مساعٍ أكاديمية خليجية لمواجهة «الإعلام المضلِّل»

التدريبات تجاوزت الجانب النظري إلى التطبيق العملي

 تسجيل في الجامعة الأميركية برأس الخيمة (الشرق الأوسط)
تسجيل في الجامعة الأميركية برأس الخيمة (الشرق الأوسط)
TT

مساعٍ أكاديمية خليجية لمواجهة «الإعلام المضلِّل»

 تسجيل في الجامعة الأميركية برأس الخيمة (الشرق الأوسط)
تسجيل في الجامعة الأميركية برأس الخيمة (الشرق الأوسط)

في ظل تصاعد التهديد الذي تفرضه المعلومات المضلّلة والروايات المصطنعة على المجتمعات، تبرز مساعٍ أكاديمية منهجية لمواجهة هذه الظاهرة المتنامية عبر برامج تعليمية متخصصة تهدف إلى تأهيل جيل جديد من المهنيين في الإعلام يتمتعون بالمسؤولية والمهنية والقدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

ولقد شدّد خبراء على أن هذه المساعي لا تقتصر على الجانب النظري فقط، بل إن الجانب التطبيقي يشكّل حجر الأساس في هذه العملية التعليمية، التي تُقدِّم صورة متكاملة حول كيفية تقييم الأخبار.

ورأى هؤلاء الخبراء أن التعليم في قطاع الإعلام تجاوز مفهوم كتابة الخبر، وبات يتوجب أن يتضمن منهجاً في تقييم صدقية الأخبار والمعلومات للوصول إلى الغاية الأهم، وهي الحقيقة.

الجامعة الأميركية في مدينة رأس الخيمة الإماراتية وضعت أخيراً خططاً لإعداد كوادر إعلامية قادرة على مواكبة التطورات السريعة في صناعة الإعلام، والتعامل مع التحديات الأخلاقية والمهنية في زمن تزايد المعلومات الكاذبة، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي.

وتجدر الإشارة إلى أن هذه الجامعة أُدرجت ضمن قائمة أفضل 500 جامعة في تصنيف «كيو إس» العالمي للجامعات لعام 2025، وهي تحتل اليوم المركز السادس بين جامعات دولة الإمارات العربية المتحدة!

إعلاميون في مواجهة المعلومات المضللة

البروفيسور ستيفن كلارك ويلهايت، نائب الرئيس الأول للشؤون الأكاديمية والنجاح الطلابي في الجامعة، قال خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» موضحاً: «للجامعات دور حاسم في إعداد الإعلاميين المستقبليين لمواجهة المعلومات المضللة والتصدي لها. وفي مؤسستنا، نبدأ هذا الدور في وقت مبكّر من المناهج الدراسية، عبر مقرّرات تركّز على التثقيف الإعلامي وتساعد الطلاب على فهم كيفية بناء الروايات وتوزيعها والتلاعب بها عبر منصات التواصل الاجتماعي».

وأردف ويلهايت أن هذا التوجه لا يقتصر على الجانب النظري فقط، بل يمتد إلى الجانب التطبيقي الذي يشمل إنشاء المحتوى وتحليله، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، مثل منصة «Perplexity AI»، والتفاعل العملي مع البيانات وتحليل الحملات الإعلامية.

ومن ثم تابع: «هذا التعرّض المتعدّد الطبقات، الذي يجمع بين إنشاء المحتوى والتحليل النقدي والتأصيل الأخلاقي، يضمن أن يتخرّج الطلاب بوعي عميق بكيفية انتشار المعلومات المضللة وكيفية التعامل معها».

هذا، ويشمل برنامج بكالوريوس الاتصال الجماهيري في الجامعة على تخصصين رئيسين: الإعلام الرقمي والعلاقات العامة، ويرتكز المنهج الدراسي على مقرّرات جوهرية، مثل: قانون وأخلاقيات الإعلام، وكتابة الأخبار، وإعداد التقارير، والإعلام الرقمي المتقدم، وصحافة البيانات، إلى جانب التدريب العملي والمشاريع البحثية التي تتيح للطلاب التفاعل المباشر مع تحديات العالم الواقعي.

