الذكاء الاصطناعي التوليدي ينتج فيديوهات خدَّاعة مطورة

نظام «سورا» يشكل نقطة تحوّل في عصر التزييف الحديث

الذكاء الاصطناعي التوليدي ينتج فيديوهات خدَّاعة مطورة
TT

الذكاء الاصطناعي التوليدي ينتج فيديوهات خدَّاعة مطورة

الذكاء الاصطناعي التوليدي ينتج فيديوهات خدَّاعة مطورة

طرحت شركة «أوبن إيه آي»، مبتكرة روبوت الدردشة الشهير «تشات جي بي تي»، هذا الشهر، تكنولوجيا جديدة عبر الإنترنت، ربما لم يكن معظمنا على استعداد لها. والمقصود هنا تطبيق «سورا» Sora الذي يتيح للمستخدمين إنشاء مقاطع فيديو واقعية المظهر باستخدام الذكاء الاصطناعي، عبر مجرد كتابة وصف بسيط، مثل: «لقطة من كاميرا الشرطة المثبتة لكلب يجري اعتقاله لسرقته شريحة لحم من متجر كوستكو».

نظم ذكية لعروض خادعة

بوجه عام، فإن «سورا» تطبيق مجاني على أجهزة «آيفون»، شكل مصدر تسلية وقلق في آنٍ واحد؛ فمنذ إطلاقه، نشر الكثير من المستخدمين الأوائل مقاطع فيديو على سبيل الترفيه، مثل مقاطع مزيفة من هاتف محمول تظهر حيوان الراكون على متن طائرة، أو مشاجرات بين مشاهير هوليوود بأسلوب الأنمي الياباني. (أما أنا، فقد استمتعت بتصنيع مقاطع تظهر قطاً يحلق في السماء، وكلباً يتسلق الصخور في صالة تسلق).

ومع ذلك، استغل آخرون الأداة لأغراض أكثر خبثاً، مثل نشر معلومات مضللة، بما في ذلك مقاطع أمنية مزيفة لجرائم لم تحدث قط.

وحمل إطلاق تطبيق «سورا»، إلى جانب أدوات مشابهة لتوليد الفيديو بالذكاء الاصطناعي طُرحت هذا العام من قبل «ميتا» و«غوغل»، تداعيات كبرى. وقد يشكل هذا التطور نهاية مفهوم «الحقائق البصرية» - والمقصود هنا فكر أن الفيديو يمكن أن يكون سجلاً موضوعياً للواقع - كما نعرفه. ومن اليوم، سيتعيّن على المجتمع أن يتعامل مع الفيديوهات بنفس الحذر والشك الذي يُعامل به النصوص.

في الماضي، كان لدى الناس ثقة أكبر في أن الصور حقيقية. وعندما أصبح من السهل التلاعب في الصور، تحوّل الفيديو إلى أداة معيارية لإثبات المصداقية، بفضل صعوبة التلاعب به. أما الآن، فقد انتهى هذا الأمر كذلك.

انتاج لقطات لحوادث سير لخداع شركات التأمين

ضرورة تدقيق الفيديوهات مثل النصوص

في هذا الصدد، قال رين نغ، أستاذ علوم الحاسوب في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، والذي يُدرّس دورات في التصوير الحاسوبي: «أدمغتنا مبرمجة بشكل قوي لتصدق ما نراه، لكن يمكننا ويجب علينا أن نتعلم التوقف والتفكير الآن فيما إذا كان الفيديو، وأي وسيلة إعلامية أخرى، يعكس شيئاً حدث في العالم الحقيقي أم لا».

وبالفعل، أصبح «سورا»، الذي تصدّر قائمة التطبيقات المجانية الأكثر تحميلاً في متجر «آب ستور» من شركة «آبل»، هذا الأسبوع، مصدر قلق في هوليوود. وعبرت الاستوديوهات عن خشيتها من أن المقاطع التي جرى إنشاؤها باستخدام «سورا» قد انتهكت بالفعل حقوق الطبع والنشر الخاصة بعدد من الأفلام والعروض والشخصيات.

