لعبة «ديث ستراندينغ 2»: رحلة ملحمية في عالم ما بعد الكوارث من المخرج المبدع «هيديو كوجيما»

إنجاز فني يغير معايير تطوير الألعاب... عودة إلى شواطئ المجهول لربط العالم واستكشاف الذات وبناء مستقبل جديد

مهمة لربط الناس ومحاولة بناء عالم جديد من رماد الخراب
مهمة لربط الناس ومحاولة بناء عالم جديد من رماد الخراب
TT

لعبة «ديث ستراندينغ 2»: رحلة ملحمية في عالم ما بعد الكوارث من المخرج المبدع «هيديو كوجيما»

مهمة لربط الناس ومحاولة بناء عالم جديد من رماد الخراب
مهمة لربط الناس ومحاولة بناء عالم جديد من رماد الخراب

تُعدّ لعبة «ديث ستراندينغ 2: أون ذا بيتش» Death Stranding 2: On the Beach إنجازاً عظيماً يرتقي بالسلسلة إلى مستويات جديدة وغير مسبوقة، حيث تجمع ببراعة فائقة بين السرد المعقد للخيال العلمي وآليات التسلل والقتال المتطور التي باتت سمة مميزة لأعمال مخرج الألعاب المعروف «هيديو كوجيما».

رسومات مبهرة تزيد من مستويات الانغماس

معنى الوجود البشري

ونجحت هذه اللعبة في بناء تجربتها على الأسس التجريبية الفريدة التي وضعها الإصدار الأول، مقدمة تحسينات كبيرة وعميقة تأخذ اللاعب عبر رحلة عميقة وشخصية تتناول قضايا سياسية واجتماعية وإنسانية بجرأة، مستكشفة مواضيع تشمل التواصل البشري في زمن الانعزال والحزن العميق والتحديات الهائلة التي تواجه محاولة بناء عالم جديد من رماد الخراب بعد كارثة شاملة.

وتستعرض اللعبة عالمَ ما بعد الكارثة بأسلوب فني فريد ومذهل، مقدمة للاعبين تجربة تفاعلية غامرة لا تقتصر على مجرد القتال وحل الألغاز، بل تمتد لتشمل التأمل العميق والتفكير في معنى الوجود البشري والروابط التي تجمعنا.

في جوهرها، تبرز اللعبة نموذجاً رائداً لتطور الألعاب بصفتها وسطاً فنياً، حيث لم تكتفِ بتعزيز ما أحبه اللاعبون في الإصدار الأول فحسب، بل أضافت طبقات جديدة ومتعددة من التعقيد والمتعة إلى كل جانب من جوانب التجربة. واستطاع مطورو اللعبة صقل كل تفصيل في اللعبة، من القصة المحبوكة والمعقدة إلى آليات اللعب المتجددة، وصولاً إلى الجودة البصرية والسمعية التي لا مثيل لها، لتقديم تجربة متكاملة ومؤثرة للغاية تترك بصمة عميقة ودائمة في نفوس اللاعبين وتدفعهم للتفكير فيما وراء الشاشة. واختبرت «الشرق الأوسط» اللعبة قبل إطلاقها عالمياً، ونذكر ملخص التجربة.

أساطير تتكشف وشخصيات عميقة

وتتسم قصة اللعبة بكونها أكثر تركيزاً وتأثيراً وعُمقاً من سابقتها، حيث توسع نطاق الأساطير الغامضة المحيطة بعالمها الذي دمره حدث «الشاطئ» الكارثي، كاشفة عن أبعاد جديدة لم تكن واضحة من قبل. ويتم تكليف شخصية «سام بورتر بريدجز» مهمة أكثر خطورة وأهمية: ربط قارة أستراليا الشاسعة بالشبكة الـ«كيرالية» المتنامية في رحلة تتجاوز مجرد التوصيل الجغرافي لتصبح بحثاً عن المعنى والانتماء. ويتعمق السرد بذكاء في مواضيع التواصل ليس فقط بين الأشخاص المنعزلين، بل أيضاً مع ماضي الفرد المؤلم وذكرياته؛ ما يعكس الطبيعة التأملية والفلسفية التي باتت سمة مميزة لأعمال مخرج اللعبة.