التكيّف والمرونة

من جهة ثانية، يرى البروفسور ويلهايت أن أحد أعمدة البرنامج تعزيز المرونة والقدرة على التكيّف في بيئة إعلامية تتطور باستمرار. ويشرح: «تعمل التقنيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي، على تغيير المشهد الإعلامي جذرياً. وبدلاً من تجاهلها، نحن نشجع طلابنا على الانخراط المباشر معها، واستخدامها بفاعلية ضمن سياقات أخلاقية واضحة. ونحن من جانبنا نؤمن بأن الفشل أحياناً جزء من عملية التعلم... لذا نشجع الطلاب على التجربة واستخدام الأدوات الجديدة، حتى لو كانت النتائج غير مثالية. هذا الأمر يعزّز لديهم عقلية الابتكار والتعلم المستمر، وهي من المهارات المطلوبة بشدة في السوق».

وتدعم هذه الرؤية أيضاً البروفسورة هاريكليا زينغوس، عميدة كلية الآداب والعلوم، التي ترى أن تطوير البرامج الأكاديمية يجب أن يتماشى مع التغيرات المتسارعة في صناعة الإعلام. وتوضح: «يتطلب المشهد الإعلامي الحديث أن نواكب الاتجاهات الناشئة، ولا سيما إنتاج المحتوى الرقمي. ولذا يركّز برنامجنا على النزاهة في توليد المحتوى، والتحقّق من صحة المعلومات، والالتزام بالمعايير الصحافية المعترف بها عالمياً».

البروفسور ستيفن كلارك ويلهايت

برامج محدّثة تواكب السوق

للعلم، تعمل الجامعة على تحديث مناهجها بشكل دوري من خلال تقييمات سنوية، تشمل مراجعات أكاديمية وآراء خبراء في الصناعة الإعلامية، ما يضمن بقاء البرنامج متوافقاً مع احتياجات السوق والممارسات المهنية الحديثة. ولقد أدرجت أخيراً مقرّرات جديدة، مثل: ريادة الأعمال الإعلامية، وإدارة وسائل الإعلام، التي تمنح الطلاب أدوات لفهم الجانب التجاري من العمل الإعلامي.

ويعكس هذا التوجه أيضاً إدراك الجامعة لحجم النمو المتوقع في قطاعي الإعلام الرقمي والعلاقات العامة على مستوى العالم. فوفق التوقعات، سيصل حجم سوق الإعلام الرقمي إلى أكثر من 832 مليار دولار بحلول عام 2030، بينما يتوقع أن يبلغ حجم سوق العلاقات العامة نحو 215 مليار دولار في العام ذاته، وهو ما يزيد الحاجة إلى خريجين يتمتعون بالمهارات التقنية والتحليلية والاتصالية المطلوبة.

ورش عمل ميدانية

في ما يتعلق بالتجربة العملية، تقيم الجامعة الأميركية في رأس الخيمة شراكات مع جهات حكومية ومؤسسات إعلامية دولية لتوفير فرص تدريب وتطوير مهني لطلابها. وهنا يقول ويلهايت: «لدينا تعاونات مع دائرة المعرفة في رأس الخيمة ومؤسسة القاسمي لدعم الإنتاج الإعلامي للفعاليات والمبادرات العامة. كما نتعاون مع علامات تجارية عالمية، مثل (كانون) و(فوجي فيلم)، لتنظيم ورش عمل عملية وجولات تصوير تمنح الطلاب خبرة ميدانية حقيقية».

وتشمل المبادرات كذلك تنظيم محاضرات لضيوف من العاملين في مجال الإعلام، بالإضافة إلى زيارات ميدانية إلى مؤسسات إعلامية كبرى، ما يمنح الطلاب رؤى مباشرة حول طبيعة العمل ومتطلباته. وهو ما يعلّق عليه ويلهايت قائلاً: «نحن حريصون على أن يخرج طلابنا، ليس بمؤهلات أكاديمية فقط، بل بمهارات مهنية أيضاً وقدرة على بناء شبكة علاقات تساعدهم في المستقبل».

صحافة البيانات ودمج أدوات التحليل

وبحسب ويلهايت، أسهم استحداث مقرّرات، مثل صحافة البيانات، ودمج أدوات جمع وتحليل المعلومات، في بناء قدرات الطلاب على التعامل مع المعلومات بطرق أكثر تنظيماً ومسؤولية.

