هل كان الإعلام الفرنسي منحازاً في تغطيته حرب غزة؟

انتقادات كثيرة تطال وسائله المكتوبة والسمعية والبصرية

منظر من حرب غزة (رويترز)
منظر من حرب غزة (رويترز)
TT

هل كان الإعلام الفرنسي منحازاً في تغطيته حرب غزة؟

منظر من حرب غزة (رويترز)
منظر من حرب غزة (رويترز)

يرى كثيرون أن تعامل الإعلام الفرنسي مع الحرب الدائرة في قطاع غزة، كشف أن «الشعارات شيء والممارسة شيء آخر»، وأن حرية الرأي والتعبير الجاري التفاخر بها في الديمقراطيات الغربية، كفرنسا، هي في الواقع فارغة من المضمون، ونسبية، وربما خاضعة لاعتبارات سياسية واقتصادية. وهذا ما سجله المنتقدون بعدما رأوه «انسياقاً» لوسائل إعلامه الكبيرة نحو ازدواجية المعايير واللامهنية في تغطية الأحداث.

ازدواجية المعايير

في عمود جماعي بصحيفة «لوموند» في 16 أكتوبر (تشرين الأول) تحت عنوان «للدفاع عن السلام، علينا الاعتراف بأن حياة البعض لها قيمة مثل حياة البعض الآخر...»، كتبت مجموعة من المثقفين والجامعيين: «بعد أيام من بدء الحرب وارتفاع عدد الموتى، لا يبدو أن لقيمة الضحايا موضع تقدير متكافئاً، فمن جهة يظهر الإسرائيليون كأشخاص لهم أسماء ووجوه وعائلات وتاريخ، بينما لا يُشار الى الفلسطينيين إلا بحصيلة من الوفيات مجهولة الهوية في مكان ما من قطاع غزة... لا أحد يهتم بها ولا يأبه لها ... ».

فابريس فريس (آ ف ب)

الشعور ذاته ورد أيضاً في حوار مع برتران بادي، الباحث في علم الاجتماع المعروف، الذي صرح لموقع «ميديا بارت» الإخباري، بأنه وجد «صعوبة كبيرة» في إيجاد صور أو شهادات تُمكّن المشاهدين من مشاطرة آلام الفلسطينيين. وأردف: «رأيت تحقيقات لا ترى معاناة الطرفين بطريقة متكافئة ولا تعطيهم الصّدى نفسه... هناك ميل نحو تجاهل الهويات، وحين يحدث تدمير في غزة فإن ما يصار إلى تصويره هو ركام من الحجارة بدلاً من تصوير آلام الناس ومعاناتهم ...». وهذا مثلاً ما فعلته يومية «لوبارزيان» في عدد يوم 18 نوفمبر (تشرين الثاني)، عندما اختارت أن تخصّص افتتاحية عددها لتقديم وجوه الأسرى الإسرائيليين واحداً بواحد من دون أي كلمة عن الأطفال والضحايا الفلسطينيين.

هذه الازدواجية في المعايير والتغطية الإعلامية المنحازة أصبحت تُثير استياء كثير من المشاهدين والقراء. وكانت شركة «نيتين»، المسؤولة عن المراقبة والإشراف على الصفحات المخصّصة لتعليقات القرّاء والمشاهدين التابعة لكبرى وسائل الإعلام الفرنسية على الشبكة، أول من دقّ ناقوس الخطر. إذ قالت: «هناك سيل جارف من التعليقات والانتقادات التي تكتسح مواقع وسائل الإعلام الفرنسية تعبيراً عن مشاعر استياء من تغطية إعلامية منحازة منذ بدء الأحداث في غزة يوم 7 أكتوبر الماضي». وأكّدت الشركة في بيانها للصحافة، أنها المرة الأولى التي تواجه فيها هذا الكم الهائل من التعليقات، الذي بلغ ضعف ما كان يصل إليها في السابق. وللعلم، معظم الشكاوى تشمل؛ ليس فقط الاعتراض على المصطلحات المستعملة لوصف أحداث النزاع ومصدر الصور والأشرطة التي تبثها القنوات الفرنسية، بل أيضاً شرعية المتدخّلين و«الخبراء» الذين تستضيفهم في برامجها الإخبارية وعلاقاتهم برسميين إسرائيليين، والوقت المخصّص بصفة غير متكافئة لتغطية الأحداث من الجانبين.

وهنا تنقل مجلة «لاروفو دي ميديا» في مقال بعنوان «الحرب بين إسرائيل وحماس: رسائل القرّاء تصل إلى الضعفين»، أن هيئة الوساطة التابعة لـ«فرنس تلفزيون» (التي تتلقى الشكاوى الموجهة لقنوات القطاع العام)، لم يسبق لها أن تلقت مثل هذا الكمّ الهائل من الشكاوى منذ الأزمة التي تسببت بها جائحة «كوفيد - 19». وأدرج المقال سؤال مشاهد اسمه كريستيان، يقول فيه: «أنا مندهش من الوقت الذي تخصّصونه لأوضاع الإسرائيليين وهو الذي يصل إلى عدة ساعات، بينما لا يتعدى دقائق قليلة حين يتعلق الأمر بالفلسطينيين... أعتقد أن على القطاع العام إظهار حياد تام في وضعية كهذه، أليس كذلك؟». إلا أن إجابة مسؤول التحرير كانت أن «المشكلة تعود لغياب مراسلين في غزة، لأن إسرائيل تمنع دخولهم لدواعٍ أمنية. ولذا فهم يعتمدون على متعاونين من هناك، لكنهم لا يعدّونهم صحافيين ....».

