«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات

الروائية اللبنانية هالة كوثراني تقدم نموذجاً لـ«الرواية الذكية»

«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات
TT

«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات

«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات

الرواية الأخيرة لهالة كوثراني «يوم الشمس» تتوج روايتيها: «الأسبوع الأخير» و«علي الأمريكاني». لكن «يوم الشمس» تستدعي منظوراً آخر لمعرفة تكوينات الطاقة السردية التي تمنح وحداتها نبضاً تتداخل فيه الأحاسيس بالإيحاءات والألوان والصور وحركية الأداء. وحتى عندما نتوقف عند استعراض بطلة الرواية (رؤيا) لمسار الغربة والاغتراب في حياتها، طفلة ومراهقة، و«مثقفة وفنانة»، تتقاطع محطات السرد ما بين استرجاعات الذاكرة وعوداتها المتكررة إلى الوراء، وما بين حاضر تلتبس فيه الرغبات والنيات والآلام والشخوص الذين يدخلون حياتها ويخرجون منها أمثال مالك ونديم، ورامي زكي حرب، ووالدها هاني وطبيبه أيمن. بينما تبقى «رؤيا» لصيقة كلماتٍ ومعنىً موارباً وتماهياً حد الذوبان في الأم (مي صالح)، جينات وحروفاً ورسماً يسدل ألوانه ومعانيه على استدراكات واسترجاعات تفيض في النتيجة بذلك الطوفان، أي وحدة أثر الحرب وظلالها المادية والنفسية والبيئية. «يوم الشمس» رواية ذكية لا لأنها تحمل في كلماتها ولوحاتها ودقائق انتقاء كلماتها صوت الأنثى، طفلة ومرهقة، وفتاة حاضرة بشدة في الحياة العامة، لا توارب في رغباتها؛ ولكن لأنها تقدم إلى الرويّ بعدة المكتنز بأثر الحرب وشروخها وتداخل ضغطها بحياة تريد الانتصار على فجيعة الافتراق القسري عن الأم، وما تحتم عنه من بحث تختلط فيه المتابعة بألوان اللوحات ودلالات الحرف، وهاجس الانقطاع عن ذلك الخيط الجيني المتداخل بإرثه الرمزي في الحرف واللون وطلاسم الجفر.

وشأن الروايات التي تريد لعودات الذاكرة واستدراكات الحاضر أن تجتمع في تبئير يمنح وحدة الأثر عمقاً في الكلمات والألوان والحروف تكون رحلة البحث عن الأم الغائبة بمثابة بحث أيضاً عن الحبل الآخر الذي يربط الساردة (رؤيا) بأمها (مي إبراهيم صالح) وباللوحة التي كانت تنوي إهداءها إلى ابنتها كبديل آخر عن ذلك الانقطاع الذي تآزر الأب والعمة وكذلك الأم على تحققه: فالأم (كانت وفية لموهبتها وطموحها، وفهمت أن زواجها بأبيك غلطة - 30). هذا الوفاء يضع الموهبة في مرتبة أخرى أعلى بكثير من «الخيط الجيني» الذي ما كان له أن يكون لولا «غلطة» الزواج. وحتم هذا الترابط المجازي - الجيني أمرين: مقتل الأم واختفاء اللوحة، وكلاهما يتوحد في ذلك اللون الأحمر. إذ يذكر مالك وهو الآمر بسرقة اللوحة ليبرر حبه لـ«رؤيا»، أن «نديم» رأى اللون الأحمر الذي يفيض من رسومها، بينما كانت الأم تتلوى تحت قبضته (شعر بأن الأحمر يناديه - 212). كان الأب هاني هو الذي طلب من مالك أن يأتيه باللوحة هدية لابنته.

ربما يبدو هذا الترابط واهناً لولا أن عبء الألوان والحسية العالية التي ترفد السرد تجعل سريان الحروف واللون (الأحمر الياقوتي البديع - ص24) بمثابة خروج على أسر الكلمات وولوج عوالم الرسم حيث تتلازم الحروف والألوان و«بلاغة الفراغ - ص50» لتعطي السرد طاقة تتجاوز ما كان يناقشه دارسو السرد ومنظّروه. يمكن للتبئير أن يتحقق ببناء درامي آخر يفعل فيه اللون فعل الغواية والإغراء وكذلك البطش والقتل. فباقة الورد الحمراء التي ترتطم بيدها بعد لحظة من تساؤل مريب عابر عن اللوحة من جوابة ادعت من قبل أنها قارئة كف تحمل هذا اللون.

عدَّ «نديم» القتل أمراً استدرجه إليه جمال عنق الفنانة القتيلة واللون الأحمر، لكن وراء ذلك حرب الميليشيات والطوائف التي وجد مالك ونديم ورامي زكي حرب أنفسهم ينخرطون فيها لأسباب تتفاوت ما بين رغبة في «التحقق» والارتزاق على حساب حياة السكان. هذا الترابط هو في النتيجة ما يحقق وحدة الأثر التي تذكر بقصة فؤاد التكرلي (مجرى الدم).

والترابط ما بين تكرر اللون الأحمر في رسوم «رؤيا» والأم، وكذلك في عالم «رؤيا» التي ترى الخارج من خلاله يحقق وحدة، فنديم الذي عرفت أنه قاتل الأم (ص211-212 )، الذي ستغرز سكيناً في خاصرته لم تبلغ أكثر من الجلد تقول عنه إذا ما نوت رسمه (سأمنحه لون النبيذ - 222). لا ندري لماذا يقدم الأب هاني على تكليف الميلشياوي مالك بجلب اللوحة إذا كان عارفاً أن الأم تريد إهداءها لابنتها.

ثمة فجوات يتجنب السرد الولوج فيها لإشغالها بتقاطعات الرغبة والكراهية: فهذا الأب يحب الأم لحد الكراهية (كان مهووساً بها، كان يحبها إلى حد الكراهية... قررت الرحيل لتنقذ روحها - 32) كما تقول «رؤيا»؛ ومثله حبها لمالك، وتململها في العلاقة بنديم، واختياراتها الأخرى باستثناء علاقتها بزينب (أخت مالك) وعليا. لربما يبدو «لا كان» حاضراً وغائباً في ثنائيات الحب والبغض، لكن ذلك يقع أيضاً في ضغط الحس الجارف باليتم الذي لا يعوض. يضع السرد العلاقة بالأم في المستويات البيولوجية والسيميائية كأنها المحرك وراء غياب عاطفة الحب: «لم أعرف الحب، كنت قد أصبحت في السادسة والأربعين ولم أشعر بتلك العاطفة التي يسمونها حباً - 74».

بدا حضور مروان غامضاً، لأنه الوحيد الذي يقدم العون والمشورة والتعريف بالأم من دون غرض. وبالمقابل كان «مالك» ابن الناطور الخجول يعجز عن إعلان حبه إلا من خلال رغبة أخرى في الانتقام من جور الهرمية الطبقية والطائفية. ويكون انخراطه في حرب الطوائف بمثابة تعبير عن ذات متشظية، شأنها شأن مجتمع وجد نفسه منساقاً في «الهوية وانشطاراتها - 99»، تلك التي تدحضها بناية شارع شهاب الدين بنسيجها الاجتماعي- الديني المتباين والمؤتلف.

شخصيات تنخرط في حرب الميليشيات والطوائف لأسباب تتفاوت ما بين رغبة في «التحقق» والارتزاق على حساب حياة السكان

«يوم الشمس» تجعل من التشظي والانشطار الساري أيام ما يسمى بالحرب الأهلية مدخلاً إلى تشظي الذات التي تحتضن في داخلها غايات وهموماً ورغبات يعوزها التجانس وتهجرها الراحة. ولهذا تكون الرواية الذكية بمثابة غوص في هذه الشروخ وليس السعي للخروج منها: فالميثاق الوطني لا يعني انتهاء شروخ الذات التي تتحدى رواية التجانس وحتى لحظات التوتر في مشاهد (البحث البوليسي) والتلصص تذوب في الداخل السردي الذي يتمرد على نفسه، لأن «قصة حياتي تبدو سخيفة وهي مكتوبة - 31». ولهذا يكون الرسم واللون سبيلاً لرتق الصدع: «أردت أن أصنع من الحروف قصصاً قصيرة - 41». وبدا الشغف بالحروف «لتجاوز المعاني - 113» بمثابة بوابة للخروج من متطلبات السرد ومطالبة القارئ بقصة مثيرة. ولكن هل تمكنت اللوحة من جمع خيوط الرواية، أم أنها هي الأخرى لا تحقق وصولها إلى غايتها، أي إلى «رؤيا»، إلاّ من خلال انتهاء حضور المانح (أي الرسامة، الأم مي صالح)؟ وسواء كان ذلك في ذهن الكاتبة أم لم يكن، فإن اللوحة لا تحقق حضورها إلاّ بغياب الرسام، شأنها شأن النصوص التي تماطل حضور المؤلف لتتسيّد في النتيجة في علاقتها بالقارئ.


مقالات ذات صلة

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النقد البيئي في الأدب العربي

النقد البيئي في الأدب العربي

صدر أخيراً عن دار النابغة في القاهرة كتاب «إيكولوجيا النص الأدبي: دراسات نظرية وتطبيقية مترجمة في النقد البيئي المعاصر»، ترجمة وتحرير معتز سلامة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون إلياس خوري

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة...

شوقي بزيع

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».