«باتمان» جديد يطرق الباب بحذر

صعود وهبوط واحتمال صعود آخر

كرستيان بايل في «باتمان يبدأ» (وورنر)
كرستيان بايل في «باتمان يبدأ» (وورنر)
TT

«باتمان» جديد يطرق الباب بحذر

كرستيان بايل في «باتمان يبدأ» (وورنر)
كرستيان بايل في «باتمان يبدأ» (وورنر)

آخر أخبار الرجل - الوطواط أن الممثل روبرت باتنسن، سيعود إلى ارتداء المعطف الأسود ويضع على وجهه ذلك القناع في مغامرة جديدة يتم كتابة السيناريو لها على أمل الدخول في تصويرها قبل نهاية هذه السنة.

هذا المشروع سيتم تحت إدارة المخرج مات ريفز، الذي أحسن تحقيق نسخة العام الماضي من «باتمان» (تحت عنوان The Batman)، والذي نفى مؤخراً النية في أن يتولّى ممثل آخر لعب بطولة هذا الفيلم.

ما بين مخرجين

هذا يضع حدّاً للتكهنات التي سادت بعد فشل «ذا فلاش» قبل أيام قليلة، والتي تحدثت عن احتمال تعيين ممثل آخر ومخرج آخر لباتمان، علماً بأن كلاً من «باتمان» و«ذا فلاش» يختلف عن الآخر في كل شيء، إلا في مسألة أنهما ينتميان إلى عالم «السوبر هيرو» ذاته.

شخصية «باتمان» هي الأشهر والأكثر تداولاً في السينما وفي قنوات الترفيه الأخرى (راديو، تلفزيون، أنيميشن، ألعاب فيديو... إلخ) ولو أنهما وُلدا في وقت متقارب على صفحات مجلة «DC Comics». فشخصية «باتمان» شهدت ولادتها في عام 1939، أي قبل عام واحد من ولادة شخصية «ذا فلاش» التي اكتفت بحضور مساند في مسلسل «Justice League». كل من «باتمان» و«ذا فلاش» يتميّز بالمهارة والقدرات الخارقة، لكن صنف بطولات «باتمان» يميل إلى سينما التحقيقات البوليسية أكثر من سواه من أبطال الشاشة المعروفين.

بعد 6 سنوات من ولادة «باتمان» على صفحات المجلات تم اقتباسه في حلقات إذاعية سنة 1945، ثم انتقل إلى التلفزيون في عام 1966، ثم تمّت أول محاولة لتقديمه في مسلسل من الرسوم المتحركة سنة 1993.

على الشاشة الكبيرة تم إطلاق «باتمان» سنة 1943 في 15 حلقة من الحلقات المؤلفة من 12 دقيقة، تُعرض كل منها في أسبوع واحد. ممثل باسم لويس ولسون. هذه الحلقات (وتُسمّى بـSerials) نالت نجاحاً دفع المنتجين لتقديم «باتمان وروبِن» سنة 1949 وبنجاح مماثل.

إذا اختزلنا كل هذه التواريخ والتمهيدات، فإن الولادة الجديدة التي أعطت الشرارة لسلسلة سينمائية ما زالت حاضرة متوالية حتى الآن بدأت بفيلم تيم بيرتون «باتمان» سنة 1989، ونجاحه أدّى إلى جزء ثانٍ من إخراج بيرتون سنة 1992 تحت عنوان «باتمان يعود» (Batman Returns). كلاهما من بطولة مايكل كيتون.

تسلَّم الدفة، سنة 1995، المخرج جووَل شوماكر بفيلم «باتمان للأبد» (Batman Forever)، الذي أدّى بطولته فال كيلمر سنة 1995، ثم انتقلت البطولة إلى جورج كلوني في فيلم آخر لشوماكر بعد سنتين هو «باتمان وروبِن» (1997).

مشهد من «ذا باتمان» (2022) (وورنر)

بداية جديدة

هذا الجزء من تاريخ «باتمان» يمثّل صعوداً وهبوطاً متواليين. فمع فيلمي تيم بيرتون هناك منحى جديد للشخصية وفعل ناجح لتحميل هذه الفانتازيا ما تستحقه من أسلوب فني. الجزآن الثالث والرابع، تحت إدارة شوماكر، كان الاستعراضان رديئي التنفيذ بالمقارنة، وخاليين من الرغبة في التوقف عند أي فرصة لمنح الشخصية ما هو أبعد من الحركة والفيلم لا يتجاوز الترفيه وحده.

كان لابد من عملية إنقاذ تُعيد الجمهور الكبير إلى الصالات التي هجرها بعد «باتمان وروبِن»، وهذه العملية لم تأت سريعة في سعيها الحذر لتعيد تقديم «باتمان» على نحو جديد. في عام 2005 تصدّي المخرج الموهوب كريستوفر نولان، للمهمّة، وحقق فيلماً يُلغي ما سبق وهو «باتمان يبدأ» (Batman Begins)، واختار للمهمّة الممثل الموهوب كرستيان بايل.

خط نولان طريقاً جديداً لمشروعه بعيداً عما سبق. انتقل ببطله إلى الزمن المعاصر روحاً وشكلاً وإنتاجاً. فيه لعبت مدينة غوثام، دوراً مهماً كمكان أحداث. خلفية مناسبة لفيلم داكن كنظرة المخرج للواقع. يعرض ما حدث للطفل بروس حين هاجمته الوطاويط ومنحته قدراته اللا بشرية وما عايشه من هلع عندما شاهد والده يسقط قتيلاً في شوارع المدينة. لكن البداية لهذا الفيلم لا تلج بنا مباشرة إلى أحداث من التعقّب والبحث والبطولة، بل ستنتقل ببروس شاباً إلى حيث استمد قدرات القتال في بعض مرتفعات آسيا. يمضي بعض الوقت في مشاهد تدريب يعززها ظهور ليام نيسون في دور المدرّب والحكيم. في مشهد معيّن يخبره أنه إذ سيعود إلى المدينة عليه ألا يكون مجرد رجل، بل عليه أن يكون رجلاً قادراً على تخليص مجتمعه من الفساد والشرور والخارجين عن القانون.

ضمن هذا المنظور الجديد، أنجز «باتمان يبدأ» ما هو أهم من الإيرادات: القدرة على استعادة المبادرة، وتقديم الشخصية كما لم نرها من قبل. وهذا قاد بعد ثلاث سنوات (2008) إلى «الفارس المظلم» (Dark Knight)، ثم وبعد أربع سنوات أخرى إلى «الفارس المظلم يصعد» (The Dark Knight Rises).

عودة جديدة

الصعود كان من نصيب المسلسل بعد هزيمة تسبب بها شوماكَر والإنتاج بكامله عبر تحويل «باتمان» إلى ما يشبه اللعبة المسلية والرخيصة (رغم ارتفاع ميزانية فيلميه حول الموضوع).

لكن هذا الصعود لم يوازِه استمرار يُذكر في قوّة عرضه ومضامينه. سريعاً ما دلفت الشخصية تحت مظلات مختلفة. في عام 2016 جمعت الشركة المنتجة «وورنر» بين «باتمان» و«سوبرمان» في «Batmann v Superman‪:‬ Dawn of Justice» (أخرجه زاك سنايدر) تلاه ظهور «باتمان» في فيلم «فرقة الانتحار» (Suicide Squad) (2015)، ثم في فيلمين من مسلسل «عصبة العدالة» (Justice League)، وكل ذلك في محاولة لإبقائه مطروحاً ولو في مغامرات ثانوية تحيد به عن تلك الأفلام التي اكتفت به كبطولة.

كيفما نظرت إلى هذا الموضوع تجد أنه إضعاف لشخصية «باتمان» ورغبة جشعة لتوظيفه في مغامرات جماعية لا قيمة لها رغم لهوها وبصرياتها اللامعة. هذا الضم إلى باقي شخصيات «DC» من الأبطال الخارقين مثل «ووندر وومان» و«أكوامان» و«سيبورغ» و«سوبرمان» جاء بمثابة هبوط نوعي للشخصية.

في العام الماضي، أعادت الشاشة تقديم «باتمان» جديداً منفرداً وقادراً على تجسيد تلك الشخصية بوجهيها الإنساني والبطولي. هذا تم تحقيقه عبر «The Batman» لمات ريفز، الذي أنجز في العام الماضي ما يمكن اعتباره منتصف طريق بين الترفيه المطلق والبحث المعمّق في ذلك الكيان المعقّد لـ«باتمان».

