لأول مرة في تاريخها... «إنتل» تعيد هندسة الرقاقة لتُغيّر قواعد الذكاء الاصطناعي

مسؤول في الشركة لـ«الشرق الأوسط»: هذا يحدث مرة واحدة في عمر الصناعة

«إنتل» تعلن عن ثورة هندسية تاريخية بنقل توصيل الطاقة إلى الجهة الخلفية من الرقاقة عبر تقنية «باور فيا» (إنتل)
«إنتل» تعلن عن ثورة هندسية تاريخية بنقل توصيل الطاقة إلى الجهة الخلفية من الرقاقة عبر تقنية «باور فيا» (إنتل)
TT

لأول مرة في تاريخها... «إنتل» تعيد هندسة الرقاقة لتُغيّر قواعد الذكاء الاصطناعي

«إنتل» تعلن عن ثورة هندسية تاريخية بنقل توصيل الطاقة إلى الجهة الخلفية من الرقاقة عبر تقنية «باور فيا» (إنتل)
«إنتل» تعلن عن ثورة هندسية تاريخية بنقل توصيل الطاقة إلى الجهة الخلفية من الرقاقة عبر تقنية «باور فيا» (إنتل)

من قلب صحراء أريزونا الأميركية، حيث انعقدت «رحلة إنتل التقنية 2025» (Intel Technology Tour 2025) في مدينة فينيكس، كانت الرسالة واضحة: «إنتل» لا تطوّر معالجاتها فحسب، بل تعيد هندسة مستقبل الحوسبة من جذوره.

وفي هذا الحدث الحصري الذي شاركت فيه «الشرق الأوسط» وكانت وسيلة الإعلام الوحيدة من المنطقة، اتّضح أن ما تكشف عنه الشركة يتجاوز حدود الابتكار التقني؛ إنه تحوّل بنيوي في الطريقة التي سيُدار بها الذكاء الاصطناعي عالمياً خلال العقد المقبل.

تحوّل في تاريخ الصناعة

في الجلسة الافتتاحية، أوضح جيمس جونسون، نائب الرئيس الأول في «إنتل» والمدير العام لمجموعة الحوسبة الموجّهة للعملاء، أن الشركة وصلت إلى لحظة تاريخية بقوله: «لأول مرة في تاريخ صناعة أشباه الموصلات، ننقل توصيل الطاقة إلى الجهة الخلفية من الرقاقة»، مشيراً إلى التقنية الثورية «باور فيا» (PowerVia). وأضاف جونسون: «هذا ليس تحسيناً تدريجياً... بل ثورة كاملة في كيفية تدفّق الكهرباء داخل الشريحة».

تُمثل هذه التقنية، إلى جانب ترانزستورات «RibbonFET» بحجم 2 نانومتر، جوهر خطة «إنتل» الجريئة المسماة «خمس عقد تصنيع في أربع سنوات»، وهي رؤية تسعى من خلالها الشركة إلى استعادة ريادتها في سباق التصنيع المتقدم بحلول عام 2026.

ويقول ستيفن روبنسون، أحد الزملاء العلميين في «إنتل»: «ما نشهده الآن هو تلاقٍ غير مسبوق بين الابتكار المعماري والنضج التصنيعي».

الجيل القادم من معالجات «إنتل» سيحوّل الحواسيب الشخصية أجهزة ذكاء اصطناعي محلية قادرة على معالجة المهام دون الاعتماد على السحابة (إنتل)

ماذا يعني ذلك؟

عملياً، تُترجم هذه القفزة إلى رقاقات تستهلك طاقة أقل بنسبة تصل إلى 30 في المائة وتحقق كثافة أداء أعلى بنحو 10 في المائة، وهي أرقام تُحدث فارقاً واضحاً في كفاءة الحواسيب ومراكز البيانات على حد سواء. من الأجهزة المحمولة إلى البنية التحتية السحابية، تمتد آثار هذا التطور إلى كل طبقات منظومة الحوسبة الحديثة. لكن على المستوى الأعمق، يرى ستيفن روبنسون، الزميل العلمي في «إنتل»، أن التحول لا يقتصر على الجوانب الفيزيائية. ويقول في حديثه إلى «الشرق الأوسط»: «القضية لم تعد تصغير الترانزستور فحسب، بل إعادة التفكير في كيفية تفاعل كل عنصر من عناصر النظام، من المواد والموصلات إلى البرمجيات، لتحقيق كفاءة تفوق أي جيل سابق».

تُطلق «إنتل» على هذه المرحلة مفهوم «عصر التوافق الهندسي الشامل» أو System Technology Co-Optimization، وهو نهج جديد يدمج بين الفيزياء والمنطق والذكاء الاصطناعي في دورة تصميم واحدة. ويضيف روبنسون: «هذا التلاقي بين الهندسة والذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لا تتكرر في عمر الصناعة».

الذكاء الاصطناعي معماراً أساسياً للحوسبة

إذا كانت الرقاقة هي القاعدة، فإن «العقل» الذي يعلوها اليوم أصبح ذكاءً اصطناعياً خالصاً. ووفقاً لما عرضه توماس بيترسن، الزميل العلمي في قسم المعمارية والبرمجيات والرسومات لدى «إنتل»، فإن الشركة تتجه نحو تصميم منظومة متكاملة تجمع بين المعالج المركزي (CPU) والرسومي (GPU) والعصبي (NPU) لتعمل بتناغم كامل. يقول بيترسن: «نحن نصمم المعالجات لتفكر معاً لا بشكل منفصل. انتهى زمن أن يقوم كل معالج بمهمة واحدة فقط».