وأضاف المسؤول الأكاديمي: «لم نعُد نُعلّم الطلاب كيف يكتبون خبراً فقط، بل كيف يقيّمون مصادره، ويستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي لتدقيقه وتحليل تأثيره».

وتابع في هذا السياق: «يُدرّس الطلاب كيفية التحقق من المعلومات، وتصوّر البيانات بصرياً، وفهم كيفية انتشار المحتوى عبر الوسائط الرقمية. ويساعد هذا النهج على خلق جيل من الإعلاميين القادرين على التصدي للمعلومات المضللة، ليس بصفتهم ناقلين للمعلومة فقط، بل كصنّاع رأي قادرين على تشكيل الوعي العام».

ثم شرح: «نحن نعمل راهناً على تحديث مناهجنا الدراسية بانتظام، استناداً إلى تقييم سنوي للبرنامج يتضمن آراء خبراء الصناعة في هذا المجال، مع المراجعة الأكاديمية لمدى إنجاز الطلاب لنتائج التعلم المتوقعة. ويتيح لنا ذلك مواكبة أحدث المستجدات مع ضمان العمق الأكاديمي. وتشمل الإضافات الأخيرة صحافة البيانات، التي تُعرّف الطلاب على السرد القصصي المستند إلى الأدلة، وإدارة وسائل الإعلام، التي تركز على ريادة الأعمال والجانب التجاري للإعلام».

ويضيف: «حقاً، استجبنا للتحولات التي طرأت على الصحافة، ولا سيما تراجع الصحافة المطبوعة وصعود المحتوى الرقمي، وذلك من خلال دمج المهارات العملية الموجهة نحو المنصات في جميع مراحل البرنامج. وتعكس هذه التغييرات واقع صناعة الإعلام في الإمارات، كما تؤهل الطلاب لتلبية المعايير المهنية المتطورة».

حُماة المعرفة

واختتم البروفسور ويلهايت كلامه بالقول: «في عالم مُشبع بالمعلومات، يكمن التحدّي في تعليم طلابنا كيف يكونون صُنّاعاً واعين للحقيقة. نحن لا نُعدّهم لمهن المستقبل فقط، بل نُعدّهم ليكونوا حماةً للمعرفة والمعلومة الدقيقة في مجتمع تتزايد فيه الحاجة إلى الموثوقية والمساءلة».


مقالات ذات صلة

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

إعلام هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية.

كمال بن يونس (تونس)
إعلام شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي

إيمان مبروك (القاهرة)
الولايات المتحدة​ مراسلات الشبكات الأميركية الثلاث بالقرب من البيت الأبيض بعد رفض دخولهن إليه (أ.ب) p-circle

منع 3 مؤسسات إعلامية من دخول البيت الأبيض بعد قرار ترمب بحظرها

مُنع ممثلو 3 مؤسسات إعلامية أميركية كبرى من دخول البيت الأبيض، صباح السبت، وذلك في أعقاب قرار حظر أصدره الرئيس دونالد ترمب بحقها.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
إعلام يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

أعلن وزير الإعلام السعودي سلمان الدوسري إطلاق «مهرجان ليونز الرياض» الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والمواهب خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر 2027.

جبير الأنصاري (الرياض)
إعلام رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)

ما هي تداعيات زيادة الإنفاق على شراء ناشرين لـ«الترافيك»؟

أثار اتجاه ناشرين لإنفاق ملايين الدولارات شهرياً على شراء الزيارات، تساؤلات بشأن تداعيات ذلك على مستقبل الإعلام.

فتحية الدخاخني (القاهرة)

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
TT

تونس تجمع صُنّاع الإعلام والثقافة

هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)
هندة بنت علية الغريبي (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

تستضيف تونس، بين اليوم 21 سبتمبر (أيلول) الجاري و 24 منه، ملتقىً عربياً ودولياً ضخماً للإعلام والثقافة والصناعات السمعية البصرية. ويأتي هذا الحدث بمناسبة انعقاد الدورة السادسة والعشرين لـ«المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون»، بمشاركة نحو 500 إعلامي وفنان ومثقف وخبير ومهني من الدول العربية ومن أوروبا وآسيا وأفريقيا.

بهذه المناسبة، اعلن المهندس عبد الرحيم سليمان، المدير العام لاتحاد إذاعات الدول العربية، خلال مؤتمر صحافي عُقد في تونس لتقديم الدورة، أن المهرجان، الذي ينعقد تحت شعار «نبض الصورة وصدى المستقبل»، يشهد هذا العام حضوراً عربياً ودولياً واسعاً، وبرنامجاً يجمع المسابقات الإذاعية والتلفزيونية وندوات الحوار وورش العمل ومعرض التكنولوجيا وسوق الإنتاج والفعاليات الثقافية والفنية.

وشارك سليمان في تقديم تفاصيل البرنامج مع عدد من مسؤولي المؤسّسات التونسية الشريكة، بينهم الرئيس المدير العام للتلفزة التونسية شكري بن نصير، والرئيسة المديرة العامة للإذاعة التونسية هندة بن علية الغريبي، ومدير عام مسرح أوبرا تونس العاصمة في «مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» سيف الله الطرشوني ممثلاً عن وزارة الشؤون الثقافية.

هذا، ويعكس تنوّع المشاركين طبيعة التحوّل الذي عرفه المهرجان على امتداد أكثر من أربعة عقود؛ فمن موعد ارتبط أساساً بالتنافس بين الإنتاجات الإذاعية والتلفزيونية العربية، اتّسعت التظاهرة لتصبح فضاءً مهنياً وفكرياً يلتقي فيه الإعلام مع الثقافة والتكنولوجيا والاتصال.

إعلان ندوة "البودكاست" في الملتقى (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

023 عملاً في المنافسة

حسب الأرقام التي قدّمها عبد الرحيم سليمان والقائمون على المهرجان، تتنافس في الدورة 320 مادة إعلامية، بينها 161 عملاً إذاعياً و149 عملاً تلفزيونياً، إضافةً إلى 10 أعمال ضمن مسابقة الإعلام الجديد المرتبطة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وتحافظ المسابقات، بذلك، على موقعها التقليدي في المهرجان بوصفها مناسبة لمعاينة جانب من اتجاهات الإنتاج العربي في الدراما والبرامج والأعمال الإذاعية والتلفزيونية. إلا أن إضافة الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي تكشف في الوقت نفسه عن محاولة لمواكبة بيئة إعلامية تتغير أدواتها بوتيرة سريعة.

ذلك أن المؤسسات الإذاعية والتلفزيونية لم تعد تعمل داخل الحدود التقليدية للبث. فالتلفزيون أصبح موجوداً على الهاتف والمنصّات الرقمية، والإذاعة وجدت امتداداً جديداً في «البودكاست» والخدمات الصوتية، بينما دخلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي غُرف الأخبار والاستوديوهات ومراحل الإنتاج وما بعد الإنتاج.

وهذا التحوّل يضع أمام الإعلاميين أسئلة تتجاوز التكنولوجيا ذاتها إلى المصداقية، وحقوق الملكية الفكرية، والتحقّق من المواد المنتجة آلياً، فضلاً عن المسؤولية التحريرية ومستقبل بعض المهن المرتبطة بإنتاج الصورة والصوت.

المحتوى في قلب النقاش

من ناحية ثانية، يخصّص البرنامج الفكري للمهرجان مساحة بارزة لمناقشة هذه التحوّلات، من خلال ندوات ولقاءات وورش عمل يشارك فيها خبراء وإعلاميون وأكاديميون ومهنيون عرب ودوليون. ولقد أوضح مسؤولو الدورة أن البرنامج يتضمن ثلاث ندوات حوارية رئيسية بمشاركة خبراء من قطاع الثقافة والإعلام عربيا ودولياً:

تتناول الأولى «البودكاست: اتجاهات المحتوى وقوة التأثير»، في وقت يشهد المحتوى الصوتي الرقمي توسّعاً ملحوظاً، سواء داخل المؤسسات الإذاعية التقليدية أو لدى المنتجين المستقلين. وحقاً، لا يمثل «البودكاست» مجرد صيغة تقنية جديدة للإذاعة، بل أعاد تشكيل العلاقة مع الصوت عبر الاستماع عند الطلب، ومنح المنتجين مساحة أكبر للتخصّص والسرد المطوّل والوصول إلى جماهير موزّعة جغرافياً خارج نطاق البث التقليدي.