في الفيلم قاتل مقنّع يرتكب جرائم متوالية وأول جريمة يرتكبها هي قتل حاكم المدينة. في كل مرّة يترك لغزاً موجّهاً لـ«باتمان» (روبرت باتنسن) هو بمثابة تحدٍ لذكاء الرجل وقدراته. «باتمان» يحل كل لغز ليصطدم بالآخر وصولاً إلى معرفة القاتل كما يؤديه بول دانو. على مسافة غير بعيدة منهما هناك مجرم آخر (قدمته أفلام باتمانية سابقة) هو «ذا بنغوين» (كولين فارل)، ثم رئيس عصابة اسمه كارمن فالكوني (جون تورتورو). كل واحد من هؤلاء يحتل حيّزاً في مهام بطل الفيلم.

لكن الأمور، حسب سيناريو جيد في غالبه، ليست مجرد مناوشات وتحقيقات ومجابهات. بروس واين في حياته العادية (الذي يتحوّل إلى «الرجل الوطواط» لتنفيذ مهامه) يعاني من مسائل تتداعى من جديد. مسائل لها علاقة بحياته المزدوجة، وبحقيقة أنه يكتشف أن ما يقوم به من بطولات لم يمنع، سابقاً، من انحدار المدينة إلى مرتع للجريمة. هذا يؤرقه لأنه مفتاح باب يطل منه على مسببات وجوده.

الفيلم المقبل يأتي تعزيزاً لهذا الفيلم تحديداً وابتعاداً عن أفلام المجاميع الخاوية من التميّز. إذا ما نجح سيكون صعوداً جديداً. إن لم يفعل ستحتاج السينما بضع سنوات من تغييب بطلها إلى حين ينسى الجمهور ما حدث ويستعيد رغبته في مشاهدة جديدة مع طاقم جديد.

أنجح أفلام «باتمان»

1- The Dark Knight Rises : الجزء 3 من ثلاثية كريستوفر نولان (2012): مليار و81 مليون دولار

2- The Dark Knight : الجزء الثاني من ثلاثية نولان (2008): مليار و60 مليون دولار

3- Batman V. Superman: إخراج زاك سنايدر (2016) 836 مليون و600 ألف دولار.

4- The Batman: إخراج مات ريفز (2022): 736 مليون دولار

5- Batman: إخراج تيم بيرتون (1989): 412 مليون دولار.


مقالات ذات صلة

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

يوميات الشرق إلكر تشاتاك حاملاً جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم عن «رسائل صفراء» (رويترز)

إلكر تشاتاك: أفضِّل أن أطرح الأسئلة من دون أجوبة

المخرج التركي إلكر تشاتاك قال لـ«الشرق الأوسط»: «لا أحد على حق كامل، ولا أحد على خطأ تام».

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق جيسي باكلي الفائزة بجائزة أفضل ممثلة عن دورها في فيلم «هامنت» (إ.ب.أ)

«وان باتل أفتر أناذر» يكتسح حفل بافتا البريطانية بحصد 6 جوائز

حقق فيلم الكوميديا السوداء «وان باتل أفتر أناذر» (معركة تلو الأخرى) فوزا كبيرا في حفل توزيع جوائز الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون «بافتا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق فريق «وقائع زمن الحصار» يرفع العلم الفلسطيني (د.ب.أ)

نتائج مهرجان «برلين» عكست في معظمها ما لم يكن متوقّعاً

فوز الأفلام ذات الحضور السياسي في مهرجان «برلين» لم يكن تفصيلاً عابراً، بل عكس موقفاً ضمنياً يدعو إلى حرية المبدع في مواجهة القيود.

محمد رُضا (برلين)
يوميات الشرق توفيق صابوني خلال عرض الفيلم في «مهرجان برلين» (إدارة المهرجان)

توفيق صابوني: شعرت بالانتصار عند عودتي إلى «صيدنايا» لتصوير فيلمي داخله

لم يكن الفيلم الوثائقي «الجانب الآخر من الشمس» بالنسبة إلى المخرج السوري توفيق صابوني مجرد مشروع سينمائي...

أحمد عدلي (برلين)
سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز