غزة... أكبر مقبرة للصحافيين

منظمات عالمية وثقت وقائع قتلهم... و«الجنائية الدولية» تُحقق

صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)
صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)
TT

غزة... أكبر مقبرة للصحافيين

صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)
صحافي يحمل السترة الواقية لزميله محمود صبح الذي قتل في غارة إسرائيلية (رويترز)

تحول قطاع غزة الفلسطيني إلى «أكبر مقبرة للصحافيين»، وفق منظمات دولية وثقت وقائع قتل الصحافيين والإعلاميين في القطاع منذ بدء العدوان الإسرائيلي في7 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

المحكمة الجنائية الدولية أفادت، خلال الأسبوع الماضي، بأنها تحقق في جرائم محتملة بحق صحافيين في الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في غزة. وكانت منظمة «مراسلون بلا حدود» قد أعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أنها تقدّمت بشكوى لدى المحكمة الجنائية الدولية ومقرها في لاهاي. تطرقت فيها إلى «جرائم حرب على خلفية مقتل صحافيين إبان تغطيتهم الإعلامية للنزاع»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ما يُذكر أن منظمة «مراسلون بلا حدود»، ذكرت، الشهر الماضي، أن «قطاع غزة هو مقبرة الصحافيين، حيث تتعمد قوات الاحتلال الإسرائيلي خنق عملهم وقتلهم، وممارسة مختلف الطرق لإعاقتهم في الميدان، وتقطع الإنترنت عنهم، وترسل رسائل التهديدات لهم، وتمنع الصحافيين الأجانب من الدخول إلى القطاع». وبالفعل رصد «الاتحاد الدولي للصحافيين» (IFJ) في تقريره الصادر يوم 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي «مقتل 120 صحافياً وعاملاً في مجال الإعلام، من بينهم 11 امرأة في عام 2023، على مستوى العالم». وفي منطقة الشرق الأوسط وحدها، رصد «الاتحاد» مقتل 75 فلسطينياً، و4 إسرائيليين، و3 لبنانيين نتيجة الحرب في غزة، كما قُتل 3 إعلاميين في سوريا. وفي تقرير آخر لـ«الاتحاد» بتاريخ 24 يناير (كانون الثاني) الجاري، رفع العدد إلى 90 صحافياً فلسطينياً. وفي حين وثّقت «لجنة حماية الصحافيين»، ومقرها نيويورك، مقتل 83 صحافياً وإعلامياً على الأقل، بينهم 76 فلسطينياً، و4 إسرائيليين، و3 لبنانيين، أوضحت اللجنة أيضاً أن 16 صحافياً أصيبوا بجروح، وجرى الإبلاغ عن اختفاء 3 صحافيين واعتقال 25 صحافياً.

من جهة ثانية، ترتفع الأرقام قليلاً في تقديرات «نقابة الصحافيين الفلسطينيين» التي تشير إلى مقتل 11 صحافياً جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، كما أكد أمين سر النقابة عاهد فروانة، أن الاحتلال الإسرائيلي «ارتكب فضائع وجرائم بحق الصحافيين، الذين أصبحوا هدفاً لنيرانه». أيضاً، تشير إحصائيات فلسطينية إلى أن 220 صحافياً يعملون في مناطق قطاع غزة استهدفتهم طائرات سلاح الجو الإسرائيلي، وهجّرت عائلاتهم، ضمن الحرب المستمرة التي تشنها القوات الإسرائيلي المحتلة. وتابع فروانة أن «النقابة رفعت عدة دعاوى قضائية لملاحقة الاحتلال الإسرائيلي على جرائمه بحق الصحافيين»، لافتاً إلى أنه «قتل نحو 8 في المائة من إجمالي عدد العاملين في قطاع الإعلام في قطاع غزة».

في هذا السياق، وخلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال الصحافي والمدرب الأردني، خالد القضاة، نائب رئيس شعبة الاتصال في جامعة الدول العربية لشؤون الحريات الصحافية والسلامة المهنية، إن «إسرائيل تمارس عملاً مُمنهجاً في استهداف الصحافيين، لا سيما أولئك الذين يعلنون دعمهم لغزة، أو يعملون في وسائل إعلام أعلنت دعمها لفلسطين، وكذلك يستهدف الصحافيين الذين يذهبون إلى أماكن لا تريد تل أبيب أن يذهبوا إليها... أو يغطي قصصاً إنسانية تثير تعاطف الرأي العام الدولي مع القضية الفلسطينية».

وأضاف القضاة أن «وسائل الإعلام الغربية التي انحازت في البداية لإسرائيل، وجدتها نفسها مضّطرة مع تصاعد الهجمة الشرسة على غزة، وكثرة الضحايا من المدنيين إلى تعديل لهجتها لتغدو أكثر اتزاناً... ثم إن استهداف الصحافيين في غزة جعل وسائل الإعلام ملزمة بالدفاع عن المهنة وحق الصحافيين في تغطية الأحداث».

ومن جانب ثانٍ، لفت القضاة إلى «دور المنظمات الدولية في توثيق الجرائم الإسرائيلية ضد الصحافيين، بهدف تقديمها للمحكمة الجنائية الدولية»، فقال: «هناك تفاوت في أعداد القتلى بنسبة تصل إلى 20 في المائة، وذلك نتيجة اختلاف معايير الحصر؛ إذ عمدت نقابة الصحافيين الفلسطينيين إلى تسجيل كل حادثة قتل تتعلق بالعاملين في إدارات الإعلام الحكومية، سواءً كان قتلاً في العمل أو في المنزل، في حين اعتمد الاتحاد الدولي للصحافيين أسلوباً آخر... فسجّل فقط مَن قتل في أثناء تأدية عمل صحافي أو بسبب عمل إعلامي». ويرى القضاة أن «هذا التباين في الأرقام ربما يضعف الملاحقة القضائية لإسرائيل». لكنه، في الوقت نفسه، يرى أن «تقديرات الاتحاد الدولي للصحافيين ربما تكون الأدق كونها ربطت الحصر بالقتل بسبب المهنة»، مشيراً إلى أن «شعبة الاتصال في جامعة الدول العربية استحدثت مساراً جديداً يُعنى بالسلامة المهنية للأطقم الصحافية العربية المتصل عملها بتغطية الأحداث الميدانية من نزاعات وحروب وكوارث طبيعية». وأردف: «المسار قدم في البداية استناداً لاغتيال شيرين أبو عاقلة والتغطية الصحافية المرتبطة بالزلازل التي وقعت في سوريا ومحيط مراكش في المغرب وفيضانات درنة بليبيا، إلا أنه لم يرق لحجم هول الاستهداف الهمجي الممنهج الذي مارسته إسرائيل بحق الصحافيين في قطاع غزة». وهذا ما استلزم - على حد تعبير القضاة - «إعادة صياغة الخُطة لحماية الصحافيين العرب بما يتناسب مع حجم هذه الغطرسة والاستهداف الممنهج».

حقاً، شهدت الفترة الأخيرة مقتل اثنين من صحافيي قناة «الجزيرة» القطرية، هما مصطفى ثريا، الذي يعمل أيضاً مصوّر فيديو متعاوناً مع «وكالة الصحافة الفرنسية»، وحمزة نجل مراسل «الجزيرة» وائل الدحدوح، بينما كانا في طريقهما لتأدية عملهما في القطاع. وغداة مقتل الصحافيين، ثريا والدحدوح، أعربت «مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان»، عن «قلقها الكبير إزاء الحصيلة المرتفعة للصحافيين الذين قتلوا في قطاع غزة». وشدّدت «المفوضية» في رسالة على منصة «إكس»، على أن حالات قتل الصحافيين «يجب أن تخضع لتحقيق شامل ومستقل لضمان الاحترام الصارم للقانون الدولي، ويجب أن تخضع الانتهاكات للملاحقة القضائية». كذلك أدان «اتحاد إذاعات الدول العربية» من مقره في تونس، بقوة، مقتل ثريا والدحدوح، وانتقد «منع الصحافيين الدوليين من دخول قطاع غزة المحاصر والاستهداف المتعمد للطواقم الإعلامية العاملة هناك... الذي يرمي العدو من خلاله إلى طمس الحقيقة وصرف أنظار العالم عما يحدث».

«لجنة حماية الصحافيين» تقول من جهتها إن «الحرب في غزة ألحقت خسائر فادحة بالصحافيين». وللعلم، تقوم «اللجنة» بالتحقيق في جميع التقارير المتعلقة بمقتل الصحافيين والعاملين في مجال الإعلام أو إصابتهم أو فقدهم خلال الحرب، التي أدت إلى الحقبة «الأكثر دموية» للصحافيين منذ أن بدأت «اللجنة» بجمع البيانات في عام 1992.

هذا، وشدّد شريف منصور، منسق برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «لجنة حماية الصحافيين»، في تقرير على موقع المنظمة، على أن «الصحافيين هم مدنيون يقومون بعمل مهم في أوقات الأزمات، ويجب ألا يتم استهدافهم من قبل الأطراف المتحاربة».

مشيّعون يحضرون جنازة زملائهم الصحافيين الذين قُتلوا بالقصف الإسرائيلي على غزة (أ. ف. ب.)

أما وكيل نقابة الصحافيين المصرية، محمد سعد عبد الحفيظ، فيرى أن «إسرائيل منذ اليوم الأول للعدوان على غزة، عمدت إلى استهداف الصحافيين الذين كانوا يوثقون جرائمها ضد المدنيين، لا سيما أن ذلك أثر على سمعة تل أبيب لدى الرأي العام العالمي، حيث كانت تروّج لنفسها باعتبارها الضحية وواحة الديمقراطية». وأضاف عبد الحفيظ لـ«الشرق الأوسط» أن «كل الجرائم الإسرائيلية في غزة باتت متاحة في بث مباشر على الهواء، وسقطت السردية الإسرائيلية التي اعتمدت المظلومية منذ الهولوكوست (المحرقة النازية) لتظهر أمام العالم (بوصفها) دولةً تمارس إبادة جماعية بحق الشعب الفلسطيني»، وتابع: «أصبح الصحافي والإعلامي هدفاً لنيران إسرائيل؛ إذ استهدفت الصحافيين في منازلهم وسياراتهم ومنعت وصول المساعدات الطبية للمصابين منهم».

في الواقع، إن إسرائيل برّرت وتبرّر دائماً حالات قتل الصحافيين، ولقد زعم الجيش الإسرائيلي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، رداً على قتل حمزة الدحدوح ومصطفى الثريا، أنه «أصاب إرهابياً كان يقود جهازاً طائراً يشكل تهديداً للقوات». وأضاف أنه «على عِلم بمعلومات مفادها أن مشتبهاً بهما آخرَين كانا في المركبة نفسها أصيبا خلال الضربة».

غير أن عبد الحفيظ انتقد صراحةً مواقف المنظمات المعنية بحماية حقوق الصحافيين، ووصفها بأنها «مواقف باهتة وضعيفة ولا ترقى للحدث». ومن ثم قال إن «تلك المنظمات لم تتحرك إلا في وقت متأخر... ولا توجد حتى الآن ملاحقة قضائية حقيقية لإسرائيل أو بيانات شديدة اللهجة ضد قادتها»، بل إنه حتى تحقيق المحكمة الجنائية الدولية لم يُفتح سوى الفترة الأخيرة بعد ثلاثة أشهر من الحرب. ثم لفت إلى أن «نقابة الصحافيين المصرية أرسلت طوال الأسابيع الثلاثة الأولى من الحرب مناشدات عدة للمنظمات والمؤسسات الدولية للتحرك ووقف الانتهاكات بحق الصحافيين، ولكن من دون استجابة». واستطرد عبد الحفيظ قائلاً إن «منظمات حماية الصحافيين الدولية بمقدورها أن ترفع صوتها بشأن ما يتعرّض له العاملون في المهنة من استهداف في قطاع غزة، وأن تحرّك دعوات قضائية ضدهم سواء أمام المحاكم الدولية أو المحلية، وأن تجعل قادة إسرائيل يشعرون بالتهديد والملاحقة في أي دولة بسبب جرائمهم»، لكنه رجح ألا يحدث أي من هذا في ظل «نظام دولي يكيل بمكيالين»، على حد تعبيره.

جدير بالذكر أن الحرب في غزة بعد شهر واحد «باتت الأكثر دموية بالنسبة للصحافيين الذين يغطون مناطق الصراع منذ عام 1992؛ إذ لم تبدأ أي حرب أخرى في القرن الحادي والعشرين بهذه الطريقة المميتة للصحافيين». وبحسب رفيعة الطالعي، رئيسة تحرير منصة برنامج الشرق الأوسط «صدى»، التابعة لـ«مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي»، في تقرير نشرته على موقع «المؤسسة» في نهاية نوفمبر الماضي، فإن «عدد القتلى بين الصحافيين في غزة يتجاوز الصحافيين الذين قتلوا في العراق أو أفغانستان أو اليمن أو أوكرانيا، حيث قتل منذ بدء الحرب في أوكرانيا 11 صحافياً؛ 7 منهم قتلوا خلال الشهر الأول للحرب». المنظمات المعنية بحماية الصحافيين لم تتحرك إلا في وقت متأخر... ولا ملاحقة قضائية حقيقية لإسرائيل أو بيانات ضد قادتها حتى الآن


مقالات ذات صلة

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

المشرق العربي الممثل السامي لغزة في «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف يتحدث أمام مجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

«حماس» ترفض انحياز ميلادينوف للرواية الإسرائيلية

رفضت حركة «حماس» الفلسطينية بشدة تبنّي ممثل «مجلس السلام» نيكولاي ميلادينوف الرواية الإسرائيلية بشأن تعليق إدخال البضائع المخصصة للقطاع الخاص إلى غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مزرعة يديرها مستوطنون إسرائيليون بالقرب من قرية دوما الفلسطينية في الضفة الغربية (أ.ف.ب) p-circle

الصين تحث إسرائيل على وقف «البناء القسري» للمستوطنات بالضفة الغربية

قالت وزارة الخارجية الصينية، في بيان، إن الوزير وانغ يي أبلغ الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ بضرورة وقف «البناء القسري» للمستوطنات في الضفة الغربية والتراجع عنه.

«الشرق الأوسط» (بكين)
المشرق العربي مجموعة من المستوطنين خلال مهاجمتهم قاطفي الزيتون بقرية بيتا جنوب نابلس (أرشيفية-إ.ب.أ)

مستوطنون إسرائيليون يضرمون النار في مسجد بالضفة الغربية المحتلة

أضرم مستوطنون إسرائيليون النار، الأربعاء، في مسجد بالضفة الغربية المحتلة، وكتبوا شعارات على جدرانه الخارجية، وفق ما أفادت مصادر فلسطينية

«الشرق الأوسط» (مخماس (فلسطين))
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في المحكمة العليا الإسرائيلية (أرشيفية - أ.ف.ب)

شاهد... بن غفير يشارك في عملية هدم مبنى سكني يضم 70 فلسطينياً بالقدس

شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير اليوم في اقتحام بلدة الطور شرق القدس المحتلة، بالتزامن مع هدم قوات الاحتلال بناية سكنية يسكنها نحو 70 مواطناً.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
المشرق العربي جثمان فلسطيني داخل كيس أزرق عقب مقتله برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية (أ.ف.ب)

مقتل فلسطيني وإصابة اثنين برصاص الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية

قتلت القوات الإسرائيلية فلسطينياً وأصابت آخرَين، الاثنين، بإطلاق النار على سيارة كانوا يستقلونها بجنوب الضفة الغربية المحتلة، وفق ما أفادت هيئة فلسطينية حكومية

«الشرق الأوسط» (رام الله)

«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
TT

«ديزني+»: قطاع الترفيه السعودي يفتح آفاقاً جديدة للشركات العالمية

الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)
الفنانون السعوديون الذين شاركوا في دبلجة فيلم «حكاية لعبة 5»... خلال الحفل (الشرق الأوسط)

تتجه شركة «ديزني» إلى تعزيز حضورها في السوق السعودية، مستفيدة من النمو الذي يشهده قطاع الترفيه والإعلام في المملكة، وتطوّر الكفاءات الإبداعية المحلية، في حين تسعى إلى توسيع شراكاتها الإقليمية وتطوير خدماتها الرقمية لمواكبة التحولات في سلوك المشاهدين.

تميم فارس، رئيس «ديزني» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قال خلال حوار مع «الشرق الأوسط» إن التحوّلات التي يشهدها قطاع الترفيه في المملكة العربية السعودية، ضمن «رؤية 2030»، أسهمت في إيجاد بيئة تدعم توسع الشركات العالمية، وتفتح المجال أمام مشاركة المواهب السعودية في مشاريع الإنتاج والمحتوى الترفيهي.

وأوضح فارس أن «عدد الشركات العاملة في القطاع ارتفع من نحو 10 شركات قبل عام 2016 إلى أكثر من أربعة آلاف شركة حالياً، في حين يستهدف القطاع الإسهام في توفير 450 ألف وظيفة ضمن مستهدفات (رؤية 2030). ولقد واكبت (ديزني) تطور صناعة الترفيه السعودية منذ إعادة افتتاح دور السينما، عندما كان فيلم (بلاك بانثر) Black Panther الذي أنتجته (مارفل) التابعة للشركة، أول فيلم يُعرض مع عودة النشاط السينمائي إلى المملكة».

الكفاءات

وتابع تميم فارس، أن نمو القطاع «أتاح فرصاً جديدة للتعاون مع الكفاءات المحلية»، لافتاً إلى أن الشركة «وجدت خلال إعداد أحدث مشاريعها في المملكة عدداً من المواهب يفوق توقعاتها؛ الأمر الذي يعكس تطور البيئة الإبداعية السعودية وقدرتها على المشاركة في مشاريع عالمية».

وفي هذا السياق، كشف عن أن الشركة عملت خلال الأشهر الستة الماضية مع أكثر من 40 موهبة سعودية من الممثلين والكتّاب وصنّاع المحتوى والتقنيين، لتنفيذ أول مشروع لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية، وذلك من خلال فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5).

وذكر فارس أن «تعدد الكفاءات المحلية جعل اختيار المشاركين في المشروع من أبرز التحدّيات التي واجهت فريق العمل»، معرباً عن تطلّعه إلى أن تكون هذه التجربة بداية لمزيد من المشاريع التي تستفيد من المواهب السعودية خلال السنوات المقبلة.

الشراكات المحلية

فيما يتعلق باستراتيجية الشركة الأميركية العملاقة لتعزيز حضورها في المملكة، شدد فارس على أهمية الشراكات مع المؤسسات المحلية والإقليمية، ومن بينها «إس تي سي» و«إم بي سي»، في تسهيل وصول خدمات «ديزني» إلى الجمهور السعودي، وتوسيع انتشار المنصة في المنطقة.

وبالتوازي، أوضح أن الشركة تعمل على تطوير أساليب تقديم محتواها العالمي بما يتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مركّزاً على أن امتلاك «ديزني» تاريخاً يمتد أكثر من مائة سنة في صناعة الترفيه «لا يعفيها من ضرورة مواصلة العمل لكسب ثقة المشاهدين في ظل المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي».

ثم أشار إلى أن الشركة «تسعى إلى تحقيق ذلك من خلال توسيع مكتبة المحتوى، وتطوير تجربة المستخدم، وتقديم أعمال أكثر ارتباطاً باهتمامات الجمهور العربي، إلى جانب الاستفادة من الشراكات المحلية لتسهيل الوصول إلى المشتركين».

تجربة المشاهدة

جدير بالذكر، أن «ديزني» أطلقت منصة جديدة بداية شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي تتضمّن توسيع مكتبة المحتوى، خصوصاً الإنتاجين التركي والكوري، إلى جانب تطوير تجربة المشاهدة وإضافة مزايا تستهدف العائلات والأطفال.

وهنا، أوضح فارس أن الشركة «تولي أهمية خاصة لملاءمة المحتوى المعروض في العالم العربي مع الثقافة والقيم المحلية»، مشيراً إلى أن «جميع الأعمال تخضع للمراجعة، بما يشمل المشاهد والحوارات والمواد المدبلجة، مع استبعاد ما لا يتناسب مع خصوصية المنطقة».

وأضاف أن المنصة الجديدة ستتضمن مساحة مخصّصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، توفّر واجهة مبسطة تسهّل عليهم التنقّل بين البرامج والأفلام، وتمنح أولياء الأمور خيارات أوسع للتحكم في طبيعة المحتوى الذي يشاهده أطفالهم.

وتوقع فارس أن تشهد المرحلة المقبلة «تركيزاً أكبر على تطوير تجربة المشاهدة، وتقديم القصص العالمية بأساليب تتناسب مع الجمهور العربي، والاستفادة من نمو صناعة الترفيه في المملكة لتوسيع التعاون مع المواهب المحلية».

تميم فارس رئيس «ديزني+» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الحفل الذي أُقيم أخيراً في الرياض (الشرق الأوسط)

«ديزني» توسّع حضورها سعودياً

وحقاً، كما سبقت الإشارة، كانت منصة «ديزني» قد أعلنت في وقت سابق تقديم أول فيلم من إنتاج شركة «ديزني» مدبلج باللهجة السعودية، عبر فيلم «حكاية لعبة 5» (Toy Story 5) بمشاركة مجموعة من الممثلين والكوميديين وصنّاع المحتوى المحليين، في خطوة تعكس اهتمام الشركة بالاستفادة من تطور صناعة الترفيه في المملكة وتنامي الكفاءات الفنية والإبداعية.

وجاء الإعلان خلال فعالية نظّمتها الشركة في حي جاكس بالرياض، وكشفت خلالها عن إطلاق تطبيق جديد في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ابتداءً من 6 أكتوبر، يتضمن تحديثات لتخصيص المحتوى، وإتاحة المشاهدة خلال السفر، وتحسين أدوات الرقابة الأبوية، إلى جانب توسيع مكتبة الأعمال العالمية.

هذا، وشارك في أداء أصوات شخصيات «حكاية لعبة 5» باللهجة السعودية كل من إبراهيم الخير الله في دور «باز يطير»، وصهيب قدس في دور «وودي»، وريم الحبيب في دور «جيسي»، ومالك نجر في دور «سمارتي بانتس»، وأسيل سراج في دور «ليلي باد»، وياسر السقف في دور «أطلس»، إلى جانب مجموعة أخرى من الفنّانين وصنّاع المحتوى السعوديين. ولقد أوضحت الشركة أن إعداد النسخة السعودية راعى الخصائص اللغوية والفكاهة والسياق الثقافي المحلي، مع المحافظة على مضمون الفيلم الأصلي وشخصياته، في تجربة تستهدف تقريب المحتوى العالمي من الجمهور السعودي، وإتاحة فرص جديدة أمام المواهب المحلية للمشاركة في الإنتاجات العالمية.

تطوّر صناعة السينما

من جهة أخرى، وفي حديث سابق لـ«الشرق الأوسط»، قال الفنان السعودي إبراهيم الخير الله، الذي يؤدي صوت شخصية «باز يطير»، إن «دبلجة الفيلم باللهجة السعودية تعكس التطور الذي تشهده صناعة السينما في المملكة، وتنامي اهتمام الجمهور بالأعمال التي تعبّر عن ثقافته وتفاصيل حياته اليومية». ورأى «أن تقديم شخصيات عالمية معروفة بأصوات سعودية يمثّل خطوة مهمة للفنانين المحليين».

وعلى صعيد الخدمات الرقمية، تشمل تحديثات التطبيق الجديد تطوير نظام التوصيات ليصبح أكثر ارتباطاً بتفضيلات المشاهدة الفردية، وإتاحة مشاهدة المحتوى خلال السفر في الشرق الأوسط وأوروبا والولايات المتحدة ومناطق أخرى.

كذلك، تتضمن التحديثات توفير مساحة مخصصة للأطفال تحت اسم «عالم الصغار»، إلى جانب تطوير أدوات الرقابة الأبوية، وإتاحة إنشاء ملفات شخصية محمية برمز تعريف شخصي، وتحديد صلاحيات الوصول إلى المحتوى المخصص للبالغين، بما يمنح العائلات تحكماً أكبر في تجربة المشاهدة.

وفي إطار المنافسة المتزايدة بين منصات البث الرقمي، تسعى «ديزني» إلى توسيع خيارات المحتوى المتاحة للمشتركين في المنطقة، عبر تقديم مزيد من الإنتاجات التركية والكورية، إلى جانب أعمال جديدة من استوديوهات «ديزني» و«بيكسار» و«مارفل» وغيرها.

الأعمال المرتقبة

هذا، وقد استعرضت الشركة خلال فعاليتها في الرياض التي أقيمت أخيراً مجموعة من الأعمال المرتقبة، من بينها الموسم الثاني من المسلسل التركي «الخليفة»، والمسلسل الكوري «انتقام إمبراطورة»، المقرر عرضه في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، والموسم الثاني من «صُنِع في كوريا»، فضلاً عن النسخة الحية من فيلم «موانا»، والموسم الثالث والعشرون من المسلسل الطبي «غرايز أناتومي»، ومسلسل «مهمة فيجن» من إنتاج «مارفل».

وتأتي هذه الخطوات مع اتجاه الشركة إلى الجمع بين توسيع مكتبتها العالمية وتطوير تجربة مشاهدة تتناسب مع اهتمامات الجمهور المحلي، مستفيدة من نمو قطاع الترفيه السعودي، وتطوّر الشراكات مع المؤسسات المحلية، وتزايد الطلب على المحتوى الرقمي في المنطقة.

