إيرادات ضعيفة لأفلام النصف الأول من العام

تقودها «ديزني» واستوديوهات أخرى

مشهد من «حراس المجرة-3» (ديزني)
مشهد من «حراس المجرة-3» (ديزني)
TT

إيرادات ضعيفة لأفلام النصف الأول من العام

مشهد من «حراس المجرة-3» (ديزني)
مشهد من «حراس المجرة-3» (ديزني)

الأمور ليست على ما يرام، يؤكد خبراء السوق في هوليوود. لم تكن على ما يرام منذ انتشار «كورونا» (الذي لا يذكره أحد هذه الأيام إلا من باب التأكيد على أنه كان فعلاً مقصوداً) ولم تكن على ما يرام عندما ظهرت بعض الأفلام الحديثة طالبة القمّة بين الإيرادات في الولايات المتحدة والعالم.

والدلائل لا يمكن ضحدها، فعندما يكون لديك فيلم كلّف 340 مليون دولار وتأتي إيرادته الأميركية بإيراد يقل عنه بنحو 146 مليون دولار (كما حال Fast X) أو ِكحال فيلم Elemental الذي تكلف 200 مليون دولار وحصد 195 مليون دولار فقط، ويتكرر هذا الوضع على نحو عام خلال هذه السنة فإن الأمر يدعو للقلق.

«ديزني» في المقدّمة

أربعة من الأفلام الباهظة التكاليف اصطدمت بحائط اللامبالاة الجماهيري. ليس على نحو متساوٍ، بل تبعاً لعوامل مختلفة لكل منها. هذا فيلم يكرر حكايته، وذاك مليء بالمؤثرات من دون قصّة وثالث هوجم من قِبل النقاد وآخر حطّ في الأسواق من دون أن يشعر به أحد. هذه الأفلام الأربعة هي «الرجل النملة والدبور» (Ant‪-‬Man and the Wasp) و«أساسي» (Elemental) و«الحورية الصغيرة» (The Little Mermaid) و«إنديانا جونز وقرص القدر» (Indiana Jones and the Dial of Destiny).

العامل المشترك بين هذه الأفلام هو أنها من إنتاج استوديو واحد هو «ديزني». ليس أن الاستوديوهات الأخرى كانت أفضل حظاً في الأشهر الستة الأولى من هذه السنة. باراماونت فوجئت بإقبال ضعيف على فيلمين لها هما الجزء الجديد من سلسلة «زنزانات وتنانين» (Dungeons ‪&‬ Dragons) والجزء الأخير من «متحوّلون: صعود الوحوش» Transformers‪:‬ Rise of The Beasts ويونيفرسال سقط لها Puss in Boots‪:‬ The Last Wish وFast X. وورنر، بدورها، فوجئت بقلة الاهتمام بفيلمها الأخير «ذَ فلاش» (The Flash) وقبله «شازام: غضب الآله» (Shazam‪!:‬ Fury of the Gods).

كل واحد من هذه الأفلام، وهناك سواها، تجاوزت تكلفته 200 مليون دولار، وأنجز دون ذلك، أو بالكاد عادل سعر التكلفة علماً، وكما نذكر دوماً، يحتاج الفيلم إلى ضعفي تكلفته ونصف قبل أن يبدأ بدر الأرباح.

مليار لكل فيلم

ما تبلور سريعاً أمام أنظار مسؤولي «ديزني» وما راقبته باقي الاستوديوهات بقلق، هو أن إيرادات «إنديانا جونز5» (النقد أدناه) لم تزد عن 145 مليون دولار منذ إطلاقه قبل أسبوعين. المخيف ليس فقط الإقبال العالمي الضعيف، بل حقيقة أن الفيلم تكلّف 295 مليون دولار. إذا أضفنا نحو 150 مليون دولار صُرفت على قنوات وأنواع الإعلام والدعاية، فإن الناتج كان يكفي لإنقاذ دولة آسيوية أو أفريقية تعاني حرباً أو مجاعة أو لا تستطيع إيفاء بعض ديونها.

لكن هوليوود ليست جمعية خيرية، ولا هي مشغولة كثيراً بما يتعدّى عداداتها التي تحصي التكاليف والإيرادات وترفع إحدى هاتين الخانتين فوق الأخرى تبعاً لنجاح أفلامها أو سقوطها.