تجسّد هذه الفلسفة منصة «Panther Lake» المرتقبة عام 2026 وهي الجيل الجديد من معالجات الذكاء الاصطناعي للحواسيب الشخصية (AI PC). فبدمج قدرات المعالجة العصبية داخل وحدة المعالج نفسها، تنجز هذه الحواسيب مهام الذكاء الاصطناعي محلياً، بسرعة وكفاءة، وخصوصية عالية، دون الاعتماد المستمر على السحابة. ويوضح بيترسن أن «الهدف ليس فقط الحصول على إجابة من النموذج الذكي، بل الحصول عليها فوراً، وبخصوصية، وبأقل استهلاك للطاقة. هذه هي فلسفة الحاسوب الذكي القادم»، يتابع أن المرحلة المقبلة تمثل انتقالاً من «الذكاء المساعد» إلى «الذكاء الفاعل»؛ إذ سيعمل المستخدمون جنباً إلى جنب مع وكلاء ذكاء اصطناعي مستقلين قادرين على التحليل والتخطيط والتفاعل. ويختصر رؤيته بالقول: «نحن نصمم شرائح تفهم معنى البيانات... لا مجرد حسابها».

ستيفن روبنسون أحد الزملاء العلميين في «إنتل» (إنتل)

من مراكز البيانات إلى الذكاء الوكيلي

في جلسة حملت عنوان «Gemini Enterprise AI»، قدّمت «إنتل» رؤيتها لحقبة جديدة من التعاون بين الإنسان والآلة، عبر ما تسميه «أنظمة الذكاء الوكيلي» وهي المرحلة التالية في تطور الذكاء الاصطناعي المؤسسي.

أحد كبار المتحدثين لخّص التحوّل قائلاً: «الذكاء الاصطناعي لم يعد أداة، بل أصبح زميل عمل. نحن ندخل عصراً يتخذ فيه الذكاء الاصطناعي القرارات وينفذ المهام نيابة عن البشر، وهذا يغيّر كل شيء: من الأمن إلى الأخلاقيات وحتى البنية التحتية».

يستند هذا المفهوم إلى فكرة «بيئة العمل الوكيلة»، حيث يعمل الموظفون ووكلاء الذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب لإنجاز المهام، في نظامٍ يقوم على الثقة والتعاون. وتهدف «إنتل» من خلال هذا النهج إلى تمكين المؤسسات من بناء شبكات من الوكلاء القادرين على التعلم والتعاون بأمان، وتبادل المعرفة والقرارات ضمن إطار حوكمة صارم يحفظ الخصوصية وسلامة البيانات. ويشرح أحد مهندسي الأمن في الشركة أن هذه القوة الهائلة لا يمكن أن تُدار بالكود وحده، بل تحتاج إلى أساس من الثقة مدمج في العتاد ذاته. ويعد أن «الوكلاء المستقلين قد يتصرفون خارج النطاق المتوقع؛ لذلك يجب أن تكون الثقة جزءاً من بنية المعالج نفسه، لا مجرد سطور برمجية».

ولهذا كشفت «إنتل» عن تحديثات جديدة في بيئات التنفيذ الموثوقة (Trusted Execution Environment) وتقنيات العزل الأمني داخل الشرائح، بما يضمن تشغيل النماذج والوكلاء ضمن نطاقات بيانات معزولة وآمنة.

وفي عصرٍ يتزايد فيه المحتوى الاصطناعي والتفاعل بين النماذج، ترى «إنتل» أن هذه التقنيات تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة مخاطر الذكاء الاصطناعي، حيث تتحول الثقة مبدأً هندسياً راسخاً، لا مجرد قيمة أخلاقية.

توماس بيترسن الزميل العلمي في قسم المعمارية والبرمجيات والرسومات لدى «إنتل» (إنتل)

عصر الاتصال الفائق

لا وجود لذكاءٍ اصطناعي فعّال دون اتصالٍ سريع وموثوق. في جلسة بعنوان «الابتكارات اللاسلكية»، قدّم مهندسو «إنتل» لمحة عن مستقبل الاتصال في حقبة ما بعد الجيل الخامس، مع تقنيات «Wi-Fi 8» و5G» Advanced»؛ تمهيداً لعصر «الجيل السادس» (6G). يهدف هذا التطور إلى تحويل كل جهاز متصل «مركز بيانات مصغّراً»، حيث تُعالج الخوارزميات البيانات محلياً بزمن استجابة شبه لحظي. وكما أوضح أحد مهندسي الشبكات: «الحافة هي الحدود الجديدة للذكاء الاصطناعي... النماذج المقبلة لن تعمل في السحابة فقط، بل في العالم من حولنا».

هذه الرؤية تكتسب أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تتسارع مشاريع المدن الذكية والمركبات ذاتية القيادة والتحول الصناعي القائم على إنترنت الأشياء. وفي السعودية على سبيل المثال، تعتمد مشاريع مثل «نيوم» على نماذج التوأم الرقمي لإدارة الطاقة والتخطيط الحضري لحظياً، وهي تطبيقات لا يمكن أن تعمل إلا عبر شبكات فائقة السرعة كالتي تطورها «إنتل».

الاستدامة... المعيار الصامت

ورغم أن السرعة والكفاءة تصدرت النقاشات، فإن الاستدامة كانت الحاضر الأعمق في كل عرض قُدّم في مدينة فينيكس.

