علامات بارزة في تاريخ سينما سعودية جديدة

بداياتها جيدة وطريقها واعد

‫ 1 - مشهد من فيلم «وجدة» لهيفاء المنصور (رازور فيلم برودكشنز).‬
‫ 1 - مشهد من فيلم «وجدة» لهيفاء المنصور (رازور فيلم برودكشنز).‬
TT

علامات بارزة في تاريخ سينما سعودية جديدة

‫ 1 - مشهد من فيلم «وجدة» لهيفاء المنصور (رازور فيلم برودكشنز).‬
‫ 1 - مشهد من فيلم «وجدة» لهيفاء المنصور (رازور فيلم برودكشنز).‬

انتهت مساء أمس، الخميس، أعمال الدورة التاسعة من مهرجان «أفلام السعودية» بحفل كبير يليق بإنجازات المهرجان على أكثر من صعيد. ما هو أهم من النتائج كيف نما المهرجان وكيف هو الحال وما سيكون عليه غداً.

طبيعياً، تزداد المسؤوليات عندما ينمو المهرجان حثيثاً عاماً بعد عام. ومع ازدياد المسؤوليات تتكاثر تلك المسائل التي تحتاج إلى إحاطة ودراية. والمفاجئ إلى حد هو أن الإدارة حسبت حساب كل شيء ووضعت خططها ونفّذتها بنجاح مشهود.

ما كان يمكن أن يحدث تبعاً لهذا النمو فقدان الحميمية، لكن هذه ما زالت موجودة تحرسها الرغبة في اللقاءات اليومية بعد العروض وتبادل شتّى أنواع الأحاديث المتعلقة بالسينما وخصوصاً بالسينما السعودية ذاتها.

تاريخ بعيد

ليس مفاجئاً أن تجد السينما السعودية نفسها محور اهتمام الجميع مسؤولين رسميين ونقاد ومثقفين وجماهير. فهي في خلال 3 سنوات وبضعة أشهر خطت خطوات لم تستطع دول كثيرة أخرى أن تخطوها في عشر سنوات بالنتائج ذاتها ومع الأخذ بعين الاعتبار سعة الحقول السينمائية التي هدفت الحكومة السعودية القيام بها معاً.

يقول المدير التنفيذي لهيئة الأفلام عبد الله آل عياف في حديث له: «إن المسألة ليست مجرد تمويل أفلام ومساعدة صانعيها، بل تشمل كل المتطلبات الأخرى، التي تحتاجها الصناعة السينمائية حتى في أصغر تفاصيلها».

يكشف هذا الكلام عن العمل الذي كان لا بد أن يسير موازياً مع كل شأن آخر. ففي هذه المدّة القصيرة تم تأسيس هيئات وجمعيات وأرشيف ولوجيستيات عمل وإدارات وصناديق دعم ومهرجانات ولا ننسى فتح المجال أمام الجمهور السعودي لمشاهدة آخر الإنتاجات التي توزعها الشركات العالمية. كله في آن واحد ومن دون تباطؤ أو تقصير.

تبدو المسافة طويلة جداً منذ تلك المحاولات الأولى، التي تمّت في الثلاثينات. مجموعات من الأفلام الإخبارية والوثائقية وتوجه صوب الفيلم الروائي الطويل ثم بداية عهد الرائد عبد الله المحيسن، الذي حين أدرك، في الثمانينات، أنه سوف لن يستطيع تحقيق أفلامه داخل السعودية، بسبب ظروف المرحلة الاجتماعية ومواقف بعض السلطات الدينية النافذة، أخذ يحقق أفلامه خارج الحدود.

المحيسن كان من أوائل المخرجين غير اللبنانيين الذين حققوا أفلامهم عن الحرب الأهلية وذلك عبر فيلمه «اغتيال مدينة» سنة 1976.

مسيرة المحيسن استمرت في جوانب عدّة، إذ أخرج الفيلم الروائي الطويل «زمن الصمت» وأنجز أفلاماً وثائقية وأنيميشن. مشروعه كان طموحاً لكن العالم من حوله كان يتغيّر ولم يجد المحيسن أنه يستطيع العيش في مكان وتصوير أفلامه وعرضها في مكان آخر.

3 جو روسو (أغبو برودكشنز).