«ديزني»، بحد ذاتها، هي رائدة شركات هوليوود في تبوؤ أعلى الإيرادات. منذ عام 2014 (باستثناء عامي الكورونا، 2019 و2020) وأفلامها تنجز أكثر من مليار دولار للفيلم الواحد. هذا العام ليس لديها بعد أي فيلم تجاوز ذلك السقف. حتى أعلى أفلامها نجاحاً، وهو «حراس المجرة - 3»، الذي جمع عالمياً نحو 800 مليون دولار، كان مقدّراً له تحقيق مليار و200 مليون دولار، لكنه لم يفعل.

وهناك أسباب مهمّة ومتعددة.

على سبيل المثال، هناك أسواق مهمّة مقفلة في وجه شركات هوليوود جميعاً (وليس فقط ديزني). سوقان كبيران من هذه الأسواق كانتا تسجلان نحو ثلثي الإيرادات العالمية هما روسيا و- على الأخص - الصين، التي باتت حذرة فيما تعرضه من أفلام، وجمهورها يبدو في حالة وئام كبيرة حالياً مع أفلامها المحلية.

على سبيل المثال كذلك، هناك حقيقة أن السوق إذ استوعبت حضور المنصّات مدفوعة الثمن، إلا أنها أكلت من حصص العروض السينمائية في الصالات. كثيرون عزفوا عن مشاهدة الأفلام الكبيرة في الصالات المخصصة لها، على أساس أن هذه الأفلام ستعرض على شاشات المنازل بعد حين قريب. ليس مهمّاً شاشات البيوت لن تمنح القيمة البصرية والترفيهية ذاتها. المهم هو أنها ستعرض في راحة البيت.

بين هذين السببين يرقد سبب ثالث يحتاج إلى بعض الوقت لكي يتبلور: مع كثرة المتوفر من شخصيات السوبر هيرو منذ أكثر من عقد ومع المنوال ذاته من العناصر الدرامية والمؤثرات التقنية، لم تعد تلك الدهشة السابقة التي عمّت المشاهدين. لم يعد هناك «واو» يطلقها الناس على عمل سينمائي هو ليس أكثر من تكرار لعمل آخر من السلسلة ذاتها أو سواها.

العناوين ذاتها تؤكد هذا المنحى خلال هذا العام تبارى حرّاس المجرّة، وهم مجموعة من أصحاب القوى الخارقة لإنقاذ العالم. كذلك فعل «سبايدر مان: عبر أشعار سبايدر» و«الرجل- النملة» و«فاست إكس» و«ترانزفورمرز» و«ذَ فلاش» و«شازام» الذي يتحوّل إلى كابتن أميركا. كل بطل من هؤلاء ينقذ العالم بأسره من الإبادة بانتظار إنقاذه مرّة أخرى في فيلم قادم.

«متحوّلون: صعود الوحوش» (باراماونت)

الشركة التي خسرت تميّزها

الطريق الوحيد أمام هوليوود هو إعادة العمل على خططها وتكاليف تلك الخطط. هذا لا يتم بقرار يتم تنفيذه فوراً. هناك ارتباطات وعقود لثلاث سنوات مقبلة، ووضع خطط بديلة يتطلب دراسات مستفيضة وإحصاءات داخل القارة الأميركية وخارجها.

لكن إذا كانت كل هوليوود مشغولة بإيحاد حلول للأزمة الحالية، فإن «ديزني» تتولى الصدارة في هذا المجال كونها، وكما سبق القول، المؤسسة التي لم تشهد مثل هذه المطبّات التجارية منذ نحو عشر سنوات. كذلك كون ميزانيّاتها هي الأعلى بين ميزانيات الاستوديوهات الأخرى. حين تصرف «ديزني» على فيلم تصرف بكثافة كون معظم أفلامها الكبيرة مكلفة، لاعتمادها على المؤثرات التقنية سواء أكانت من نوع الرسوم أو من نوع الأفلام الحيّة.

وكانت الشركة العتيدة التي تأسست في الثلاثينات وبرعت في توفير أفلام الأنيميشن إلى أن أضافت إليها الأفلام الدرامية الحية في مطلع الستينات، اشترت قبل أكثر من عقد مؤسستين ناجحتين وضمتهما إلى ممتلكاتها. الأولى «لوكاس فيلم» لصاحبها جورج لوكاس، الذي أطلق الأجواء السابقة من «ستار وورز» بنجاح فائق، وشركة الأنيميشن المستقلة بيكسار. هذه الثانية حاولت الحفاظ على استقلالها الفني بعيداً عن رسوم «ديزني» المعتادة، لكن المحاولة انتهت هذا العام بفشل رنّان اسمه «أساسي» (Elemental) الذي تكلّف 200 مليون دولار وجلب أقل من ذلك.

بالنسبة للمشاهدين باتت بيكسار انعكاس مرآة لأفلام «ديزني» الكرتونية بدل أن تحافظ على تميّزها الفني، وبذلك فقدت هوّيتها الخاصة التي كانت أدّت إلى نجاحات فريدة مثل Cars وToys وE‪-‬WAL.

بالنسبة لمؤسسة لوكاس، الاسم يكاد الوحيد الباقي من رحيق الأمس بعدما تم تدويل السلسلة، عبر «ديزني»، إلى ما يشبه الألعاب بالسيوف التي تطلق إشعاعات الليزر، عوض العمق في توفير المغامرات الفريدة. المشكلة مسكوت عنها في الوقت الحالي، لكن هناك ما يوحي بأن الثلاثية الجديدة التي كانت «ديزني» أعلنت عنها مؤخراً على أساس أنها ستكون جاهزة للعروض خلال 2026 و2027 تمر بأزمة تقرير مصير بحثاً عن وجه جديد لها بعد فتور ملحوظ تبع إطلاقاتها الأخيرة.

أفلام ما بقي من موسم الصيف

إذ لم يثمر هذا الصيف عن نجاحات تُذكر، لا تزال هناك آمال في نجاح مفاجئ لأحد الأفلام التالية أو لأكثر من فيلم واحد بينها. هذه أفلام مسلسلات تعتمد فصل الصيف لتحقيق طموحاتها ولا علم لأحد من سينجح منها أو يفشل.

‫1- Teenage Mutant Ningja Turtle: Mutant Mayhem (رسوم، باراماونت)‬

2- Meg 2: The Trench Movie (جاسون ستاذَم ضد القرش، وورنر)

3- Oppenheimer (دراما حول مخترع الذرّة، يونيفرسال)

4- Mission: Impossible 7 (توم كروز يفعلها مرّة سابعة، باراماونت).

5- Barbie (كوميديا فانتازية، وورنر).


مقالات ذات صلة

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

يوميات الشرق مشروع هيل ماري يكتسح عالمياً ويحتل المركز الثاني في شباك التذاكر السعودي (imdb)

عودة قوية للسينما السعودية بعد العيد... في أسبوع استثنائي

دخلت صالات السينما في السعودية موسم عيد الفطر بإيقاع مرتفع، انعكس مباشرة على أرقام شباك التذاكر في أول أسبوع بعد شهر رمضان

إيمان الخطاف (الدمام)
يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق «الفهد» (تاتيوس فيلمز)

لوكينو ڤيسكونتي... الوجه الأول للواقعية الجديدة

ليس «سارقو الدراجات» بداية الواقعية الجديدة بل أحد تتويجاتها، فيما تكشف العودة إلى أعمال لوكينو ڤيسكونتي المبكرة عن الجذور الفعلية لهذا التيار وتحولاته اللاحقة

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق مخاوف من أن يؤدي الإغلاق المبكر للصالات السينمائية لخسائر كبيرة (حساب مخرج «سفاح التجمع» على «فيسبوك»)

«الإغلاق المبكر» يهدد السينما المصرية بفقد نصف أرباحها

أبدى صُنَّاع للسينما في مصر تخوفهم من خسائر كبيرة قد تتجاوز نصف إيرادات دور العرض، مع بدء تطبيق القرار الحكومي الخاص بترشيد استهلاك الطاقة، اعتباراً من السبت.

أحمد عدلي (القاهرة )

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.