قال تيم ويلسون، نائب رئيس قسم هندسة التصميم في «إنتل»: «الكفاءة ليست أداءً لكل واط فحسب... بل مسؤولية لكل واط». تلتزم «إنتل» بخفض استهلاك الطاقة والمياه في مصانعها، حيث تُعيد تدوير أكثر من 95 في المائة من المياه المستخدمة، وتسعى للوصول إلى صفر نفايات في عمليات التصنيع المتقدمة.

أما على الصعيد التقني، فإن » PowerVia » نفسها تُعد ابتكاراً مستداماً، إذ تقلل فقدان الطاقة داخل الرقاقة، ما يوفّر طاقة هائلة عند تطبيقها على ملايين الأجهزة ومراكز البيانات حول العالم. ويضيف ويلسون: «في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت الاستدامة قيداً تصميمياً أساسياً... لا مجرد خيار».

وتجد هذه الرؤية صداها في منطقة الخليج، حيث تتقاطع كفاءة الطاقة والمياه مع أهداف «رؤية السعودية 2030» واستراتيجيات الحياد الكربوني في السعودية والإمارات، لتصبح الاستدامة ركيزة تصميم لا يمكن فصلها عن الابتكار التقني.

التقنيات الجديدة تقلل استهلاك الطاقة بنسبة 30 % وتزيد كثافة الأداء بنحو 10 % ما ينعكس على الحواسيب ومراكز البيانات عالمياً (إنتل)

ارتباط متزايد بالشرق الأوسط

رغم أن المنصة كانت أميركية، فإن صدى الحدث امتد عالمياً وبصورة لافتة في الشرق الأوسط. تستثمر السعودية على وجه الخصوص بكثافة في الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السحابية ومراكز البيانات السيادية، وتسعى على المدى البعيد إلى بناء منظومة أشباه موصلات محلية تعزز استقلالها التقني. ويبدو أن «إنتل» تدرك تماماً هذا التحوّل؛ إذ وسّعت تعاونها في الخليج مع الجامعات والمراكز البحثية لتطوير المهارات في مجالي الذكاء الاصطناعي وتصميم الشرائح. كما أشار أحد مسؤولي الشركة إلى أن هناك «مناقشات جارية مع صناديق استثمار سيادية في المنطقة حول مشاريع تصنيع وتغليف متقدمة»، في إشارة واضحة إلى رغبة «إنتل» في أن تكون جزءاً من المشهد الصناعي الجديد في المنطقة.

ديمقراطية الذكاء الاصطناعي

من أبرز محاور الحدث العالمي في فينيكس كان كيفية جعل الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع، وليس حكراً على الشركات العملاقة. فمن خلال معالجات «Gaudi3» و«Gaudi4»، تقدّم «إنتل» بديلاً منخفض التكلفة لتدريب النماذج الكبيرة، بتوفير يصل إلى 50 في المائة مقارنة بالمنافسين. ويصرح أحد مسؤولي الشركة بأن «الذكاء الاصطناعي يجب ألا يكون سلعة فاخرة... هدفنا أن يصبح كالطاقة الكهربائية: متاحاً، موثوقاً، ومستداماً»، تحمل هذه الرؤية أهمية خاصة للسعودية، التي جعلت الذكاء الاصطناعي جزءاً من سياستها الوطنية.

إذ يعني خفض تكلفة التدريب المحلي للنماذج تمكين الجامعات والشركات الناشئة من تطوير حلولها الذكية الخاصة، دون الاعتماد على مزوّدي السحابة العالميين. وبذلك، يفتح هذا التوجه الباب أمام جيل جديد من الابتكار المحلي والسيادة الرقمية، ويعزز مكانة المنطقة كمحرك فاعل في مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي.

انعقدت «رحلة إنتل التقنية 2025» في أريزونا وكانت حدثاً حصرياً كشفت فيه الشركة عن أحدث ابتكاراتها في الرقائق والذكاء الاصطناعي (إنتل)

البنية التحتية الخفية للذكاء

مع ازدياد استقلالية الأنظمة الذكية، تبرز تساؤلات محورية: من يتحكم في النماذج؟ أين تُخزَّن البيانات؟ وكيف تُـتَّخذ القرارات؟ تقدّم «إنتل» إجاباتها من داخل قلب العتاد نفسه. يقول أحد باحثي الشركة لـ«الشرق الأوسط»: «في الماضي كنّا نحمي البيانات... اليوم نحمي السلوك. فالنماذج باتت قادرة على اتخاذ قرارات، وهذا يعني أننا في حاجة إلى سيليكون يفهم معنى الثقة». ولهذا تطوّر «إنتل» آليات هوية رقمية للوكلاء الذكاء، وتنفيذاً مشفّراً لتدريب النماذج، ومناطق عزل مادي تمنع أي تلاعب أو تسريب. وهي تقنيات أصبحت ضرورية للقطاعات الحساسة مثل الطاقة والدفاع والتمويل، وهي نفسها المحركات الكبرى للتحول الرقمي في الخليج.

وفي الوقت الذي تعمل فيه السعودية عبر «سدايا» على وضع إطار متكامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي، يتقاطع نهج «إنتل» القائم على «الأمن المدمج في العتاد» تماماً مع هذا التوجه، ليجعل من الثقة ركيزة هندسية لا يمكن فصلها عن التصميم ذاته.

استمرارية تاريخية

ما ميّز قمة فينيكس لم يكن حجم الابتكارات فحسب، بل إحساسٌ عميق بالاستمرارية التاريخية. فشركة «إنتل» لا ترى نفسها مجرد شركة تكنولوجية، بل «حارساً لتطور الحوسبة منذ اختراع المعالج الدقيق وحتى ولادة الذكاء الاصطناعي الذاتي».

يقول ستيفن روبنسون في ختام عرضه: «نحن عند تقاطع الفيزياء والمنطق والخيال... وهناك يكمن مستقبل الذكاء، البشري والاصطناعي معاً». ويرى توماس بيترسن أن ما يميز نهج «إنتل» عن منافسيها هو التزامها بنموذج الانفتاح والتعاون: «مستقبل الذكاء الاصطناعي أكبر من أن يُحتكر داخل أسوار مغلقة. دورنا هو تمكين الجميع، من الشركات الناشئة إلى الحكومات، من البناء فوق تقنياتنا».

ومع اختتام الحدث، بدا أن «إنتل» تدخل مرحلة جديدة من سباق الذكاء الاصطناعي عبر استعادة القيادة دون التفريط بمبدأَي الانفتاح والاستدامة.


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

خاص يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يرى باحثون أن صعود الذكاء الاصطناعي السيادي يعيد تشكيل خريطة الحوسبة العالمية في ظل تحوّلٍ من نموذج السحابة المشتركة إلى سيطرة معمارية على البيانات والموارد.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

تكشف الدراسة أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه أكثر خطورة من الرجال ويتراجع دعمهن له أسرع عندما تكون مكاسبه الوظيفية غير مؤكدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)

120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

تتيح منصة «RentAHuman.ai» لوكلاء الذكاء الاصطناعي استئجار أشخاص حقيقيين لتنفيذ مهام في العالم المادي لا تستطيع الأنظمة الرقمية القيام بها بمفردها حتى الآن.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
تكنولوجيا روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» المدعوم بالذكاء الاصطناعي «جروك» (أ.ف.ب)

روبوت الدردشة «جروك» يواصل إنتاج محتوى فاضح رغم القيود الجديدة

خلصت وكالة «رويترز» إلى أن روبوت الدردشة التابع لشركة «إكس» والمدعوم بالذكاء الاصطناعي «جروك» يواصل توليد صور فاضحة للأشخاص.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد منظر عام للحي المالي في لندن (رويترز)

بعد قفزة إلى 4.9 تريليون دولار... توقعات باستمرار زخم صفقات الاندماج والاستحواذ في 2026

أفاد تقرير صادر عن «باين آند كومباني» الاستشارية، بأن نشاط صفقات الاندماج والاستحواذ عالمياً مرشح للحفاظ على زخمه خلال عام 2026، بعد أن سجل انتعاشاً قوياً في 20

«الشرق الأوسط» (الرياض)

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
TT

الذكاء الاصطناعي السيادي… نهاية السحابة أم بداية نموذج مزدوج؟

يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)
يتحوّل النقاش في عصر الذكاء الاصطناعي من التطبيقات إلى البنية التحتية ومن يملكها وكيف تُدار (أدوبي)

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد قصة برمجيات. فمع تسارع الحكومات في تنفيذ استراتيجياتها الرقمية، واندماج تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في صلب العمليات المؤسسية، يتحوّل النقاش من التطبيقات إلى البنية التحتية، تحديداً من يملكها وأين تُدار وكيف تُبنى. فالمفهوم الذي يتصدر هذا الجدل اليوم هو «السيادة».

غير أن السيادة في سياق الذكاء الاصطناعي ليست مجرد شعار جيوسياسي، بل تعكس تحوّلاً بنيوياً في فهم الدول والشركات لمخاطر المرحلة الجديدة، خصوصاً في عصر النماذج اللغوية الكبرى.

فالحوسبة السحابية التقليدية أثارت مخاوف تتعلق بالخصوصية والأمن السيبراني. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فقد أضاف بُعداً مختلفاً. إذاً ماذا يحدث عندما تتعلّم النماذج من بيانات حساسة بطرق يصعب عكسها؟

يجيب سامي عيسى، الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»، بأنه «لا يوجد في عالم الذكاء الاصطناعي ما يُسمى بالحق في النسيان. إذا تعلّم نموذج لغوي أسرار نموذج عملي التجاري، فمن شبه المستحيل إقناعه بإلغاء ما تعلّمه». ويشير خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» إلى أن الفارق بين تخزين البيانات وترميزها داخل أوزان النموذج «هو ما يدفع باتجاه مفهوم الذكاء الاصطناعي السيادي».

سامي عيسى الرئيس التنفيذي لشركة «غلوبال إيه آي»

السيادة بالهندسة المعمارية

يمكن النظر إلى السيادة من زاويتين؛ الأولى قائمة على التشريعات والضوابط التعاقدية، والثانية قائمة على البنية الهندسية ذاتها. السيادة بالسياسة تعتمد على القوانين والاتفاقات، لكن تنفيذ تلك الضوابط يصبح معقّداً حين يكون «التسرّب» غير قابل للاسترجاع. ويقول عيسى إن «التسرّب لا يمكن استعادته ولا يمكنك أن تطلب من النموذج أن ينسى».

وهنا تظهر فكرة «السيادة بالهندسة المعمارية»، أي بناء بيئات حوسبة معزولة ومخصصة بالكامل لجهة واحدة، بحيث لا تكون مشتركة مع أطراف أخرى. وفي هذا النموذج، تكون البنية التحتية «مفصولة مادياً» (air-gapped)، ولا يشاركها أي عميل آخر.

المنطق واضح، فإذا كانت النماذج التوليدية تستمد قيمتها من بيانات حساسة كالنماذج التجارية أو الشيفرات الجينية أو البنى المالية، فإن التحكم المعماري يصبح أداًة استراتيجيةً لحماية هذه القيمة. فالسيادة هنا ليست انعزالاً، بل إدارة واعية للمخاطر طويلة الأمد.

الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي

على مدى عقدين تقريباً، أعادت الحوسبة السحابية تشكيل البنية الرقمية للشركات. لكن حتى اليوم، لم تنتقل غالبية بيانات المؤسسات بالكامل إلى السحابة العامة. ومع صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي، بدأ البعض يعيد النظر.

يرى عيسى أنه «بعد 15 أو 20 عاماً من الحوسبة السحابية، لم تنتقل نسبة كبيرة من بيانات المؤسسات إلى السحابة. أما الآن، في عصر الذكاء الاصطناعي، نرى بعضهم ينسحب». ويُرجع عيسى السبب ليس إلى أساس عاطفي بل بنيوي، ويقول: «في الحوسبة التقليدية، يمكن فصل البيانات، أما في النماذج اللغوية، فإن المعرفة تصبح جزءاً من تكوين النموذج نفسه. لكن هل يعني ذلك أن الحوسبة السحابية والسيادة في مسار تصادمي؟».

يرد عيسى قائلاً: «أعتقد أن الأمر كذلك، فالذكاء الاصطناعي سرّع هذا الاتجاه»، موضحاً أن المقصود ليس نهاية الحوسبة السحابية، بل ظهور بنى مزدوجة. إنها بيئات سحابية مشتركة للأعمال العامة وبيئات سيادية مخصصة للتطبيقات الاستراتيجية.

النماذج اللغوية تجعل مسألة «السيادة» أكثر إلحاحاً لأن المعرفة التي تتعلّمها لا يمكن استرجاعها أو محوها بسهولة (غيتي)

مخاطر البطء أكبر من مخاطر الإسراف

بينما يتخوف بعض صناع القرار من الإفراط في الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، يرى عيسى أن الخطر الأكبر هو التردد، ويشرح أن «مخاطر التقليل في الاستثمار أكبر من مخاطر الإفراط فيه»، وأن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي في السرعة أو السعة، بل يعيد تعريف نماذج الإنتاجية والخدمات. ويصف عيسى ما يحدث بأنه «ليس مجرد قفزة تقنية بل طريقة مختلفة تماماً في التفكير بالأعمال وخلق القيمة». ويشدد على أنه بالنسبة للدول التي تسعى إلى التحول لمراكز للذكاء الاصطناعي، «فإن التأخير قد يعني خسارة سباق استقطاب المواهب».

البنية التحتية وحدها لا تكفي

الاستثمار في مراكز البيانات لا يحل المشكلة بالكامل، فالموهبة هي العامل الحاسم. ويفيد عيسى خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» بأن «الموهبة تحتاج إلى وقت، وأن التحول نحو الذكاء الاصطناعي يتطلب طيفاً واسعاً من الكفاءات؛ مهندسي كهرباء ومختصي طاقة وخبراء مراكز بيانات ومطوري برمجيات وباحثي تعلم آلي وغيرهم». ويلفت عيسى إلى أن «أي تقنية تعزز الإنتاجية تؤثر في سوق العمل لكنها تخلق أيضاً وظائف جديدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً كنجاح وادي السيليكون «الذي لم يكن نتيجة بنية تحتية فقط، بل نتيجة منظومة تعليمية ومؤسسية بُنيت على مدى عقود»، ويضيف: «إذا أردت أن تصبح مركزاً للذكاء الاصطناعي، فإن أهم قرار معماري هو أن تبدأ الآن».

تتجه بعض المؤسسات إلى نماذج سيادية معمارية مخصّصة بدل الاعتماد الكامل على الحوسبة السحابية المشتركة (غيتي)

السيادة... لكن مع ترابط عالمي

ألا تعني السيادة الاستقلال الكامل؟ يرد عيسى قائلاً إن «السيادة الكاملة دون أي ترابط هي خيال. فإنتاج الشرائح المتقدمة، على سبيل المثال، لا يزال يعتمد إلى حد كبير على مصانع خارجية... لذلك، السيادة مفهوم نسبي»، ويزيد: «هناك درجات من السيادة يمكن تحقيقها...لكن 100 في المائة سيادة؟ حتى العالم بأكمله لا يستطيع ذلك».

بالنسبة للدول ذات الطموحات الكبيرة والموارد المحدودة، يظل السؤال قائماً: كيف تلحق بالركب؟ يحذر عيسى من أن «هذه ليست ثورة تكنولوجية يمكن أن تتأخر عنها ولا يمكنك أيضاً أن تنتظر عشر سنوات بينما تستمتع الدول المجاورة بمكاسب الإنتاجية». الذكاء الاصطناعي لا يعيد تشكيل قطاع واحد، بل قطاعات بأكملها.

في النهاية، قد لا يكون الجدل حول السيادة مجرد صراع جيوسياسي، بل تحوّل اقتصادي عميق. فالتحكم في بيئات تدريب النماذج قد يصبح عاملاً استراتيجياً يعادل أهمية الموارد الطبيعية في مراحل سابقة. لكن، كما يختتم عيسى، فإن الاستثمار الحقيقي لا يقتصر على العتاد «حيث إن بناء الموهبة يحتاج إلى وقت واستثمار طويل الأمد».


النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
TT

النساء أم الرجال... من يرى الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة؟

الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)
الفجوة في المواقف لا ترتبط فقط بمستوى المعرفة بل بدرجة النفور من المخاطرة وحجم التعرّض المحتمل لاضطراب سوق العمل (شاترستوك)

غالباً ما يُقدَّم الذكاء الاصطناعي بوصفه ثورة في الإنتاجية قادرة على رفع الناتج الاقتصادي، وتسريع الابتكار، وإعادة تشكيل طريقة إنجاز العمل. لكن دراسة جديدة تشير إلى أن الجمهور لا ينظر إلى وعود الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها، وأن المواقف تجاه هذه التقنية تتأثر بقوة بعامل النوع الاجتماعي، لا سيما عندما تكون آثارها على الوظائف غير مؤكدة.

وتخلص الدراسة إلى أن النساء مقارنة بالرجال ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، وأن دعمهن لاعتماد هذه التقنيات يتراجع بوتيرة أشد عندما تنخفض احتمالات أن تؤدي إلى مكاسب صافية في الوظائف. ويحذر الباحثون من أنه إذا لم تُؤخذ المخاوف الخاصة بالنساء في الاعتبار ضمن سياسات الذكاء الاصطناعي، وخاصة ما يتعلق باضطراب سوق العمل، وتفاوت فرص الاستفادة، فقد يؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة القائمة بين الجنسين، وربما إلى رد فعل سياسي مضاد للتكنولوجيا.

فجوة لا ترتبط بالمعرفة فقط

تنطلق الدراسة من فكرة بسيطة هي أن فوائد الذكاء الاصطناعي وتكاليفه لن تتوزع بالتساوي على الجميع. فمع انتشار الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد، قد تُعزَّز بعض الوظائف وتُعاد صياغة أخرى، بينما قد تختفي وظائف بعينها، أو تتراجع أهميتها. وتشير الدراسة إلى أن النساء ممثلات بنسبة أعلى في وظائف إدارية وكتابية وخدمية يُحتمل أن تكون أكثر عرضة للتأثر بالتقنيات الآلية. وفي المقابل، لا تزال النساء أقل تمثيلاً في مسارات العلوم والتقنية والهندسة والرياضيات، وفي مواقع القيادة التي تمنح عادةً فرصاً أفضل للوصول إلى وظائف الذكاء الاصطناعي الأعلى أجراً، وهو ما قد يوسّع فجوة الأجور بين الجنسين مع مرور الوقت.

وترى الدراسة أن هذه الاختلافات الواقعية في التعرض للمخاطر، وفي فرص الوصول إلى المنافع، تنعكس على اختلافات في المواقف. فبحسب أبحاث سابقة، تميل النساء بالفعل إلى مزيد من الشك مقارنة بالرجال تجاه موجات الأتمتة السابقة.

لكن ما لم يكن واضحاً بما يكفي هو: لماذا تستمر هذه الفجوة؟ هنا يأتي طرح الباحثين عامل «المخاطر» في طريقة التعامل معها، وفي مقدار التعرض لها يقدّم تفسيراً إضافياً.

تجاهل المخاوف الجندرية في سياسات الذكاء الاصطناعي قد يعمّق عدم المساواة ويؤدي إلى ردود فعل سياسية وتنظيمية مضادة للتكنولوجيا (شاترستوك)

الميل للمخاطرة والتعرّض للمخاطر

تركّز الدراسة على عنصرين: الأول يتعلق بالتوجه نحو المخاطرة (Risk orientation)، أي مدى استعداد الفرد عموماً لتحمل عدم اليقين والمفاضلات ذات النتائج غير المضمونة. والآخر هو التعرّض للمخاطر (Risk exposure)، واحتمال أن يترتب على اعتماد الذكاء الاصطناعي تكلفة مباشرة، أو منفعة مباشرة للفرد، تبعاً لموقعه في سوق العمل، وغيرها من العوامل.

ويفترض الباحثون أن النساء ينظرن إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أكثر خطورة، لأنهن في المتوسط أكثر نفوراً من المخاطرة، ولأنهن أيضاً أكثر تعرضاً لاضطراب الوظائف الناتج عن الذكاء الاصطناعي. وتؤكد الدراسة أن هذه الأنماط لا تُقدَّم بوصفها «سمات فطرية»، بل بوصفها نتاجاً لأعراف اجتماعية، وتعلم اجتماعي، وبُنى وظيفية مترسخة منذ عقود.

تجربة واقعية

لاختبار هذا الطرح، أجرى الباحثون استطلاعاً عبر الإنترنت في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 باستخدام لوحة «YouGov». وبلغت العينة الكاملة 6056 مشاركاً، لكن التحليل في هذه الدراسة يركز على 3049 مشاركاً وُجهت إليهم أسئلة حول الذكاء الاصطناعي التوليدي (بينما وُجهت المجموعة الأخرى إلى أسئلة مقارنة عن التجارة). وشملت العينة مشاركين من الولايات المتحدة وكندا، وهما دولتان يصفهما الباحثون بأنهما متقاربتان من حيث الأسس المؤسسية وبنية سوق العمل، رغم اختلاف تفاصيل تبني الذكاء الاصطناعي وتنظيمه.

قاس الباحثون «تصور خطورة الذكاء الاصطناعي» عبر سؤالين على مقياس من 11 نقطة. سُئل المشاركون عن مدى رؤيتهم حول هل مخاطر الذكاء الاصطناعي التوليدي تفوق فوائده بالنسبة لك شخصياً؟ وهل تفوق فوائده بالنسبة لمجتمعك؟ ثم جرى دمج الإجابتين في مؤشر واحد.

ولقياس التوجه نحو المخاطرة استخدمت الدراسة سؤالاً شائعاً في أبحاث المخاطر: هل تفضّل ربحاً مضموناً قدره 1000 دولار؟ أم احتمالاً بنسبة 50 في المائة لربح 2000 دولار؟ ويفترض أن اختيار الألف المضمونة يشير إلى نفور أعلى من المخاطرة.

أما قياس التعرض للمخاطر فكان أكثر تعقيداً لأن آثار الذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق العمل لا تزال غير محسومة. لذلك استخدمت الدراسة التعليم بوصفه مؤشراً عاماً على مدى الاستعداد للاستفادة من التحولات التقنية، مع اختبارات إضافية لمقاييس مرتبطة بالتعرض المهني للأتمتة والذكاء الاصطناعي على عينات فرعية من العاملين.

كما تضمن الاستطلاع تجربة مسحيّة مُسجَّلة مسبقاً تغير مستوى المخاطرة الاقتصادية في سيناريو تبني الشركة للذكاء الاصطناعي. قرأ المشاركون حالة عن شركة تتبنى أدوات ذكاء اصطناعي توليدي، ثم قُدِّمت لهم احتمالات مختلفة (تعيين عشوائي) بأن يؤدي ذلك إلى مكاسب صافية في التوظيف. تراوحت الاحتمالات بين 100 في المائة (مكاسب مؤكدة) و70 في المائة و50 في المائة و30 في المائة (مستوى مخاطرة مرتفع)، ثم طلب منهم تأكيد أو رفض قرار الشركة.

الدراسة: دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي يتراجع بوتيرة أسرع من الرجال كلما انخفضت احتمالات المكاسب الصافية في التوظيف (شاترستوك)

ما النتيجة الأبرز؟

أظهرت النتائج أن النساء أكثر ميلاً من الرجال للقول إن مخاطر الذكاء الاصطناعي تفوق فوائده. وتشير الدراسة إلى أن نسبة من ترى المخاطر أعلى من الفوائد تزيد لدى النساء بنحو 11في المائة مقارنة بالرجال، وهي فجوة تقارب حجم الفجوة المعروفة في مواقف الجنسين تجاه التجارة، وهي قضية تؤثر تاريخياً على النقاشات السياسية، والقرارات التنظيمية.

وعند التعمق، يظهر أن هذه الفجوة ترتبط بقوة بالتوجه نحو المخاطرة. فبين المشاركين الأكثر ميلاً لتحمل المخاطرة، تتراجع الفجوة بين النساء والرجال بشكل كبير، أو تتلاشى. بينما تكون الفجوة الأوضح بين من يفضّلون اليقين. يعني هذا أن النفور العام من المخاطرة يضاعف الحذر من تقنية ذات نتائج اقتصادية غير مؤكدة.

كما تشير النتائج إلى دور التعرض للمخاطر، حيث مالت النساء إلى رؤية الذكاء الاصطناعي أكثر خطورة من الرجال في كل من فئات التعليم الجامعي وغير الجامعي، وهو ما ينسجم مع كونهن أكثر تمركزاً في وظائف قد تكون أكثر عرضة للأتمتة، وأقل وصولاً لمسارات العمل الأعلى ربحاً في مجالات الذكاء الاصطناعي.

دليل تجريبي

تظهر التجربة المسحيّة أن كلا من الرجال والنساء يقللون دعمهم لاعتماد الذكاء الاصطناعي عندما تنخفض احتمالات المكاسب الصافية في الوظائف. لكن دعم النساء يتراجع بسرعة أكبر عندما يصبح السيناريو أكثر خطورة. فعند مستوى المخاطرة الأعلى حيث تكون احتمالية المكاسب الصافية في الوظائف 30 في المائة فقط يكون دعم النساء أقل بشكل واضح من دعم الرجال. أما عندما تكون المكاسب مؤكدة بنسبة 100 في المائة، فتتقلص الفجوة بين الجنسين ولا تعود ذات دلالة إحصائية بحسب ما تذكر الدراسة. بمعنى آخر: النساء لسن «ضد الذكاء الاصطناعي» بالمطلق، لكن دعمهن يبدو أكثر ارتباطاً بمدى وضوح الفائدة الاقتصادية، وتأكدها.

من يعرف أكثر؟

حللت الدراسة أيضاً إجابات مفتوحة حول أكبر فوائد الذكاء الاصطناعي ومخاطره باستخدام نمذجة موضوعات نصية. وظهرت فروق نوعية، إذ عبّرت إجابات النساء بدرجة أكبر عن عدم اليقين («لا أعرف») وعن الشك في وجود فوائد اقتصادية واضحة. في المقابل، ركّزت إجابات الرجال أكثر على الإنتاجية والكفاءة، وتحسين العمليات الاقتصادية.

أما بشأن المخاطر، فقد ركّزت إجابات النساء أكثر على فقدان الوظائف والبطالة، بينما ركّزت إجابات الرجال أكثر على الاستخدامات الخبيثة، والمخاطر المجتمعية الأوسع. ويعزز ذلك استنتاج الدراسة بأن النساء في المتوسط يضعن الوزن الأكبر للمخاطر الاقتصادية، ويعبّرن عن قدر أعلى من عدم اليقين بشأن مكاسب الذكاء الاصطناعي.

أهمية البحث

ترى الدراسة أن هذه الفروق ليست اجتماعية فقط، بل سياسية أيضاً. فإذا انعكس انخفاض دعم النساء لاعتماد الذكاء الاصطناعي على انخفاض استخدامهن لأدواته في العمل، فقد يتراجع حضور النساء في مسار تطوير هذه التقنيات وحوكمتها في وقت تتوسع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات. وهذا يعني أن مخاوف النساء قد لا تُدمج بالقدر الكافي في التصميم، والضمانات وقرارات النشر والتشغيل.