أما الندوة الثانية فتناقش موضوع «الجمهور وصناعة المحتوى: من التلقّي إلى الشراكة». وهذا عنوان يلخص جانباً أساسياً من التحول الاتصالي الراهن، فالجمهور الذي كان يوجد في نهاية عملية الاتصال أصبح اليوم جزءاً منها؛ يختار ويعلّق ويشارك ويعيد توزيع المحتوى، وقد يتحوّل بنفسه إلى مصدر للمعلومة أو منتج للصورة والفيديو. ثم إن هذه العلاقة الجديدة تفرض على المؤسسات الإعلامية إعادة التفكير في مفهوم الجمهور ذاته، وفي طرق قياس التأثير وبناء الثقة، خصوصاً مع انتقال جانب متزايد من استهلاك الأخبار والمحتوى إلى شبكات التواصل والمنصات الرقمية.

وأما الندوة الثالثة، فعنوانها «الإعلام السياحي: من ناقل للحدث إلى صانع للوجهة». وهي تفتح النقاش على وظيفة اتصالية أخرى للإعلام تتصل بصناعة صورة البلدان والمدن والثقافات. إذ إن المحتوى السياحي لم يعد مجرّد تقرير عن موقع أثري أو فندق أو مهرجان، وإنما أصبح جزءاً من منظومة اتصال متكاملة تتداخل فيها الصورة والسرد والتسويق الثقافي والمنصّات الاجتماعية.

المهندس عبد الرحيم سليمان (المهرجان العربي للإذاعة والتلفزيون)

من الإعلام إلى المعرفة

إضافةً إلى ما سبق، يبرز في هذه الدورة أيضاً البعد المعرفي للمهرجان، إذ لا تقتصر اللقاءات المهنية على عرض التجارب، وإنما تتيح تبادل الخبرات بين هيئات البث العربية والخبراء والشركات وصناع المحتوى. وتكتسب هذه الوظيفة أهمية خاصة في قطاع تتغير فيه المهارات المطلوبة باستمرار. فالصحافي والمذيع والمخرج والمنتج باتوا يعملون في بيئة تحتاج، إلى جانب المهارات المهنية التقليدية، إلى فهم البيانات والمنصات والخوارزميات وأدوات الإنتاج الرقمي وسلوك الجمهور.

كذلك يتضمن البرنامج أنشطة مرتبطة بالتعاون في الصناعة السمعية البصرية بين الصين والدول العربية، ونقاشات حول الإبداع والتعاون العربي - الصيني في هذا المجال، بما يفتح نافذة على تجارب إنتاجية وتكنولوجية من خارج الفضاء الإعلامي العربي التقليدي. ويضيف هذا الحضور بعداً دولياً إلى المهرجان، إذ يغدو تبادل المعرفة مرتبطاً أيضاً بالتعرف إلى نماذج مختلفة في الإنتاج والتوزيع والتكنولوجيا، وليس فقط بتبادل البرامج بين المؤسسات العربية.

58 عارضاً من القارات الخمس

على صعيد موازٍ، يمثل معرض «الأسبو» للتكنولوجيا والتجهيزات الجانب الصناعي والتجاري للمهرجان. ووفق ما أعلنه سليمان، يشارك فيه 85 عارضاً من القارات الخمس موزعين على 110 أجنحة، إلى جانب سوق للإنتاج البرامجي ولقاءات مهنية. وتضع هذه المشاركة التكنولوجيا في قلب الحدث. فالصناعة السمعية البصرية أصبحت مرتبطة بشبكة واسعة من الشركات المتخصصة في الكاميرات والاستوديوهات وأنظمة البث والأرشفة والمنصات والحوسبة والحلول الرقمية.

وتتيح مثل هذه المعارض للمؤسسات العربية الاطلاع على تطور أدوات الإنتاج والبث، لكنها توفر أيضاً مجالاً للقاء المباشر بين أصحاب التكنولوجيا وصناع المحتوى ومتخذي القرار داخل المؤسسات الإعلامية.

