تقرير «سبلانك»: هل أصبح «الرّصد» مفتاح مستقبل المؤسسات في السعودية والمنطقة؟

بيانات موحّدة وقرارات أسرع ونماذج ذكاء اصطناعي أكثر موثوقية

يتحوّل الرصد من أداة تقنية إلى ركيزة استراتيجية تعزز الإنتاجية والإيرادات وتجربة العملاء داخل المؤسسات (شاترستوك)
يتحوّل الرصد من أداة تقنية إلى ركيزة استراتيجية تعزز الإنتاجية والإيرادات وتجربة العملاء داخل المؤسسات (شاترستوك)
TT

تقرير «سبلانك»: هل أصبح «الرّصد» مفتاح مستقبل المؤسسات في السعودية والمنطقة؟

يتحوّل الرصد من أداة تقنية إلى ركيزة استراتيجية تعزز الإنتاجية والإيرادات وتجربة العملاء داخل المؤسسات (شاترستوك)
يتحوّل الرصد من أداة تقنية إلى ركيزة استراتيجية تعزز الإنتاجية والإيرادات وتجربة العملاء داخل المؤسسات (شاترستوك)

تجعل وتيرة التحوّل العالمي المتزايدة نحو العمليات الرقمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي القدرة على «الرصد» (Observability) أكثر من مجرد ممارسة هندسية، بل تحولها إلى ركيزة استراتيجية تؤثر في الإنتاجية والإيرادات وتجربة العملاء وموثوقية الخدمات. «الرصد» ببساطة هو قدرة المؤسسة على فهم ما يجري داخل أنظمتها الرقمية بشكل كامل ودقيق حتى عندما تكون هذه الأنظمة معقدة وموزعة أو مدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويقدّم تقرير «حالة القدرة على الرصد 2025» من شركة «سبلانك» (Splunk) صورة معمّقة لهذا التحوّل، مستنداً إلى آراء 1,855 متخصصاً في عمليات تقنية المعلومات والهندسة عبر عدد من القطاعات حول العالم.

وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط، حيث تتسارع مشاريع التحول الرقمي بوتيرة غير مسبوقة، فإن نتائج التقرير تكشف عن فرص كبيرة، لكنها تضع أمام المؤسسات أيضاً تحديات متنامية في إدارة البنى الرقمية الحديثة، خصوصاً مع انتشار الذكاء الاصطناعي وتوسع البيئات متعددة السحابات.

تجاوزت القدرة على «الرصد» دورها التقليدي كأداة لحل المشكلات، لتصبح عنصراً مؤثراً في اتخاذ القرار داخل المؤسسات. ويكشف تقرير «سبلانك» أن 74 في المائة من المؤسسات ترى أن القدرة على الرصد تعزز إنتاجية الموظفين، بينما يؤكد 65 في المائة أنها تسهم مباشرة في زيادة الإيرادات. كما أصبحت تلعب دوراً في رسم خارطة الطريق للمنتجات، حيث قال 64 في المائة من المشاركين إن رؤى الرصد تساعد في تحديد أولويات التطوير واتجاهات الابتكار.

ممدوح علام نائب الرئيس الإقليمي في شركة «سبلانك» لدول السعودية والبحرين والكويت (سبلانك)

وفي أسواق مثل السعودية والإمارات، حيث تشهد الخدمات الحكومية الرقمية والتجارة الإلكترونية ومنصات التنقل والمدفوعات المتقدمة نمواً سريعاً، أصبحت القدرة على الرصد وسيلة أساسية لفهم أداء الخدمات، وتوقع سلوك المستخدمين، وبناء تجارب عالية الجودة. وحسب التقرير، تعتمد 74 في المائة من المؤسسات على الرصد لمتابعة العمليات الحيوية، بينما ترى 65 في المائة أنه ضروري لتحليل رحلة المستخدم بشكل دقيق.

