هل يصبح «الطب الشرعي الرقمي» للبيانات خط الدفاع الأول ضد الجرائم المالية؟

يرى خبراء أن «الطب الشرعي الرقمي» أصبح أداةً أساسيةً في تحقيقات الشركات لمواكبة المتطلبات التنظيمية في السعودية (غيتي)
يرى خبراء أن «الطب الشرعي الرقمي» أصبح أداةً أساسيةً في تحقيقات الشركات لمواكبة المتطلبات التنظيمية في السعودية (غيتي)
TT

هل يصبح «الطب الشرعي الرقمي» للبيانات خط الدفاع الأول ضد الجرائم المالية؟

يرى خبراء أن «الطب الشرعي الرقمي» أصبح أداةً أساسيةً في تحقيقات الشركات لمواكبة المتطلبات التنظيمية في السعودية (غيتي)
يرى خبراء أن «الطب الشرعي الرقمي» أصبح أداةً أساسيةً في تحقيقات الشركات لمواكبة المتطلبات التنظيمية في السعودية (غيتي)

تشهد المملكة العربية السعودية تحولاً رقمياً غير مسبوق ضمن «رؤية 2030»، لا يقتصر على البنية التحتية والخدمات العامة، بل يمتد ليعيد تشكيل طريقة تعامل الشركات مع الامتثال والاحتيال والتحقيقات الداخلية. فمع ازدياد التدقيق التنظيمي وتضاعف حجم البيانات الرقمية، أصبحت التقنيات المتقدمة مثل الذكاء الاصطناعي وتحليلات ما يطلق عليه تكنولوجيا «الطب الشرعي الرقمي» والأرشفة الرقمية أدوات أساسية لا غنى عنها. في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط» يقول بدر نديم، المدير الأول للاستشارات التقنية في «إف تي آي للاستشارات»، إن التكنولوجيا لم تعد تسرّع التحقيقات فحسب، بل تجعل نتائجها قابلة للدفاع قانونياً، وقابلة للتوسع، ومهيّأة للتدقيق.

اللوائح التنظيمية كمحفّز للتحول

تعمل جهات تنظيمية مثل هيئة الرقابة ومكافحة الفساد (نزاهة) وهيئة السوق المالية والبنك المركزي السعودي على فرض لوائح أكثر صرامة في الحوكمة ومكافحة الجرائم المالية. ومع قوانين مثل قانون مكافحة الجرائم المالية وقانون حماية البيانات الشخصية، تُجبر الشركات على تبني تقنيات تضمن الشفافية وإمكانية تتبع البيانات. يقول نديم إن الجهات التنظيمية تتوقع ردوداً سريعةً ودقيقةً وكاملةً. ويضيف أن الجمع بين المساءلة القانونية والانفجار الرقمي في حجم البيانات يجعل من المستحيل الاعتماد على العمل اليدوي وحده.

صندوق أدوات التحقيق الحديث

بفضل أدوات مثل كشف الشذوذ والنمذجة التنبؤية وتحليل المشاعر، أصبح بإمكان الشركات اكتشاف المخاطر مبكراً وتفعيل الامتثال الاستباقي. ويوضح نديم أن تحليلات البيانات تتيح للمحققين بناء جداول زمنية من مصادر متعددة، واكتشاف أنماط خطيرة بسرعة، وتقليص وقت التحقيق بشكل ملحوظ.

يذكر أنه في إحدى القضايا على سبيل المثال، تم استخدام نموذج تحليل المشاعر لاستخراج رسائل بريد إلكتروني مشبوهة من أكثر من 250 ألف رسالة، مما قلّص التحقيق إلى أقل من 56 ساعة.

