من جدة... «أرامكس» تختبر أولى عمليات التوصيل الذاتي عبر الطائرات المُسيّرة

النظام التشغيلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقنيات الملاحة الدقيقة مثل «ليدار» لتأمين رحلات ذاتية آمنة وموثوقة دون تدخل بشري مباشر (أرامكس)
النظام التشغيلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقنيات الملاحة الدقيقة مثل «ليدار» لتأمين رحلات ذاتية آمنة وموثوقة دون تدخل بشري مباشر (أرامكس)
TT

من جدة... «أرامكس» تختبر أولى عمليات التوصيل الذاتي عبر الطائرات المُسيّرة

النظام التشغيلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقنيات الملاحة الدقيقة مثل «ليدار» لتأمين رحلات ذاتية آمنة وموثوقة دون تدخل بشري مباشر (أرامكس)
النظام التشغيلي يعتمد على الذكاء الاصطناعي وتقنيات الملاحة الدقيقة مثل «ليدار» لتأمين رحلات ذاتية آمنة وموثوقة دون تدخل بشري مباشر (أرامكس)

في وقت تتسارع فيه خطوات التحوّل الرقمي حول العالم، تمضي المملكة العربية السعودية بثبات نحو مرحلة جديدة من الابتكار في قطاع الخدمات اللوجستية. مرحلة لا تسير فيها الشاحنات على الطرق فقط، بل تحلّق فيها الطائرات المسيّرة في السماء لتعيد تعريف مفهوم «الميل الأخير» في التوصيل.

إطلاق أولى عمليات التوصيل عبر الطائرات المُسيّرة في مدينة جدة يمثل خطوة نوعية في رحلة المملكة نحو بناء منظومة نقل ذكية ومستدامة، تتوافق مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» لجعل المملكة مركزاً عالمياً للخدمات اللوجستية.

يقول عبد العزيز النويصر، المدير العام لشركة «أرامكس» في السعودية، خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «هذه الخطوة تجسّد التزامنا طويل الأمد بتطوير الخدمات اللوجستية الذكية وتعزيز الاستدامة، بما ينسجم مباشرةً مع أهداف (رؤية 2030) في مجالي التحوّل الرقمي ووسائل النقل الصديقة للبيئة».

جدة... منصة الانطلاق نحو المستقبل

لم يكن اختيار مدينة جدة عشوائياً، بل جاء لأنها تمثل مركزاً لوجستياً رئيسياً ومحوراً للتجارة والنقل البحري والجوي. كما تُعد بيئتها التنظيمية والبنية التحتية الملائمة أرضاً مثالية لتجربة تقنيات مبتكرة بأمان وكفاءة. ويوضح النويصر أن «الاختيار وقع على جدة لما تتمتع به من موقع استراتيجي وبيئة آمنة خاضعة للرقابة، ما أتاح لنا اختبار التكنولوجيا والتحقق من أعلى معايير السلامة التشغيلية».

في المرحلة التجريبية، تم تشغيل مسار محدد مسبقاً لنقل الطرود بين المنشآت اللوجستية عبر مسار جوي مرخص، بهدف قياس كفاءة الملاحة الجوية والتكامل بين الأنظمة الأرضية والجوية.

عبد العزيز النويصر المدير العام لشركة «أرامكس» في المملكة العربية السعودية (أرامكس)

رحلة ذكية من الإقلاع حتى الهبوط

تبدأ عملية التوصيل من مركز تجهيز الشحنات، حيث تُغلف الطرود وتُحمّل على الطائرات المُسيّرة التي تُدار بالكامل عبر منصة ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإدارة الرحلات. تتولى طائرة «DJI Matrice 350 RTK» تنفيذ الرحلة بشكل ذاتي، عبر مسار جوي مُعتمد مسبقاً، من الإقلاع حتى الهبوط، دون أي تدخّل بشري مباشر.

وتعتمد الطائرات على تقنية تحديد المواقع آنياً بالحركة (RTK) التي تتيح دقة تصل إلى مستوى السنتيمتر، مع أنظمة استشعار متقدّمة لتفادي العقبات، ونظام تحديد المواقع البصري (VPS)، وطبقات متعددة من أنظمة GPS لضمان ثبات الرحلة وسلامتها.