كما تشير الدراسة إلى أن المواقف من الذكاء الاصطناعي قد تصبح أكثر تسييساً. فإذا كانت النساء أكثر دعماً للتدخل الحكومي لإبطاء التبني تحت سيناريوهات فقدان الوظائف، فإن ذلك قد يفتح فرصاً سياسية: قد يتبنى بعض السياسيين سياسات حماية وتنظيم لجذب أصوات النساء، أو قد تُستخدم مشاعر الحذر تجاه الذكاء الاصطناعي أداة تعبئة انتخابية.

لا تقول الدراسة إن النساء يرفضن التقنية لكونها «تقنية»، بل تشير إلى أنهن يستجبن لمشهد مخاطر تكون فيه الرهانات غير متساوية، حيث تختلط وعود الذكاء الاصطناعي بآثار وظيفية غير مؤكدة، وبفرص استفادة غير متكافئة. وبالنسبة للحكومات والمؤسسات التي تدفع نحو تبنٍ سريع، فإن الرسالة تبدو واضحة، وهي أن سياسات الذكاء الاصطناعي التي تتجاهل التعرض غير المتساوي لفقدان الوظائف، وتفاوت الوصول إلى فرص العمل عالية القيمة، واختلاف إدراك المخاطر، قد تعمّق عدم المساواة، وتضعف الثقة العامة. ومن ثمّ، فإن معالجة هذه المخاوف عبر حماية القوى العاملة، ومسارات إعادة التأهيل، وتقليل التحيز في الأنظمة، وحوكمة شاملة قد تكون ضرورية ليس فقط للعدالة، بل للحفاظ على شرعية التحول مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي للاقتصاد.


120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
TT

120 ألفاً مستعدون لمساعدته… ذكاء اصطناعي يوظّف بشراً لتنفيذ مهام يعجز عنها

يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)
يوسّع الذكاء الاصطناعي نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة (رويترز)

في خطوة غير تقليدية تقلب سردية الأتمتة السائدة، تبرز منصة «رانت إي هيومان» RentAHuman.ai (أي استأجر إنساناً) نموذجاً جديداً للتكامل بين الذكاء الاصطناعي والإنسان، حيث تتيح لوكلاء الذكاء الاصطناعي استئجار أشخاص حقيقيين لتنفيذ مهام في العالم المادي لا تستطيع الأنظمة الرقمية القيام بها بمفردها حتى الآن.

تعمل المنصة بصفتها سوقاً متخصصة تربط بين وكلاء ذكيين يحتاجون إلى «تدخُّل بشري» وبين أفراد قادرين على تنفيذ مهام تتطلب حضوراً فعلياً، مثل التحقق الميداني، وحضور الاجتماعات، وتوصيل الطرود، والتقاط الصور، أو تنفيذ مهام بسيطة لكنها خارج نطاق العالم الرقمي. وبهذا، يُجسِّر هذا الموقع الفجوة بين قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة وحدود الواقع الفيزيائي.

آلية بسيطة

آلية العمل بسيطة نسبياً: ينشئ الأفراد ملفات تعريفية تتضمن موقعهم الجغرافي، ومهاراتهم، وأوقات التفرغ، والأجر المطلوب. في المقابل، يستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي البحث آلياً عن الشخص المناسب، وتفويضه بالمهمة، وتحديد التفاصيل الزمنية والتنفيذية بدقة. تجري المدفوعات بشكل فوري عبر العملات الرقمية أو المستقرة، ما يُلغي التأخير المعتاد في منصات العمل الحر التقليدية.

تكمن أهمية النموذج في فائدته للطرفين، فالذكاء الاصطناعي يوسّع نطاق عمله دون الحاجة إلى استثمارات باهظة في الروبوتات، بينما يحصل البشر على فرص دخل مرنة وسريعة وشفافة. ومع التوسع المتوقع في استخدام الوكلاء المستقلين، قد تتحول هذه المنصات إلى بنية تحتية أساسية لاقتصاد هجين جديد يقوم على الشراكة لا الاستبدال، ويُبقي الإنسان عنصراً لا غنى عنه في عصر الأتمتة.

ينشئ الأفراد ملفات تعريفية بموقعهم الجغرافي ومهاراتهم وأوقات التفرغ والأجر المطلوب وفي المقابل يستطيع وكلاء الذكاء الاصطناعي البحث آلياً عن الشخص المناسب وتفويضه بالمهمة وتحديد التفاصيل الزمنية والتنفيذية بدقة (رويترز)

استجابة مجتمعية سريعة

منذ إطلاقها مؤخراً، شهدت منصة «RentAHuman.ai» إقبالاً سريعاً، حيث سجّل مئات الأشخاص أسماءهم فيها في غضون أيام. وبلغ عدد الأشخاص الذين سجّلوا أسماءهم للقيام بمهمات يطلبها منهم الذكاء الاصطناعي على هذه المنصة، 120 ألف شخص.

وشمل المشاركون الأوائل متخصصين من مختلف القطاعات، ما يعكس فضولاً واسع النطاق حول هذه الديناميكية المعكوسة، حيث يسعى الذكاء الاصطناعي إلى الحصول على مساعدة بشرية.

تؤدي هذه المنصة بدورها تغييراً مبتكراً في الأدوار، حيث يعتمد الذكاء الاصطناعي، الآن، على البشر للتفاعل الجسدي. ويرى كثيرون في ذلك حلاً عملياً للقيود الحالية للذكاء الاصطناعي، مع خلق فرص اقتصادية جديدة.