الشركة عملت خلال الأشهر الماضية مع أكثر من 40 موهبة محلية لدبلجة أحد أفلامها باللهجة السعودية


مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
TT

مواقع إخبارية تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي لتجاوز أزمة «تراجع الزيارات»

مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)
مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات من خلال روبوتات الدردشة (صورة أرشيفية متداولة)

في ظل استمرار تراجع الزيارات واتجاه مواقع إخبارية للعمل من أجل الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، تتجدّد التساؤلات بشأن لجوء مواقع إلى الذكاء الاصطناعي من أجل «جلب» الزيارات. وفي حين أكد خبراء استمرار أزمة «زيرو ترافيك»، شدد هؤلاء على «الحاجة لبناء علاقات قوية مع الجمهور واستغلال الذكاء الاصطناعي في بناء العلامة التجارية للمؤسسة الإعلامية».

تقرير حديث نشره «معهد رويترز لدراسات الصحافة» رصد تجارب مؤسسات إعلامية للتعامل مع عصر «ما بعد العمل من أجل محركات البحث (SEO)». وذكر التقرير أن «زيارات المواقع الإخبارية من محرّك البحث (غوغل) تراجعت بنسبة 40 في المائة خلال الفترة بين يوليو (تموز) 2025 ويوليو 2026، مما يثير قلق الناشرين إزاء ما يعرف بـ(غوغل زيرو)، أي توقّف محرّك البحث عن إحالة المستخدمين إلى المواقع الإخبارية».

ولفت التقرير أيضاً إلى أنه «على مدى العقدين الماضيين، عملت غرف الأخبار على جعل إنتاجها الصحافي مناسباً للظهور في محرّكات البحث، لكن مع ظهور الذكاء الاصطناعي بات الجمهور يحصل على الإجابات عبر روبوتات الدردشة بدلاً من الدخول إلى المواقع الإخبارية، مما دفع المؤسسات الإعلامية إلى البحث عن وسائل للحفاظ على بقائهم في عصر الذكاء الاصطناعي».

كذلك، نقل التقرير عن عزرا إيمان، مدير الذكاء الاصطناعي في الإعلام لدى الاتحاد العالمي للصحف وناشري الأخبار «وان-إيفرا»، قوله إن «منصات الذكاء الاصطناعي تعطي الآن الأولوية لمصادر مختلفة لأنها تستخدم أنظمة مختلفة للبحث واسترجاع المعلومات، وتميل إلى التركيز على عدد محدود من المصادر، مما يجعل من الصعب على المؤسسات الصغيرة اختراق هذا المجال».

الدكتورة ليلى دومة، الباحثة في علوم الإعلام والاتصال، صرحت في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «أزمة (زيرو ترافيك) ليست مجرد أزمة تقنية مرتبطة بتراجع الزيارات، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في منظومة إنتاج المحتوى الإعلامي وتوزيعه واستهلاكه، وفي طبيعة العلاقة بين المؤسسات الصحافية والمنصات الرقمية».

وأردفت أن «الانتقال من محرّكات البحث التقليدية إلى محرّكات الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي يطرح إشكالية أساسية هي: كيف يُمكن للمؤسسات الإعلامية الحفاظ على القيمة الاقتصادية لمحتواها في ظل استهلاكه خارج فضاءاتها الرقمية؟». ومن ثم، أوضحت أن «الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي، قد يعزز مرئية المؤسسات الإعلامية ومصداقيتها، لكنه لا يضمن بالضرورة تحويل هذا الظهور إلى زيارات فعلية، لا سيما عندما يحصل المستخدم على المعلومة كاملة دون الحاجة إلى الرجوع إلى المصدر الأصلي».

بالتالي، تعتقد دومة أن «تجاوز هذه الأزمة يتطلب إعادة التفكير في الاستراتيجيات الاتصالية والاقتصادية للمؤسسات الإعلامية، من خلال الاستثمار في المحتوى الأصلي والحصري، وتعزيز العلاقة المباشرة مع الجمهور، وتنويع قنوات التوزيع، إلى جانب تطوير استراتيجيات الظهور في محركات الذكاء الاصطناعي (GEO) من دون التخلي عن أسس محركات البحث (SEO)».


هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات