تعليق لتومي ويصفه بأنه «مضحك»، قبل أن تنقلب النبرة فجأة، مع سؤال تومي الحاد: «هل أنا مضحك؟ هل تراني مهرجاً؟». سؤال يبدو عابراً، لكنه يتحوَّل إلى اختبار قوة صامت يكشف عن توتر كامن خلف المزاح. وتنبع قوة المشهد من أداء جو بيشي، الذي يتنقّل ببراعة بين الضحك والحدّة في لحظات خاطفة، مانحاً الشخصية طابعاً متقلّباً ومقلقاً، وهو ما أسهم في فوزه بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل مساعد عن دوره في الفيلم.

روبرت دي نيرو... العقل الهادئ

روبرت دي نيرو في دور مجرم العصابات الحقيقي جيمي (imdb)

أما روبرت دي نيرو، فجسَّد شخصية جيمي كونواي، المستوحاة من المجرم الحقيقي جيمس بيرك، أحد أبرز الأسماء المرتبطة بعالم السرقة المنظمة في نيويورك خلال السبعينات. وكان بيرك العقل المدبر لعملية سرقة «لوفتهانزا» الشهيرة عام 1978، وهي من كبرى عمليات السرقة في تاريخ الولايات المتحدة، حيث جرى الاستيلاء على ملايين الدولارات من مطار جون إف كينيدي.

وتعامل دي نيرو مع الدور ببحث دقيق؛ إذ تواصل مع هنري هيل الحقيقي للوقوف على تفاصيل شخصية بيرك، من طريقة التدخين وحمل السيجارة إلى الإيماءات الدقيقة وأسلوب التعامل مع المحيطين به. وانعكست هذه الملاحظات على أدائه، حيث جاء كثير من التفاصيل الجسدية، مثل حركة اليدين، وطريقة النظر، والهدوء المتعمّد قبل اتخاذ قرار عنيف، مبنية على وصف هنري هيل للشخصية الحقيقية.

ويُعد هذا الدور من أبرز تعاونات دي نيرو مع مارتن سكورسيزي، ويأتي ضمن سلسلة أدوار أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد أهم من جسّدوا شخصيات الجريمة المنظمة في السينما الأميركية.

العنف بوصفه حياة يومية

لورين براكو تؤدي دور زوجة هنري هيل (imdb)

يقدّم الفيلم العنف بوصفه جزءاً طبيعياً من الحياة داخل هذا العالم، حيث تتعامل الشخصيات مع الخطر بالقدر نفسه الذي تتعامل به مع تفاصيلها اليومية، مما يضفي على التجربة قسوة مضاعفة. وفي كثير من المشاهد، يظهر العنف بشكل مفاجئ، قبل أن تعود الحياة إلى إيقاعها المعتاد، في تناقض حاد يترك أثراً عميقاً. ويتجلّى ذلك في مشهد العشاء داخل منزل والدة تومي، حيث تجتمع أجواء عائلية هادئة، وحديث بسيط وطعام منزلي، في وقت يدرك فيه المشاهد أن الحاضرين كانوا منخرطين في فعل عنيف قبل لحظات.

ويزداد المشهد تأثيراً بكون والدة تومي هي في الواقع والدة المخرج سكورسيزي، وقد جاء ظهورها بعفوية لافتة، إذ يبدو الحوار طبيعياً إلى حد مربك، كما لو أن الكاميرا التقطت لحظة من الحياة كما هي. هذا التداخل بين الألفة والخطر يمنح المشهد وزناً خاصاً، ويجعله عالقاً في الذاكرة.

الزمن في إيقاع الصوت

المخرج مارتن سكورسيزي يتوسط نجوم الفيلم (imdb)

يلعب الصوت في «غودفيلاز» دوراً محورياً في بناء التجربة، لا سيما من خلال التعليق الصوتي لهنري هيل (راي ليوتا)، الذي يرافق الأحداث ويكشف عن طبقات من وعي الشخصية، مقرّباً المتفرج من عالمها الداخلي بدل الاكتفاء بالمراقبة من الخارج. كما ترتبط الاختيارات الموسيقية بزمن الأحداث، مانحة الفيلم إحساساً دقيقاً بالحقبة، وتضع المشاهد داخل أجواء نيويورك في الستينات والسبعينات، حيث يتقاطع صعود العصابات مع التحولات الاجتماعية والثقافية.

ورغم أن الفيلم يتحرك داخل عالم يهيمن عليه الرجال، فإن شخصية كارين هيل (لورين براكو) تمنح الأحداث بعداً مختلفاً، إذ تكشف عن أثر هذا العالم على الحياة الخاصة. ومن خلال منظورها، يتجلّى التوتر بين الانجذاب إلى السلطة والخوف من تبعاتها، وكذلك بين البحث عن الأمان والانزلاق إلى الخطر. وفي علاقتها بهنري، تنكشف هشاشة الروابط حين تُبنى على الانبهار، ويظهر كيف يمكن للولاء أن يتحول إلى عبء، وللحب أن يصبح ساحة صراع.

اللحظات الأخيرة للفيلم حين تتصدع العلاقة بين هنري وجيمي (imdb)

يمكن القول إن عودة «غودفيلاز» إلى صالات السينما في السعودية أثارت تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث شارك الجمهور انطباعاتهم حول التجربة، في حين توقّف آخرون عند مشاهد أعادوا اكتشافها، وتناولت بعض النقاشات أداء الممثلين أو أسلوب الإخراج، بينما انشغل آخرون بالتفاصيل الدقيقة التي تتجلّى بشكل أوضح على الشاشة الكبيرة.

ومن الجدير بالذكر أن الفيلم حقق نجاحاً تجارياً وجماهيرياً لافتاً في شباك التذاكر الأميركي، بإيرادات بلغت 46.8 مليون دولار، أي ما يقارب ضعف ميزانيته المقدّرة بـ25 مليون دولار. كما رُشّح لست جوائز أوسكار، من بينها أفضل فيلم، وفاز بخمس جوائز من الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون (البافتا)، بما في ذلك أفضل فيلم وأفضل مخرج.