جيل جديد

لكن السنوات التالية أخذت توحي بالمتغيّرات التي نعيشها اليوم.

وكان أبرز ما تم تحقيقه تحت مظلة السينما السعودية في العشرية الأولى من هذا القرن كل تلك الأفلام القصيرة التي عُرضت في مهرجاني دبي وأبوظبي، التي كان من بينها أعمال للمخرجتين هيفاء المنصور وشهد أمين. كلتاهما من جيل واحد أمَّ السينما إيماناً بأهميّتها، واستطاع بعد تلك الأفلام القصيرة اللافتة اجتياز الخطوة صوب الفيلم الروائي الطويل. «وجدة» (2012). ذلك الفيلم الذي شق عباب المحيطات لينقل إلى مهرجانات العالم ولادة سينما سعودية تقلب الاعتقاد السائد من أن المرأة السعودية لن تستطيع الخروج من تعقيدات التقاليد.

بطلة فيلم «وجدة» (وعد محمد) تشبه المخرجة السعودية التي تقدّمها هيفاء المنصور في ناحية واحدة على الأقل: إذ تشاهد الفيلم يساورك الشعور بأن المخرجة إنما تتحدّث عن نفسها من خلال بطلتها وأحلامها. الدراجة التي تطمح وجدة لركوبها، هي الكاميرا التي كانت هيفاء المنصور تطمح للعمل عليها وتحقيق حلمها بالعمل السينمائي. كلتاهما أنثى تعيش في مجتمع محافظ. كلتاهما تجد تشجيعاً محدوداً وصدّاً كبيراً. كلتاهما تحقق ما تريد في النهاية.

أول ما يلحظه المرء هنا هو أن ملكية المخرجة للكتابة (بما في ذلك كتابة الحوار) وصفية ومن مصدر واحد يطغى بمواقفه على الجميع. فالأم تتصرّف حسب المنهج المرسوم لها، والمعلّمات حسب المنهج المرسوم لهن. لا مناطق رمادية تثري الشخصيات، ولو أن ما يفعله الفيلم، ولو تعويضاً، هو استخدام هذه المواقف الممنهجة كأنماط لإيصال رسالة مفادها العالم المحبط والممانع لبطلتها لمجرد أنها تحلم بأن تشتري دراجة (هوائية) تلعب بها. هذا وضع آيل للتحسن في فيلمها السعودي التالي «المرشّحة المثالية».

جاء فيلم شهد أمين الروائي الأول مختلفاً من دون أن يكون أقل أهمية. فيلم من الرموز الشعرية ملتقطة بالأبيض والأسود عنوانه «سيدة البحر» (2019).

في هذه المحاولة الأولى نجد نشأة فتاة اسمها حياة (بسمة حجار) منبوذة من المجتمع البدائي الذي تعيش فيه. هي في الثانية عشرة من العمر لا نرى والدتها إلا لُماماً. والدها مجبر على التضحية بها لإرضاء حورية البحر حتى يرتفع منسوب صيد السمك لدى أهل القرية التي تستوطن (لسبب ما) جزيرة ساحلية لا شجر فيها ولا رمال، بل هضاب صخرية تطل على ساحل القرية. لا يوجد ما يفسر من أين يأتي الماء الذي يشربونه ويستخدمونه في يومياتهم.

في هذا الكيان القاسي تعيش حياة منساقة بدوافعها الذاتية إلى رفض صامت للتقاليد. رفضها لا يعني أنها ليست مجبرة، بدورها، على قبول الأمر الواقع. عندما تفشل محاولات تقديمها كقربان تجد حياة نفسها تمارس أعمال الذكور فيما يتعلق بالعمل فوق سفن الصيد كحياكة الشبكات وربط الحبال والصيد نفسه. بذلك يومئ الفيلم لا إلى التقاليد الاجتماعية المتوارثة وإجحافها بحق المرأة فقط، بل إن طريق المرأة الوحيد المتاح لها للتغلب على تلك الحياة والتحوّل إلى فاعل اجتماعي مساوٍ، هو القيام بأعمال الذكور. ليس أن هذا هو اقتراح المخرجة للخروج من أزمة تعامل، لكنه ما تجد حياة نفسها أمامها كاختيار.

