1200 جامعة تشارك في «ابتكارات للبشرية» لإعادة تعريف مستقبل المجتمعات التقني

«سنونو»: ابتكار سعودي عبر ذكاء اصطناعي للري في الصحاري

مبادرة «ابتكارات للبشرية» تحوّل الابتكار الجامعي المبكر إلى منصة عالمية لإنتاج حلول واقعية للمشكلات الملحّة (الشرق الأوسط)
مبادرة «ابتكارات للبشرية» تحوّل الابتكار الجامعي المبكر إلى منصة عالمية لإنتاج حلول واقعية للمشكلات الملحّة (الشرق الأوسط)
TT

1200 جامعة تشارك في «ابتكارات للبشرية» لإعادة تعريف مستقبل المجتمعات التقني

مبادرة «ابتكارات للبشرية» تحوّل الابتكار الجامعي المبكر إلى منصة عالمية لإنتاج حلول واقعية للمشكلات الملحّة (الشرق الأوسط)
مبادرة «ابتكارات للبشرية» تحوّل الابتكار الجامعي المبكر إلى منصة عالمية لإنتاج حلول واقعية للمشكلات الملحّة (الشرق الأوسط)

تتراكم التحديات الإنسانية بوتيرة غير مسبوقة، ويبدو العالم وكأنه يعيد تعريف مفهوم الابتكار بالكامل. فالتهديدات البيئية، وندرة المياه، وتراجع الأمن الغذائي، واتساع فجوات الصحة، ليست مشكلات بعيدة أو مستقبلية، بل هي واقع يومي تعيشه مجتمعات حول العالم. وبينما تُظهر منظومات الابتكار التقليدية القائمة على البحث المؤسسي ورأس المال الجريء علامات تعب وفجوات هيكلية، يبرز مصدر بديل وأكثر ديناميكية للحلول وهي الجامعات.

هذا الإيمان بدور البحث الأكاديمي المبكر هو الأساس الذي يقوم عليه برنامج «ابتكارات للبشرية» (Prototypes for Humanity) المنصة التي نجحت خلال العقد الماضي في بناء واحد من أكبر التجمعات العالمية للحلول الجامعية الواعدة. ولا يشبه البرنامج أي معرض تقني تقليدي، إذ لا يركز على النماذج النهائية أو المشروعات الجاهزة للتسويق، بل يحتفي بالنماذج الأولية الهشّة، تلك التي لا تزال في طور التشكّل، لكنها تستجيب مباشرة لاحتياجات ملحّة في المجتمعات.

تاديو بالداني كارافييري مدير مبادرة «ابتكارات للبشرية» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (ابتكارات للبشرية)

في دورة 2025 التي استضافتها دبي، استقبل البرنامج أكثر من 3000 مشروع من 1200 جامعة في 120 دولة، ولم يتم اختيار سوى 100 مشروع للعرض. ومع ذلك، يصرّ تاديو بالداني كارافييري، مدير مبادرة «ابتكارات للبشرية» على أن قوة البرنامج ليست في الأرقام بل في نوعية الأسئلة التي يطرحها، وفي الطريقة التي يبني بها جسوراً بين الابتكار المبكر والتطبيق الواقعي. ويقول خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إن «الجامعات تفيض بأشخاص يصنعون النسخ الأولى لأدوات الغد. دورنا هو إخراج هذه الأدوات من المختبر إلى العالم الحقيقي، حيث يمكن اختبارها وتطويرها وتعزيز أثرها».

منصة عالمية متعددة الطبقات

حين انطلقت مبادرة «ابتكارات للبشرية» قبل أكثر من عشر سنوات، كانت تركز على تخصصات التصميم والعمارة والفنون. لكن مع تغيّر طبيعة التحديات العالمية، بدأت المشاريع القادمة من الجامعات تتجه نحو حلول هندسية، وابتكارات في الصحة، وتقنيات زراعية للمناطق القاحلة، وأنظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لخدمة المجتمعات الهشّة. هذا التطور لم يكن مجرد تحول في نوعية المشاركات، بل إعادة صياغة شاملة لهوية البرنامج.

فبدلاً من أن يبقى المعرض فعالية سنوية تقف عند عرض الأفكار، توسّع ليصبح منظومة عمل متكاملة تدعم الابتكار عبر مراحل متعددة تبدأ من صياغة مسار أولي للفكرة، وتمتد إلى توفير الإرشاد الأكاديمي والعملي من خبراء عالميين، وتنتهي بربط المبتكرين بالجهات الحكومية وشركاء المجتمع، مع منحهم دعماً تقنياً متخصصاً ومساعدتهم على خوض تجارب ميدانية في السياقات التي تستهدفها مشاريعهم. هذا النهج لا يستهدف دفع كل مشروع إلى التحول لشركة ناشئة، بل كما يصف كارافييري يهدف إلى مساعدة كل نموذج أولي على الوصول إلى النظام البيئي الأكثر ملاءمة له، سواء كان ذلك ضمن مؤسسات حكومية، أو منظمات إنسانية، أو شركاء صناعيين، أو مجتمعات تبحث عن حلول قابلة للتطبيق الفوري.

ويرى كارافييري أن هذا البناء الهيكلي، المدعوم بطريقة مرنة وغير مباشرة من جهات مثل مؤسسة دبي للمستقبل، جعل المبادرة واحدة من أهم الجسور بين البحث الجامعي النظري والتطبيق العملي الذي تحتاجه المجتمعات اليوم.

يتم اختيار المشاريع بناءً على قدرتها على حل مشكلات حقيقية وإحداث أثر قابل للقياس لا بناءً على جاهزيتها التجارية (ابتكارات للبشرية)

ابتكار يولد من عدم المساواة

واحدة من أهم ملاحظات كارافييري خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» كانت حول الفجوة الكبيرة بين منظومات الابتكار في الشمال العالمي والجنوب العالمي. ففي حين تمتلك الجامعات في الدول المتقدمة بنية تحتية مكرّسة لتحويل الأفكار إلى شركات أو أدوات جاهزة للتطبيق مثل الحاضنات والمسرّعات، والتمويل الحكومي، والمختبرات المشتركة، يفتقر العديد من الطلبة في الدول النامية إلى البيئات التي تسمح لهم بتجربة أفكارهم على الأرض. فالافتقار إلى الإمكانات الميدانية، وصعوبة الوصول إلى المؤسسات الحكومية أو المنظمات المجتمعية، وقلة الشركاء الصناعيين، جميعها تجعل عملية الانتقال من الفكرة إلى التطبيق أكثر تحدياً.

ولهذا أصبحت فلسفة «ابتكارات للبشرية» تعتمد على شمولية حقيقية، إذ لا تنظر لجنة الاختيار إلى سمعة الجامعة أو الإمكانات المالية، بل إلى جدية المشكلة التي يحاول المشروع حلها وإمكانية تحقيق أثر ملموس. وهكذا نجد مشاريع تأتي من جامعات مرموقة مثل «MIT» و«ستانفورد» و«أكسفورد»، إلى جانب مشاركات من جامعات في رواندا وبوليفيا وأوزبكستان. ويعلّق كارافييري على ذلك قائلاً: «في كثير من الأحيان، تأتي الحلول الأقوى من الذين يعيشون المشكلة مباشرة». هذه الواقعية التي يحملها المبتكرون الشباب أصبحت، بحسب كارافييري، مصدر قوة البرنامج الرئيسي.

طريقة اختيار المشاريع

بحسب كارافييري، تعتمد مبادرة «ابتكارات للبشرية» على معيار واحد أساسي: «هل يعالج هذا النموذج الأولي مشكلة حقيقية بطريقة قابلة للقياس؟».

ولا يشترط أن يكون المشروع قابلاً للتسويق أو قريباً من الإنتاج التجاري، ولا حتى مكتملاً هندسياً. المهم هو أن يكون هناك فهم عميق لسياق المشكلة، وأن يقدم الحل قيمة فعلية للناس، سواء أكانت تقنية أو إنسانية أو بيئية. ولهذا تمتد عملية التقييم إلى مراجعة حجم التأثير المحتمل، ومدى الأصالة العلمية أو التقنية، ومدى ارتباط المشروع باحتياجات المجتمعات. ويتم قياس الأثر لاحقاً من خلال متابعة الشراكات التي يعقدها المبتكرون، وتجارب التطبيق في المدارس والمزارع والمراكز الصحية، والمشاريع التي تتحول إلى أدوات معتمدة لدى مؤسسات حكومية أو منظمات غير ربحية. يشدد كارافييري على أن «نجاح النموذج بالنسبة لنا ليس في عدد المستثمرين، بل في دخوله مدرسة، أو مزرعة، أو مخيم لجوء، أو مركز صحة».

تسعى المبادرة إلى خلق بنية تحتية جديدة للابتكار العالمي حيث تبدأ الحلول من الجامعات وتنتقل مباشرة إلى المجتمعات التي تحتاجها (الشرق الأوسط)

جولة داخل المعرض

عند التجوّل في المعرض داخل منطقة «2071» في دبي، يصبح واضحاً أن المشاريع ليست أفكاراً نظرية بل هي حلول تستجيب لأزمات حقيقية. فقد قدم المشاركون حلولاً تتراوح بين معالجة تدهور التربة ونقص المياه، والتشخيص المبكر للأمراض المعدية، ودعم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، والزراعة في البيئات الصحراوية، وتقنيات الاستدامة.

«سنونو»: ذكاء اصطناعي لإعادة تعريف الري في الصحاري

أحد المشاريع اللافتة، خصوصاً لارتباطه المباشر بقضايا المنطقة، كان المشروع السعودي «سنونو» (Sununu) من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) بهدف مواجهة تحديات الري في البيئات القاحلة. إنه منصة تعتمد على حساسات متعددة، ونمذجة تنبؤية، واتصال طويل المدى عبر «LoRaWAN» لتحديد التوقيت الأمثل للريّ، وتوقع الأعطال، وتحليل احتياجات النباتات في بيئات شديدة الجفاف.

وخلال التجارب الميدانية في الصحراء السعودية، أثبت النموذج فعاليته، إذ رفع كفاءة الري بشكل واضح، وحسّن صحة النباتات، وقلل الهدر عبر اكتشاف الأعطال مبكراً.

ويصف كارافييري المشروع بأنه مثال على التحول العالمي نحو ابتكار يناسب البيئة أولاً، ويقول: «نرى اليوم موجة جديدة من حلول المناخ المصممة خصيصاً لبيئات محددة. عندما يطور فريق سعودي حلاً للزراعة الصحراوية، فهذا ليس مشروعاً محلياً فقط بل عالمي الأهمية». ويمتد أثر «سنونو» المحتمل إلى مشاريع التشجير الكبرى في المنطقة وبرامج الأمن الغذائي في البيئات الصحراوية.

نماذج بارزة أخرى من المعرض

إلى جانب «سنونو»، برزت مجموعة من النماذج ذات أثر عالمي، بينها مشروع «SOIL+ CO₂» من جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا في أستراليا، وهو مجسّ متعدد الحساسات يقيس رطوبة التربة وتدفق ثاني أكسيد الكربون وحرارتها، ويقدّم بيانات فورية تمكّن المزارعين من تطبيق الزراعة الدقيقة. وهناك مشروع «إيروبود» (Aeropod) من جامعة «إمبريال كوليدج لندن»، وهو كبسولة صديقة للبيئة تعيد إحياء التربة المتدهورة دون الحاجة لآلات ثقيلة عبر إطلاق مزيج من المغذيات والمواد الحيوية.

كما قدمت جامعة أبوظبي مشروع «سند» (Sanad) وهو منصة عربية لدعم الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد تعتمد على محتوى متكيف ثقافياً وواقع معزز ووكلاء افتراضيين ثنائيي اللغة. ومن جامعة «هارفارد» الأميركية جاء مشروع «كولاب» (ChoLab) وهو نموذج منخفض التكلفة للكشف السريع عن الكوليرا خلال 20 دقيقة فقط باستخدام الهاتف الذكي. أما مشروع «بلانتزكير» (PlantZCare) من جامعة «بوليتكنيكو دي تورينو» في إيطاليا، فهو جهاز استشعار قابل للارتداء على النباتات لاكتشاف الإجهاد مبكراً في المناطق المعرضة للجفاف.

مطور مشروع «SOIL+ CO₂» من أستراليا وهو مجسّ متعدد الحساسات يقيس رطوبة التربة وتدفق ثاني أكسيد الكربون وحرارتها (الشرق الأوسط)

أهمية هذه النماذج

فمع تسارع الأزمات البيئية والصحية والاجتماعية، يكتسب الابتكار الجامعي ميزة جوهرية وهو أنه غير محكوم باعتبارات السوق أو الربحية. فالطلبة يصممون حلولاً لأن المشكلة موجودة أمامهم، لا لأن السوق جاهزة لها. يعد كارافييري أن «هذه ليست رؤى مستقبلية افتراضية. هذه نماذج لعالم يعيش أزمات حقيقية اليوم أحياناً في مجتمعات المبتكرين أنفسهم». كما يعد قياس أثر الابتكار المبكر من أصعب المهام، خاصة مع النماذج التي لا تزال في مهدها. لذلك يتابع البرنامج المشاريع على مدى طويل، ويرصد تجاربها الميدانية، والشراكات التي تعقدها، وفرص التطبيق في المؤسسات، والتحولات التي تمر بها. ويختصر كارافييري المسألة بوصفه: «ليس كل نموذج سيصل إلى التطبيق الكامل، لكن كل واحد منها يساعدنا على فهم كيف يظهر الابتكار الجاهز للعمل الميداني».

نظرة إلى المستقبل

لماذا يتحول الابتكار المبكر إلى بنية تحتية جديدة للإنسانية؟

العالم يواجه تحديات جوهرية، ويبدو أن مسار الابتكار التقليدي، من المختبر إلى السوق، أصبح بطيئاً للغاية مقارنة بحجم الأزمات. وهنا يبرز دور مبادرات مثل «ابتكارات للبشرية»، التي تربط بين البحث الجامعي، والاحتياجات المجتمعية، والجهات القادرة على توفير بيئات اختبار حقيقية. يرى كارافييري أنه «إذا استطعنا مساعدة جزء صغير فقط من هذه النماذج للوصول إلى المجتمعات، أو المستشفيات، أو المزارع، فنحن بالفعل نغير معادلة الابتكار». إن ما يقدمه البرنامج ليس معرضاً لأفكار طلابية، بل منظومة متكاملة تمثل بنية تحتية جديدة للابتكار المستقبلي؛ بنية تسمح للأفكار الصغيرة بأن تنمو، وللحلول المبكرة بأن تجد طريقها إلى الأماكن التي تحتاجها بشدة.


مقالات ذات صلة

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

الاقتصاد «رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزز قدرتها على المنافسة.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد زوار في جناح «هواوي» خلال مؤتمر التكنولوجيا بالصين - 26 يوليو 2025 (رويترز)

أميركا لتوسيع الحرب التكنولوجية على الصين

أمرت وزارة الخارجية الأميركية بحملة عالمية لتسليط الضوء على محاولات لشركات صينية؛ مثل «ديب سيك» للذكاء الاصطناعي، لسرقة حقوق الملكية الفكرية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

خاص «غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
تكنولوجيا الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.