وفي حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» يشرح ممدوح علّام نائب الرئيس الإقليمي في شركة «سبلانك» لدول السعودية والبحرين والكويت على مستوى النضج الرقمي في المملكة قائلاً: «أشعر بأن المؤسسات السعودية حققت تقدماً مثيراً للإعجاب خلال فترة قصيرة. وبفضل (رؤية 2030) والدفع نحو اعتماد السحابة، أصبحت قطاعات مثل المالية والطاقة والحكومة تعمل بقدرات رصد تضاهي بعضاً من أكثر المؤسسات العالمية تقدماً».

يشير ذلك إلى أن «الرصد» لم يعد مجرد ممارسة تقنية، بل جزء أساسي من البنية المؤسسية التي تربط بين فرق الأعمال والهندسة والعمليات. ويؤكد باتريك لين، نائب الرئيس والمدير العام لحلول الرصد في «سبلانك»، هذه الفكرة بقوله إن «دورة الحياة الكاملة للرصد من جمع البيانات وحتى تحويلها إلى رؤى قابلة للتنفيذ أصبحت عنصراً أساسياً في تعزيز رضا العملاء، ودعم الابتكار، وحماية أنظمة الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع».

تسريع للعمليات... وتحديات جديدة

بات الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من أنظمة الرصد الحديثة. ويُظهر التقرير أن 76 في المائة من المؤسسات تستخدم أدوات رصد مدعومة بالذكاء الاصطناعي في أعمالها اليومية، وترى 78 في المائة منها أن هذه الأدوات تقلل الوقت المُهدر على المهام اليدوية، مما يسمح بتوجيه الجهد نحو الابتكار. كما تتوقع 60 في المائة من المؤسسات أن يعزز الذكاء الاصطناعي عمليات حل المشكلات وتقصير زمن الوصول إلى السبب الجذري، فيما تقول 58 في المائة إنه سيحسّن قدرات اكتشاف الثغرات الأمنية. لكن هذا التقدم التقني يأتي مع تحديات واضحة. فقد قال 47 في المائة من المشاركين إن تتبّع أحمال عمل الذكاء الاصطناعي جعل وظائفهم أكثر تعقيداً، فيما ذكر 40 في المائة أن نقص الخبرة المتخصصة يشكّل عقبة أمام الجاهزية الكاملة لعصر الذكاء الاصطناعي.

وفي السياق السعودي، يؤكد علّام أن هذه التحديات باتت واقعاً ملموساً ويذكر أن «الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات هائلة، لكنه يخلق أيضاً تحديات جديدة. تحتاج المؤسسات لمتابعة دقة النماذج، وضمان عدم إهدار الموارد الحاسوبية، وإدارة بيانات غالباً ما تكون موزعة عبر أنظمة مختلفة».

ويضيف أن أدوات الرصد المتقدمة تستطيع مواجهة هذه المعضلات عبر «توفير رؤى لحظية حول سلوك النماذج، والمساعدة في التحكم في التكاليف، وجمع البيانات في منصة واحدة، مما يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر موثوقية وكفاءة وخاضعة للحكم». وتزداد أهمية هذه القدرات في الشرق الأوسط، حيث تتبنى الجهات الحكومية والمالية وشركات الطاقة نماذج ذكاء اصطناعي واسعة النطاق تتطلب مراقبة متقدمة لضمان الأداء والامتثال والموثوقية.

الذكاء الاصطناعي يسرّع عمليات الرصد لكنه يولد تحديات جديدة تشمل تعقيد تتبّع النماذج وتشتت البيانات (أدوبي)

التشتت التشغيلي بوصفه عقبة

على الرغم من نمو النضج الرقمي، لا تزال المؤسسات حول العالم تواجه عبئاً ناجماً عن تشتت أدوات «الرصد». ويشير التقرير إلى أن 59 في المائة من المؤسسات تعاني من وجود عدد كبير جداً من الأدوات التي تعمل بمعزل عن بعضها، بينما تقول 52 في المائة إن كثرة التنبيهات الخاطئة تُثقل كاهل فرق العمليات. هذا التحدي حاضر بقوة في الشرق الأوسط أيضاً، حيث تعتمد المؤسسات غالباً على بيئات متعددة السحابات وأدوات متنوعة.

