أفلام عربية حائرة بين أصولها المحلية والتمويل الأجنبي

بينما تنعم السينما السعودية بالاختلاف والتنوّع

لقطة من السباحتان  (أ-زد سلتِك فيلمز)
لقطة من السباحتان (أ-زد سلتِك فيلمز)
TT

أفلام عربية حائرة بين أصولها المحلية والتمويل الأجنبي

لقطة من السباحتان  (أ-زد سلتِك فيلمز)
لقطة من السباحتان (أ-زد سلتِك فيلمز)

ما هو مثير بالنسبة إلى السينما السعودية ليس أنها بدأت، قبل سنوات قريبة، قويّة ومدعومة وواعدة. هذا في حدِّه ممتاز، لكن المثير هو أن أفلامها مصنوعة في السعودية. أفلام وطنية. منذ أن قدّم محمود الصبّاغ «بركة يقابل بركة» ليتبعه عبد العزيز الشلاحي في «حد الطار»، وشهد أمين في «سيدة البحر»، وهيفاء المنصور في «المرشّحة المثالية»، ثم المجموعة الجديدة التي أطلقت مؤخراً أفلاماً عدّة من بينها «أغنية الغراب» لمحمد السلمان، و«سطار» لعبد الله العراك، و«طريق الوادي» لخالد فهد، و«المدرسة القديمة» لعبد الله الخميس. منذ ذلك الحين وهناك منوال صحيح لتأمين الدعم الكافي لهذه الإنتاجات من هيئة الأفلام في المملكة بالتعاون مع الشركات الخاصّة المنتجة لها.

هوية الفيلم إنتاجه

هذه أفلام عضوية في المنشأ والصناعة والعروض وتختلف عن مهام أخرى لصناديق الدعم السعودية المستعدة لمنح إنتاجية لأفلام غير سعودية.

على أن هذا التميّز لا يقف وحده، بل هناك تميّز مهم آخر متّصل به: الأفلام المذكورة وعدد آخر من الإنتاجات الوطنية ثرية بالتنوّع ما بين الدراما الجادة والكوميديا والرومانسية والرعب وسينما الطرق والرحلات. إنها سينما تحتفل باختياراتها من النصوص وأساليب العمل. السبب في ذلك يعود، ولو إلى حد معيّن، إلى حقيقة أنها أفلام تتجه إلى السوق السعودية الكبيرة أولاً كأفلام تجارية صرفة. إذا ما حققت الخطوة للعروض الخارجية، كما الحال في أفلام هيفاء المنصور ومحمود الصباغ وآخرين، كان ذلك فعلاً بديعاً، لكن في الأساس هي تعبير عن سينما وطنية.

هذه لا نجدها في التداول كثيراً هذه الأيام في سينمات عربية أخرى ولسبب مهم آخر: بات الكثير من الأفلام المنتجة يبحث عن تمويل خارجي لأنه لا توجد قدرات اقتصادية وصناعية محلية كافية.

لم يعد خافياً أن الكثير مما يلفّ مهرجانات العالم من أفلام عربية هو، في عرف احترافيٍّ محض، ليس عربياً. القول بأن هوية المخرج هي التي تمنح هوية الفيلم ليس صحيحاً. أفلام فريتز لانغ الهوليوودية ليست ألمانية تبعاً لمنشئه. أفلام ألفريد هيتشكوك الأميركية ليست بريطانية. أفلام يوسف شاهين ليست كلها مصرية لأنه مصري.

انتماء الفيلم الفعلي هو إلى التمويل الغالب. نعم يبقى لبعض الأفلام قدر من الوطنية لكنه قدر محدود لأن الشركة التي عمدت إلى تمويل الفيلم بنسبة تزيد على الثلثين هي أجنبية.

هذا الاعتماد على الإنتاج الأجنبي ازداد منذ مطلع هذا القرن، وفي المقابل باتت الإنتاجات العربية - العربية أمراً شبه مفقود منذ ذلك الحين أيضاً. انحسرت أكثر من أي وقت مضى بينما ارتفع الاعتماد على التمويل الغربي أكثر من أي وقت مضى أيضاً.

الفيلم السعودي «إنشودة الغراب» (تلفاز 11)

هذا الوضع يطول الكثير من الأفلام التي نمت في لبنان من أفلام فيليب عرقتنجي ودانيال عربيد، إلى أفلام نادين لبكي وغسان سلهب، مروراً بنحو 75 في المائة من الأفلام الأخرى.