الثقافة والفنون جزء من المشهد

ولا ينفصل الجانب المهني عن البعد الثقافي والفني للمهرجان. فقد أعلن سليمان أن برنامج حفل الافتتاح، في المسرح الأثري بقرطاج، يشهد تكريم 12 شخصية فنية وإعلامية من تسعة بلدان عربية. وتضم قائمة المكرّمين شخصيات فنية من تجارب وأجيال مختلفة.

وفي المقابل، يحتضن مسرح الأوبرا بمدينة الثقافة في 24 سبتمبر حفل الاختتام وإعلان نتائج المسابقات، إلى جانب عرض «سافر إليك وغنِّ» للمؤلف الموسيقي التونسي كريم الثليبي. وتتوزع فعاليات الدورة بين المسرح الأثري بقرطاج، والمدينة المتوسطية في ياسمين الحمامات، و«مدينة الشاذلي القليبي للثقافة» في العاصمة، بما يربط المهرجان بعدد من أبرز الفضاءات الثقافية والسياحية التونسية.

الإعلام يناقش مستقبله

وبعد مسيرة تتجاوز أربعة عقود، لم تعد المنافسة محصورة بين المحطات الإذاعية والتلفزيونية، وإنما أصبحت مع منصات عالمية وشبكات اجتماعية ومؤثرين ومنتجين مستقلين، بينما منحت تقنيات الذكاء الاصطناعي الأفراد إمكانات لإنتاج النص والصورة والصوت كانت تحتاج قبل سنوات قليلة إلى مؤسسات وتجهيزات كبيرة.

وبوجود نحو 500 مشارك من العالم العربي وأوروبا وآسيا وأفريقيا، و320 عملاً متنافساً، وعشرات الشركات والعارضين، تتحوّل تونس لمدة أربعة أيام إلى مساحة للقاء بين الإعلام والثقافة والتكنولوجيا؛ وبين خبرة صنعت تاريخ الإذاعة والتلفزيون العربي، وجيل جديد يعيد تعريف معنى الصورة والصوت والجمهور في العصر الرقمي.


الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
TT

الذكاء الاصطناعي يقض مضاجع المواقع الإخبارية

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» الذي طورته «أوبن آيه آي» (آ ف ب)

أفاد تقرير الأخبار الصادر عن هيئة الاتصالات البريطانية (أوفكوم) لعام 2026 بأن نحو خُمس البريطانيين (نحو 21 في المائة) باتوا يستخدمون تطبيقات الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار، وذلك بحسب استطلاع شمل 5397 بالغاً. وهذا أمر عدَّه خبراء «تحدّياً لمؤسسات إعلامية، ليس فقط لأن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مصدراً للأخبار قد يحتوي على أخطاء تسهم في نشر معلومات مضللة؛ بل أيضاً لأن هذا السلوك لن يُحيل سوى نسبة ضئيلة جداً من النقرات إلى المصادر الأصلية، مما يسهم في تراجع حركة الزيارات على مواقع الناشرين».

التقرير الذي نُشرت نتائجه منتصف سبتمبر (أيلول) الحالي، ذكر أن استخدام الذكاء الاصطناعي للأخبار هو الأكثر انتشاراً عند الفئة العمرية من 25 إلى 34 سنة بنسبة 37 في المائة. ولقد تصدر «تشات جي بي تي» قائمة التطبيقات الأكثر استخداماً للاطلاع على الأخبار، إذ أفاد 13 في المائة من إجمالي المشاركين باستخدامه لمتابعة الأحداث الجارية خلال الشهر الماضي.

وفق تقديرات «أوفكوم»، تستحوذ محرّكات البحث ومجمّعات الأخبار الإلكترونية والذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي، مجتمعة تحت مسمى «الوسطاء الرقميين» على 37 في المائة من إجمالي الوقت الذي تمضيه عينة البحث مع الأخبار، وهو ما يعادل 26 دقيقة يومياً من إجمالي 72 دقيقة يومياً يمضيها القراء في متابعة الأخبار يومياً، لتصبح بذلك أكبر شريحة منفردة. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة مواقع الناشرين المباشرة 8 دقائق يومياً؛ أي 11 في المائة فقط من إجمالي الاستهلاك.