التحديات بين البشر والتكنولوجيا

رغم التقدم السريع في استخدام التكنولوجيا ضمن التحقيقات المؤسسية، لا تزال هناك فجوات هيكلية تعوق التكامل الكامل بين التكنولوجيا والعمليات. حسب بدر نديم، فإن التحديات تنبع من تداخل ثلاثة عناصر مترابطة، وهي الأشخاص والعمليات والتكنولوجيا. من جهة، غالباً ما يُلقى عبء إدارة أدوات التحليل والتحقيقات المتقدمة على فرق تكنولوجيا المعلومات، التي قد لا تمتلك الخبرة المتخصصة في «الطب الشرعي الرقمي». فهذه الأدوات، التي كانت تُستخدم سابقاً في حالات محدودة أو ضمن نطاقات ضيقة، تتطلب معرفة فنية وتحقيقية عميقة لا تتوفر دائماً ضمن فرق تقنية المعلومات التقليدية. ويشير نديم إلى أن بناء هذه القدرات إما يتطلب تدريباً داخلياً مكثفاً أو تعاوناً مع مستشارين خارجيين يمتلكون الخبرة اللازمة.

أما من ناحية العمليات، فإن غياب خرائط بيانات شاملة ومركزية يُضعف فاعلية هذه الأدوات بشكل كبير. يعد نديم أن أفضل نتائج التحليلات تعتمد على جودة البيانات المُدخلة إليها، وهو ما يصبح أكثر صعوبة في ظل تضخم حجم البيانات وتنوع مصادرها داخل المؤسسة.

أما على مستوى البنية التحتية، فتُشكل الأنظمة القديمة تحدياً إضافياً، إذ يصعب دمجها مع المنصات الحديثة التي تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة. وهنا، تجد المؤسسات نفسها أمام معادلة صعبة بين تكلفة تحديث الأنظمة بالكامل، أو الاكتفاء بحلول مؤقتة تتطلب تكييف البيانات القديمة مع الأنظمة الجديدة في كل مرة.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «المؤسسة الجاهزة للبيانات» كشرط أساسي لأي تحقيق ناجح. ويؤكد نديم على أهمية بناء مخزون شامل للبيانات، مشيراً إلى أن «غياب خريطة بيانات موثوقة قد يؤدي إلى تفويت أدلة محورية، أو تأخير الاستجابة، مما يعرّض المؤسسة لمخاطر تنظيمية كبيرة».

ويستلزم ذلك تحديد جميع مصادر البيانات داخل المؤسسة، سواء كانت على خوادم محلية أو سحابية أو ضمن أدوات اتصال الموظفين. ويجب تصنيف هذه البيانات بحسب نوعها وحساسيتها، مع تطبيق سياسات واضحة للأرشفة والحذف تتماشى مع متطلبات الجهات التنظيمية، مثل هيئة السوق المالية أو قانون حماية البيانات الشخصية.

«إف تي آي للاستشارات»: التحسين المستمر يبدأ بتحديث خرائط البيانات وتوثيق الدروس المستفادة من التحقيقات السابقة (غيتي)

دور الذكاء الاصطناعي

يشيد نديم بإمكانات الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات غير المهيكلة، وبناء الأنماط، والنمذجة التنبؤية، ويقول: «من تحليل المشاعر إلى التلخيص التلقائي للمستندات، أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي ضرورة لا رفاهية»، ويؤكد أيضاً أن «التكنولوجيا لا تحلّ محل المحققين... لكنها تعزز قدراتهم».

ولضمان قبول نتائج التحقيق في المحاكم، يجب الحفاظ على تسلسل الأدلة وسجلات الدخول والتحكم الكامل بالوصول. يعتبر نديم أنه «في ظل التوجهات التنظيمية الجديدة، لا يكفي أن تعرف الحقيقة... بل يجب أن تكون قادراً على إثبات كيف توصلت إليها».

الاستباقية عبر الشراكات الخارجية

الشركات التي تفتقر للخبرات الداخلية في «الطب الشرعي الرقمي» يجب أن تبني علاقات استباقية مع خبراء خارجيين. ويتابع نديم أن وجود طرف ثالث مستقل يعزز المصداقية، وقد يُطلب صراحة من قبل الجهات التنظيمية لتأكيد نزاهة الأدلة. ويتوقع نديم أن يكون الذكاء الاصطناعي الوكيلي «Agentic AI» أحد أكبر التحولات، حيث يمكن لوكلاء الذكاء الاصطناعي اتخاذ قرارات صغيرة بشكل مستقل، مثل رصد نشاط مريب ومقارنته تلقائياً بسياسات الامتثال. ويوضح كيف تتيح تقنيات مثل «راغ» (RAG) للنماذج أن تتفاعل مع مستندات الشركة، وتعتمد عليها كمرجعية قانونية دون تدخل بشري.

البيانات الاصطناعية والأخلاق

يشدد نديم خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» على أن البيانات الاصطناعية أكثر أماناً وأخلاقية في بعض الحالات، مثل تدريب نموذج على حوادث المصنع دون الحاجة إلى وقوع حوادث فعلية. ويقول إنه «بدلاً من انتظار وقوع خطر حقيقي، يمكن محاكاته بالذكاء الاصطناعي وتدريب النماذج عليه». هذا يُجنّب المؤسسات انتهاكات الخصوصية، ويحمي الأفراد ويضمن استدامة التدريب على سيناريوهات نادرة، ولكن عالية المخاطر، حسب وصفه.

التحسين المستمر

التعلم من التحقيقات السابقة، وتوثيق الثغرات، وتحديث الخرائط والسياسات بشكل دوري، هو مفتاح التطوير المستمر. ويوضح نديم أن «أفضل نظام تحقيقات هو النظام الذي يتم تحديثه باستمرار». ويضيف أن «التكنولوجيا ليست فقط أداة للتحقيق، بل أيضاً لتحسين الإجراءات نفسها من خلال تتبع الأداء وتحديد مجالات التحسين»، في بيئة تنظيمية سريعة التغيّر، يجب أن تكون الجاهزية الرقمية جزءاً من ثقافة المؤسسة، لا مجرد إجراء استجابة. وبينما تتقدم السعودية بثبات في مسيرتها نحو الشفافية والمساءلة، فإن التكنولوجيا تُعد إحدى أقوى أدواتها للوصول إلى هذا الهدف.


مقالات ذات صلة

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

خاص التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

تقول «غوغل كلاود» إن هدوء الهجمات لا يلغي الخطر، وإن المرونة السيبرانية تبدأ من الثغرات والاستعداد المبكر قبل التصعيد.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
خاص تقدم «غوغل كلاود» الذكاء الاصطناعي بوصفه نموذجاً تشغيلياً متكاملاً للمؤسسات لا مجرد مجموعة أدوات منفصلة (غوغل)

خاص من لاس فيغاس... «غوغل كلاود نيكست 2026» يرسم المرحلة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي

تقدم «غوغل كلاود» في «نيكست 2026» الذكاء الاصطناعي كاختبار لجاهزية المؤسسات في البنية والبيانات والحوكمة والأمن والتشغيل.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
الاقتصاد جانب من ملتقى «حكومة الرقمية 2025» (الهيئة)

الحكومة السعودية تواصل تقدمها في استخدام التقنيات الناشئة لتتجاوز 76 %

أعلنت هيئة الحكومة الرقمية السعودية تقرير «مؤشر جاهزية تبنّي التقنيات الناشئة»، الذي يؤكد التطور المتسارع في جاهزية الجهات الحكومية لتبنّي التقنيات الناشئة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا يرى معظم الطلاب أن التقنيات المتطورة والذكاء الاصطناعي يقدمان دعماً حقيقياً للإبداع وتدوين الملاحظات والتلخيص وتوليد الأفكار (شاترستوك)

دراسة من «لينوفو»: 98 % من طلاب الجيل زد يستخدمون الذكاء الاصطناعي مسانداً يومياً

دراسة «لينوفو» تكشف اعتماد طلاب الجيل زد على الأجهزة اللوحية، والذكاء الاصطناعي للدراسة، والإبداع، والتنظيم اليومي مع أولوية للأمان، والاستدامة.

نسيم رمضان (لاس فيغاس)
عالم الاعمال استطلاع لـ«كلاوديرا»: ثقة مرتفعة بالبيانات في السعودية رغم تحديات الحوكمة

استطلاع لـ«كلاوديرا»: ثقة مرتفعة بالبيانات في السعودية رغم تحديات الحوكمة

أظهر استطلاع حديث أجرته شركة «Cloudera» أن المؤسسات في السعودية تبدي مستويات مرتفعة من الثقة ببياناتها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
TT

«غوغل كلاود» لـ«الشرق الأوسط»: هدوء سيبراني «حذر» رغم التوترات الإقليمية

التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)
التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين لم تؤدِّ إلى تصعيد سيبراني واسع وفوري بالقدر الذي كان متوقعاً (شاترستوك)

في «غوغل كلاود نكست 2026» في لاس فيغاس، لم يكن حديث ساندرا جويس، نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intelligence)، مجرد إضافة تقنية ضمن زخم الذكاء الاصطناعي الذي طغى على المؤتمر، بل قدّم قراءة أكثر هدوءاً وانضباطاً لمشهد التهديدات السيبرانية في لحظة إقليمية ودولية حساسة.

وخلال الجلسة، سألت «الشرق الأوسط» عمّا إذا كانت التوترات التي شهدها الشرق الأوسط خلال الشهرين الماضيين قد انعكست على نمط الهجمات السيبرانية، وما إذا كانت «غوغل كلاود» قد رصدت تحولاً موازياً في مستوى النشاط أو طبيعته. غير أن رد ساندرا جويس جاء على خلاف ما قد يتوقعه كثيرون قائلة إن فريقها «لم يرَ في الواقع ارتفاعاً كبيراً في النشاط السيبراني» خلال تلك الفترة، مضيفة أن ما جرى، باستثناء بعض الوقائع التي ظهرت علناً، لم يصل إلى مستوى تصعيد واسع، بل إنهم «شهدوا هدوءاً، ثم عادت المستويات تقريباً إلى ما كانت عليه سابقاً»، بخلاف ما حدث مع بداية التوترات بين روسيا وأوكرانيا.

وتكتسب هذه الملاحظة أهميتها من أنها تبتعد عن المبالغة، وتقدم صورة أكثر توازناً؛ فالتوترات الجيوسياسية لا تنعكس بالضرورة، وبصورة فورية، في موجة سيبرانية واسعة ومرئية. لكن ذلك، في حديث ساندرا جويس، لا يعني أن الخطر تراجع أو أن البيئة أصبحت أكثر أماناً.

ساندرا جويس نائبة رئيس «غوغل ثريت إنتلجنس» (Google Threat Intellegence) (غوغل)

استعداد قبل الانفجار

وعندما سُئلت عن تفسير هذا الهدوء النسبي، لم تربطه ساندرا جويس بضعف في قدرات الجهات المهاجمة أو بانحسار التهديد، بل أشارت إلى احتمالات أكثر تعقيداً؛ إذ ربما تكون هذه القدرات موزعة بشكل لامركزي، بحيث لا يؤدي استهداف موقع معين إلى تعطيلها، وربما لم يصدر القرار باستخدامها على نطاق أوسع، وربما كانت هناك اعتبارات ردع قائمة.