«ذيب» و«أوديسا عراقية» و«لأجل سما» هي إنتاجات بريطانية لمخرجين عرب (إخراج ناجي أبو نوّار، وسمير جمال الدين، وعهد الخطيب، على التوالي). الكثير من أفلام المغرب العربي، مثل «أمهات»، و«نحبك هادي»، و«بابيشا»، و«ريح ربّاني»، إلخ... هي أفلام منتجة من شركات فرنسية. أفلام نادين لبكي هي شغل ألماني، كذلك أفلام التونسية كوثر بن هنية، خصوصاً فيلميها الأخيرين «الرجل الذي باع ظهره» و«بنات ألفة».

ومؤخراً شاهدنا «ولد من الجنة» لطارق صالح، و«السباحتان» لسالي الحسيني. الأول إنتاج دنماركي، والآخر بريطاني.

الدعم الفعلي

طبعاً لا يخلو الأمر من رأسمال محلّي (يسمّونه Seed Money) وفي الكثير من الحالات هناك جهات عربية داعمة بنسب متفاوتة، لكن من دون وجود الإنتاج الأجنبي فإن معظم هذه الأفلام لن يشهد نور التوزيع الخارجي والكثير منها لن يجد طريقه إلى المهرجانات وفرص الخروج بالجوائز على غرار ما حدث مؤخراً لأفلام مثل «بنات ألفة» و«على فوهة بركان» و«أم كل الأكاذيب». رأس المال الأول لهذه الأفلام تونسي ولبناني ومغربي لكن الدعم الفعلي ألماني وفرنسي.

هذا يحدث لأسباب محددة تختلف من بلد لآخر أحياناً.

على سبيل المثال، يحتاج بلد يعيش أزمات اقتصادية حافلة، مثل لبنان، إلى التمويل الخارجي. يحتاج بعض شركات الإنتاج المحلية إلى هويات أجنبية لتسهيل التسويق. كذلك يرمي المخرجون المعروفون من خلال تحقيق أفلام مموّلة من الخارج إلى تثبيت أسمائهم في تلك الأسواق الخارجية. على أن السبب الجامع يكمن في أن السوق المحلية لمعظم الدول العربية لا تكفي لتأمين التكلفة لو أُتيحت من داخل البلد ذاته، ناهيك بجني أرباح ما.

ضعف السوق العربية له أسباب أخرى من بينها صعوبة اللهجات وقلة عدد صالات السينما واختفاء التوزيع البديل وفوضى التوزيع للمنصات والمحطات التلفزيونية ثم المشكلات السياسية التي تمنع وصول أفلام بعض الدول إلى أسواق بعض الدول الأخرى.

بعض الدول (كلبنان وسوريا والعراق) تمتعت سابقاً بمثل هذه الصناعات المحلية، لكنَّ ذلك كان من قبل أن تتحوّل صالات السينما في الكثير من مدنها إلى محلات بيع ملابس أو تُهدم لصالح بناء عمارة بمرآب تحتها. هذا حدث لسبب آخر إضافي وهو حقيقة أن صالات السينما لم تعد القناة الوحيدة لعرض الأفلام، بل باتت العروض المنزلية سمة طاغية في بلاد عربية كانت حتى نهاية الثمانينات تعيش رغداً ملحوظاً.

مشهد من «الباريسية» (لو فيلم بيلييه).

الفيلم

إيضاح هذه المسببات المتآلفة والتي تشكّل عراقيل وعوائق تمنع ازدهار صناعة السينما داخل حدود الدول العربية (مفترقة أو مجتمعة) يؤدي بنا إلى دراسة ما يوفره معظم هذه الأفلام للعين الأجنبية التي للمنتج الأجنبي حق اعتمادها كدافع لتمويل فيلم ما.