ويوضح علّام تأثير هذا التشتت بقوله: «تواجه المؤسسات تحديات كبيرة في الرؤية الشاملة لأن الفرق تعتمد على أدوات مراقبة وأمن منفصلة لا تتكامل بشكل طبيعي، حتى عندما تعمل ضمن سحابة واحدة».

ويزيد: «هذا التشتت يخلق نقاطاً عمياء ويبطئ التحقيقات، بينما يساعد (سبلانك) في جمع كل هذه البيانات في لوحة واحدة متكاملة تعزز الثقة وسرعة إدارة الحوادث».

معيار تقني أم ميزة تجارية؟

يُعد «إطار الرصد المفتوح» (OpenTelemetry) من أبرز الاتجاهات التي يرصدها تقرير 2025، حيث يشير إلى أن 72 في المائة من المؤسسات التي تعتمد هذا الإطار ترى تأثيراً إيجابياً على نمو الإيرادات، بينما ذكر 71 في المائة أنه ساعد في تحسين الهوامش التشغيلية وصورة العلامة التجارية. أما المؤسسات التي تُصنف كمستخدمين «مُكثّفين» لهذا الإطار، فهي تتفوّق بشكل واضح على غيرها؛ إذ تحقق تحسناً بثلاثة أضعاف في إنتاجية الموظفين، وتُظهر مستويات أعلى من الثقة أثناء الحوادث بفضل البيانات الموحدة. كما أن 57 في المائة من هذه المؤسسات تعتمد مبدأ «الرصد ككود»، مقارنة بـ10 في المائة فقط لدى المؤسسات التقليدية.

وينعكس هذا الاتجاه في السعودية أيضاً، حسب علام قائلاً: «أرى أن (إطار الرصد المفتوح) يكتسب زخماً قوياً في المملكة، خصوصاً بين المؤسسات المتجهة نحو بيئات سحابية أصلية. المؤسسات المالية والحكومية والطاقة بدأت بالفعل جني فوائد مثل تحسين التتبع الشامل ورفع موثوقية الأنظمة». ويشير إلى أن طبيعة الإطار المفتوحة تمنح المؤسسات مرونة أكبر حيث إن «(إطار الرصد المفتوح) يساعد الشركات على أن تكون أكثر رشاقة، وتطوير حلول الرصد بطريقة غير مرتبطة بمزوّد واحد. ومع دعم (سبلانك) الكامل له، يمكن اعتماده بسلاسة دون الحاجة لتغيير الأنظمة القائمة».

فجوة واضحة بين الشركات

يرسم التقرير فجوة متزايدة بين المؤسسات الرائدة والمتأخرة في تبنّي الرصد. فالمؤسسات المتقدمة تحقق عائداً على الاستثمار يبلغ 125 في المائة سنوياً وهو أعلى بنسبة 53 في المائة من المؤسسات الأخرى. كما أنها تُسرّع تحليل الأسباب الجذرية للمشكلات وتُظهر مستويات أعلى من التعاون بين فرق الهندسة والعمليات والأمن. ويؤكد علّام أن المؤسسات السعودية تتحرك نحو هذا الاتجاه ويرى أن «هناك بالفعل انخفاضاً في وقت التوقف وتحسناً في سرعة المعاملات البنكية وموثوقية الخدمات الحكومية، وهو ما ينعكس مباشرة على الإنتاجية والإيرادات. كما تلعب الموثوقية دوراً مهماً في الحفاظ على قيمة العلامة التجارية وتقليل فقد العملاء».

يسبب تشتت أدوات الرصد في البيئات متعددة السحابات نقاطاً عمياء ويبطئ التحقيق في الحوادث (شاترستوك)

الرصد بوصفه أداة للثقة والحوكمة الرقمية

مع توسع السُّحب الوطنية وتكامل أنظمة الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية، تبرز الحاجة إلى أدوات رصد قادرة على تعزيز الثقة الرقمية.