مزيد من الخيال العلمي وسرد الأفلام لتجربة فريدة من نوعها

وتنكشف الأحداث في حبكة تتسم بالغرابة المطلقة والجاذبية الشديدة في آن واحد. ويلتقي «سام» حلفاء قدامى لم يتوقع رؤيتهم مرة أخرى ويواجه خصوماً من ماضيه المؤلم؛ ما يضيف طبقات من الصراع الشخصي إلى المهمة العالمية. وتتصاعد الأحداث بشكل درامي ومفاجئ عندما يقوم العدو اللدود «هيغز» باحتجاز شخصية «لو» رهينة. هذا الحدث الكبير جداً يأخذ «سام» في رحلة محمومة لا تقتصر على الانتقام فحسب، بل تتضمن أيضاً اكتشافاً عميقاً للذات ولمعنى الروابط الإنسانية في عالم ينهار في كل يوم. ونظراً لغرابة القصة وتشويقها، تعمدنا عدم شرح أي تفاصيل حولها ونتركها للاعب ليكتشفها بنفسه ويستمتع بها.

وبالنسبة لمعنى اسم اللعبة Death Stranding «حبل الموت»، فهو يشير إلى ظاهرة غامضة تتسبب بخلل في التوازن بين عالمي الأحياء والأموات وظهور كائنات من العالم الآخر تُعرف باسم «بي تي» Bleached Things BT وانفجارات مضادة للمادة Voidout تحدث عند تفاعل هذه الكائنات مع الأحياء، إضافة إلى تعطيل البنية التحتية وقطع الروابط بين البشر؛ ما أدى إلى عزلة المدن. ويعكس معنى الاسم المفهوم العميق ومتعدد الأوجه للظاهرة في اللعبة، حيث إن الموت فيها ليس نهاية طبيعية، بل هو حدث يؤدي إلى انحراف خطير في نظام العالم يتسبب بحدوث اضطراب كبير في حياة البشر ليصبح قوة مدمرة ومسببة للعزلة.

أسلوب اللعب: تطور مثير وتحديات متجددة

وفيما يتعلق بآليات اللعب، تحافظ اللعبة بذكاء على الإيقاع المألوف والمحبوب من التحضير الدقيق للمهام والتغلب على التهديدات الجغرافية والطبيعية والبشرية التي تعترض طريق «سام»، ولكنها في الوقت نفسه تقدم مرونة أكبر بكثير في القتال وتجعله أكثر إثارة وتشويقاً من أي وقت مضى. وتتضمن الميزات الجديدة التي تغير قواعد اللعبة بندقية قنص مهدئة متطورة تفتح آفاقاً تكتيكية جديدة، وطائرة ذاتية القيادة للاستكشاف وتقديم الدعم، وأنواعاً متطورة ومبتكرة من الأعداء تتطلب مقاربات متنوعة ومختلفة للقضاء عليهم.

وتتيح اللعبة نهجاً أكثر متعة وتنوعاً في القتال؛ ما يسمح للاعب بتنفيذ هجمات مخططة بدقة متناهية أو الانخراط في اشتباكات مثيرة ومفاجئة تتطلب سرعة بديهة. وتم تعزيز نظام تقدم الشخصية بشكل ملحوظ بفضل إضافة نقاط المهارة التي تسمح بفتح أدوات جديدة قوية وتعزيز الإحصائيات الأساسية؛ ما يوفر تنوعاً أكبر في كيفية لعب «سام» وتكيفه مع أسلوب اللاعب المفضل. ويتم فتح الأدوات والأسلحة الجديدة باستمرار طوال اللعبة، بما في ذلك عناصر فريدة ومبتكرة مثل ألواح التزلج المحلقة والكلاب الميكانيكية ذات الصواريخ الموجهة، مما يحافظ على شعور الاكتشاف والتجديد.

كما تتضمن اللعبة أنظمة توصيل جديدة مبتكرة ومتطورة مثل سكة حديد أحادية بست مركبات توفر وسيلة نقل جماعي فعالة. هذا، وسيحصل اللاعب على المركبات الأساسية في وقت أبكر بكثير مما كان عليه الحال في الجزء الأصلي؛ ما يقلل بشكل كبير من الرتابة ويجعل الرحلات الطويلة أكثر سلاسة ومتعة. وبالإضافة إلى ذلك، تظل الآلية الأساسية لتوصيل الطرود حاضرة بقوة ومركزية؛ ما يعزز المواضيع السردية للاتصال ويبني شعوراً بالهدف في كل رحلة يقوم بها «سام».

ويواجه اللاعبون عالماً مفتوحاً شاسعاً وصعب الاجتياز بشكل استثنائي بسبب التنوع الهائل في المناخات القاسية والارتفاعات الشاهقة؛ ما يتطلب تخطيطاً دقيقاً ومهارة في التنقل. وتُعزز الهياكل والمرافق التي يبنيها اللاعبون عبر الإنترنت (مثل الملاجئ الآمنة والسلالم التي لا غنى عنها) التجربة بشكل كبير من خلال تعزيز اتصال غير مرئي وتكافلي بين اللاعبين حول العالم. وأخيراً، تحتوي اللعبة على غرفة خاصة توفر مهام الواقع الافتراضي المبتكرة وخيارات تخصيص متعددة؛ ما يضيف عُمقاً وتفاعلاً إلى التجربة الكلية ويمنح اللاعبين مساحة للاسترخاء والتجريب.

مواصفات تقنية تأسر الحواس

بصرياً، اللعبة جميلة بجودة تتجاوز الواقع وتلامس الفن الخالص في تصوير أستراليا والمكسيك، حيث تظهر الأقمار العملاقة المذهلة والصحاري الحمراء القاتمة بتفاصيل لا تصدق ودقة متناهية. هذه المتعة البصرية الفائقة مدعومة بموسيقى تصويرية رائعة ومؤثرة تتضمن مقاطع صوتية مؤثرة وموسيقى جميلة تعزز التأثير العاطفي العميق للرحلة وتجعل كل لحظة في اللعبة تجربة حسية متكاملة.

وتعمل اللعبة بسلاسة تامة وبأداء لا تشوبه شائبة على جهاز «بلايستيشن 5 برو» الذي تمت تجربة اللعبة عليه؛ ما يبرز الإمكانات التقنية الهائلة لمحرك الألعاب «ديسيما» Decima ويسمح للفن والإبداع أن يتألقا بشكل كامل دون أي عوائق. كما أن الوصف الدقيق والمفصل للبيئات الشاسعة والمتنوعة يشير إلى جودة بصرية عالية للغاية، ويشير التأثير العاطفي القوي للقصة إلى الاستخدام الفعال والمتقن للعناصر الصوتية والبصرية في نقل مشاعر الأمل والوحدة؛ ما يجعل التجربة متكاملة وغنية بالمعاني.

وتُعدّ جودة الصوتيات وأداء المحادثات في اللعبة منقطعة النظير، حيث يضيف طاقم الممثلين البارز عُمقاً هائلاً للشخصيات والتفاعلات. كل كلمة وهمسة وصرخة تتم تأديتها ببراعة تزيد من الانغماس في عالم اللعبة. ويمتزج هذا الأداء الصوتي المميز مع التصميم الصوتي للبيئة والصوتيات المحيطة لإيجاد جو عام يشد اللاعب إلى أعماق التجربة، سواء كان ذلك صوت الرياح في الصحراء القاحلة أو أصوات المخلوقات الغامضة التي تتربص في الظلام.

وتتميز اللعبة بطاقم متنوع ومذهل من الشخصيات ذات التفكير الدقيق والمعقد بشكل لا يُصدق، تم إحياؤها ببراعة فائقة بفضل تقنيات التقاط الحركة والأداء المذهلة التي تضع معايير جديدة. ويضم طاقم التمثيل أسماء لامعة ومشهورة عالمياً مثل الممثلين نورمان ريدس، وليا سيدو، وإيل فانينغ، وتروي بيكر وديبرا ويلسون؛ ما يضمن جودة عالية وغير مسبوقة في الأداء الصوتي وتصوير الشخصيات ويضفي عمقاً وواقعية لا مثيل لها على التفاعلات المعقدة والمؤثرة داخل اللعبة؛ ما يجعل كل شخصية تبدو حقيقية وملموسة.

يجب مواجهة الأعداء البشر والمخلوقات الغريبة لإنقاذ البشرية

معلومات عن اللعبة

• الشركة المبرمجة: «كوجيما بروداكشنز» Kojima Productions www.KojimaProductions.jp

• الشركة الناشرة: «سوني إنترآكتيف إنترتينمنت» Sony Interactive Entertainment www.SonyInteractive.com

• موقع اللعبة: www.KojimaProductions.jp

• نوع اللعبة: قتال ومغامرات Action-adventure

• أجهزة اللعب: «بلايستيشن 5»

• تاريخ الإطلاق: 26 يونيو (حزيران) 2025

• تصنيف مجلس البرامج الترفيهية ESRB: للبالغين أكبر من 17 عاماً «M17 Plus»

• دعم للعب الجماعي: لا


مقالات ذات صلة

الذكاء الاصطناعي لتفكيك وتجميع نصوص برمجة الألعاب الإلكترونية الكلاسيكية

تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لتفكيك وتجميع نصوص برمجة الألعاب الإلكترونية الكلاسيكية

الذكاء الاصطناعي لتفكيك وتجميع نصوص برمجة الألعاب الإلكترونية الكلاسيكية

يشهد قطاع الألعاب الإلكترونية في الفترة الأخيرة ثورة غير مسبوقة تقودها مجتمعات المطورين وهواة الهندسة العكسية للنص البرمجي

خلدون غسان سعيد (جدة)
تكنولوجيا مراحل وأسلحة مبهرة في لعبة «شبح يوتيه النسخة الكاملة»

«شبح يوتيه النسخة الكاملة»: عودة ملحمة الساموراي بمراحل وأسلحة وأنماط لعب جديدة

طُرحت لعبة «شبح يوتيه» (Ghost of Yotei) قبل عام، مقدمة للاعبين مغامرة مشوقة في رحلة انتقام عبر بيئة يابانية خلابة في حقبة زمنية تاريخية بلمسات إبداعية.

خلدون غسان سعيد (جدة)
خاص امرأة تتبضع من أحد المراكز التجارية والتموينية في السعودية (واس)

خاص الإنفاق الرقمي يعيد تشكيل عادات المستهلك السعودي

يتجه المستهلك السعودي بوتيرة متسارعة إلى تقليص اعتماده على النقد مع توسع استخدام المدفوعات الرقمية في قطاعات الحياة اليومية، من البقالة إلى الألعاب الإلكترونية.

دانه الدريس (الرياض)
تكنولوجيا أعداء خياليون ورسومات مبهرة

لعبة «مارفيلز وولفرين»: ملحمة سينمائية تنبض بالمعارك الضارية عبر قصة درامية

أحد أبرز وأهم الإصدارات الحصرية لجهاز «بلايستيشن 5»

خلدون غسان سعيد (جدة)
رياضة عالمية الياباني يوكي كوريهارا يحتفل بذهبية الآسياد في سن الـ11 (أ.ب)

«آسياد 2026»: ياباني بعمر الـ11 يحرز ذهبية في الألعاب الإلكترونية

حقق الياباني يوكي كوريهارا البالغ 11 عاماً الميدالية الذهبية للألعاب الإلكترونية في دورة الألعاب الآسيوية السبت بأسلوب مبهر.

«الشرق الأوسط» (ناغويا (اليابان))

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

TT

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد بسبب الأضرار التي قالت إن تطبيق «تشات جي بي تي» تسبب بها للأطفال.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ذكرت الولايات أن روبوت الدردشة الآلي دفع أطفالاً إلى إيذاء أنفسهم أو آخرين.

وتسعى الدعاوى القضائية المرفوعة أمام محاكم الولايات إلى الحصول على أمر يجبر «أوبن إيه آي» على إجراء تغييرات في طريقة عمل «تشات جي بي تي» مع الأطفال.

وتسعى الولايات أيضاً إلى الحصول على أمر يجبر الشركة على التنازل عن الأرباح التي حققتها من المستخدمين الأطفال.

وكان وزير العدل بولاية فلوريدا أول من رفع دعوى قضائية على الشركة باتهامات مماثلة في يونيو (حزيران).

وتواجه الشركة أيضاً عشرات الدعاوى القضائية التي تتهم «تشات جي بي تي» بالمساعدة في وقائع إطلاق نار عشوائي أو أعمال عنف أخرى.


السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)

أرسلت السعودية أول عينات بيولوجية من نوعها بمنطقة الشرق الأوسط إلى محطة الفضاء الدولية، في إطار مهمة الجاذبية الحيوية 1 ضمن «SpaceX CRS - 35»، بدعم من الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء «ناسا».

وجاء الإطلاق من وكالة الفضاء السعودية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» ضمن برنامج بحثي طويل المدى يستهدف دعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، عبر سلسلة من 3 مهمات متتابعة.

ويُعزِّز هذا الإنجاز العلمي حضور السعودية في أبحاث الجاذبية الصغرى، ويوسع توظيف علوم وتقنيات الفضاء في خدمة الأبحاث الصحية والحيوية.

وتمثل المهمة أولى مراحل البرنامج بإرسال عينات بشرية مرجعية من متبرعين أصحاء إلى الفضاء؛ لتأسيس قاعدة علمية للمقارنة في المراحل اللاحقة، والاستفادة من الخصائص الفريدة لبيئة الجاذبية الصغرى في دراسة التغيرات الخلوية المرتبطة بالتقدم في العمر والأمراض العصبية التنكسية.

وتشمل تجربتين بيولوجيتين طوّرتها «كاوست» تحملان الاسمين SSA - 1 وSSA - 2. وينفذ البرنامج ضمن شراكة علمية دولية تجمع المؤسسة الوطنية الأميركية للخلايا الجذعية (NSCF) وبدعم من «ناسا»، وشركة «أكسيوم سبيس»، إلى جانب مشاركة علمية وطنية من الوكالة و«كاوست»، بما يعزز تكامل القدرات المحلية مع المنظومة البحثية العالمية.

من جانبها، قالت رائدة الفضاء السعودية ريانة برناوي، المشرفة العامة على أبحاث الجاذبية الصغرى في الوكالة، إن إطلاق هذه العينات «يمثل خطوة علمية مهمة في مسار توظيف بيئة الفضاء لخدمة صحة الإنسان، ويعكس تطور القدرات الوطنية وجاهزيتها للمشاركة في أبحاث متقدمة وعبر برنامج الجاذبية الحيوية».

وأضافت برناوي: «نسعى لتحويل المعرفة المكتسبة في المدار إلى فرص بحثية تسهم في تعميق فهم الأمراض ودعم تطوير حلول علاجية مستقبلية».

وبدوره، أكد أستاذ العلوم الحيوية في «كاوست» البروفسور عماد غلوزي، العالم الرئيس للمشروع، أن المهمة تتيح للباحثين اختبار نماذج الأمراض في بيئة لا يمكن محاكاتها على الأرض، وتعزز إسهام الجامعة في اكتشافات تخدم المرضى في المملكة والعالم.

إلى ذلك، أبدت الدكتورة بينار ميسي، المستشارة العلمية للمؤسسة والرئيسة العالمية للتصنيع الحيوي والتقنية الحيوية في «أكسيوم سبيس»، حماسها لهذه المهمة التي شملت عينات من السعودية.

وأوضحت ميسي أن فريق المؤسسة «سيختبر ولأول مرة في بيئة الجاذبية الصغرى، مفهوم (قرية الخلايا)، ويتيح مفهوم دمج عدة خطوط خلوية فردية ضمن عضية واحدة، إجراء دراسات على مستوى المجموعات السكانية، مع إمكانية تنفيذ ما يمكن وصفه بـ(التجارب السريرية في طبق مخبري)».

ويمتد البرنامج عبر ثلاث مهمات بحثية مترابطة تبدأ بدراسة العينات المرجعية السليمة، ثم دراسة نماذج مشتقة من مرضى ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، وصولاً إلى دراسة الاستجابة العلاجية واستكشاف أهداف دوائية محتملة في بيئة الجاذبية الصغرى.

ويأتي برنامج «الجاذبية الحيوية» ضمن جهود الوكالة لبناء القدرات الوطنية في أبحاث الجاذبية الصغرى وعلوم الحياة، وتوسيع الشراكات العلمية الدولية، وتوظيف علوم وتقنيات الفضاء لخدمة صحة الإنسان، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي والابتكار وجودة الحياة، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
TT

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

على غرار كاميل، المهندسة المعمارية التي يوفّر عليها الذكاء الاصطناعي «وقتاً هائلاً»، يلجأ عدد كبير من الموظفين الفرنسيين إلى هذه الأداة من دون موافقة أصحاب عملهم، في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة رداً على الأساليب القديمة والبطيئة التي لا تزال شركاتهم تعتمدها، وتقصيرها في تبنّي التقنيات الحديثة.

وتدير صوفي (اسم مستعار) وهي مديرة عقارات تبلغ 38 عاماً، 500 عقار وتضطر للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلاً عن «مئات رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة». وتصف كمية العمل بـ«الهائلة»، مشيرة إلى أن ضغوط المسؤولين عنها تزيد الوضع سوءاً.

وتعد صوفي أن الأدوات المستخدمة داخل شركتها باتت «متقادمة»، وأن مديريها يفشلون في مواكبة التطور. وتتابع: «لا توفر الشركات الأدوات اللازمة لتسهيل العمل، مما يسبب إحباطاً كبيراً للموظفين».

ودفع ذلك بالموظفة الثلاثينية إلى الاشتراك على نفقتها الخاصة بخدمات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» من «أنثروبيك»، واستخدامه لصوغ الردود على المالكين والمستأجرين.

وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يتعين علي التحقق من النقاط القانونية للتأكد من عدم وجود أخطاء، إلا أنه يوفر علي مع ذلك وقتاً هائلاً. إنه أشبه بتكليف شخص آخر إنجاز عمل يتطلب وقتاً طويلاً».

ويعرف هذا النوع من الاستخدام بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» (Shadow AI)، أي عندما يلجأ الموظفون إلى هذه الأداة من دون إشراف من الشركة.

ويؤكد جيروم بيلوا، الخبير في أمن المعلوماتية في شركة الاستشارات «وايفستون»، أن هذه الظاهرة باتت «منتشرة إلى حد كبير» في جميع القطاعات العامة والخاصة على حد سواء.

ويوضح بيلوا أن «الأدوات التي تقترح المؤسسات البدء باستخدامها تخضع لقيود تنظيمية وميزانيات محددة، ولا تكون دائماً بكفاءة تلك المتاحة في الخارج مقابل بعض عشرات اليوروهات».

ويتابع: «بحلول الوقت الذي تجد في هذه الشركات النماذج التي تتماشى مع سياساتها الداخلية»، تكون تلك الأدوات أصبحت «قديمة» بالفعل مقارنة بتلك المتوافرة في الخارج للجميع، لا سيما بالنظر إلى «السرعة الجنونية» التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي.

ووفقا لمؤشر «وورك تريند إندكس» (Work Trend Index) الصادر عن «مايكروسوفت لينكد إن»، فإن 75 في المائة من الموظفين حول العالم كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل عام 2024، و78 في المائة منهم يستخدمون أدواتهم الخاصة.

وتقول كاميل إنه على الرغم من أنها تقوم بمراجعة النتائج والتحقق منها وتعديلها، فإن الذكاء الاصطناعي يكون قد أتم بالفعل بين 80 إلى 90 في المائة من العمل. وتتابع: «لم يكن رؤسائي يريدون الالتفات إلى هذه المسألة. لذا فعلت ما بوسعي» باستخدام الأدوات العامة المتاحة للجميع.

«في الخفاء»

وتوضح سيسيل دوجو، مديرة مرصد التحولات الإدارية والموارد البشرية في المعهد الوطني للفنون والمهن، أن «غياب الأدوات أو التوجيهات من جانب الشركات يشجع على هذه الممارسات».

وتشير إلى أن بعض الشركات تحظر على موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنهم يلجأون مع ذلك إليه لتسريع العمل وكسب مزيد من الوقت.

وبينما تكون شركات أخرى منهمكة في «صوغ» إطار معين لاستخدام هذه التقنية يشمل المعايير الأخلاقية والأدوات اللازمة ومجالات الاستخدام المحددة، يكون الموظفون قد بدأوا بالفعل باستخدام نماذجهم الخاصة «في الخفاء»، مما يكشف الفجوة بين تحديد القواعد والتجربة على الأرض.

وتتابع دوجو أنه بمجرد أن يلحظ الموظفون فوائد هذه الأدوات، يصبحون «نوعاً ما مدمنين عليها»، وتصبح الأدوات التي توفرها الشركات لاحقاً غير قادرة على منافسة تلك التي يستخدمونها بالفعل.

على أن الظاهرة المشار إليها تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، وسط إمكان تسرب بيانات سرية خاصة بالشركات، حسب جيروم بيلوا.

وتؤكد شهرزاد عبوب، المحامية المتخصصة في قانون البيانات، أنه فيما يتعلق بإرسال بيانات إلى الذكاء الاصطناعي يجب «أن نتعامل معها كما لو كنا على أرض الواقع».

وتضيف: «لا يمكننا مشاركة البيانات التي تتضمن أسرار الشركة أو طريقة عملها أو معلومات شخصية».

إلا أن كاميل تقلل من هذه المخاوف، إذ تعد أن الأدوات المستخدمة يومياً لا تضمن أصلاً الحفاظ على سرية المعلومات، بدءاً من «رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى منصة تيمز».

وتضيف أن أصحاب العمل يقللون من أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، ومن «العبء الزائد في العمل» الذي يعانيه الموظفون.

ولمنع استمرار الموظفين في استخدامه سراً، ترى سيسيل دوجو أن على المسؤولين في الشركات «وضع خريطة طريق»، يحددون بموجبها الحاجات والأدوات اللازمة والإطار الذي يمكن استخدامها به في كنف الشركة.

ويقول أحد مسؤولي الاتصالات البالغ 41 عاماً، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في المكتب يقر بذلك علناً، إلا أن الجميع يفعل! من منا لا يستخدم (تشات جي بي تي؟) مجرد التفكير في حظره أمر عبثي».