وعن ذلك، قال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، في بيان إن الشركة تعكف في الوقت الحاضر على جمع آراء المستخدمين، وستوفر قريباً لأصحاب الحقوق آلية للتحكم في استخدام شخصياتهم، ومساراً لتحقيق الدخل من الخدمة.

انتاج لقطات حول فوائد صحية مشكوك فيها لبعض الأطعمة

تطبيق «سورا»

والآن، كيف يعمل تطبيق «سورا»، وما الذي يعنيه هذا كله لك باعتبارك المستهلك؟ إليك ما يجب معرفته:

> كيف يستخدم الناس تطبيق «سورا»؟

يمكن لأي شخص تحميل تطبيق «سورا» دون مقابل. ومع ذلك، نجد أن الخدمة متاحة في الوقت الحاضر بدعوات فقط، أي أنه لا يمكن استخدام مولد الفيديوهات إلا من خلال رمز دعوة يحصل عليه المستخدم من شخص آخر لديه حساب على «سورا». وقد بدأ الكثير من الأشخاص بالفعل في مشاركة رموز الدعوة عبر مواقع وتطبيقات مثل «ريديت» و«ديسكورد».

بمجرد التسجيل، يبدو التطبيق مشابهاً لتطبيقات الفيديو القصير مثل «تيك توك» و«ريلز» من «إنستغرام». ويمكن للمستخدمين إنشاء فيديو عبر كتابة وصف (Prompt) مثل: «قتال بين بيغي وتوباك بأسلوب أنمي (قاتل الشياطين) ديمون سلاير».

يذكر أنه قبل أن يُعلن سام ألتمان أن «أوبن إيه آي» ستمنح مالكي الحقوق سيطرة أكبر على كيفية استخدام ملكياتهم الفكرية عبر هذه الخدمة، كانت الشركة تفرض على أصحاب الحقوق أن يختاروا بأنفسهم الانسحاب من الخدمة، مما جعل الشخصيات المتوفاة أهدافاً سهلة للتجربة.

ويمكن للمستخدمين كذلك رفع صورة حقيقية وإنشاء فيديو منها. وبعد قرابة دقيقة من المعالجة، يمكنهم نشر الفيديو داخل التطبيق أو تحميله ومشاركته مع الأصدقاء أو عبر تطبيقات أخرى مثل «تيك توك» و«إنستغرام».

لدى إطلاق «سورا» هذا الشهر، برز التطبيق بفضل أن مقاطع الفيديو التي يُنتجها بدت أشد واقعية بكثير من تلك التي تنتجها خدمات مماثلة، مثل «فيو 3 - Veo 3»، من «غوغل»، المُدمجة مع روبوت الدردشة «جيميناي» و«فايب Vibe»، التي تشكل جزءاً من تطبيق «ميتا إيه آي».

الزيف والواقع

> الزيف أم الواقع: ماذا يعني ذلك لي؟

الخلاصة أن أي فيديو تراه على تطبيقات تحتوي على فيديوهات قصيرة - مثل «تيك توك» و«ريلز» من «إنستغرام»، و«يوتيوب شورتس»، و«سنابشات»، أصبح من المحتمل للغاية أن يكون زائفاً.

يشكل تطبيق «سورا» نقطة تحول في عصر التزييف بالذكاء الاصطناعي. ومن المتوقع ظهور تقليدات كثيرة خلال الأشهر القادمة، بما في ذلك أدوات تنشئها جهات خبيثة تتيح توليد مقاطع فيديو دون أي قيود.

من جهته، قال لوكاس هانسن، مؤسس منظمة «سيف إيه آي»، منظمة غير ربحية تُعنى بتثقيف الناس حول قدرات الذكاء الاصطناعي: «لن يكون أحد على استعداد لقبول الفيديوهات باعتبارها دليلاً على أي شيء بعد الآن».

