ماذا لو كانت «كليوباترا» سمراء... ماذا لو كان المسيح أسود؟

كل شيء في السرد، في التخييل والتاريخ على السواء، يعتمد على موقف السارد

أديل جيمس
أديل جيمس
TT

ماذا لو كانت «كليوباترا» سمراء... ماذا لو كان المسيح أسود؟

أديل جيمس
أديل جيمس

إذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون دائماً، فهنالك إذن تواريخ لم تكتب.

بسبب الزوبعة والضجة الاحتجاجية اللتين ثارتا حول المسلسل الوثائقي الدرامي «الملكة كليوباترا» قبل أن تعرضه «نتفليكس»، تولّد فيَّ التشوق والفضول لمشاهدته، فانتظرت بدء عرضه في العاشر من مايو (أيار) الماضي. وخلال انتظاري لإطلالة الملكة كليوباترا بوجهٍ أسود، تردد في ذهني طوال الوقت التساؤل عمّا إذا كان تمثيلها «representation» في المسلسل الجديد سيكون مختلفاً عمّا تراكم حول اسمها من كتابات وتمثيلات قدمتها كنموذج لما تُعرف بـ(فَمْ فاتال/femme fatale)، أو جاء امتداداً لما قبله، بغض النظر عن لون بشرتها وأحاديتها أو ثنائيتها العرقية، المسألة التي يكتنفها الغموض.

لم يكن غريباً أن أتذكر خلال الانتظار ما قرأت قبل سنوات عدة، عمّا حدث في إحدى المدن الأميركية في أحد الأيام من أربعينات القرن العشرين؛ ما فعله الصبي أرون/ هارون كروفورد الطالب في مدرسة من مدارس الملونين في مدينة كولمبس في ولاية جورجيا.

كان هارون، حسب ما قرأت، أذكى طالب في المدرسة؛ حقيقة يعرفها كل من له علاقة بالمدرسة، من قريب أو من بعيد. يقال إن مُعَلمته كانت تنطق اسمه بتلذذ، ولا تنسى التذكير دائماً بأنه طالب مثالي، وبأنه سيصبح رئيساً للولايات المتحدة لو أنه أبيض. لكنه لن يصبح رئيساً فلونه أسود جداً إلى درجة اللمعان. وكان متعدد المواهب إلى درجة جعلت زملاءه ينظرون إليه بمزيج من الغيرة والحسد.

شالوم برون فرانكلين

كان شغوفاً بالرسم، وقد اعتاد كلما اقترب عيد الشكر أن يرسم، على السبورة، دِيَكَّةً روميةً ويقطينات، ويحرص في يوم ميلاد الرئيس جورج واشنطن على رسم علم أميركا كبيراً ومحاطاً ببلطات. هذه الروائع الفنية الصغيرة جعلته مثار إعجاب وحديث من حوله.

ذات يوم، في يوم ميلاد مُعَلِّمَتِه، دخل هارون الفصل يحمل شيئاً، إطاراً ملفوفاً بصحف قديمة. تابعته العيون في تقدمه نحو المعلمة، والجميع في حالة فضول لمعرفة ذلك الشيء الغامض الملفوف بالصحف. وضع هارون الشيء أمام المعلمة وبدأ في تمزيق الصحف، فانضمت إليه المعلمة لتساعده في كشف المخبوء. تسمرت في مكانها، وعيناها مفتوحتان في أقصى اتساعهما من الدهشة التي أخرستها، بينما الطلبة يتمنون لو أن عيونهم تخرج من محاجرها لتتمدد في اتجاه ذلك الشيء الذي حوّلَ المعلمة إلى كتلة من اندهاش.

ما وقع عليه بصر المعلمة وأثار دهشتها: صورة المسيح مرسوماً وملوناً بالأسود. خرجت الدهشة الممزوجة بالاستغراب من الفصل لتسري في كل أرجاء المدرسة. في بداية الفصل التالي، كانت صورة المسيح الأسود معروضة مع معروضات أخرى في احتفال أقامته المدرسة، وكان ذلك هو الاحتفال أو الاحتفاء الأخير بالصورة وبراسمها، وآخر أيام مدير المدرسة الأسود الذي دافع أمام المسؤول عن المدارس في المدينة عن حق هارون في التعبير عن رأيه. غضب المسؤول غضباً شديداً، ووبَّخ مدير المدرسة على سماحه بالتجديف والتدنيس للمقدس، ليغادر المدير بعد ذلك إلى مدرسة أخرى يرافقه هارون الذي أصر أبوه على عدم بقائه في تلك المدرسة.