ويضيف النويصر أن طائرات «أرامكس» تعتمد على أنظمة دقيقة للغاية في الملاحة وتجنّب العوائق، ما يضمن أداءً موثوقاً حتى في البيئات الحضرية المعقدة. وعند الوصول، تنفّذ الطائرة عملية هبوط عمودية في منطقة محددة مسبقاً، حيث يتسلّم موظف مُدرّب الطرد مباشرة، ثم تعود الطائرة تلقائياً إلى قاعدتها.

التشغيل تحت إشراف الجهات التنظيمية

خلف هذه التجربة المتقدمة يقف تعاون موسّع مع عدد من الجهات السعودية. فقد جرى التنسيق بشكل مستمر مع الهيئة العامة للطيران المدني (GACA) لضمان الالتزام الكامل بمعايير السلامة الجوية، كما دعمت وزارة النقل والخدمات اللوجستية المشروع في مراحله كافة، إلى جانب الهيئة العامة للنقل (TGA) وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجستية (NIDLP).

ويعد النويصر أن «التعاون مع الجهات التنظيمية كان أساسياً لضمان الامتثال لأنظمة الطيران، وفتح الطريق أمام التشغيل التجاري المستقبلي للطائرات المسيّرة». هذا التنسيق المتعدد الأطراف يؤسس لنموذج سعودي يمكن أن يُحتذى به في تنظيم قطاع الطائرات من دون طيار، ودمجها بأمان في المجال الجوي المدني.

السلامة أولاً

في المدن المزدحمة، تشكل السلامة التحدي الأكبر أمام أي تقنية طيران ذاتي. ولذلك، بُني النظام على طبقات متعددة من إجراءات الأمان تشمل المراقبة اللحظية، والتسييج الجغرافي (Geo-Fencing)، وبروتوكولات العودة التلقائية إلى نقطة الانطلاق، إضافة إلى أنظمة الطوارئ الذكية (Fail-Safes). تُتابع كل رحلة من مركز تحكم أرضي يضمّ فريقاً مدرّباً على مراقبة المسارات الجوية المصرّح بها والتعامل مع أي طارئ في الوقت الفعلي. ويشرح النويصر أن «لدى (أرامكس) أنظمة أمان متكررة تتيح التعامل مع أي ظرف غير متوقّع، مع تخصيص مناطق هبوط طارئة لضمان مرونة التشغيل في جميع الحالات».

الاختيار الاستراتيجي لمدينة جدة جاء لكونها مركزاً لوجستياً محورياً وبيئة مثالية لاختبار التقنيات الحديثة بأمان وكفاءة عالية (أرامكس)

الاستدامة في قلب الابتكار

لا تقف أهمية هذه التجربة عند حدود السرعة، بل تمتد إلى هدفٍ بيئي أوسع. فكل رحلة طائرة مُسيّرة تعني استبدال رحلة مركبة تعمل بالديزل، ما يُقلّل الانبعاثات ويحدّ من استهلاك الوقود.

ويُعدّ هذا التحوّل جزءاً من التوجّه العالمي نحو الخدمات اللوجستية منخفضة الكربون التي تتبنّاها المملكة ضمن استراتيجيتها للاستدامة. ويضيف النويصر خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن «التوصيل عبر الطائرات المسيّرة يمثل بديلاً نظيفاً وأكثر كفاءة للرحلات القصيرة، ويُسهم مباشرة في خفض البصمة الكربونية وتعزيز كفاءة التوصيل في الميل الأخير».

من التجربة إلى التوسّع

بعد نجاح المرحلة التجريبية في جدة، يجري العمل على توسيع نطاق الخدمة لتشمل مدناً رئيسية أخرى مثل الرياض والظهران. كما يجري تقييم فرص استخدامها في قطاعات جديدة تشمل الخدمات الطبية، والتجارة الإلكترونية، والمناطق النائية التي يصعب الوصول إليها بالوسائل التقليدية.