> ما المشكلات التي يجب أن أكون حذراً منها؟

ج: تفرض شركة «أوبن إيه آي» عدداً من القيود لمنع إساءة استخدام «سورا»، بما في ذلك حظر إنشاء فيديوهات تتضمن محتوى جنسياً، أو نصائح صحية مضللة، أو دعاية إرهابية.

مع ذلك، بعد ساعة من اختبار الخدمة، فقد نجحت أنا في إنشاء بعض الفيديوهات التي قد تكون مثيرة للقلق:

- لقطات مزيفة من كاميرا لوحة القيادة يُمكن استخدامها في الاحتيال على شركة التأمين: طلبتُ من «سورا» إنشاء فيديو من كاميرا لوحة القيادة لسيارة «تويوتا بريوس» تصطدم بشاحنة كبيرة. وبعد إنشاء الفيديو، تمكنتُ حتى من تغيير رقم لوحة الترخيص.

- فيديوهات تتضمن ادعاءات صحية مشكوك فيها: أنشأ «سورا» فيديو لامرأة تستشهد بدراسات غير موجودة حول فائدة الدجاج المقلي للصحة. لم يحمل هذا الفيديو نوايا خبيثة، لكنه يبقى مزيفاً.

- فيديوهات تُشوّه سمعة الآخرين: أنشأ «سورا» تقريراً إخبارياً يتضمن تعليقات مُهينة بخصوص شخص أعرفه.

منذ إطلاق «سورا»، عاينت كذلك الكثير من الفيديوهات المُثيرة للجدل المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، في أثناء تصفحي «تيك توك». كان هناك مقطع فيديو مُزيّف من كاميرا لوحة القيادة لسيارة «تيسلا» تسقط من حاملة سيارات على طريق سريع، وآخر يتضمن قصة إخبارية مُزيفة عن قاتل متسلسل خيالي، ومقطع فيديو مُلفّق من هاتف محمول لرجل يُقتاد خارج بوفيه لإفراطه في تناول الطعام.

من ناحيته، صرح متحدث باسم «أوبن إيه آي»، بأن الشركة أطلقت تطبيق «سورا» باعتباره تطبيقاً خاصاً بها، لمنح المستخدمين مساحة مخصصة للاستمتاع بمقاطع الفيديو المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، والتأكد من أن هذه المقاطع مُعدّة باستخدام الذكاء الاصطناعي. وأضاف أن الشركة دمجت تقنيات لتسهيل تتبع مقاطع الفيديو إلى «سورا»، بما في ذلك العلامات المائية والبيانات المُخزّنة داخل ملفات الفيديو التي تُعدّ بمثابة توقيعات.

وأوضحت الشركة: «تحظر سياسات الاستخدام لدينا تضليل الآخرين من خلال انتحال الهوية أو الاحتيال، ونتخذ الإجراءات اللازمة عند اكتشاف إساءة الاستخدام».

رصد التزييف

> كيف أعرف ما هو مُزيّف؟

رغم أن مقاطع الفيديو المُولّدة باستخدام «سورا» تتضمن علامة مائية للعلامة التجارية للتطبيق، فإن بعض المستخدمين أدركوا بالفعل إمكانية إزالة العلامة المائية. وتميل المقاطع المُنشأة باستخدام «سورا» إلى أن تكون قصيرة كذلك - تصل مدتها إلى 10 ثوانٍ.

وأضاف هانسن أن أي فيديو يُضاهي جودة إنتاج هوليوود قد يكون مزيفاً، لأن نماذج الذكاء الاصطناعي مُدربة إلى حد كبير على لقطات من برامج تلفزيونية وأفلام منشورة عبر الإنترنت.

في اختباراتي، أظهرت مقاطع الفيديو المُنشأة باستخدام «سورا»، بعض الأحيان أخطاءً واضحة، بما في ذلك أخطاء إملائية في أسماء المطاعم وأصوات غير متزامنة مع حركة أفواه الناس.

علاوة على ذلك، فإن أي نصيحة حول كيفية اكتشاف مقطع فيديو مُنشأ بواسطة الذكاء الاصطناعي، ستكون بطبيعتها قصيرة الأجل بالنظر إلى التطور السريع للتكنولوجيا، حسبما أوضح هاني فريد، أستاذ علوم الحاسوب بجامعة كاليفورنيا، بيركلي، ومؤسس شركة «غيت ريل سيكيوريتي»، المعنية بالتحقق من صحة المحتوى الرقمي.

وأضاف فريد: «وسائل التواصل الاجتماعي مُكدسة»، مضيفاً أن إحدى أضمن الطرق لتجنب مقاطع الفيديو المُزيفة، التوقف عن استخدام تطبيقات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«سنابشات».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

تكنولوجيا راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

نموذج جديد يتنبأ بحركة البعوض ويكشف كيف يدمج الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان وتحسين استراتيجيات مكافحته والحد من الأمراض.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

أدوات مطورة لكشف التزييف بالذكاء الاصطناعي

بلغ المحتوى المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي مستوى عالياً من الواقعية لدرجة أنه يصعب في كثير من الأحيان، التمييز بين ما هو حقيقي وما هو زائف

ستيوارت تومبسون (نيويورك)
علوم الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

الأصدقاء يعززون قدرتك على أداء وظائفك

بينما تمنحك قلة من الروابط الوثيقة الرعاية والحماية، يوفر لك المحيط الخارجي من الأصدقاء العابرين، الفرص والتحفيز؛ ومن المرجح أنك لا تقدّر مدى أهمية هؤلاء جميعاً

هارا أستروف مارانو ود (واشنطن) ماريسا فرانكو (واشنطن)
تكنولوجيا نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

باحثو «MIT» يطورون طريقة تمكّن الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراته بدقة ووضوح، ما يعزز الشفافية والثقة دون التضحية بالأداء.


نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
TT

نموذج جديد يحاكي سلوك البعوض لتحديد موقع الإنسان

راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)
راقب الباحثون سلوك البعوض حول متطوع بشري كان يرتدي ملابس واقية سوداء من جهة وبيضاء من الجهة الأخرى (MIT)

يشير باحثون إلى أن البعوض يُعد من أخطر الكائنات بسبب قدرته على العثور على البشر ونقل الأمراض. وعلى مدى عقود، حاول العلماء فهم العوامل التي تجذب هذه الحشرات. لكن سؤالاً أساسياً ظل دون إجابة واضحة: كيف تتحرك البعوضة فعلياً في الهواء أثناء بحثها عن ضحية؟

دراسة جديدة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) بالتعاون مع جهات أخرى تقدّم إجابة تفصيلية. فقد طوّر الفريق إطاراً ثلاثي الأبعاد قادراً على التنبؤ بكيفية طيران البعوض استجابةً لإشارات حسية مختلفة.

فهم سلوك الطيران

تعتمد البعوضة على مجموعة من الإشارات البيئية لتحديد موقع الإنسان، تشمل إشارات بصرية مثل شكل الجسم، وإشارات كيميائية مثل ثاني أكسيد الكربون الناتج عن التنفس. وتُظهر الدراسة أن هذه الإشارات لا تجذب البعوض فقط، بل تؤثر بشكل مباشر في طريقة طيرانه.

ولفهم هذا السلوك، قام العلماء بتتبع حركة البعوض في بيئة تجريبية، حيث جرى تسجيل مسارات الطيران بدقة أثناء استجابة الحشرات لمحفزات مختلفة. وهذا سمح بتحليل كيفية تنقلها في الفضاء، وليس فقط أماكن هبوطها.

سلوك الطيران يتغير حسب نوع الإشارات مع أنماط مختلفة عند توفر إشارات منفردة أو مجتمعة (أ.ف.ب)

أنماط طيران متعددة

حددت الدراسة ثلاثة أنماط رئيسية للطيران تعتمدها البعوضة وفقاً لنوع الإشارات المتاحة. عند توفر الإشارات البصرية فقط، تقترب البعوضة بسرعة قبل أن تنحرف بعيداً، في نمط يُشبه «المرور السريع»، ما يشير إلى أن الرؤية وحدها لا تكفي لتأكيد الهدف.

أما عند توفر الإشارات الكيميائية فقط، مثل ثاني أكسيد الكربون، فإن سلوكها يتغير، حيث تبطئ حركتها وتبدأ بالتحليق ذهاباً وإياباً، محاولةً البقاء قرب مصدر الإشارة. لكن عند الجمع بين الإشارات البصرية والكيميائية، تتبنى البعوضة سلوكاً أكثر تركيزاً، إذ تبدأ بالدوران حول الهدف بشكل منتظم، في حركة تشبه استعداد المفترس للهبوط.

نموذج قائم على البيانات

لبناء هذا النموذج، أجرى الباحثون تجارب باستخدام مجموعات من البعوض داخل بيئة محكومة. وتم استخدام كاميرات لتسجيل حركتها ثلاثية الأبعاد أثناء تعرضها لمحفزات مختلفة. وعبر هذه التجارب، جُمعت عشرات الملايين من نقاط البيانات ومئات الآلاف من مسارات الطيران، ما أتاح بناء نموذج رياضي قادر على التنبؤ بحركة البعوض في ظروف متعددة.

ويتميز النموذج بقدرته على تبسيط سلوك معقد دون فقدان دقته، ما يجعله أداة عملية للأبحاث المستقبلية.

يعتمد البعوض على مزيج من الإشارات البصرية والكيميائية لتحديد موقع الإنسان (رويترز)

سلوك غير خطي

من أبرز نتائج الدراسة أن سلوك البعوض لا يمثل مجرد جمع بسيط للاستجابات المختلفة. فعند توفر أكثر من نوع من الإشارات، لا تدمج البعوضة ردود فعلها، بل تعتمد نمطاً جديداً كلياً. وهذا يشير إلى أن الحشرة تعالج المعلومات الحسية بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يُعتقد، إذ تعدّل سلوكها بشكل ديناميكي بدلاً من اتباع قواعد ثابتة.

تمتد أهمية هذا البحث إلى مجال الصحة العامة. فالبعوض مسؤول عن نقل أمراض مثل الملاريا وحمى الضنك وفيروس غرب النيل، والتي تتسبب في مئات الآلاف من الوفيات سنوياً.

ومن خلال فهم كيفية حركة البعوض، يمكن تطوير وسائل أكثر فاعلية للحد منه. وتشير الدراسة إلى أن الاعتماد على نوع واحد من الإشارات في المصائد قد لا يكون كافياً، وأن الجمع بين إشارات متعددة قد يعزز فعاليتها.

استراتيجية متعددة الحواس

يؤكد الباحثون أن مكافحة البعوض تتطلب استهداف أكثر من حاسة في الوقت نفسه. فالمصيدة التي تجمع بين الشكل البصري والجاذبية الكيميائية قد تكون أكثر قدرة على جذب البعوض والاحتفاظ به. ويعكس هذا توجهاً أوسع نحو تطوير حلول تعتمد على فهم السلوك، بدلاً من الأساليب التقليدية.

آفاق البحث المستقبلية

يركز النموذج الحالي على الإشارات البصرية وثاني أكسيد الكربون، لكنه قابل للتطوير ليشمل عوامل أخرى مثل الحرارة والرطوبة والروائح المختلفة، التي تلعب أيضاً دوراً في جذب البعوض. ويمكن لهذا النهج أن يساعد في اختبار استراتيجيات جديدة بشكل أسرع وأكثر كفاءة. تمثل هذه الدراسة خطوة نحو إدارة أكثر دقة وفعالية للبعوض. فمن خلال فهم كيفية تحركه، يمكن تقليل فرص احتكاكه بالبشر.

ومع استمرار تطوير هذا النموذج، قد يسهم في ابتكار أدوات جديدة للحد من انتشار الأمراض التي تنقلها هذه الحشرات، ما يجعله ليس مجرد إنجاز علمي، بل خطوة مهمة في مجال الصحة العامة.


«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
TT

«إف بي آي» يحذّر: قراصنة روس يسرقون حسابات على تطبيقات مراسلة شهيرة

الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)
الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم (رويترز)

حذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي) من حملة قرصنة منظمة تستهدف مستخدمي تطبيقات المراسلة الشهيرة، ويرتبط منفذوها بأجهزة الاستخبارات الروسية. وتأتي هذه التحذيرات في ظلِّ تنامي الهجمات السيبرانية التي تستهدف أفراداً ذوي أهمية استخباراتية عالية حول العالم، بمَن في ذلك مسؤولون حكوميون، وعسكريون، وشخصيات سياسية وصحافيون.

وفي بيان مشترك مع وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA)، أفاد مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن الهجمات قد نجحت بالفعل في اختراق آلاف الحسابات على مستوى العالم، وفقاً لما نشرته صحيفة «إندبندنت».

وأوضح البيان: «تستهدف هذه الهجمات أفراداً ذوي قيمة استخباراتية عالية، مثل المسؤولين الحاليين والسابقين في الحكومة الأميركية، والعسكريين، والشخصيات السياسية، والصحافيين».

وأضاف البيان: «بعد اختراق الحساب، يمكن للمهاجمين الاطلاع على رسائل الضحايا، وقوائم جهات الاتصال الخاصة بهم، وإرسال رسائل نيابة عنهم، وتنفيذ عمليات تصيّد احتيالي إضافية ضد تطبيقات المراسلة التجارية الأخرى».

وأظهرت التحقيقات أن القراصنة كانوا يركزون بشكل خاص على مستخدمي تطبيق «سيغنال»، مع إمكانية تطبيق أساليبهم نفسها على تطبيقات أخرى شائعة مثل «واتساب» و«تلغرام».

وفي رد رسمي، أكدت شركة «سيغنال» أن الهجمات تمَّت عبر حملات تصيّد احتيالية متطورة تهدف إلى خداع المستخدمين لحملهم على مشاركة معلومات حساسة، مثل رموز التحقُّق أو أرقام التعريف الشخصية (PIN).

تعتمد تقنية القراصنة على انتحال صفة حساب الدعم الرسمي للتطبيق؛ لخداع المستخدمين وحملهم على النقر على روابط ضارة، أو مشاركة رموز التحقق الخاصة بهم، ما قد يمنح المهاجمين وصولاً غير مصرَّح به إلى الحساب.

وفي بعض الحالات، قد تؤدي هذه الهجمات إلى مضاعفات أخرى، مثل إصابة جهاز المستخدم ببرامج خبيثة.

وحذَّر مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية المستخدمين من رسائل غير متوقعة أو مشبوهة من جهات اتصال مجهولة، داعين إلى توخي الحذر الشديد عند التعامل مع أي رسائل أو روابط غير مألوفة على تطبيقات المراسلة.


«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
TT

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)
رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

في أبريل (نيسان) عام 1976، تأسست شركة صغيرة داخل مرآب في كاليفورنيا. حدث لم يكن يوحي آنذاك بحجم التأثير الذي ستتركه لاحقاً على العالم. وبعد خمسين عاماً، أصبحت «أبل» واحدة من أكثر شركات التكنولوجيا نفوذاً وقيمة، في مسيرة لم تُبْنَ على الابتكار فقط، بل على القدرة المتكررة على إعادة ابتكار الذات في اللحظات الحاسمة.

تاريخ «أبل» تَشكّل بقدر كبير من اللحظات التي كادت تغيّر مسارها بالكامل. فإحدى أبرز هذه اللحظات وقعت في الأيام الأولى للتأسيس، حين باع رونالد واين، الشريك الثالث في الشركة، حصته البالغة 10 في المائة مقابل 800 دولار بعد 12 يوماً فقط. اليوم، تُقدّر قيمة تلك الحصة بنحو 382 مليار دولار. ورغم أن هذه القصة تُستَخدم كثيراً كمثال على الفرص الضائعة، فإنها تعكس حقيقة أعمق وهي أن نجاح «أبل» لم يكن حتمياً.

منزل عائلة ستيف جوبز بولاية كاليفورنيا حيث انطلقت شركة «أبل» عام 1976 في بداياتها الأولى داخل هذا المرآب.

جعلُ الحوسبة شخصية

منذ البداية، سعت «أبل» إلى جعل الحوسبة أقرب إلى الأفراد. وقد تجسد هذا الطموح بوضوح في عام 1984 مع إطلاق جهاز «ماكنتوش». الجهاز جاء بذاكرة 128 كيلوبايت وسعر 2495 دولاراً أي ما يعادل نحو 7810 دولارات اليوم، لكنه قدّم واجهة رسومية غيّرت طريقة تفاعل المستخدمين مع الحاسوب، وأصبحت لاحقاً معياراً في الصناعة.

لم يكن «ماكنتوش» مجرد منتج، بل رؤية لطبيعة العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. وقد عززت هذه الرؤية حملة «1984» الإعلانية الشهيرة، التي عرضت خلال «السوبر بول»، ورسّخت صورة «أبل» كشركة تتحدى السائد. ومنذ تلك المرحلة، تبنّت «أبل» استراتيجية واضحة: تقديم منتجات متميزة بسعر أعلى، مع التركيز على التجربة الكاملة وليس السعر فقط.

من الإدراج إلى النمو المبكر

طرحت «أبل» أسهمها للاكتتاب العام في ديسمبر (كانون الأول) 1980 بسعر 22 دولاراً للسهم. وبعد احتساب الانقسامات اللاحقة للسهم، بلغ سعره نحو 0.13 دولار في أوائل 1981. هذا الرقم يعكس حجم التحول الذي شهدته الشركة لاحقاً. لكن النمو لم يكن مضموناً. ففي منتصف التسعينات، واجهت «أبل» تحديات كبيرة، مع تراجع موقعها في السوق وازدياد المنافسة.

جهاز «ماكنتوش 128 كيه» الذي أُطلق عام 1984 وهو من أوائل الحواسيب الشخصية التي قدمت واجهة رسومية سهلة الاستخدام

1997... لحظة التحول الحاسمة

بحلول عام 1997، كانت «أبل» على حافة الإفلاس. تعددت منتجاتها دون وضوح في الاستراتيجية، وضعفت قدرتها على المنافسة. ما حدث بعد ذلك لم يكن مجرد إنقاذ، بل إعادة تعريف كاملة. قامت الشركة بتبسيط منتجاتها والتركيز على التصميم وإعادة بناء هويتها حول تجربة المستخدم. هذه المرحلة لم تكن عودة فقط، بل بداية لحقبة جديدة. فقليل من الشركات ينجو من مثل هذه الأزمات، والأقل منها من يتحول بعدها إلى قوة مهيمنة.

إعادة تشكيل الأسواق

انطلاقة «أبل» الجديدة لم تعتمد فقط على طرح منتجات ناجحة، بل على إعادة تعريف أسواق كاملة. جهاز «آي ماك» في 1998 أعاد تقديم «أبل» كشركة تركز على التصميم والبساطة. وفي 2001، غيّر «آي بود» طريقة استهلاك الموسيقى الرقمية، ليس كجهاز فقط، بل كجزء من منظومة متكاملة. هذه المنظومة أو ما يمكن وصفه بـ«النظام البيئي»، أصبحت جوهر استراتيجية «أبل». لم تعد المنتجات مستقلة، بل مترابطة، تعمل معاً لتقديم تجربة موحدة.