الحقيقة التي أخفيتها لحد الآن هي أن كل ما ذكرته أعلاه لم يحدث على الإطلاق؛ فهارون كروفورد ومدرسته وكل من فيها لم يوجدوا خارج العالم الصغير المتخيل في القصة القصيرة للكاتب الأميركي الأسود جون هنرِك كلارك: «الصبي الذي رسم المسيحَ أسودَ».

لقد حاولت الإيهام في سردي لقصة هارون ومسيحه الأسود بأن ما حدث حقيقة، بينما هو محض خيال أو تخييل (fiction)، وليس ثمة ما هو جديد سواء في القول إن بعض، أو ربما كثيراً، مما يُقَدّمُ على أنه أحداث تاريخية وحقيقية هو تخييل (fiction) أيضاً، أم في القول إن تاريخاً لشعب ما تطلّب سردُه محوَ وإخفاءَ أحداثٍ وحقائق معينة. فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون دائماً، فهنالك إذن تواريخ لم تكتب، تواريخ المهزومين التي هي في حالة انتظار لتكتب. وسيكون التاريخ مختلفاً لو كتبت ذات يوم لأنها ستقدمه من وجهات نظر مختلفة أملى اختلافها آيديولوجيا الكُتّاب والظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شكلت بمجملها سياقات لها تأثيرها على تدوينها. بيد أن «تواريخ» المهزومين لن تختلف عن «تواريخ» المنتصرين من ناحية أن تسريدها وتدوينها لن يتحققا من دون الانتقاء والاختيار وحذف كل ما يعيق سردها وفق وجهات نظر وغايات سُرَّادِها. كل شيء في السرد، في التخييل والتاريخ على السواء، يعتمد ويتوقف على وجهة النظر وموقف السارد.

ذكر هارون لمدير التعليم في المدينة أنه رسم المسيح أسود لأن الأخير لا يمكن أن يكون أبيض؛ فالمسيح طيب وعطوف ومتسامح، يختلف تماماً عن البيض الذين يعرفهم ويلتقي بهم؛ كما أنه ليس مؤكداً سواء أكان المسيح أبيض أم أسود، فضلاً عن أنه من منطقة فيها الكثير من الملونين حسب عمه الذي يُدَرِّسُ تاريخ الزنوج في نيويورك. رسم هارون المسيح بصورة أبيه ومنحه عيونه على أساس من تجربته، فاتحاً الباب أمام صور للمسيح بألوان أخرى؛ فقد يرسمه طفل كوري أو فلبيني بملامح أهله.

تسويد المسيح للأسباب التي ذكرها هارون تضع سواده على محمل الاحتمال والمقبولية، على النقيض من تسويد الملكة كليوباترا، مثلاً، لمجرد أن جدة أحدهم ذكرت له أنها سوداء. لكن على الرغم من ضعف المبرر الأخير، فإن سواد كليوباترا محتمل، والمقصود بسوادها امتزاج قطرات من «الدم الأسود» بدمها «الأبيض» وليس بالضرورة أن يكون لونها كلون الممثلة أديل جيمس.

إن احتمالية حدوث هذا الامتزاج وبأي مقدار، وفي أي لحظة، هو ما سبب عند البعض ما أسميه «ذعر الدم الأسود» قياساً على «الذعر الأحمر the red scare»، حالة الهستيريا والبارانويا، «رهاب الشيوعية والشيوعيين»، التي خيمت على الولايات المتحدة إبان المكارِثِيّة واشتدت أثناء الحرب الباردة.

لكن ضعف مبرر الجدة لسواد كليوباترا لا يقفل الباب أمام ظهورها سوداء، لأنها ظهرت، من قبل، بعيون إليزابيث تايلور الزرقاء في الفيلم (كليوباترا، 1963)، وربما تظهر بـ«ألوان» أخرى. أو كما قالت عالمة الآثار المصرية مونيكا حنّا لـ«سي بي إس نيوز»: «لا نعرف على وجه اليقين ما إذا كانت كليوباترا سوداء أم بيضاء أم حتى حمراء، ولا نعرف إذا كانت تعتقد أنها مصرية أم لا... لم نكتشف قبرها. لم يتبق لنا أي توصيفات معاصرة لها. لا نعرف من كانت أمها ولا من كانت جدتها... يمكننا أن نتجادل حول لون بشرتها، وحول ما إذا كانت تُعَرّف نفسها بأنها مصرية أم لا... لكن على الأرجح، لن نجد إجابة حقيقية، لأنه ربما لم توجد الإجابة الحقيقية بعد».