أما على صعيد منصات التواصل الاجتماعي، فقد تصدَّر «فيسبوك» قائمة استهلاك الأخبار بنسبة 39 في المائة من البالغين يليه «يوتيوب» بنسبة 33 في المائة.

فادي عمروش، الباحث المتخصّص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي رأى خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» أن الناشرين يواجهون أزمة «عزوف» ليس للأخبار بل للمواقع الإخبارية المباشرة... «ولذا على المؤسسات الإعلامية أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي اليوم كما تعاملت سابقاً مع محركات البحث، لكن مع فهم أن قواعد اللعبة تغيرت».

وأضاف: «في عصر محركات البحث كان الهدف من (SEO) واضحاً، وهو أن يظهر الخبر في (غوغل)، ثم يضغط القارئ على الرابط ويزور الموقع، أما اليوم فقد يسأل المستخدم (تشات جي بي تي) و(جيميناي) عن خبر معين ويحصل على ملخص كامل دون أن يزور الموقع الأصلي أصلاً».


السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
TT

السعودية تستضيف «مهرجان ليونز الرياض» ديسمبر 2027

يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)
يسهم المهرجان في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً (واس)

أعلن وزير الإعلام السعودي، سلمان الدوسري، إطلاق «مهرجان ليونز الرياض»، الذي يجمع كبار مسؤولي التسويق وقادة الإبداع والوكالات والعلامات التجارية وصنّاع المحتوى والمواهب الصاعدة من المنطقة والعالم، وذلك خلال الفترة بين 6 و8 ديسمبر (كانون الأول) 2027، في مركز الملك عبد الله المالي «كافد» بمدينة الرياض.

ويأتي هذا الحدث، الذي تنظّمه شركة «تحالف»، بالشراكة مع وزارة الإعلام ومنظومة «ليونز» العالمية، بوصفه مهرجاناً إقليمياً متخصصاً يهدف إلى تبادل الخبرات، واستعراض أبرز الاتجاهات والتجارب المميزة في صناعة الإبداع والتسويق، مما يُعزّز مكانة السوق السعودية، عبر الاقتراب من أحدث الممارسات والمعايير والخبرات الدولية.

ويتناول برنامج المهرجان، على مدى 3 أيام، التميُّز الإبداعي والفاعلية والثقافة ومستقبل القطاع، بما يتيح لمواهب الشرق الأوسط وأفكارهم وأساليب سردهم، منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي، وسط مشاركة نخبة من الخبراء والقيادات من المنطقة والعالم تحت سقف واحد، ليُشكِّل جسراً مباشراً بين المواهب السعودية والإقليمية والشبكات والأسواق والخبرات الدولية.

تمكين المبدعين

من جانبه، أوضح وزير الإعلام أن «الإبداع وسرد القصص لهما جذور راسخة في السعودية وفي ثقافة الشرق الأوسط. واليوم، يبني جيل جديد على هذا الإرث بثقة وقدرة وطموح لرسم ملامح مستقبل هذه القصة»، مؤكداً أن «ليونز الرياض» يُمثِّل «فرصة للاحتفاء بما يميز إبداع منطقتنا، وتعزيز إسهامه في اقتصادنا وثقافتنا، وتمكين أصواتنا الإبداعية من الاضطلاع بدور أكبر في المستقبل».

يتيح المهرجان لمواهب الشرق الأوسط منصة للتأثير في الحوار الإبداعي العالمي (واس)

وأبان الدوسري أن المهرجان «يُجسِّد التقدم الذي تشهده صناعاتنا الإبداعية، والتزام السعودية برعاية المواهب والأفكار التي تقف وراءها»، حيث يُوفِّر فرصة لحضور الإبداع المحلي والمنافسة عالمياً، ويحفز الوكالات على تطوير أدواتها ومنتجاتها.

ويسهم «ليونز الرياض» في دعم نمو الاقتصاد الإبداعي في السعودية عبر استقطاب الخبرات والمواهب العالمية، ونقل المعرفة، وتنمية القدرات الوطنية، وفتح آفاق جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية، الأمر الذي يعكس مساعي الوزارة الهادفة إلى تمكين القطاع والعاملين فيه، وربطه بمراكز التأثير الدولية، بما يعزز نموه ويرفع تنافسيته عالمياً.