وينوه النويصر إلى «الفرص الواعدة في استخدام هذه التقنية ضمن الخدمات الصحية والتجارية، خصوصاً لتلبية احتياجات المناطق البعيدة بشكل أسرع وأكثر استدامة». هذا التوسّع يعكس توجهاً أوسع في السوق السعودية نحو التحوّل إلى بنية تحتية لوجستية ذكية تدمج التقنيات الجوية مع التحليلات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يرسم الطريق

تعتمد المنظومة التشغيلية للطائرات على أنظمة ذكاء اصطناعي متقدّمة مدعومة بتقنية «ليدار» (LiDAR) أي (رصد الضوء وتحديد المدى)، ما يتيح للطائرة رسم خرائط دقيقة لمسارها، وتفادي العقبات في الزمن الحقيقي، وتعديل اتجاهها تلقائياً دون تدخل بشري. تتكامل هذه القدرات مع منصة رقمية سحابية تربط بين الطائرات ومركز التحكم الأرضي ونظام التتبع اللوجستي، عبر اتصال مُشفّر وآمن يضمن تدفق البيانات في الوقت الفعلي.

ويشير النويصر إلى أن «كل طائرة متصلة بمنصتنا الرقمية عبر شبكة سحابية مؤمنة بالكامل، ما يسمح بالمزامنة اللحظية وتتبع الأداء لحظة بلحظة».

العنصر البشري في منظومة التشغيل الذكي

رغم أن الطائرات تعمل بشكل ذاتي، فإن العنصر البشري لا يزال في قلب العملية. فالمهندسون والمراقبون ومحللو البيانات يديرون الرحلات، ويحلّلون البيانات، ويشرفون على التوافق مع الأنظمة. ويمثل هذا الدمج بين الإنسان والآلة خطوة نحو تطوير مهارات لوجستية رقمية جديدة تتماشى مع مستقبل سوق العمل في المملكة. ويشدد النويصر على أن «المستقبل يتجه نحو منظومة تجمع بين الأتمتة والمهارات البشرية المتخصصة، حيث يتحوّل دور الإنسان من التنفيذ إلى التحليل والإشراف الذكي».

نحو أفق لوجستي جديد

تجربة الطائرات المسيّرة في السعودية لا تمثل مجرد مشروع تقني، بل تمثل تحوّلاً هيكلياً في طريقة إدارة سلاسل الإمداد والنقل داخل المملكة. فهي تجمع بين الكفاءة التشغيلية، والاستدامة البيئية، والابتكار التقني، لتشكّل ملامح جيلٍ جديد من الخدمات اللوجستية الذكية.

ويختتم النويصر بالقول: «نحن نشهد بداية ثورة لوجستية جديدة، ستُعيد تعريف طريقة نقل البضائع في المملكة بسرعة أعلى، وأمان أكبر، وبأثر بيئي أقل».

ومع كل رحلة ناجحة في سماء جدة، يبدو أن المملكة تكتب فصلاً جديداً من التحوّل اللوجستي فصلاً تحلّق فيه الطائرات لا لنقل الطرود فحسب، بل لنقل رؤية وطنٍ يطمح لأن يكون مركزاً عالمياً للذكاء والتقنية والاستدامة.


مقالات ذات صلة

منتخب مصر يتوجه إلى جدة لمواجهة السعودية ودياً

رياضة عربية غادرت بعثة المنتخب المصري إلى مدينة جدة استعداداً لمواجهة منتخب السعودية ودياً (منتخب مصر)

منتخب مصر يتوجه إلى جدة لمواجهة السعودية ودياً

غادرت بعثة المنتخب المصري لكرة القدم، بقيادة مديره الفني، حسام حسن، إلى مدينة جدة استعدادا لمواجهة منتخب السعودية وديا، مساء بعد غد الجمعة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة سعودية صالح الداود مدير المنتخب السعودي في حديث مع حسان تمبكتي (المنتخب السعودي)

أجواء احتفالية تدشن معسكر الأخضر المونديالي في جدة

وسط أجواء احتفالية ابتهاجاً بـ«عيد الفطر المبارك»، انطلق معسكر المنتخب السعودي في جدة، ضمن أيام «فيفا» الدولية لشهر مارس (آذار) في إطار المرحلة الثالثة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لدى لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الخميس (واس)

باكستان تُجدِّد وقوفها الحازم بجانب السعودية

التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف، الذي أكد دعم بلاده الكامل للسعودية، وأنها ستظل تقف دائماً بحزم إلى جانبها

«الشرق الأوسط» (جدة)
رياضة سعودية شاكيرا (الشرق الأوسط)

النجمة العالمية شاكيرا تُحيي الحفل الغنائي لجائزة السعودية الكبرى لـ«الفورمولا 1» بجدة

أعلنت شركة «رياضة المحركات» السعودية، الجهة المروّجة لجائزة السعودية الكبرى لـ«الفورمولا 1»، عن مشاركة النجمة العالمية شاكيرا في الحفل الغنائي لحلبة كورنيش جدة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
يوميات الشرق تحتل السفن الخشبية موقع القلب في تجربة المهرجان (هيئة التراث)

مهرجان «شراع» في جدة يستحضر ذاكرة البحر ويحولها إلى تجربة معاصرة

في مشهد ثقافي يتقاطع فيه البحر مع الذاكرة، والمكان مع الهوية، قدمت هيئة التراث في السعودية مهرجان السفن الخشبية «شراع» على شاطئ «الحمراء» في مدينة جدة.

سعيد الأبيض (جدة)

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.


دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
TT

دراسة تبحث: هل يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة تفكيرنا رغم صحة المعلومات؟

تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)
تلعب طريقة عرض المعلومات وسردها دوراً أساسياً في تشكيل الفهم وليس فقط مضمونها (شاترستوك)

مع تزايد اعتماد المستخدمين على أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات، يبرز سؤال أساسي: هل تستطيع هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما نعرفه، بل أيضاً في طريقة تفكيرنا؟

دراسة أكاديمية حديثة نُشرت في «PNAS Nexus» تحاول الإجابة عن هذا السؤال من خلال تحليل كيفية تأثير السرديات التاريخية التي ينتجها الذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. وتشير النتائج إلى أن المعلومات قد تكون دقيقة من حيث الوقائع، لكنها لا تكون بالضرورة محايدة في تأثيرها.

تجربة منهجية لقياس التأثير

اعتمدت الدراسة على تجربة واسعة شملت 1912 مشاركاً، وهدفت إلى قياس تأثير التعرض لنصوص تاريخية مولدة بالذكاء الاصطناعي على آراء الأفراد. عُرضت على المشاركين ملخصات لأحداث تاريخية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، ثم طُلب منهم تقييم مواقفهم تجاه مواضيع مرتبطة بها. ولم يكن الهدف اختبار المعلومات المضللة، بل فهم ما إذا كان أسلوب العرض وحده حتى مع بقاء الحقائق ثابتة يمكن أن يؤثر في الحكم. والنتيجة كانت واضحة: نعم، يمكن لذلك أن يحدث. فحتى عندما لم تتغير الوقائع، أدت الاختلافات في طريقة السرد إلى تغيّر ملحوظ في آراء المشاركين. وهذا يعني أن التأثير لا يتطلب معلومات خاطئة، بل يمكن أن ينشأ من طريقة العرض نفسها.

يتحول دور الذكاء الاصطناعي من نقل المعلومات إلى تفسيرها ضمن سياق سردي متكامل (أدوبي)

التحيز الكامن: تأثير غير مرئي

تسلّط الدراسة الضوء على مفهوم ما يُعرف بـ«التحيز الكامن»، وهو التحيز الذي يظهر في النصوص دون قصد مباشر، نتيجة للبيانات التي تدربت عليها الأنظمة أو لطريقة صياغة الطلبات.

وبما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تعتمد على كميات ضخمة من البيانات البشرية، فهي تعكس أنماطاً وسياقات موجودة مسبقاً. وعند توليد محتوى، قد تميل إلى إبراز جوانب معينة على حساب أخرى.

هذا النوع من التحيز لا يكون واضحاً، ولا يتضمن بالضرورة أخطاء أو معلومات مضللة، بل يظهر من خلال اختيار التفاصيل وترتيبها وأسلوب عرضها.

أهمية صياغة السؤال

تشير الدراسة أيضاً إلى أن طريقة طرح السؤال أو الطلب تؤثر بشكل كبير في النتيجة. فالتغييرات البسيطة في صياغة السؤال يمكن أن تؤدي إلى اختلاف في طريقة عرض الحدث نفسه، حتى لو ظلت الوقائع ثابتة. وهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي لا يسترجع المعلومات فقط، بل يعيد بناءها استجابةً لطريقة التفاعل معه. وبالتالي، فإن العلاقة بين المستخدم والنظام تصبح جزءاً من عملية إنتاج المعرفة، وليس مجرد وسيلة للوصول إليها.

على عكس محركات البحث التقليدية التي توفر روابط متعددة، يقدم الذكاء الاصطناعي محتوى جاهزاً ومترابطاً في شكل سردي. وهذا التحول له تأثير مهم على طريقة استيعاب المعلومات.

فعندما يقرأ المستخدم نصاً متماسكاً بدلاً من مصادر متعددة، يكون أكثر ميلاً لتقبّله كتصور متكامل، وليس كوجهة نظر ضمن مجموعة من الآراء. وهذا يزيد من تأثير الخيارات السردية غير الظاهرة داخل النص.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الأنظمة لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات، بل أصبحت وسيطاً تفسيرياً يؤثر في كيفية فهم الأحداث.

الدقة لا تعني الحياد

من أبرز استنتاجات الدراسة أن الدقة لا تضمن الحياد. فحتى عندما تكون المعلومات صحيحة، يمكن لطريقة تنظيمها وعرضها أن تؤثر في تفسيرها. وهذا يتحدى فكرة شائعة مفادها أن ضمان صحة المعلومات كافٍ لضمان موضوعيتها. في الواقع، قد يؤدي التركيز على عناصر معينة، أو تقديم سياق محدد، إلى توجيه الفهم بطريقة غير مباشرة.

ومع تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لتلخيص المواضيع المعقدة، تكتسب هذه النتائج أهمية أكبر. فالمستخدمون قد يتعرضون لتفسيرات تبدو محايدة، لكنها تحمل تأثيرات ضمنية ناتجة عن أسلوب العرض. ولا يعني ذلك وجود نية للتضليل، بل يعكس طبيعة الأنظمة التي تحاول محاكاة اللغة البشرية من خلال بيانات واسعة ومعقدة.

تؤثر صياغة الأسئلة أو الطلبات بشكل كبير في طبيعة الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي

مجال بحثي يتوسع

تفتح هذه الدراسة الباب أمام مزيد من البحث حول تأثير الذكاء الاصطناعي على الإدراك البشري. فما زالت هناك تساؤلات حول اختلاف التأثير بين الأفراد، وكيف تتغير الاستجابة وفقاً للخلفية أو المعتقدات المسبقة. كما أن انتشار هذه الأنظمة قد يضاعف من تأثيرها على النقاش العام. تركز النقاشات غالباً على خطر المعلومات الخاطئة، لكن هذه الدراسة تشير إلى تحدٍّ مختلف يتعلق بتأثير المعلومات الصحيحة عندما تُعرض بطريقة معينة. وهذا يعني أن التأثير لا يأتي فقط من الخطأ، بل من طريقة عرض الحقيقة نفسها.

مسؤولية جديدة

تفرض هذه النتائج مسؤوليات جديدة على المطورين وصناع القرار والمستخدمين. فالحاجة لم تعد تقتصر على ضمان دقة المعلومات، بل تمتد إلى فهم كيفية إنتاجها وتقديمها. كما يصبح من الضروري تعزيز الوعي النقدي لدى المستخدمين عند التعامل مع المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي، تتغير العلاقة بين المعرفة والثقة. تشير هذه الدراسة إلى أن الثقة لا ينبغي أن تُبنى على صحة المعلومات فقط، بل أيضاً على فهم كيفية صياغتها وعرضها.

وبهذا المعنى، لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة لنقل المعرفة، بل أصبح جزءاً من عملية تشكيلها. وهنا يكمن التحدي الحقيقي، ليس فقط في التأكد من صحة المعلومات، بل في فهم الطريقة التي تُروى بها.


من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
TT

من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)
تعتمد نسبة كبيرة من المؤسسات على أنظمة تقليدية وموردين خارجيين ما يبطئ الابتكار ويزيد التعقيد التشغيلي (أدوبي)

شهد القطاع المالي في السعودية تحولاً رقمياً سريعاً خلال فترة زمنية قصيرة. ففي أقل من عقد، انتقل الاقتصاد من الاعتماد الكبير على النقد إلى مرحلة أصبحت فيها نحو 80 في المائة من معاملات التجزئة إلكترونية. لكن هذا الإنجاز لا يمثل نهاية الرحلة، بل بداية مرحلة أكثر تعقيداً.

