«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات

الروائية اللبنانية هالة كوثراني تقدم نموذجاً لـ«الرواية الذكية»

«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات
TT

«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات

«يوم الشمس»... التشظي في الحرب الأهلية مدخلاً لتشظي الذات

الرواية الأخيرة لهالة كوثراني «يوم الشمس» تتوج روايتيها: «الأسبوع الأخير» و«علي الأمريكاني». لكن «يوم الشمس» تستدعي منظوراً آخر لمعرفة تكوينات الطاقة السردية التي تمنح وحداتها نبضاً تتداخل فيه الأحاسيس بالإيحاءات والألوان والصور وحركية الأداء. وحتى عندما نتوقف عند استعراض بطلة الرواية (رؤيا) لمسار الغربة والاغتراب في حياتها، طفلة ومراهقة، و«مثقفة وفنانة»، تتقاطع محطات السرد ما بين استرجاعات الذاكرة وعوداتها المتكررة إلى الوراء، وما بين حاضر تلتبس فيه الرغبات والنيات والآلام والشخوص الذين يدخلون حياتها ويخرجون منها أمثال مالك ونديم، ورامي زكي حرب، ووالدها هاني وطبيبه أيمن. بينما تبقى «رؤيا» لصيقة كلماتٍ ومعنىً موارباً وتماهياً حد الذوبان في الأم (مي صالح)، جينات وحروفاً ورسماً يسدل ألوانه ومعانيه على استدراكات واسترجاعات تفيض في النتيجة بذلك الطوفان، أي وحدة أثر الحرب وظلالها المادية والنفسية والبيئية. «يوم الشمس» رواية ذكية لا لأنها تحمل في كلماتها ولوحاتها ودقائق انتقاء كلماتها صوت الأنثى، طفلة ومرهقة، وفتاة حاضرة بشدة في الحياة العامة، لا توارب في رغباتها؛ ولكن لأنها تقدم إلى الرويّ بعدة المكتنز بأثر الحرب وشروخها وتداخل ضغطها بحياة تريد الانتصار على فجيعة الافتراق القسري عن الأم، وما تحتم عنه من بحث تختلط فيه المتابعة بألوان اللوحات ودلالات الحرف، وهاجس الانقطاع عن ذلك الخيط الجيني المتداخل بإرثه الرمزي في الحرف واللون وطلاسم الجفر.

وشأن الروايات التي تريد لعودات الذاكرة واستدراكات الحاضر أن تجتمع في تبئير يمنح وحدة الأثر عمقاً في الكلمات والألوان والحروف تكون رحلة البحث عن الأم الغائبة بمثابة بحث أيضاً عن الحبل الآخر الذي يربط الساردة (رؤيا) بأمها (مي إبراهيم صالح) وباللوحة التي كانت تنوي إهداءها إلى ابنتها كبديل آخر عن ذلك الانقطاع الذي تآزر الأب والعمة وكذلك الأم على تحققه: فالأم (كانت وفية لموهبتها وطموحها، وفهمت أن زواجها بأبيك غلطة - 30). هذا الوفاء يضع الموهبة في مرتبة أخرى أعلى بكثير من «الخيط الجيني» الذي ما كان له أن يكون لولا «غلطة» الزواج. وحتم هذا الترابط المجازي - الجيني أمرين: مقتل الأم واختفاء اللوحة، وكلاهما يتوحد في ذلك اللون الأحمر. إذ يذكر مالك وهو الآمر بسرقة اللوحة ليبرر حبه لـ«رؤيا»، أن «نديم» رأى اللون الأحمر الذي يفيض من رسومها، بينما كانت الأم تتلوى تحت قبضته (شعر بأن الأحمر يناديه - 212). كان الأب هاني هو الذي طلب من مالك أن يأتيه باللوحة هدية لابنته.

ربما يبدو هذا الترابط واهناً لولا أن عبء الألوان والحسية العالية التي ترفد السرد تجعل سريان الحروف واللون (الأحمر الياقوتي البديع - ص24) بمثابة خروج على أسر الكلمات وولوج عوالم الرسم حيث تتلازم الحروف والألوان و«بلاغة الفراغ - ص50» لتعطي السرد طاقة تتجاوز ما كان يناقشه دارسو السرد ومنظّروه. يمكن للتبئير أن يتحقق ببناء درامي آخر يفعل فيه اللون فعل الغواية والإغراء وكذلك البطش والقتل. فباقة الورد الحمراء التي ترتطم بيدها بعد لحظة من تساؤل مريب عابر عن اللوحة من جوابة ادعت من قبل أنها قارئة كف تحمل هذا اللون.

عدَّ «نديم» القتل أمراً استدرجه إليه جمال عنق الفنانة القتيلة واللون الأحمر، لكن وراء ذلك حرب الميليشيات والطوائف التي وجد مالك ونديم ورامي زكي حرب أنفسهم ينخرطون فيها لأسباب تتفاوت ما بين رغبة في «التحقق» والارتزاق على حساب حياة السكان. هذا الترابط هو في النتيجة ما يحقق وحدة الأثر التي تذكر بقصة فؤاد التكرلي (مجرى الدم).

والترابط ما بين تكرر اللون الأحمر في رسوم «رؤيا» والأم، وكذلك في عالم «رؤيا» التي ترى الخارج من خلاله يحقق وحدة، فنديم الذي عرفت أنه قاتل الأم (ص211-212 )، الذي ستغرز سكيناً في خاصرته لم تبلغ أكثر من الجلد تقول عنه إذا ما نوت رسمه (سأمنحه لون النبيذ - 222). لا ندري لماذا يقدم الأب هاني على تكليف الميلشياوي مالك بجلب اللوحة إذا كان عارفاً أن الأم تريد إهداءها لابنتها.

ثمة فجوات يتجنب السرد الولوج فيها لإشغالها بتقاطعات الرغبة والكراهية: فهذا الأب يحب الأم لحد الكراهية (كان مهووساً بها، كان يحبها إلى حد الكراهية... قررت الرحيل لتنقذ روحها - 32) كما تقول «رؤيا»؛ ومثله حبها لمالك، وتململها في العلاقة بنديم، واختياراتها الأخرى باستثناء علاقتها بزينب (أخت مالك) وعليا. لربما يبدو «لا كان» حاضراً وغائباً في ثنائيات الحب والبغض، لكن ذلك يقع أيضاً في ضغط الحس الجارف باليتم الذي لا يعوض. يضع السرد العلاقة بالأم في المستويات البيولوجية والسيميائية كأنها المحرك وراء غياب عاطفة الحب: «لم أعرف الحب، كنت قد أصبحت في السادسة والأربعين ولم أشعر بتلك العاطفة التي يسمونها حباً - 74».

بدا حضور مروان غامضاً، لأنه الوحيد الذي يقدم العون والمشورة والتعريف بالأم من دون غرض. وبالمقابل كان «مالك» ابن الناطور الخجول يعجز عن إعلان حبه إلا من خلال رغبة أخرى في الانتقام من جور الهرمية الطبقية والطائفية. ويكون انخراطه في حرب الطوائف بمثابة تعبير عن ذات متشظية، شأنها شأن مجتمع وجد نفسه منساقاً في «الهوية وانشطاراتها - 99»، تلك التي تدحضها بناية شارع شهاب الدين بنسيجها الاجتماعي- الديني المتباين والمؤتلف.

شخصيات تنخرط في حرب الميليشيات والطوائف لأسباب تتفاوت ما بين رغبة في «التحقق» والارتزاق على حساب حياة السكان

«يوم الشمس» تجعل من التشظي والانشطار الساري أيام ما يسمى بالحرب الأهلية مدخلاً إلى تشظي الذات التي تحتضن في داخلها غايات وهموماً ورغبات يعوزها التجانس وتهجرها الراحة. ولهذا تكون الرواية الذكية بمثابة غوص في هذه الشروخ وليس السعي للخروج منها: فالميثاق الوطني لا يعني انتهاء شروخ الذات التي تتحدى رواية التجانس وحتى لحظات التوتر في مشاهد (البحث البوليسي) والتلصص تذوب في الداخل السردي الذي يتمرد على نفسه، لأن «قصة حياتي تبدو سخيفة وهي مكتوبة - 31». ولهذا يكون الرسم واللون سبيلاً لرتق الصدع: «أردت أن أصنع من الحروف قصصاً قصيرة - 41». وبدا الشغف بالحروف «لتجاوز المعاني - 113» بمثابة بوابة للخروج من متطلبات السرد ومطالبة القارئ بقصة مثيرة. ولكن هل تمكنت اللوحة من جمع خيوط الرواية، أم أنها هي الأخرى لا تحقق وصولها إلى غايتها، أي إلى «رؤيا»، إلاّ من خلال انتهاء حضور المانح (أي الرسامة، الأم مي صالح)؟ وسواء كان ذلك في ذهن الكاتبة أم لم يكن، فإن اللوحة لا تحقق حضورها إلاّ بغياب الرسام، شأنها شأن النصوص التي تماطل حضور المؤلف لتتسيّد في النتيجة في علاقتها بالقارئ.


مقالات ذات صلة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

ثقافة وفنون تاريخ العالم الحديث في كبسولة

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

إياد مدني يسائل السردية الغربية ويبحث في معنى أن تكون سعودياً

في كتابه «حكاية سعودية: قراءات ووقفات بحثاً عن الوعي»، لا ينشغل إياد أمين مدني، بسرد محطات حياته، بقدر ما يحاول استكشاف الكيفية التي تشكل بها وعيه

ميرزا الخويلدي (الدمام)
كتب الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

الإعلانات تكتب التاريخ غير الرسمي للمجتمع

أصدر قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة كتاباً جديداً باللغة الإنجليزية بعنوان «تجارة الأحلام: قرن من الإعلانات المطبوعة في مصر»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

محمد العلي... قرنٌ من الأسئلة وشاعر لم يتقاعد عن التنوير

​فقدت الساحة الشعرية والفكرية في السعودية والخليج، أحد أبرز رموز الشعرية والفكرية، الشاعر والكاتب محمد العلي، عن عمرٍ ناهز 94 عاماً

ميرزا الخويلدي (الدمام)

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.