2 - لقطة من «آخر زيارة» لعبد المحسن الضبعان (لات سين فيلمز).

أفلام أخرى

ليس بعيداً عن هاتين الباكورتين من الطموحات توالت الأفلام الدالّة على وجود خامات ممتازة. قدّم محمود الصبّاغ فيلميه الجيدين «بركة يقابل بركة» (2016) ثم «عمرة والعرس الثاني» وتلاه، على سبيل المثال فقط، عبد العزيز الشلاحي في «حد الطار» (2020) وهو كان حقق أول أفلامه سنة 2018 تحت عنوان «المسافة صفر». وعبد المحسن الضبعان في «آخر زيارة» (2019).

في حسابات متعددة قد يجد الناقد أن «آخر زيارة» هو أفضل فيلم من إنتاجات الفترة الأخيرة: رحلة صوب عرس في سيارة يقودها أب ومعه ابنه الشاب تتوقف عن متابعة سيرها بسبب هاتف مفاجئ من شقيق الأب يعلمه فيه أن والدهما طريح الفراش وربما في ساعات حياته الأخيرة. من استعداد لفرح غامر إلى ولوج مناسبة مناقضة وما سيزيدها دكانة حقيقة أن العلاقة بين الأب (أسامة القس) وابنه (عبد الله الفهاد) تتعرض لاختبار يزعزعها ويضفي التوتر على البيت الذي سيحلان به ضيفين. هناك شخصيات رجالية أخرى من دون ظهور لأي ممثلة أنثى. لكن الطريقة التي تم فيها تنفيذ الفيلم ليست طريقة من يريد استبعاد النساء، بل التعمق في وضع العلاقة بين الأب وابنه.

الصورة تخدم النص بتوجهها لما هو ضروري التقاطه من أمارات وجوه وأعين باحثة وصمت ناطق بالتعابير المكبوتة معظم الوقت. مع وصول الأب إلى دار أخيه يجد أن ما يريده لابنه ليس ما يرغب الابن توفيره فهذا يفضل العزلة وعدم الاندماج مع شؤون العائلة. عند حدوث المواجهة بين الأب وابنه فإن ذلك لا يؤدي لفهم متبادل بل لمزيد من تمنع الشاب من قبول رغبات والده. في أحد المشاهد يطلب الأب من ابنه أن ينهض لصلاة الفجر. حين لا يفعل يتبادلان فيه تهمة الكذب قبل أن يكشف الابن أن والده لا يدعوه لصلاة الفجر في بيتهما، بل فقط في بيت عمه لكي يتباهى به.

القضايا المثارة في الأفلام السعودية اجتماعية هادفة، وهي تحتاج لدراسة خاصّة بها إنها تلجأ إلى الجدّية هنا وإلى الكوميديا هناك لكي تلقي كلمتها السديدة في هذا الجو المنفتح الذي تعيشه المملكة.


مقالات ذات صلة

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

سينما مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج.

محمد رُضا (لندن)
سينما  هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»).

محمد رُضا (لندن)
يوميات الشرق أحمد مالك يروج لفيلمه «إيجي بست» (حسابه على موقع «فيسبوك»)

«منافسة خجولة» في موسم عيد الفطر السينمائي بمصر

يشهد موسم عيد الفطر السينمائي في مصر منافسة خجولة؛ إذ ينافس فيه 4 أفلام جديدة فقط.

داليا ماهر (القاهرة )
يوميات الشرق تناول الفيلم الوضع من منظور إنساني (الشركة المنتجة)

بوه سي تنغ: الحديث عن حقوق الفلسطينيين في واشنطن محفوف بالحذر

قالت المخرجة الماليزية - الأميركية بوه سي تنغ إن الدافع وراء فيلمها «أميركان دكتور» (American Doctor) كان استجابة شخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عرض الفيلم للمرة الأولى أوروبياً ضمن فعاليات «مهرجان سالونيك الدولي» (الشركة المنتجة)

سوسن قاعود: النجاة من الحرب ليست نهاية القصة

يرصد فيلم «غزة غراد» تجربة الناجين من الحرب بعد مغادرتهم غزة، كاشفاً التحولات النفسية والإنسانية العميقة التي يعيشونها بين الفقد، وبناء حياة جديدة في المنفى.

أحمد عدلي (القاهرة )

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.