ويشكّل المهرجان منصة لتمكين المبدعين السعوديين وربطهم بالشبكات والأسواق الدولية، بما يدعم نمو المنشآت المحلية، ويعزز توطين الصناعات الإبداعية، وإسهام القطاع في تنويع الاقتصاد الوطني وصناعة محتوى سعودي قادر على المنافسة عالمياً؛ لتواصل الرياض ترسيخ مكانتها عاصمة للإبداع، ووجهة عالمية لصناعة القرار والفرص.

يفتح «مهرجان ليونز الرياض» آفاقاً جديدة للاستثمار والشراكات وفرص العمل النوعية (واس)

وجهة دولية

بدوره، قال فيصل الخميسي، الرئيس المشارك لمجلس إدارة «تحالف» ورئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز، إن «المملكة رسَّخت سريعاً منذ إطلاق (رؤية السعودية 2030) مكانتها بوصفها إحدى أبرز الوجهات العالمية لاستضافة الفعاليات الدولية الكبرى، وأثبتت مراراً جاهزيتها لجمع العالم وتقديم فعاليات وفق أعلى المستويات».

وبينما أصبحت السعودية وجهة لمنصات دولية كبرى في التقنية والاستثمار والرياضة والترفيه والأعمال، يرى الخميسي أن قرار منظومة «ليونز» إطلاق المهرجان في الرياض «يمثل محطة مهمة أخرى في هذه المسيرة، ويعكس تنامي الأهمية الدولية للمملكة والإمكانات الإبداعية الاستثنائية للعالم العربي»، وهو ما يؤكد متانة السوق السعودية في خريطة الاقتصاد الإبداعي.

من ناحيته، ذكر فيليب توماس، رئيس مجلس إدارة «ليونز»، أن «الشرق الأوسط يدخل حقبة إبداعية جديدة لافتة»، مضيفاً: «فمن السينما والأزياء والألعاب والتصميم والترفيه إلى سرد قصص العلامات التجارية، نشهد موجة من الطموح والأصالة تقودها تركيبة سكانية شابة سريعة النمو».

يساهم «مهرجان ليونز الرياض» في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال (واس)

منصة عالمية

ولفت توماس إلى «توسع القطاعات الإبداعية بوتيرة متسارعة، مع ظهور منصات ومواهب وأعمال جديدة»، مبيناً أن «الإبداع والتسويق يضطلعان بدور متزايد الأهمية في كيفية تعبير الدول والعلامات التجارية والمجتمعات عن نفسها على الساحة العالمية».

وتابع: «لطالما كانت ليونز منصة عالمية لأفضل ما في العالم من فكر إبداعي وفاعلية تسويقية»، منوهاً بأنهم يتيحون عبر «ليونز الرياض» الوصول للمعايير العالمية والرؤى المعرفية وفرص التعلم، و«نصل المواهب والطموحات الإقليمية بالخبرات والفرص العالمية، بما يدعم المرحلة المقبلة من نمو العلامات التجارية والأعمال والاقتصاد الإبداعي الأوسع نطاقاً».

ويأتي المهرجان ضمن سلسلة منصات إقليمية تكمل «كان ليونز»، بإتاحة مزيد من خبرات المنظومة العالمية المتخصصة في الإبداع والتسويق وصناعة المحتوى على مدار العام، وتعزيز الروابط بين المجتمعات المحلية والساحة الدولية، مما يمنح منطقة الشرق الأوسط نافذة جديدة للتأثير في حوارها.

وبينما يظل «كان ليونز» محور المنظومة الذي يجتمع فيه القطاع العالمي ويُعترف بالمعيار الدولي للتميز الإبداعي، صُمم «ليونز الرياض» ليجمع منظومة التسويق الأوسع في السعودية، وتنمية المواهب لتصبح أكثر تنافسية، وربط الأفكار الإقليمية بالشبكات والخبرات العالمية، وجعل الوكالات المحلية أكثر اتصالاً بالأسواق الدولية، بما يساهم في خلق أثر يمتد إلى الشراكات والاستثمارات والوظائف والمعرفة ونمو الأعمال.