لكن الأهم من لون بشرتها، هو تمثيل كليوباترا، وكيف سيقدمها المسلسل، والصورة التي ستظهر بها. هل ستكون مختلفة أو تكراراً وترسيخاً لصورة المرأة القاتلة (la femme fatale)، الخطيرة، المغوية والمغرية، المثيرة لرغبة وخوف الآخر الذكر معاً؟ وتقود الرجال إلى حتفهم أو دمارهم، في الأسطورة والتاريخ والثقافة الشعبية والأدب والفيلم، من سالومي، التي رقصت مقابل رأس يوحنا المعمدان، مثلاً، إلى نظيرتها في قصيدة جون كيتس «السيدة الجميلة بلا رحمة»، إلى المرأة القاتلة/ الخطيرة التي شكلت إحدى الملامح المميزة لنوع الفيلم الهوليودي الذي سمّاه الناقد الفرنسي نينو فرانك «فيلم نوار- Film Noir» في 1946، وصولاً إلى «لا فَمْ فاتال المعاصرة» في السينما الأميركية. كما ذكرت، كيفية تمثيل كليوباترا في المسلسل الأخير هو الموضوع الأهم، أهم بكثير من الضجة حوله ومن المطالبة المليارية ضد «نتفليكس» والتي تبَيّن أنها ستكون مجرد «مطاردةِ أوزٍ بري» - موضوع لا متسع لتناوله في هذه المقالة.

المثير، أن مسلسل الملكة كليوباترا السوداء سبقه بشهرين تقريباً عرض قناة «بي بي سي» مسلسل «آمال عظيمة»، وهو ترجمة درامية جديدة لرواية تشارلز ديكنز. يشكل «التسويد» نقطة التقاء بين المسلسلين، فاستيلا، إحدى الشخصيات الرئيسة والـ«فَمْ فاتال» في الرواية، تؤدي دورها الممثلة الإنجليزية - الأسترالية السوداء شالوم برون - فرانكلين. تمثل استيلا، حسب هيثر بروان، المرأة القاتلة كمثال مستحيل، شكلتها قوى انتقامية خارجية، متجسدة في الآنسة هافيشام التي لقنتها دروساً في فن الثأر الأنثوي. لم يُثر مسلسل استيلا السوداء صخباً وغضباً كمسلسل «الملكة كليوباترا» لأنه «تخييل في تخييل»، لكن من يستطيع فصل الحقيقي عن التخييلي في «تاريخ» كليوباترا، من يضمن نقاء سيرتها؟


مقالات ذات صلة

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

يوميات الشرق قارب لعلماء آثار يبحر عبر ميناء كوبنهاغن في31 مارس 2026 (أ.ب)

اكتشاف سفينة حربية دنماركية أغرقها الأسطول البريطاني قبل 225 عاماً

بعد مرور أكثر من 200 عام على غرقها على يد الأميرال نلسون، تمكّن علماء للآثار البحرية من اكتشاف سفينة حربية دنماركية في قاع ميناء كوبنهاغن.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
يوميات الشرق خوذة كوتوفينيستي الذهبية أثناء عرضها على الصحافة في متحف درينتس بآسن في هولندا 2 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن سُرقت من متحف هولندي

أعلنت السلطات الهولندية، الخميس، استعادة خوذة ذهبية أثرية لا تُقدّر بثمن تعود إلى رومانيا، كانت قد سُرقت، العام الماضي، من متحف في هولندا.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
أميركا اللاتينية امرأة تمر أمام السفارة الإيرانية في بوينس آيرس 20 يونيو 2025 (أ.ف.ب)

الأرجنتين تطرد القائم بالأعمال الإيراني بعد اتهامات طهران لها بالتواطؤ في الحرب

ذكر بيان صادر عن وزير الخارجية الأرجنتيني، الخميس، أن الحكومة عدّت القائم بالأعمال الإيراني محسن طهراني «شخصاً غير مرغوب فيه» وطردته من البلاد.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)
أوروبا حاملة الطائرات التابعة للبحرية الملكية البريطانية «إتش إم إس برينس أوف ويلز» قبل رسوها في ميناء طوكيو يوم 28 أغسطس 2025 (أ.ب)

ما حال البحرية الملكية البريطانية التي انتقدها ترمب وهيغسيث مراراً؟

تراجعت قدرات البحرية البريطانية منذ الحرب الباردة، رغم خطط التحديث، وسط انتقادات أميركية وضغوط لزيادة الإنفاق الدفاعي في ظل تهديدات دولية متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق ما نعتقده يقيناً... قد يتبدَّل (رويترز)

أدلة حديثة تُعيد رسم تاريخ وصول البشر إلى الأميركتين

لعقود، ظلَّ موقع في تشيلي يُدعى مونتي فيردي يمثّل الدليل الأقوى على أقدم استيطان بشري في الأميركتين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً