هل يصبح «الذكاء الاصطناعي المظلم» التهديد الأخطر القادم للأمن السيبراني؟

«كاسبرسكي»: المعركة المقبلة بين «ذكاءين اصطناعيين»

تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)
تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)
TT

هل يصبح «الذكاء الاصطناعي المظلم» التهديد الأخطر القادم للأمن السيبراني؟

تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)
تشير تحليلات أمنية إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي المظلم تُستخدم في حملات تصيد وهجمات فدية (شاترستوك)

عند تقاطع الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، تبرز ساحة معركة جديدة تتسارع فيها وتيرة المخاطر: ما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المظلم». فمع ازدياد قوة أدوات الذكاء الاصطناعي وسهولة الوصول إليها، لم تعد هذه التقنيات حكراً على المطورين أو الباحثين، بل أصبحت في متناول مجرمي الإنترنت الذين باتوا يستخدمونها لأتمتة الهجمات، وتوسيع نطاقها، وتخصيصها بدقة غير مسبوقة.

هذا التحوّل كان في صميم تحذيرات خبراء شركة «كاسبرسكي»، خلال مشاركتهم في مؤتمر «Cyber Security Weekend 2025» الذي عُقد مؤخراً في جزيرة بوكيت التايلاندية، حيث ناقشوا مع «الشرق الأوسط» ملامح المرحلة المقبلة من التهديدات السيبرانية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي.

أليكسي أنتونوف قائد فريق مركز أبحاث تقنيات الذكاء الاصطناعي لدى «كاسبرسكي» متحدثاً خلال المؤتمر (كاسبرسكي)

من الابتكار إلى الاستغلال

لطالما مثّل الذكاء الاصطناعي وعداً بتحولات جذرية في مختلف القطاعات من الرعاية الصحية والتعليم، إلى عالم التمويل والخدمات اللوجستية. لكن كأي أداة قوية، يبقى استخدامه مرهوناً بالنيات: فقد يكون محفزاً للابتكار، أو وسيلة فعالة في أيدي من يسعى للإضرار.

يقول أليكسي أنتونوف، قائد فريق مركز أبحاث تقنيات الذكاء الاصطناعي في «كاسبرسكي»، إن المهاجمين المحترفين بدأوا بالفعل تسخير الذكاء الاصطناعي لتعزيز أدواتهم. لكنه يحذر من المرحلة المقبلة: «الخطر الحقيقي سيظهر عندما يتمكن غير المحترفين من استخدام هذه النماذج بسهولة».

ويشاركه الرأي سيرغي لوجكين، رئيس فريق البحث والتحليل العالمي (GReAT) في «كاسبرسكي»، موضحاً أن «الذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن لا يزال بحاجة إلى تدخل بشري لصياغة برمجيات خبيثة فعالة، لكن هذا الوضع لن يستمر طويلاً».

ويفصّل أنتونوف المشهد التقني الحالي، قائلاً إن النماذج الذكية اليوم يمكنها إنتاج شيفرات خبيثة، لكنها لا تزال تحتاج إلى تعديل يدوي لتجاوز أنظمة الحماية. فيما يؤكد لوجكين أن «الكود» الناتج يحتاج عادة إلى «تصحيح وتحسين بشري ليحقق أهدافه»، إلا أن كلا الخبيرين يتفقان على أن المستقبل القريب سيشهد بروز نماذج قادرة على إنتاج برمجيات خبيثة متقدمة بشكل تلقائي، دون تدخل بشري يُذكر.

سيرغي لوجكين، رئيس فريق البحث والتحليل العالمي (GReAT) في «كاسبرسكي» متحدثاً خلال المؤتمر (كاسبرسكي)

ولادة «الذكاء الاصطناعي المظلم»

قدّم كل من أنتونوف ولوجكين مفهوماً مقلقاً لما يُعرف بـ«الذكاء الاصطناعي المظلم»، وهي نماذج لغوية ضخمة يتم تطويرها أو تعديلها على يد مجرمي الإنترنت، بعيداً عن أي قيود أخلاقية أو ضوابط أمنية. يصف أنتونوف هذه النماذج بأنها «صُممت من مجرمين... لمجرمين». أما لوجكين فيُفصّل الأمر بقوله: «إذا حاولت استخدام نموذج ذكاء اصطناعي شرعي لإنشاء برمجية خبيثة، فسيرفض. أما الذكاء الاصطناعي المظلم، فلن يضع أي حدود، وسينفذ كل ما تطلبه من رسائل تصيّد مقنعة إلى نسخ مزيّفة من مواقع إلكترونية شهيرة».

سلاح الذكاء الاصطناعي الحقيقي

ورغم أن التركيز الإعلامي غالباً ما ينصب على القدرات الإبداعية للذكاء الاصطناعي، فإن التهديد الحقيقي يكمن في سرعته وقابليته للتوسع. ففي السابق، كان على المهاجمين إعادة كتابة الشيفرات يدوياً لتجاوز أنظمة الحماية بعد اكتشافها. أما اليوم، فيكفي أن يُدخل المهاجم أمراً بسيطاً مثل «اجعلها غير قابلة للكشف»، ليقوم الذكاء الاصطناعي بالباقي.

يشرح لوجكين أن هذا التطور يُسرّع بشكل كبير من دورات إنتاج البرمجيات الخبيثة، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي تعديل البنى البرمجية القائمة وإضافة وظائف جديدة خلال وقت قصير، مع الحاجة إلى تدخل بشري محدود. هذه السرعة تمنح المهاجمين المحترفين وغير المحترفين ميزة واضحة، وتوسّع دائرة التهديد بشكل غير مسبوق.

ويستشهد لوجكين بمجموعة «فانكسيك» (FunkSec) التي ظهرت عام 2024 كنموذج لهذا التحول؛ إذ استخدمت شيفرات مكتوبة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، مصحوبة بتعليقات برمجية عالية الجودة، لتنفيذ هجمات فدية مزدوجة. وتميزت هذه المجموعة باتباع نموذج «منخفض الكلفة وعالي الحجم»، معتمدة على أدوات الذكاء الاصطناعي لزيادة الكفاءة وتقليل التكاليف وهو تحول نوعي في أسلوب عمل مجرمي الإنترنت.

تحذر تقارير بأن الهجمات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تزداد تعقيداً وسرعةً ما يجعل التصدي لها أكثر صعوبة (شاترستوك)

التحول والتكيف

من بين أبرز المخاوف المتصاعدة، استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير برمجيات خبيثة متحورة قادرة على تغيير شكلها باستمرار لتفادي أنظمة الكشف التقليدية. يوضح لوجكين: «كل عينة جديدة من البرمجية نفسها قد تبدو مختلفة»، مشيراً إلى أن النماذج الذكية أصبحت قادرة على توليد هذه المتغيرات بشكل تلقائي.

وخلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، يضيف لوجكين أن المهاجمين بات بإمكانهم كذلك استخدام الذكاء الاصطناعي لتوليد وحدات خبيثة جديدة مثل أدوات تسجيل المفاتيح أو اعتراض الكاميرات بناءً على قوالب برمجية جاهزة، ما يجعل تطوير الهجمات أسرع وأقل تكلفة من أي وقت مضى.

ومع تصاعد هذا التهديد، يؤكد كل من أنتونوف ولوجكين أن المدافعين لا يزالون يملكون الفرصة للتفوق، بشرط تغيير طريقة التعامل مع التهديدات. ويشدد أنتونوف على أن «المدافع لا يحارب الذكاء الاصطناعي نفسه، بل يحارب ناتجه»، مشيراً إلى ضرورة تطوير أدوات استخباراتية ترصد البصمات الرقمية للهجمات، وتحديد مصادر أدوات التصيّد المتقدمة المنتشرة في الشبكات المظلمة.

كلا الخبيرين أشار أيضاً إلى مجموعة «لازاروس» سيئة السمعة كمثال بارز على الجرائم السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، حيث قامت المجموعة بإنشاء صفحات تصيّد وملفات تعريف مزيفة عبر منصات احترافية باستخدام أدوات توليد المحتوى الذكي. ويرجّح لوجكين، استناداً إلى تقارير غير مؤكدة، أن بعض الشيفرات المستخدمة من قبل المجموعة كُتبت جزئياً عبر نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة.

محمد هاشم المدير العام للسعودية والبحرين لدى شركة «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

الشرق الأوسط... ساحة نشطة للتهديدات

تُعد منطقة الشرق الأوسط اليوم إحدى أكثر الساحات حساسية في مشهد التهديدات السيبرانية العالمية، حيث يتقاطع التحول الرقمي المتسارع مع تصاعد الهجمات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويرى أليكسي أنتونوف أن هذا ليس بالأمر الجديد، إذ لطالما شكّلت المنطقة محور اهتمام استراتيجي للقوى الجيوسياسية، بفضل مكانتها كمركز مالي وتجاري آخذ في التوسع والنمو.

وتُظهر بيانات «كاسبرسكي» أن حدة هجمات الفدية في الشرق الأوسط ارتفعت لتبلغ 0.72في المائة في عام 2025، متجاوزة بذلك أفريقيا وتركيا. ويُعزى هذا الارتفاع إلى تسارع تبنّي التقنيات الرقمية في المنطقة، إلى جانب تفاوت مستويات النضج الأمني السيبراني بين القطاعات والدول. ومع ازدياد استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في تطوير البرمجيات الخبيثة، تصبح هذه التهديدات أكثر خفاءً وفاعلية من ذي قبل.

وفي سياق متصل، يؤكد محمد هاشم، المدير العام لشركة «كاسبرسكي» في السعودية والبحرين، أن المملكة تسير في طليعة الدول التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي على مستوى المنطقة. لكنه يحذّر من أن هذه الطفرة التقنية لا تخلو من تحديات أمنية عميقة. ويقول في حديثه مع «الشرق الأوسط»: «السعودية تقود جهود التحول الرقمي في المنطقة باستثمارات ضخمة، لكن لا بد من مواجهة التحديات الأمنية المصاحبة لتقنيات الذكاء الاصطناعي منذ مراحلها الأولى».

ويشدد هاشم على أهمية دمج الأمن السيبراني ضمن دورة حياة تطوير الذكاء الاصطناعي، بدءاً من التصميم وحتى التنفيذ، مؤكداً أن ذلك هو السبيل لضمان الجاهزية المستقبلية. كما يسلّط الضوء على دور مؤسسات وطنية مثل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) ومكتب إدارة البيانات الوطني في بناء منظومة ذكاء اصطناعي آمنة وقادرة على الصمود. ويضيف أن هذه الجهود تصبح أكثر أهمية في القطاعات الحساسة، مثل المدن الذكية والرعاية الصحية والقطاع المالي، التي تشكّل محاور أساسية في «رؤية السعودية 2030».

تفيد تقارير بأن استخدام الذكاء الاصطناعي يساهم في تسريع تطوير البرمجيات الخبيثة ويقلل الحاجز التقني أمام المهاجمين الأقل خبرة (شاترستوك)

ذكاء اصطناعي ضد ذكاء اصطناعي

يتوقع خبراء «كاسبرسكي» أن يشهد المستقبل القريب تحولاً نوعياً في طبيعة المواجهات الرقمية، حيث تتحول المعركة من «البشر باستخدام الذكاء الاصطناعي» إلى صراع مباشر بين «أنظمة ذكاء اصطناعي» نفسها.

ويرى كل من أنتونوف ولوجكين أن هذه النقلة ليست بعيدة، مشيرين إلى أننا نعيش حالياً مرحلة انتقالية، لكن المؤشرات تدل على أن الذكاء الاصطناعي قد يصبح في وقت قريب اللاعب الوحيد على جانبي الهجوم والدفاع. ويعزّز محمد هاشم هذا الطرح، مؤكداً أن الشراكات العالمية ستكون مفتاحاً لحماية التقدم التقني من مخاطره المحتملة، ويقول: «من الضروري أن يترافق الابتكار في الذكاء الاصطناعي مع حماية سيبرانية بمستوى عالمي. فمواجهة التهديدات الناشئة مثل التزييف العميق والتصيّد المؤتمت تتطلب تنسيقاً دولياً وتبادلاً مستمراً للمعرفة والدفاعات».

من جهة أخرى، بات الذكاء الاصطناعي يشكّل اليوم العنصر المشترك في معظم التهديدات السيبرانية الحديثة من تطوير البرمجيات الخبيثة، إلى تنفيذ حملات تصيّد متقدمة، ووصولاً إلى مراقبة الأفراد عبر الأجهزة المحمولة. ومع ذلك، يُذكّر خبراء «كاسبرسكي» أن الذكاء الاصطناعي لا يزال أداة، وقيمة هذه الأداة تُحدَّد بطريقة استخدامها.

وفي وقت يقف فيه العالم الرقمي أمام مفترق طرق مصيري، لم يعد السؤال المطروح ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر شكل الصراع السيبراني، بل إلى أي مدى نحن مستعدون لتوجيه هذا التحوّل بدلاً من أن نُفاجَأ به.


مقالات ذات صلة

أكثر من 31 ألف رسالة احتيالية تستغل خدمات «مايكروسوفت» الرسمية

تكنولوجيا بعض الرسائل الاحتيالية تصل عبر إشعارات رسمية وتتضمن رموز تحقق لم يطلبها المستخدم (رويترز)

أكثر من 31 ألف رسالة احتيالية تستغل خدمات «مايكروسوفت» الرسمية

رصدت «كاسبرسكي» أكثر من 31 ألف رسالة احتيالية تستغل خدمات «مايكروسوفت» الشرعية لإخفاء روابط تصيد وسرقة بيانات المستخدمين.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي يسرّع استغلال الثغرات ويضاعف أهمية التحديث (مايكروسوفت)

ثغرات تُستغل خلال ساعات... «مايكروسوفت» تحذر من تأخير التحديثات الأمنية

يحذر تقرير «مايكروسوفت» من تسارع استغلال الثغرات خلال ساعات، واتساع الفجوة بين سرعة الهجوم وبطء تثبيت التحديثات الأمنية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)
شمال افريقيا عضوات من «المرصد الوطني لحقوق المرأة والفتاة» في موريتانيا بعد زيارة موقوفات (المرصد)

الأمن الموريتاني يواصل حملة لتفكيك شبكة «ابتزاز إلكتروني»

زار وفدان من هيئتين حقوقيتين رسميتين في موريتانيا، خلال الأيام الماضية، عدداً من الموقوفين على ذمة التحقيق في قضية باتت تُعرف إعلامياً بـ«ملف مدوّني الخارج».

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس خلال مشاركتها في الاجتماع العاشر لمجلس الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وجمهورية مولدوفا في بروكسل يوم 5 أكتوبر 
2026 (إ.ب.أ)

كالاس: روسيا تشكل ⁠خطراً على الأرواح في أوروبا بهجماتها الهجينة

قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم (الاثنين)، إن روسيا تشكل خطراً على أرواح الناس في جميع أنحاء أوروبا من خلال شن هجمات هجينة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
تكنولوجيا أصبح الذكاء الاصطناعي هدفاً للهجمات بقدر ما هو أداة للدفاع مع تزايد المخاوف من تسميم البيانات واستهداف النماذج والأنظمة الوكيلية (أدوبي)

الذكاء الاصطناعي يرفع مخاطر الأمن السيبراني

يكشف تقرير «PwC» اتساع مخاطر الذكاء الاصطناعي سيبرانياً مقابل استمرار غموض المسؤولية وتفاوت الجاهزية رغم زيادة الميزانيات والاستثمار في الحماية.

نسيم رمضان (لندن)

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

TT

8 ولايات أميركية تتهم «تشات جي بي تي» بدفع الأطفال لإيذاء أنفسهم والآخرين

أعلنت ثماني ولايات أميركية، منها أيوا وكانساس، أمس (الأربعاء)، أنها رفعت دعاوى قضائية على شركة «أوبن إيه آي» أمام محاكم في أنحاء البلاد بسبب الأضرار التي قالت إن تطبيق «تشات جي بي تي» تسبب بها للأطفال.

وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، فقد ذكرت الولايات أن روبوت الدردشة الآلي دفع أطفالاً إلى إيذاء أنفسهم أو آخرين.

وتسعى الدعاوى القضائية المرفوعة أمام محاكم الولايات إلى الحصول على أمر يجبر «أوبن إيه آي» على إجراء تغييرات في طريقة عمل «تشات جي بي تي» مع الأطفال.

وتسعى الولايات أيضاً إلى الحصول على أمر يجبر الشركة على التنازل عن الأرباح التي حققتها من المستخدمين الأطفال.

وكان وزير العدل بولاية فلوريدا أول من رفع دعوى قضائية على الشركة باتهامات مماثلة في يونيو (حزيران).

وتواجه الشركة أيضاً عشرات الدعاوى القضائية التي تتهم «تشات جي بي تي» بالمساعدة في وقائع إطلاق نار عشوائي أو أعمال عنف أخرى.


السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
TT

السعودية ترسل أول عينات بيولوجية من نوعها بالمنطقة إلى الفضاء

برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)
برنامج بحثي لدعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد (وكالة الفضاء السعودية)

أرسلت السعودية أول عينات بيولوجية من نوعها بمنطقة الشرق الأوسط إلى محطة الفضاء الدولية، في إطار مهمة الجاذبية الحيوية 1 ضمن «SpaceX CRS - 35»، بدعم من الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء «ناسا».

وجاء الإطلاق من وكالة الفضاء السعودية وجامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية «كاوست» ضمن برنامج بحثي طويل المدى يستهدف دعم الجهود العلمية لمكافحة أمراض ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، عبر سلسلة من 3 مهمات متتابعة.

ويُعزِّز هذا الإنجاز العلمي حضور السعودية في أبحاث الجاذبية الصغرى، ويوسع توظيف علوم وتقنيات الفضاء في خدمة الأبحاث الصحية والحيوية.

وتمثل المهمة أولى مراحل البرنامج بإرسال عينات بشرية مرجعية من متبرعين أصحاء إلى الفضاء؛ لتأسيس قاعدة علمية للمقارنة في المراحل اللاحقة، والاستفادة من الخصائص الفريدة لبيئة الجاذبية الصغرى في دراسة التغيرات الخلوية المرتبطة بالتقدم في العمر والأمراض العصبية التنكسية.

وتشمل تجربتين بيولوجيتين طوّرتها «كاوست» تحملان الاسمين SSA - 1 وSSA - 2. وينفذ البرنامج ضمن شراكة علمية دولية تجمع المؤسسة الوطنية الأميركية للخلايا الجذعية (NSCF) وبدعم من «ناسا»، وشركة «أكسيوم سبيس»، إلى جانب مشاركة علمية وطنية من الوكالة و«كاوست»، بما يعزز تكامل القدرات المحلية مع المنظومة البحثية العالمية.

من جانبها، قالت رائدة الفضاء السعودية ريانة برناوي، المشرفة العامة على أبحاث الجاذبية الصغرى في الوكالة، إن إطلاق هذه العينات «يمثل خطوة علمية مهمة في مسار توظيف بيئة الفضاء لخدمة صحة الإنسان، ويعكس تطور القدرات الوطنية وجاهزيتها للمشاركة في أبحاث متقدمة وعبر برنامج الجاذبية الحيوية».

وأضافت برناوي: «نسعى لتحويل المعرفة المكتسبة في المدار إلى فرص بحثية تسهم في تعميق فهم الأمراض ودعم تطوير حلول علاجية مستقبلية».

وبدوره، أكد أستاذ العلوم الحيوية في «كاوست» البروفسور عماد غلوزي، العالم الرئيس للمشروع، أن المهمة تتيح للباحثين اختبار نماذج الأمراض في بيئة لا يمكن محاكاتها على الأرض، وتعزز إسهام الجامعة في اكتشافات تخدم المرضى في المملكة والعالم.

إلى ذلك، أبدت الدكتورة بينار ميسي، المستشارة العلمية للمؤسسة والرئيسة العالمية للتصنيع الحيوي والتقنية الحيوية في «أكسيوم سبيس»، حماسها لهذه المهمة التي شملت عينات من السعودية.

وأوضحت ميسي أن فريق المؤسسة «سيختبر ولأول مرة في بيئة الجاذبية الصغرى، مفهوم (قرية الخلايا)، ويتيح مفهوم دمج عدة خطوط خلوية فردية ضمن عضية واحدة، إجراء دراسات على مستوى المجموعات السكانية، مع إمكانية تنفيذ ما يمكن وصفه بـ(التجارب السريرية في طبق مخبري)».

ويمتد البرنامج عبر ثلاث مهمات بحثية مترابطة تبدأ بدراسة العينات المرجعية السليمة، ثم دراسة نماذج مشتقة من مرضى ألزهايمر والتصلب اللويحي المتعدد، وصولاً إلى دراسة الاستجابة العلاجية واستكشاف أهداف دوائية محتملة في بيئة الجاذبية الصغرى.

ويأتي برنامج «الجاذبية الحيوية» ضمن جهود الوكالة لبناء القدرات الوطنية في أبحاث الجاذبية الصغرى وعلوم الحياة، وتوسيع الشراكات العلمية الدولية، وتوظيف علوم وتقنيات الفضاء لخدمة صحة الإنسان، بما يسهم في تعزيز الاقتصاد المعرفي والابتكار وجودة الحياة، انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
TT

«الذكاء الاصطناعي الخفي»... موظفون يستعينون بالتقنية سراً بعيداً عن أعين مديريهم

يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)
يلجأ عدد كبير من الموظفين إلى الذكاء الاصطناعي من دون موافقة أصحاب عملهم (رويترز)

على غرار كاميل، المهندسة المعمارية التي يوفّر عليها الذكاء الاصطناعي «وقتاً هائلاً»، يلجأ عدد كبير من الموظفين الفرنسيين إلى هذه الأداة من دون موافقة أصحاب عملهم، في إطار ابتكارهم حلولهم الخاصة رداً على الأساليب القديمة والبطيئة التي لا تزال شركاتهم تعتمدها، وتقصيرها في تبنّي التقنيات الحديثة.

وتدير صوفي (اسم مستعار) وهي مديرة عقارات تبلغ 38 عاماً، 500 عقار وتضطر للتعامل مع الحالات الطارئة، فضلاً عن «مئات رسائل البريد الإلكتروني المتراكمة». وتصف كمية العمل بـ«الهائلة»، مشيرة إلى أن ضغوط المسؤولين عنها تزيد الوضع سوءاً.

وتعد صوفي أن الأدوات المستخدمة داخل شركتها باتت «متقادمة»، وأن مديريها يفشلون في مواكبة التطور. وتتابع: «لا توفر الشركات الأدوات اللازمة لتسهيل العمل، مما يسبب إحباطاً كبيراً للموظفين».

ودفع ذلك بالموظفة الثلاثينية إلى الاشتراك على نفقتها الخاصة بخدمات نموذج الذكاء الاصطناعي «كلود» من «أنثروبيك»، واستخدامه لصوغ الردود على المالكين والمستأجرين.

وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «يتعين علي التحقق من النقاط القانونية للتأكد من عدم وجود أخطاء، إلا أنه يوفر علي مع ذلك وقتاً هائلاً. إنه أشبه بتكليف شخص آخر إنجاز عمل يتطلب وقتاً طويلاً».

ويعرف هذا النوع من الاستخدام بـ«الذكاء الاصطناعي الخفي» (Shadow AI)، أي عندما يلجأ الموظفون إلى هذه الأداة من دون إشراف من الشركة.

ويؤكد جيروم بيلوا، الخبير في أمن المعلوماتية في شركة الاستشارات «وايفستون»، أن هذه الظاهرة باتت «منتشرة إلى حد كبير» في جميع القطاعات العامة والخاصة على حد سواء.

ويوضح بيلوا أن «الأدوات التي تقترح المؤسسات البدء باستخدامها تخضع لقيود تنظيمية وميزانيات محددة، ولا تكون دائماً بكفاءة تلك المتاحة في الخارج مقابل بعض عشرات اليوروهات».

ويتابع: «بحلول الوقت الذي تجد في هذه الشركات النماذج التي تتماشى مع سياساتها الداخلية»، تكون تلك الأدوات أصبحت «قديمة» بالفعل مقارنة بتلك المتوافرة في الخارج للجميع، لا سيما بالنظر إلى «السرعة الجنونية» التي يتطور بها الذكاء الاصطناعي.

ووفقا لمؤشر «وورك تريند إندكس» (Work Trend Index) الصادر عن «مايكروسوفت لينكد إن»، فإن 75 في المائة من الموظفين حول العالم كانوا يستخدمون الذكاء الاصطناعي في العمل عام 2024، و78 في المائة منهم يستخدمون أدواتهم الخاصة.

وتقول كاميل إنه على الرغم من أنها تقوم بمراجعة النتائج والتحقق منها وتعديلها، فإن الذكاء الاصطناعي يكون قد أتم بالفعل بين 80 إلى 90 في المائة من العمل. وتتابع: «لم يكن رؤسائي يريدون الالتفات إلى هذه المسألة. لذا فعلت ما بوسعي» باستخدام الأدوات العامة المتاحة للجميع.

«في الخفاء»

وتوضح سيسيل دوجو، مديرة مرصد التحولات الإدارية والموارد البشرية في المعهد الوطني للفنون والمهن، أن «غياب الأدوات أو التوجيهات من جانب الشركات يشجع على هذه الممارسات».

وتشير إلى أن بعض الشركات تحظر على موظفيها استخدام الذكاء الاصطناعي، إلا أنهم يلجأون مع ذلك إليه لتسريع العمل وكسب مزيد من الوقت.

وبينما تكون شركات أخرى منهمكة في «صوغ» إطار معين لاستخدام هذه التقنية يشمل المعايير الأخلاقية والأدوات اللازمة ومجالات الاستخدام المحددة، يكون الموظفون قد بدأوا بالفعل باستخدام نماذجهم الخاصة «في الخفاء»، مما يكشف الفجوة بين تحديد القواعد والتجربة على الأرض.

وتتابع دوجو أنه بمجرد أن يلحظ الموظفون فوائد هذه الأدوات، يصبحون «نوعاً ما مدمنين عليها»، وتصبح الأدوات التي توفرها الشركات لاحقاً غير قادرة على منافسة تلك التي يستخدمونها بالفعل.

على أن الظاهرة المشار إليها تثير مخاوف تتعلق بالخصوصية، وسط إمكان تسرب بيانات سرية خاصة بالشركات، حسب جيروم بيلوا.

وتؤكد شهرزاد عبوب، المحامية المتخصصة في قانون البيانات، أنه فيما يتعلق بإرسال بيانات إلى الذكاء الاصطناعي يجب «أن نتعامل معها كما لو كنا على أرض الواقع».

وتضيف: «لا يمكننا مشاركة البيانات التي تتضمن أسرار الشركة أو طريقة عملها أو معلومات شخصية».

إلا أن كاميل تقلل من هذه المخاوف، إذ تعد أن الأدوات المستخدمة يومياً لا تضمن أصلاً الحفاظ على سرية المعلومات، بدءاً من «رسائل البريد الإلكتروني وصولاً إلى منصة تيمز».

وتضيف أن أصحاب العمل يقللون من أهمية إدخال الذكاء الاصطناعي في العمل اليومي، ومن «العبء الزائد في العمل» الذي يعانيه الموظفون.

ولمنع استمرار الموظفين في استخدامه سراً، ترى سيسيل دوجو أن على المسؤولين في الشركات «وضع خريطة طريق»، يحددون بموجبها الحاجات والأدوات اللازمة والإطار الذي يمكن استخدامها به في كنف الشركة.

ويقول أحد مسؤولي الاتصالات البالغ 41 عاماً، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته: «لا أحد في المكتب يقر بذلك علناً، إلا أن الجميع يفعل! من منا لا يستخدم (تشات جي بي تي؟) مجرد التفكير في حظره أمر عبثي».