من جهة ثانية، فإن الشعور المتنامي بانعدام المصداقية لدى وسائل الإعلام الكبيرة حاضر بقوة في فرنسا منذ السنوات الأخيرة، ولكن بشكل ملفت للانتباه منذ «أحداث ذوي السترات الصفراء»، وأيضاً إبان أزمة «كوفيد - 19». وهذا الواقع أكّدته دراسة أخيرة ظهرت نتائجها على صفحات أسبوعية «لا كروا»، حين كشفت أن أكثر من 57 في المائة من الفرنسيين ما عادوا يثقون في إعلامهم المحلي حيال ما يتعلق بتغطية الأحداث الجارية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل شدد المصدر ذاته على أن هذا التوجه على صعيد تلاشي الثقة في ازدياد مستمر. وحقاً، يعدّ 59 في المائة من المواطنين المستجوبين أن الصحافيين ليسوا مستقلين «عن ضغوط السّاسة ومَن هم في السلطة»، كما يعتقد 56 في المائة أنه لا يمكنهم مقاومة «ضغوط المال».

باتريك دراهي (آ ف بي/غيتي)

حرب الكلمات

وفي تحقيق لموقع «ميديا بارت» المستقل بإمضاء الصحافيين يونس أبزوز ولوسي دولابورت، تحت عنوان «في قاعات التحرير: النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني يسخن العقول»، نقرأ ما يلي: «يسود قاعات التحرير جو مشحون بالتوتر والقلق إلى حد التسبب في انقسامات حقيقية تتبلور في الخوف من الاتهام بالتحيز». وفي قاعات تحرير «فرنس 24» و«تي في 5» و«إر إم سي» وغيرها، البعض يتكلّم عن «مطاردة ساحرات» تطال الصحافيين، لا سيما المتحدرين من أصول عربية.

المقال يستشهد بقضية الصحافي محمد قاسي من قناة «تي في 5» الفرنسية الذي قرّرت إدارة القناة توقيفه عن العمل، بعد سؤال أحرج فيه الناطق الرسمي للجيش الإسرائيلي أولفي رافوفيتش، حين توجّه إلى ضيفه بخصوص اقتحام مستشفى بغزة، سائلاً: «هل يمكن القول إن إسرائيل تتصرف كـ(حماس)؟».

لتبرير قرار الإبعاد تذرّعت القناة بحجّة «قلة احترام محمد قاسي للقواعد المطبقة في الحوارات الصحافية»، مع أنه التزم بكل أخلاقيات المهنة بشهادة الجميع. والأخطر - كما يكتب الصحافي المستّقل مراد غيشار - أنها المرة الأولى التي تقوم فيها قناة فرنسية بنشر بيان تتبرأ فيه من أحد صحافييها، بدلاً من أن تستدعيه وتحاول معالجة المشكلة داخلياً كما هو معتاد.

وعلى صعيد متصل، تناول مقال موقع «ميديا بارت» الإخباري النقاشات التي أصبحت أكثر حدّة داخل قاعات التحرير منذ بداية أحداث غزة، حيث كتب الصحافي يونس أبزوز، نقلاً عن مجموعة من الصحافيين الذين أدلوا بشهادتهم، أن بعض الكلمات مثل «احتلال» و«حرب» و«مستوطنات» كانت محظورة في التقارير الإخبارية. وهكذا يروي صحافي من قناة «بي إف إم تي في» الإخبارية لموقع «بلاست»، أن قسم التحرير أعّد تحقيقاً جيّداً حول رعاة فلسطينيين من الضفة الغربية اعتدى عليهم مستوطنون إسرائيليون، ولكن حين بُث التحقيق اكتشف الصحافيون أن كلمة «مستوطن» قد اختفت من عنوان التحقيق.

ونوّه الموقع الإخباري المستقل نفسه في تحقيق بعنوان «إسرائيل - فلسطين: كيف نفسر الكارثة الإعلامية؟»، بأنه كان من المتوقع جداً نشر إسرائيل ترسانتها الإعلامية لمحاولة تأطير الخطاب الإعلامي المُرافق لهذه الأحداث، لكن من المدهش السهولة التي تغلغلت فيها عناصر من لهجة الرسميين الإسرائيليين إلى خطاب الإعلاميين الفرنسيين، لا سيما العاملين في القنوات التلفزيونية. إذ تبنّى هؤلاء بسرعة مُذهلة مصطلح «الإرهاب»، مُتخلين عن مصطلح «مقاتلو حماس» الذي استعمل في بداية التغطية فقط، إلى غاية استخدام مصطلحات الرسميين الإسرائيليين نفسها. «اختيار الكلمات» المناسبة كان أيضاً وراء أزمة داخلية في وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، حيث لجأ بعض العاملين فيها إلى إصدار بيان من دون تواقيع، وتسريب أخبار لوسائل الإعلام عن أن إدارة الوكالة تمنع استخدام كلمة «إرهاب» لوصف العمليات المسلّحة لحركة «حماس»، وتخصّص تغطية مهمة لغزة، وهو ما جلب لها كثيراً من انتقادات الدوائر السياسية، حتى إنه طُلب من وزيرة الثقافة قطع التمويل الحكومي عن الوكالة الإخبارية مع تعرضها لمساءلة برلمانية.