ويصرح علّام في هذا السياق بأن «الرصد يلعب دوراً رئيسياً في بناء الثقة الرقمية. يمكن للجهات اكتشاف الأنشطة غير المعتادة مبكراً، والالتزام بالأنظمة المحلية، وضمان استمرارية الخدمات. وهذا ضروري لقطاعات مثل الطاقة والمال والحكومة». وتتوافق هذه الرؤية مع مسار التحول الرقمي في المملكة، حيث تشكل الموثوقية والاستجابة السريعة أساساً لنمو الخدمات الرقمية على نطاق واسع.

نحو مراقبة تنبؤية

بينما يركّز العديد من المؤسسات عالمياً على اكتشاف المشكلات بعد وقوعها، تتجه أكثر المؤسسات تقدماً نحو الرصد التنبؤي الذي يساهم في منع الأعطال قبل حدوثها. ويكشف علّام أن هذا التحوّل بدأ بالفعل في المملكة قائلاً: «أعتقد أن بعض الأهداف التي تضعها المؤسسات في السعودية لا يمكن تحقيقها دون الانتقال من الرصد التفاعلي إلى الرصد التنبؤي. وهذا التحول بدأ بالفعل».

وينوّه بوجود «مؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي والتحليلات لتوقع المشكلات قبل أن يصل تأثيرها إلى المستخدمين. ورغم اختلاف مستويات الجاهزية، فإن العديد من القطاعات الحيوية بدأت بالفعل وضع الأسس لهذا التحول».

ومع ازدياد الاعتماد على المنصات الوطنية والسُّحُب المحلية والخدمات الرقمية الحيوية، تصبح القدرة على الرصد منصةً لتأسيس الثقة والشفافية داخل المؤسسات، وحماية عملياتها من التعقيد التقني المتزايد.

يُظهر تقرير «سبلانك 2025» أن القدرة على الرصد لم تعد ترفاً تقنياً، بل أداة استراتيجية تمكّن المؤسسات من النمو بثقة في عالم تتضاعف فيه المخاطر وتزداد فيه التوقعات. وفي منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً السعودية التي تُعد من أسرع الاقتصادات الرقمية نمواً عالمياً، ستحدد منظومات «الرصد» القوية أيّ المؤسسات ستستفيد من الثورة الرقمية، وأيّها سيتعثّر تحت ضغط التعقيد التشغيلي.


مقالات ذات صلة

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تكنولوجيا تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

الصوت يحمل بيانات شخصية حساسة تكشف الصحة والمشاعر والهوية، ومع تطور تقنيات تحليل الكلام تزداد تحديات الخصوصية والحاجة لحمايتها بوعي وتشريعات.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد من داخل معرض «سيمكون تايوان» للرقائق في تايبيه (أرشيفية - رويترز)

تايوان تطرق أبواب واشنطن بـ«سلاح» الذكاء الاصطناعي

تهدف تايوان إلى أن تصبح شريكاً استراتيجياً للولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي بعد إبرام اتفاقية لتخفيض الرسوم الجمركية وتعزيز استثماراتها في البلاد.

«الشرق الأوسط» (تايبيه)
تكنولوجيا تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

«تيك توك» تحذف أيضاً أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

نسيم رمضان (لندن)
خاص يشكّل التصوير الجزيئي ركيزة أساسية في التحول الصحي لدعم الاكتشاف المبكر والطب الدقيق والرعاية الوقائية (شاترستوك)

خاص التصوير الجُزيئي كـ«بنية تحتية»: كيف يدعم التحول الصحي في السعودية؟

يتوسع التصوير الجزيئي في السعودية لدعم التشخيص المبكر والطب الدقيق، فيما يظل التنسيق والبنية التحتية والكوادر التحدي الأبرز، لا توفر الأجهزة فقط.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد شعار شركة «تي إس إم سي» خلال معرض تايوان للابتكار التكنولوجي في مركز التجارة العالمي بتايبيه (أ.ب)

«تي إس إم سي» التايوانية تتجاوز التوقعات بأرباح قياسية نهاية 2025

أعلنت شركة تايوان لصناعة أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي)، الرائدة عالمياً في تصنيع رقائق الذكاء الاصطناعي والمورد الرئيسي لشركة «إنفيديا».

«الشرق الأوسط» (تايبيه )

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.


بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
TT

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

نحن نتحدث يومياً دون أن نفكر كثيراً في مقدار ما تكشفه أصواتنا عنّا. فإلى جانب الكلمات التي نختارها، يحمل الصوت إشارات دقيقة عن هويتنا قد تكشف معلومات صحية وخلفيات ثقافية وحالات عاطفية، ومستوى التعليم وربما حتى ميولاً فكرية. وحتى وقت قريب، كان هذا الإدراك يقتصر على الحدس البشري؛ إذ يمكننا غالباً أن نميّز تعب صديق أو سعادته أو توتره من نبرة صوته فقط. لكن اليوم، باتت الأنظمة الحاسوبية قادرة على فعل ذلك وأكثر بدقة متزايدة.

ويحذّر باحثون في تقنيات الكلام واللغة من أن هذه القدرات تمثل تحدياً حقيقياً للخصوصية. فالصوت لم يعد مجرد وسيلة لإعطاء الأوامر للمساعدات الرقمية أو أداة للحوار، بل أصبح وعاءً غنياً بالمعلومات الشخصية التي تستطيع الخوارزميات الحديثة استخراجها، غالباً دون علم المتحدث أو موافقته.

لماذا يُعد الصوت بيانات شخصية؟

عندما نتحدث، لا تنتقل الرسالة اللغوية وحدها. فإيقاع الكلام ودرجة الصوت والتوقفات بين الكلمات وأنماط التنفس والخصائص الصوتية الأخرى، جميعها تحمل طبقات متعددة من المعلومات الشخصية. ويشير خبراء تقنيات الكلام إلى أن هذه المعلومات مدمجة مباشرة في الإشارة الصوتية نفسها، أي أنها تُفصح تلقائياً عن صاحبها بمجرد التحدث، دون أي نية واعية للكشف عنها.

وتستطيع هذه الخصائص الصوتية أن تعكس مؤشرات تتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية، مثل الإرهاق أو مشكلات في الجهاز التنفسي. كما يمكن أن تشير إلى خلفية المتحدث الثقافية أو الجغرافية من خلال اللهجة ونمط النطق. إضافة إلى ذلك، تحمل الأصوات دلائل عاطفية تُمكّن الأنظمة المتقدمة من استنتاج ما إذا كان الشخص متوتراً أو هادئاً أو متحمساً أو مضطرباً. ولهذا، يُصنَّف الصوت ضمن فئة البيانات البيومترية أي البيانات الشخصية العميقة، الفريدة غالباً، والتي يصعب تغييرها أو استبدالها.

وبسبب هذه الحساسية، تُعامل البيانات الصوتية في العديد من التشريعات الحديثة باعتبارها بيانات محمية. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يندرج الصوت ضمن البيانات البيومترية الخاضعة لقواعد صارمة بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، ما يستلزم توفير ضمانات إضافية والحصول على موافقة صريحة في كثير من الحالات.

تحليل الصوت يطرح مخاطر تتعلق بالخصوصية قد تمتد إلى التوظيف والتأمين والتسويق والمراقبة (شاترستوك)

مخاطر الإفراط في كشف المعلومات

تثير القدرة على استخراج سمات شخصية من الصوت مخاوف تتجاوز مسألة الراحة أو التخصيص. فمع تطور تقنيات تحليل الصوت وانتشارها، قد تمتد آثارها إلى مجالات حساسة في حياة الأفراد. فقد تُستخدم الاستنتاجات المستخلصة من أنماط الكلام يوماً ما للتأثير في قرارات التوظيف أو تقييمات التأمين إذا أسيء استخدامها. كما يمكن للمعلنين استغلال الإشارات العاطفية أو السلوكية المستخلصة من الصوت لتقديم رسائل تسويقية شديدة الاستهداف، وربما ذات طابع تلاعبي.