يرى محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش» أن قطاع التقنية المالية في المملكة دخل نقطة تحول حاسمة. ويشرح خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «إذا قارنَّا السعودية بأسواق كانت تُعدّ رائدة في (الفنتك) أي التكنولوجيا المالية قبل خمس سنوات، نجد أن أجزاءً من المملكة قد لحقت بها، بل وتفوقت عليها في مجال المدفوعات. لكن المرحلة المقبلة لم تعد تتعلق بالتبنّي، بل بالتنفيذ».

محمد عويضة المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة «ستيتش»

ازدهار الواجهة الأمامية... وحدوده

التحوُّل الذي تحقق حتى الآن كان واضحاً للمستخدمين كمحافظ رقمية ومدفوعات سلسة وخدمات مالية أكثر سهولة. لكن خلف هذه الواجهة، لا تزال عملية التحول العميق غير مكتملة.

ويبرز الذكاء الاصطناعي مثالاً واضحاً على ذلك. فرغم الزخم الكبير حوله، فإن استخدامه في المؤسسات المالية لا يزال يتركز في تطبيقات سطحية.

يقول عويضة إنه «في معظم الحالات، لا يزال الذكاء الاصطناعي غير مدمج في الوظائف الأساسية مثل إدارة الاحتيال واتخاذ قرارات الائتمان والاكتتاب أو الأتمتة التشغيلية». وغالباً ما يُستخدم في واجهات المحادثة أو الخدمات البسيطة. ويرجع ذلك ليس إلى نقص الطموح، بل إلى البنية التحتية.

فالأنظمة الأساسية القديمة، إلى جانب تعدد منصات الموردين، تجعل من الصعب دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات. ومن دون بيانات موحدة وبنية حديثة، تبقى القدرات المتقدمة محدودة. وهذا يخلق مفارقة واضحة، حيث يمكن إطلاق المنتجات بسرعة، لكن يصعب توسيع نطاقها بكفاءة.

التنفيذ... التحدي الحقيقي

مع نضوج السوق، تغيَّر نوع التحدي. فالإطار التنظيمي واضح، والطلب قوي والبنية الرقمية متوفرة، لكن العائق أصبح في التنفيذ اليومي. تشير التقديرات إلى أن أكثر من 84 في المائة من المؤسسات المالية في السعودية تخطط لتحديث بنيتها التحتية خلال العام المقبل، مما يعكس إدراكاً واسعاً لطبيعة التحدي. ويظهر هذا التحدي بوضوح في مجال التمويل، حيث لا تزال أكثر من 60 في المائة من المؤسسات تعتمد بالكامل على أنظمة قديمة، بينما تتجاوز نسبة الاعتماد على الموردين الخارجيين 87 في المائة. ولا يقتصر أثر ذلك على البطء التشغيلي، بل يمتد إلى النتائج نفسها. ويشير عويضة إلى وجود «فجوة بين سرعة إطلاق المنتجات وسهولة تطويرها أو توسيعها. وفي كثير من الحالات، تفوّت المؤسسات بالفعل فرصاً تجارية لأن أنظمتها الأساسية لا تواكب النمو».

تلعب الأطر التنظيمية الواضحة والكفاءات البشرية دوراً أساسياً في دعم الابتكار وبناء قطاع مالي أكثر كفاءة ونضجاً (شاترستوك)

التجزئة... التكلفة الخفية للنمو

تمثل التجزئة أحد أبرز التحديات في هذه المرحلة. فأكثر من 73 في المائة من المؤسسات تعتمد بشكل كبير على شركاء خارجيين لإطلاق المنتجات وتحديثها. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه أدَّى أيضاً إلى زيادة التعقيد. ويوضح عويضة أن «الاعتماد على عدد كبير من الموردين المتخصصين يزيد من عبء التنسيق، ويبطئ التنفيذ، ويُشتّت المسؤوليات». ولا يقتصر الأمر على الكفاءة، بل يمتد إلى الحوكمة والامتثال والأمن. فعندما تكون الأنظمة مفككة، يصبح تطبيق معايير موحدة أكثر صعوبة، وتتوزع المسؤولية عبر أطراف متعددة، ما يزيد من تعقيد إدارة المخاطر. والنتيجة هي أن الابتكار يحدث في جيوب منفصلة، دون أن يمتد بشكل متكامل داخل المؤسسة.

البيانات... من عائق إلى محرك

في قلب هذه التحديات، تقف البيانات. في كثير من المؤسسات، تكون البيانات موزعة عبر أنظمة متعددة ومكررة وتُعالج يدوياً أو تصل متأخرة. وهذا لا يؤثر فقط على الكفاءة، بل يحد من الإمكانات. ويؤدي ذلك برأي عويضة إلى «تقيد كل شيء». وهذا ينعكس مباشرة على القدرة على تطبيق تقييم المخاطر في الوقت الحقيقي والتسعير الديناميكي والخدمات المالية المخصصة. كما يفسر محدودية استخدام الذكاء الاصطناعي في الوظائف الأساسية.

في المقابل، عندما تُبنى الأنظمة على نماذج بيانات موحدة، يتغير المشهد بالكامل. ويفسر عويضة: «عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار. يمكن تسعير المنتجات بشكل ديناميكي، وتقييم المخاطر فورياً، وإتاحة خدمات جديدة عبر واجهات برمجية دون زيادة المخاطر التشغيلية». وفي هذا السياق، لم تعد «الخدمات المفتوحة» (Open Banking) مفهوماً مستقبلياً، بل واقعاً ناشئاً، وإن كان لا يزال مقيداً بتجزئة البنية التحتية.

نجاح المرحلة المقبلة يعتمد على تكامل الأنظمة والكفاءات البشرية وليس على إطلاق منتجات جديدة فقط (شاترستوك)

التنظيم... عامل تمكين لا قيد

من أبرز نقاط القوة في السوق السعودية وضوح الإطار التنظيمي. وينوه عويضة «بتوفير الأطر الواضحة من البنك المركزي السعودي بيئة تمكّن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة». كما ساهمت مبادرات مثل «البيئات التجريبية التنظيمية» (sandbox) في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار.

والتحدي في المرحلة المقبلة سيكون الحفاظ على هذا التوازن أي تحقيق السرعة دون التفريط في الضوابط. فمع تطور السوق، يتغير دور الشركاء التقنيين حيث لم يعد المطلوب تقديم أدوات منفصلة، بل دعم شامل يشمل الحوكمة والامتثال والأمن والتشغيل.

وينصح عويضة «بأن يقلل الشركاء التعقيد، لا أن يزيدوه». كما يبرز هنا مفهوم الانضباط المعماري، إذ إن غياب تصميم تقني متماسك يجعل حتى أفضل الأدوات غير قادرة على تحقيق القيمة المرجوة.

الكفاءات البشرية والملكية

يشدد عويضة على أهمية وضوح المسؤوليات إذ لا يمكن للتكنولوجيا وحدها أن تقود المرحلة المقبلة. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»: «تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة». المؤسسات الناجحة هي التي تحقق تكاملاً بين فرق الأعمال والتقنية والتشغيل، مع قدرة على اتخاذ القرار بسرعة. وفي الوقت نفسه، تمثل تنمية الكفاءات في السعودية، ضمن «رؤية 2030»، ميزة استراتيجية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي.

ولا يقتصر تأثير التطور المالي على القطاع نفسه بل على «طريقة انتقال الأموال وتوزيع رأس المال وتصميم المنتجات المالية تحدد سرعة تطور الاقتصادات» كما يرى عويضة. ويتابع: «عندما تصبح الأنظمة المالية أكثر كفاءة، يتسارع الابتكار في مختلف القطاعات».

كيف تبدو مرحلة النضج؟

في المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح القطاع بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتصور عويضة بيئة يمكن فيها إطلاق منتجات مالية متوافقة خلال أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر التنظيمية أو التشغيلية. كما ستلعب الأتمتة دوراً محورياً في تقليل الأعباء التشغيلية. ويصرح: «عندما تُزال القيود، فإن أفضل المنتجات لا تُخطط دائماً... بل تظهر تلقائياً».

لم تعد قصة «الفنتك» في السعودية تتعلق باللحاق بالركب. ففي كثير من المجالات، وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية. المرحلة المقبلة ستكون أكثر أهمية... تنفيذ فعَّال وتوسع المستدام وبناء أنظمة تدعم الابتكار المستمر.