فابريس فريس، الرئيس والمدير العام لوكالة الصحافة الفرنسية، شرح بشيء من الانفعال خلال جلسة الاستماع البرلمانية، أن الوكالة لم تمنع أياً من زبائنها (من وسائل الإعلام) من استعمال كلمة «إرهاب» إذا كان ذلك مناسباً لها، «إلا أن الوكالة، ولأن الجنوب الشامل لا يعترف بـ(حماس) منظمة إرهابية، ترى أنه من المهم مراعاة ذلك أيضاً... إذن ما العمل؟»، على حد قول المدير العام للوكالة، «نحن اخترنا أن نكتب (حماس) التي تعدّها المجموعة الأوروبية والولايات المتحدة منظمة إرهابية والتي لا تعترف بدورها بدولة إسرائيل بحدودها الحالية... إلخ... المشكلة فيما نقوله»، وأضاف: «لماذا تقوم علينا القيامة ويحاول البعض منذ أسابيع فبركة مشكلة من هذا الأمر، في حين أننا لم نغير شيئاً في خطنا التحريري منذ 20 سنة؟... لماذا الآن؟».

أما ليتيسيا بوكاي، الباحثة في علم الاجتماع والحضارات الشرقية، فلاحظت هذا الجو المشحون بالضغوط في الفضاء الإعلامي. وكتبت في مقال بمجلة «تيليراما» بعنوان «النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني في فرنسا... جدل ملغوم»، ما يلي: «هناك شيء أشبه بالصيغة الأمرية موجه لكل الموجودين على الساحة الإعلامية باختيار معسكره، فإما مع إسرائيل أو ضدها... ونظراً لماضي فرنسا الفيشية، فإنه من الضروري توخي الحذر مع المصطلحات التي نستخدمها، لأن كل محاولة لانتقاد إسرائيل تُقابل بتهم معاداة السامية وتُوازي قراراً بالإعدام على الساحة العامة».

«بي إف إم تي في»

من التغطيات الإعلامية التي أثارت كثيراً من الجدل تلك التي خصّصتها قناة «بي إف إم تي في» للحرب في غزة. أما السبب فيعود للعلاقة الوطيدة بينها وبين القناة الإخبارية الإسرائيلية «إ 24 نيوز». وللتذكير، فإن «بي إف إم» تعد رائدة القنوات الإخبارية في فرنسا بأكثر من 10 ملايين متفرج يومياً، وهي تابعة لمجموعة «ألتيس» التي يملكها رجل الأعمال الفرنسي الإسرائيلي باتريك دراهي. وهذا الأخير لم يخفِ أبداً قربه من الحكومة الإسرائيلية، ولا حرصه على الدفاع عن الدولة العبرية، وهو من كان وراء تأسيس القناة الإخبارية الإسرائيلية «إ 24 نيوز» عام 2013.

هذا التقارب تسبّب في جدل كبير وردود فعل من جمعية الصحافيين، التي لفتت انتباه الإدارة إلى أن تغطية القناة أعطت مكان الصدارة لإسرائيل وجيشها، ولم تترك إلا مكاناً ضئيلاً لغزة. وتابعت: «حين نبث 4 أو 5 تحقيقات حول المجتمع الإسرائيلي ولا شيء على غزة أو الضفة الغربية، فإننا أمام مشكلة»، كما جاء في بيان الجمعية.

الاتهامات بالانحياز واللامهنية بدأت حين جرى، بحجة نقص المراسلين في غزة، اللجوء إلى مراسلين من قناة «إ 24 نيوز». وبالفعل، غطى مراسل القناة الإسرائيلية مائييل بناليون - وهو يحمل ميكروفون «إ 24»، ومصحوباً برسميين من الجيش الإسرائيلي - تحقيقاً لقناة «بي إف إم تي في»، ما أثار كثيراً من مشاعر الارتباك في العلاقة بين القناتين. ثم إن تغطية القناة الإخبارية الفرنسية لقيت انتقاداً شديداً كذلك، حين لجأت في مداخلات كثيرة إلى شخصية جوليان بهلول، الذي قُدم للمشاهدين على أنه خبير فرنكو - إسرائيلي، ليتبيّن فيما بعد أنه ناطق سابق باسم الجيش الإسرائيلي ومدافع متحمس له على منصّة «إكس»، لدرجة أنه أسهم في نقل أخبار كاذبة بخصوص إحراق رضيع إسرائيلي من دون التأكد من صحة هذه الأخبار.



خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».


«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.