وتتفاقم المخاطر مع احتمالات سوء الاستخدام، مثل المراقبة غير المشروعة أو التحرش أو تتبع الأفراد دون علمهم. ورغم أن هذه السيناريوهات ليست شائعة على نطاق واسع بعد، يؤكد الباحثون أن سرعة تطور التكنولوجيا تستدعي دق ناقوس الخطر مبكراً، قبل أن تصبح هذه الممارسات أمراً واقعاً يصعب احتواؤه.

قياس ما يكشفه صوتك

أحد التحديات الأساسية في حماية خصوصية الصوت هو فهم مقدار المعلومات التي يحتويها تسجيل صوتي واحد. ولهذا يعمل الباحثون على تطوير أدوات وأساليب لقياس مدى قابلية ربط عيّنة صوتية بسمات تعريفية محددة. وتهدف هذه المقاييس إلى تحديد مدى سهولة نسب الصوت إلى شخص بعينه أو إلى فئة ضيقة من الأشخاص، اعتماداً فقط على الخصائص الصوتية.

وتُعد هذه الأدوات ضرورية لتصميم أنظمة تراعي الخصوصية منذ البداية. فإذا تمكن المطورون من تقدير مستوى المخاطر المرتبطة بتسجيل صوتي معين، يصبح بإمكانهم اتخاذ قرارات مدروسة بشأن كيفية تخزينه أو معالجته أو مشاركته. ويدعم هذا التوجه مفهوم «الخصوصية بحكم التصميم»؛ حيث تُؤخذ المخاطر المحتملة في الحسبان قبل طرح التكنولوجيا للاستخدام الواسع.

الصوت ليس وسيلة تواصل فقط بل يحمل أيضاً بيانات شخصية عميقة تكشف الصحة والحالة النفسية والخلفية الثقافية (شاترستوك)

كيف يمكن حماية خصوصية الصوت؟

لا يدعو الخبراء إلى التخلي عن تقنيات الصوت، بل إلى تقليل التعرض غير الضروري للمعلومات الشخصية. ومن بين أكثر الاستراتيجيات فعالية تقليص كمية البيانات الصوتية الخام التي يتم مشاركتها. فبدلاً من إرسال تسجيلات كاملة، يمكن للأنظمة استخراج الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لأداء مهمة محددة كتحويل الكلام إلى نص، ثم التخلص من بقية البيانات.

كما تُعد المعالجة المحلية للصوت خطوة مهمة في هذا السياق. فعندما يُحلل الصوت مباشرة على الجهاز، بدلاً من إرساله إلى خوادم سحابية بعيدة، تقل فرص إساءة الاستخدام أو الاعتراض أو الاستغلال الثانوي للبيانات. ويمنح هذا النهج المستخدمين قدراً أكبر من التحكم فيما يغادر أجهزتهم ومتى.

وتلعب الضوابط الفيزيائية والبيئية دوراً مكملاً. فالتقنيات التي تُظهر بوضوح متى يكون التسجيل نشطاً، أو التي تحصر التقاط الصوت في نطاقات محددة، أو تتطلب تفعيلاً مقصوداً من المستخدم، تساعد في منع التسجيل العرضي أو الخفي. ومجتمعةً، تسهم هذه الإجراءات في جعل التفاعل الصوتي مقصوداً لا متطفلاً.

الثقة والشفافية وتجربة المستخدم

الخصوصية ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية نفسية أيضاً. فمجرد الشعور بالمراقبة قد يؤثر في سلوك الأفراد وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم. ويحذّر الباحثون من أن الإحساس الدائم بالرصد سواء أكان حقيقياً أم متوهماً، يمكن أن يقوّض الشعور بالكرامة والاستقلالية.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية؛ إذ ينبغي إبلاغ المستخدمين بوضوح متى يتم تسجيل أصواتهم، وما نوع المعلومات التي قد تُستخلص، وكيف ستُستخدم هذه البيانات. فالأنظمة التي تقدم إشارات واضحة وتحكماً مفهوماً في إعدادات الخصوصية تكون أقدر على كسب ثقة المستخدمين من تلك التي تعمل بصمت في الخلفية.

مستقبل مسؤول لتقنيات الصوت

توفر التقنيات المعتمدة على الصوت فوائد لا يمكن إنكارها، بدءاً من أدوات الوصول لذوي الإعاقة، مروراً بالحوسبة دون استخدام اليدين، ووصولاً إلى تفاعل أكثر طبيعية بين الإنسان والآلة. غير أن تعاظم حضور هذه التقنيات في الحياة اليومية يفرض مسؤولية متزايدة لحماية البيانات الصوتية.

ويواصل الباحثون تطوير أساليب لقياس المعلومات الشخصية الكامنة في الصوت وتقليلها والتحكم بها. وفي الوقت ذاته، يتعين على المطورين وصنّاع السياسات والمصممين العمل معاً لضمان تطور أطر الخصوصية بالتوازي مع الابتكار. فالتحدي ليس في إسكات التكنولوجيا، بل في ضمان أن تكون أصواتنا حين نتحدث مصدر تمكين لنا، لا بوابة لانتهاك خصوصيتنا.


«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)
تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)
TT

«تيك توك» تحذف نحو 3.9 مليون محتوى مخالف في السعودية نهاية 2025

تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)
تعتمد «تيك توك» بشكل متزايد على التقنيات الآلية لرصد وحذف غالبية المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين (رويترز)

أظهر أحدث بيانات منصة «تيك توك» أن المملكة العربية السعودية كانت من بين أكثر الأسواق نشاطاً في تطبيق سياسات السلامة الرقمية خلال الربع الثالث من عام 2025، مع حذف ما يقرب من 3.9 مليون مقطع فيديو لمخالفتها إرشادات المجتمع؛ في مؤشر على تشديد الرقابة الاستباقية على المحتوى داخل المنصة.

ووفق تقرير إنفاذ إرشادات المجتمع الصادر عن «تيك توك» للفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول) 2025، بلغ معدل الحذف الاستباقي في السعودية 99.2 في المائة، فيما أُزيل نحو 96.7 في المائة من المحتوى المخالف خلال أقل من 24 ساعة، ما يعكس سرعة الاستجابة وفعالية أنظمة الإشراف المعتمدة داخل المملكة.

ويأتي ذلك ضمن إطار أوسع شهد حذف أكثر من 17.4 مليون مقطع فيديو مخالف في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال الربع ذاته، شمل مصر والإمارات والعراق ولبنان والمغرب، مع اعتماد متزايد على التقنيات الآلية في رصد المحتوى المخالف قبل الإبلاغ عنه من المستخدمين.

إشراف استباقي وتكنولوجيا آلية

على المستوى الإقليمي والعالمي، سجل الربع الثالث من 2025 أعلى مستويات الاعتماد على الأنظمة الآلية في تاريخ المنصة، حيث جرى حذف 91 في المائة من المحتوى المخالف باستخدام تقنيات الرصد التلقائي، إلى جانب حذف 99.3 في المائة من المحتوى قبل تلقي أي بلاغات من المستخدمين. كما أزيل 94.8 في المائة من المقاطع المخالفة خلال أقل من 24 ساعة.

وتشير هذه المؤشرات إلى انتقال متزايد في نموذج الإشراف من المعالجة اللاحقة إلى التدخل المبكر، بما يقلص احتمالات تعرض المستخدمين لمحتوى مخالف، ويتيح لفرق السلامة البشرية التركيز على مراجعة الحالات المعقدة وطلبات الاستئناف والتعامل مع الأحداث المتسارعة.

كثفت المنصة إجراءات حماية القُصّر لإزالة حسابات يُشتبه في عودتها لأشخاص دون 13 عاماً على المستوى العالمي (أ.ب)

حماية الفئات العمرية الأصغر

وفي سياق متصل، كثفت «تيك توك» إجراءاتها المرتبطة بحماية القُصّر، إذ حذفت عالمياً أكثر من 22 مليون حساب يُشتبه في عودتها لأشخاص دون سن 13 عاماً خلال الربع الثالث من 2025. ويعكس ذلك تركيز المنصة على ضبط التجارب الرقمية للفئات العمرية الأصغر، بما يشمل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وتندرج هذه الجهود ضمن مساعٍ أوسع لتعزيز بيئة رقمية أكثر أماناً، لا سيما في الأسواق ذات القاعدة الشبابية الواسعة، مثل السعودية، حيث يحظى المحتوى الرقمي بتفاعل مرتفع وانتشار واسع.

البث المباشر تحت الرقابة

وشهدت سياسات البث المباشر (LIVE) تشديداً إضافياً خلال الفترة نفسها، إذ علّقت المنصة عالمياً أكثر من 32.2 مليون بث مباشر مخالف، وحظرت 623 ألف مضيف بث مباشر، في إطار تعزيز أدوات الإشراف على هذا النمط من المحتوى عالي التفاعل.

وعلى مستوى المنطقة، أوقفت «تيك توك» بشكل استباقي أكثر من 2.48 مليون بث مباشر في عدد من الدول العربية، ما يعكس توسع تطبيق القرارات الآلية بالتوازي مع التوسع في استخدام خاصية البث المباشر.

الاستئناف واستعادة المحتوى في السعودية

وفيما يتعلق بآليات الشفافية، أظهر التقرير أن السعودية جاءت في المرتبة الثانية إقليمياً من حيث عدد مقاطع الفيديو التي أُعيدت بعد قبول طلبات الاستئناف، بواقع 195711 مقطعاً. وتوضح هذه الأرقام حجم التفاعل مع نظام الاعتراض، ودوره في تحقيق توازن بين الإنفاذ الصارم لسياسات المنصة وضمان حق المستخدمين في مراجعة القرارات.

تفرض «تيك توك» رقابة مشددة على البث المباشر مع تعليق ملايين البثوث المخالفة وحظر عدد كبير من المضيفين (شترستوك)

إنفاذ سياسات تحقيق الدخل

كما واصلت «تيك توك» نشر بيانات متعلقة بسلامة تحقيق الدخل، إذ اتخذت خلال الربع الثالث من 2025 إجراءات شملت التحذير أو إيقاف تحقيق الدخل لأكثر من 3.9 مليون بث مباشر و2.1 مليون صانع محتوى على مستوى العالم، بسبب مخالفات لإرشادات تحقيق الدخل.

وتهدف هذه السياسات إلى دعم المحتوى الآمن والأصيل وعالي الجودة، مع الحد من الممارسات التي قد تستغل البث المباشر لأغراض مخالفة.

الشفافية ركيزة أساسية

ويعكس تقرير الربع الثالث من 2025 اعتماد «تيك توك» المتواصل على نموذج إشراف هجين، يجمع بين التقنيات المتقدمة وخبرات فرق متخصصة في مجالي الثقة والسلامة، في إطار سعيها لتعزيز بيئة رقمية أكثر أماناً في الأسواق الإقليمية، وعلى رأسها السعودية.

وتؤكد المنصة أن نشر تقارير الشفافية بشكل دوري يشكل عنصراً أساسياً في بناء الثقة مع المستخدمين والجهات التنظيمية، في وقت يتزايد فيه الاهتمام العالمي بتنظيم المحتوى الرقمي وحوكمة المنصات الاجتماعية.