جاء «آيفون» في 2007 ليشكل نقطة التحول الأبرز. لم يكن مجرد هاتف، بل منصة جديدة للحوسبة الشخصية، غيّرت شكل الصناعة بالكامل. ثم توسعت «أبل» لاحقاً مع «آيباد» في 2010 و«أبل ووتش» في 2015 و«إيربودز» في 2016. وفي كل مرة، لم تكتفِ الشركة بالمشاركة في السوق، بل أعادت تشكيله.

التصميم كاستراتيجية

أحد الثوابت في مسيرة «أبل» هو اعتبار التصميم جزءاً من الاستراتيجية، وليس مجرد عنصر جمالي. البساطة وسهولة الاستخدام والتكامل أصبحت عناصر أساسية في تميّز الشركة. كما أن بناء نظام بيئي مترابط منح «أبل» ميزة تنافسية قوية. فالقيمة لم تعد في جهاز واحد، بل في كيفية تفاعل الأجهزة والخدمات معاً. بعبارة أخرى، لم يكن الابتكار في المنتج فقط، بل في العلاقة بين المنتجات.

الرئيس التنفيذي لشركة «أبل» تيم كوك في إحدى المناسبات بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

من الرؤية إلى التنفيذ

ارتبط اسم «أبل» طويلاً بستيف جوبز، الذي قاد العديد من ابتكاراتها. وبعد وفاته في 2011، تولى تيم كوك القيادة. جوبز عُرف برؤيته للمنتجات، بينما ركّز كوك على توسيع العمليات وتعزيز الكفاءة. ورغم اختلاف الأسلوب، حافظت الشركة على مسار النمو والتوسع.

ومع مرور الوقت، أصبحت «أبل» أكثر من شركة تقنية. فشعار «التفاحة المقضومة» أصبح من أكثر الرموز شهرة في العالم، إلى جانب علامات مثل «نايكي» و«ماكدونالدز». ومن اللافت أن الاسم نفسه لم يُختر لأسباب تقنية، بل لأن ستيف جوبز كان يحب التفاح، واسم «ماكنتوش» مستمد من نوع منه. لكن عبر الزمن، تحولت العلامة إلى رمز للابتكار والبساطة ونمط تفكير معين.

أجهزة مختلفة لشركة «أبل» (رويترز)

البقاء عبر عصور متعددة

ما يميز «أبل» هو قدرتها على البقاء ذات صلة عبر تحولات تكنولوجية متتالية، من الحواسيب الشخصية إلى الإنترنت، ثم الهواتف الذكية، فالأجهزة القابلة للارتداء. في حين اختفت شركات كانت رائدة في إحدى هذه المراحل، استطاعت «أبل» أن تعيد تموضعها باستمرار. تعكس رحلة «أبل» نمواً مالياً كبيراً، لكنها في جوهرها قصة قدرة على التغيير. أزمة 1997 تبقى لحظة، ومن دونها ربما لم تظهر العديد من الابتكارات التي أصبحت اليوم جزءاً من الحياة اليومية.

المستقبل.. اختبار جديد

في عامها الخمسين، تقف «أبل» في موقع قوة. لكن التحدي المقبل ليس تكرار الماضي، بل إعادة تعريف نفسها مرة أخرى. خلال خمسة عقود، نجحت الشركة في توقع التحولات التكنولوجية والمساهمة في تشكيلها. والسؤال الآن: هل يمكنها أن تفعل ذلك مجدداً في بيئة أكثر تعقيداً؟

ما تؤكده التجربة هو أن قوة «أبل» لم تكن في منتج واحد، بل في قدرتها على التطور. فمن مرآب صغير إلى شركة عالمية، تبقى قصتها درساً في أن الابتكار وحده لا يكفي بل إن القدرة على إعادة الابتكار هي ما تصنع الفارق.

Your Premium trial has ended