بنات أُلفة ***
إخراج: كوثر بن هنية | تونس/ فرنسا | 2023
فيلم المخرجة التونسية كوثر بن هنية مؤلف من تناقضات مقصودة أحسنت المخرجة التخطيط لها وتنفيذها. هو دراما وتسجيلي مع ممثلين محترفين وآخرين غير محترفين. لا هو بحث في ذاكرة شخصية ولا هو سرد حكاية مكتوبة للحديث عن آخرين. هو كل هذه الأمور متقاطعة ولو بقدر من التكلّف.
«أُلفة» (تؤديها هند صبري وألفت الحقيقية أيضاً) لديها أربع بنات اثنان منهن (غفران ورحمة) ينضمان إلى جماعة متطرّفة، وها هي الأم تبحث عنهما وتريد استعادتهما من براثن المستقبل الداكن. ضمن هذه الخطوط تمضي الحكاية بتعرجاتها المذكورة لكنها تزداد غرابة مع استعانة المخرجة بمزيد من الانتقال ما بين ممثليها المختلفين كما لو أنها تريد من فيلمها سرد الحكاية وتأكيدها أيضاً. أو- ربما وكما يتبدى الأمر من منظور مختلف - سرد الحكاية وتكذيبها معاً.
هناك ممثل رئيسي واحد هو ماجد مستورة، الذي تسند إليه المخرجة عدة أدوار: هو رجل البوليس، والزوج السابق والعشيق الحالي. لا شيء في الفيلم يبرر ذلك سوى النيّة في تغريب الوضع الماثل قدر الإمكان.

ما يدور في خلفية المُشاهد الذي يستقبل كل هذا الكم من القرارات وفورمات السرد هو حقيقة أن المشروع الماثل أمام المخرجة جديد من نوعه وينتمي إلى محاولة فعلية لتقديم شكل واحد فريد. هذا الشكل ينجح أكثر، حين معاملة الفيلم على أساس مشاهد مفترقة، مفصولة عن بعضها بعضاً بنقله صوب التمثيلي وغير التمثيلي، لكن حين النظر إلى الفيلم ككل فإن قيمة العمل تختلف سلباً. لن ينجز الفيلم إعجاباً كاملاً كعمل سينمائي لا يخلو من الافتعال، أو كشخصيات كونها تتأرجح بين كسب العاطفة وعدمها.
• عروض مهرجان «كان»
Daliland **
إخراج: ماري هارون | الولايات المتحدة | 2022
أجمعت عشرات الكتب التي صدرت عن الرسام السوريالي (رفض السوريالية لاحقاً في حياته) سلفادور دالي بأنه كان شخصاً صعب الإرضاء. خاض مراحل معقدة من حياته، لكن الكاتب جيمس س. وولش والمخرجة ماري هارون (ما زال American Psycho أفضل أفلامها) انصب على عامي 1974 و1975 عندما كان دالي يعرض رسوماته في غاليري نيويوركي، ويقطن بشقة في فندق وثير يُقيم فيها حفلات ساهرة.
الشخصية الرئيسية في هذا الفيلم هي لشاب اسمه جيمس (كريستوفر برايني)، الذي أسند إليه دالي مهمّة القيام بمساعدته خلال وجوده في نيويورك. دالي (بن كينغسلي) لم يكن هاوياً للجنس مع أحد على عكس زوجته غالا (باربرا سوكوفا) التي اعتادت مصاحبة أي شاب يعجبها. تتابع المخرجة حياة الترف لكنها لا تتدخل لتسجيل موقف مع أو ضد ما تعرضه، مما يترك الفيلم بلا عمق يُذكر. سيدلف الفيلم لاحقاً إلى الأربعينات عندما التقى دالي بغالا لأول مرّة ووقع في حبها. هنا لا تستخدم المخرجة «فلاشباك» تقليدياً، بل نجد دالي وجيمس يقفان على الساحل الإسباني يشاهدان (ونحن) دالي شاباً وهو يرتمي تحت قدمي غالا ليعبّر، بطريقته الغريبة، عن حبّه لها.
يؤدي كينغسلي الدور جيداً لكن المرء يتمنى لو استمع إلى كيف يتحدث الإسباني الإنجليزية ليتقن هذا الجانب المهم من الدور.
تركّز ماري هارون على شخصية جيمس وليس على دالي. بالنسبة لها هذه هي أفضل طريقة للتعامل مع سيرة حياة شخصية واقعية، لكن في الوقت ذاته نزعت عن الفيلم احتمال رواجه. وهي كانت أنجزت، سنة 1969 فيلماً عن شخصية الفنان أندي وورهول من الزاوية ذاتها، التي تنشد البحث عن المناطق الرخوة في شخصياتها.
• عروض مهرجان تورنتو
Iron Butterflies ***
إخراج: رومان ليوباي | أوكرانيا | 2023
في السابع عشر من يوليو (تمّوز) انفجرت طائرة مدنية تقل 298 راكباً في رحلتها من أمستردام إلى ماليزيا وسقطت في الأراضي المتنازع عليها ما بين روسيا وأوكرانيا، وتبادل الجانبان تهمة من أطلق تلك القذيفة على الطائرة.
يتمحور موضوع الفيلم التسجيلي «فراشات حديدية» حول هذا الحادث وتنتمي رسالته إلى التحقيقات التي أدانت الميليشيا الروسية (المعروفة بـ BUK) وأصدرت حكمها بالسجن المؤبد على من اعتبرتهم مسؤولين عن الحادثة. يحيط الفيلم بهذه الوقائع على نحو مدروس وبتنفيذ جيد. ليس هناك من مشهد، في الساعة الأولى منه، غير موثّق أو غير مبني على وثيقة. وتوالي المَشاهد يدفع باتجاه الإدانة وممارسة حق الفيلم التسجيلي/ الوثائقي في لعب دوره في التعامل مع التاريخ.
ما يخفق فيه الفيلم هو أنه من بعد استيفاء هذا الجانب من العرض يعرج على أحداث الأمس القريب عندما حررت القوات الروسية تلك المناطق التي تعتبرها لها. هنا يواصل المخرج الكيل للعدو من دون أن يسمح لنفسه بالتعامل مع جانبي النزاع على نحو موضوعي. مشكلة ما يقع في الثلث الأخير من الفيلم هو أن التاريخ لن ينظر إلى أحداث اليوم من زاوية طرف واحد كما يفعل المخرج، بل سيحيط بالظروف جميعاً.
• عروض مهرجان صندانس.
Sisu **
إخراج: جلماري هلندر | فنلندا | 2023
خيال الكاتب والمخرج جلماري هلندر يذهب بعيداً في سرده حكاية رجل فنلندي عجوز معروف باسم «سيسو» يكتشف قطعة كبيرة من الذهب في باطن الأرض. لم يكن يملك جهاز اكتشاف معادن ولا بللورة سحرية تدله. كل ما فعله هو أنه ضرب الأرض هناك واكتشف الذهب.
قائد الجيش النازي المنسحب من فنلندا (عند نهاية الحرب العالمية الثانية) اكتشف حقيقة ذلك العجوز فقرر ومعاونوه أن مستقبلهم لن يساوي شيئاً إذا لم يحصلوا على ذلك الذهب. يأمر القائد أفراد فرقته بمطاردة سيسو، الذي بات عليه الدفاع عن نفسه وذهبه بمهارات فريدة. مرّة بضرب قنبلة بعصاه كما لو كان في ملعب بيسبول، ومرّة يتعلّق ببطن دبابة ثم يقفز فوقها ويرمي فيها قنبلة بكل سهولة، ومرّة يحطم طائرة تمر فوق رأسه بضربة معول يحمله. (مواقف قد يطلقها «أبو عبد البيروتي» فتضحك)، لكن هنا يتحوّل الأمر إلى سخرية.
لا عمق في الشخصيات لكن حتى ولو لم يكن ذلك ضرورياً في فيلم يعمد إلى المغالاة في المواقف، إلا أن ما لا يستطيع المرء التغاضي عنه هو كاريكاتيرية تلك الشخصيات واستمتاع المخرج بمبدأ اللهو المطلق.
ضعيف* | وسط**| جيد ***| ممتاز**** | تحفة*****