هل هناك رغبة في مشاهدة فيلم يوظّف الخيال بعيداً عن الواقع على طريقة الأفلام الفانتازية الكبرى؟ هل هو بصدد قبول فيلم كوميدي ولو كان جيّداً؟ هل هو وراء الإبداع والتميّز بحد ذاتيهما؟ هل يريد فيلماً عن فرد ناجح ومجتمع سعيد؟

معظم الأفلام العربية التي وجدت طريقها للمهرجانات والجوائز عبر سنوات (بما فيها جوائز من مهرجانات كان وبرلين وفينيسيا ولوكارنو وسواها) كانت من تلك التي تتناول مواضيع الأزمات التي تفتح العين الغربية على مصاعب عيش وعلى مجتمعات بائسة. تلك التي تتحدّث عن نساء منكوبات، ورجال تحت الأعباء، وبيئات غير سعيدة، ومواضيع سياسية وعاطفية تدخل في بند الممنوعات.

تبعاً لذلك، استجاب عدد كبير من الذين يكتبون عن الأفلام فباتت كتاباتهم تبحث في المضمون ولا تكترث للشكل أو الأسلوب أو العناصر الفنية ذاتها. المضمون الذي لا يصنع الفيلم مهما كان مهمّاً بل يحكيه فقط.

إنها حجارة الدومينو التي إذا أُحسن رصفها تتساقط على التوالي: المنتج بحاجة لتمويل. التمويل بحاجة لموضوع يهم المُشاهد الأجنبي. الاثنان يريدان فيلماً يُعرض في المهرجانات. الجميع لا يسأل عن الصورة الغائبة أو عن تقييم صحيح للأوضاع الاجتماعية وبالتأكيد ليس عن الوجه الإيجابي لأي شيء عربي. وفي النهاية لديك حماس بعض النقاد والكتّاب من دون تخيل أو فحص لما يدور.

مخرجون عرب حققوا مؤخراً الاختلاف عن السائد

قائمة ببعض المخرجين الذين أنجزوا أفلامهم (بصرف النظر عن تقييم نقدي) ضمن حدود السينما العربية وحدها.

شهد أمين: «سيدة البحر»، (السعودية).

محمد السلمان: «أنشودة الغراب»، (السعودية).

حكيم بلعبّاس: «لو يطيحو الحيوط»، (المغرب).

حميد بن عمرة: «كيوكو، موسم حصاد الأحلام»، (الجزائر).

رضا الباهي: «جزيرة الغفران»، (تونس).

مروان حامد: «تراب الماس»، (مصر).

يوسف الشابي: «أشكال»، (تونس).


مقالات ذات صلة

أفلام سينمائية مصرية تحقق تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية

يوميات الشرق عمرو يوسف وأسماء جلال في مشهد من الفيلم (الشركة المنتجة)

أفلام سينمائية مصرية تحقق تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية

حققت أفلام سينمائية مصرية تفاعلاً ورواجاً بعد إتاحتها على منصات رقمية بصورة أكبر مما حققته عند عرضها بالصالات السينمائية.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج المصري أحمد عاطف (صفحته على فيسبوك)

الموت يُغيب المخرج والناقد المصري أحمد عاطف

غَيَب الموت المخرج والناقد المصري أحمد عاطف عن عمر ناهز 55 عاماً، إثر إصابته بمرض السرطان.

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق شركة «مصر للطيران» انتقدت أحد مشاهد فيلم «السلم والثعبان 2» (الشرق الأوسط)

«مصر للطيران» تتهم صناع «السلم والثعبان 2» بـ«الإساءة»

انتقدت شركة «مصر للطيران» الناقل الوطني بمصر مشهداً بفيلم «السلم والثعبان 2» الذي انطلق عرضه مؤخراً عبر إحدى المنصات الإلكترونية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق أبطال الفيلم مع المخرج والمؤلف والمنتج خلال العرض الخاص (الشرق الأوسط)

فيلم «إيجي بست» يستعيد حكاية أشهر مواقع القرصنة المصرية

يستعيد فيلم «إيجي بست» قصة أحد أشهر مواقع القرصنة على الأفلام في مصر.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق الفنان المصري ميشيل ميلاد (حسابه على فيسبوك)

ميشيل ميلاد لـ«الشرق الأوسط»: حريص على عدم تكرار نفسي فنياً

قال الممثل المصري، ميشيل ميلاد، إن ردود الفعل التي تلقاها عن مشاركته في الدراما الرمضانية، من خلال مسلسلَيْ «هِيَّ كِيمْيا» و«النُّص التاني»، أسعدته كثيراً.

أحمد عدلي (القاهرة)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.