وفي المقابل، شرحت كيف تتعامل «غوغل كلاود» مع مثل هذه اللحظات عبر ما وصفته بآلية التعامل مع «الأحداث الكبرى»، حيث يجري العمل السريع بهدف التحرك قبل اتساع الأثر، من خلال توفير مؤشرات مبكرة عمّا قد يحدث، ثم التمييز بعد ذلك بين الضجيج والحقيقة، وبين التصورات والوقائع، حتى تتمكن المؤسسات من اتخاذ قرارات عملية تستند إلى سياق واضح. وبذلك، لا يعود دور استخبارات التهديدات مقتصراً على الإبلاغ عمّا حدث، بل يمتد إلى مساعدة المؤسسات على معرفة ما ينبغي فعله بعد ذلك.

«غوغل كلاود»: أول اختبار حقيقي لمرونة المؤسسات اليوم يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية لا من الشعارات العامة حول الصمود (شاترستوك)

اختبار المرونة الحقيقي

وفي محور آخر، انتقل النقاش مع «الشرق الأوسط» إلى معنى «المرونة» أو «الصمود» داخل المؤسسات، ليس فقط من زاوية حماية المعلومات، بل أيضاً من زاوية الحفاظ على استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة. وجاء جواب جويس مباشراً، مشيرة إلى أن أول ما تنظر إليه اليوم، بخلاف ما كانت قد تقوله قبل ثلاث سنوات، هو برامج إدارة الثغرات والتحديثات الأمنية؛ لأن أدوات الذكاء الاصطناعي باتت تمنح المهاجمين سرعة ونطاقاً وقدرة على إحداث أثر واسع «بشكل لم نره من قبل».

وتنقل هذه النقطة النقاش من المفهوم العام للمرونة إلى مستوى أكثر دقة وواقعية. فساندرا جويس لا تتحدث عن الصمود بوصفه مجرد خطة استجابة أو قدرة على استعادة الأنظمة بعد الهجوم، بل بوصفه قدرة استباقية على سد الثغرات قبل أن تتحول إلى منفذ لهجمات أسرع وأكثر تعقيداً. ووفق شرحها، فإن المؤسسات في 2026 تحتاج إلى التفكير في أدوات ذكاء اصطناعي تمتلك «السرعة والحجم والقدرة المتقدمة»، ويمكن أن تتجه إلى أي ثغرة في الشبكة، حتى تلك التي قد تكون المؤسسة قد صنّفتها سابقاً على أنها ثانوية أو منخفضة الأولوية. والأسوأ من ذلك، كما أوضحت، أن هذه الأدوات لا تكتفي باستغلال ثغرة واحدة، بل يمكن أن تربط بين نقاط ضعف مختلفة لتكوين مسار اختراق جديد وأكثر فاعلية.

«رذاذ قبل العاصفة»

وعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت ترى بالفعل تصاعداً واسعاً في الهجمات التي تستخدم قدرات الذكاء الاصطناعي الجديدة، لم تقل إن هذه الموجة بلغت ذروتها، لكنها وصفت ما نراه اليوم بأنه أشبه «برذاذ يسبق العاصفة». وقالت بوضوح إن الاعتقاد بأن هذا الوضع سيبقى هادئاً سيكون افتراضاً خاطئاً، لأن المؤشرات تتزايد، والقدرات تتطور، ونقطة التحول تقترب.

وهنا تكمن المفارقة الأهم في حديثها؛ حيث إن العالم لم يدخل بعد مرحلة انفجار شامل في هذا النوع من الهجمات، لكنه يقترب منها بما يكفي لكي يصبح التأجيل خطأ مكلفاً. ومن هذا المنطلق، بدا حديثها أقرب إلى دعوة للاستعداد المبكر منه إلى تحذير من واقع وقع بالكامل.

المرونة السيبرانية في 2026 لم تعد تعني حماية البيانات فقط بل حماية استمرارية الخدمات والعمليات والثقة العامة أيضاً (شاترستوك)

من الرصد إلى الفعل

وفي جزء آخر من الجلسة، شرحت ساندرا جويس أن فريقها لا يقتصر دوره على مراقبة التهديدات وبناء صورة عامة عنها، بل يضم أيضاً، منذ العام الماضي، وحدة تعطيل تقود عمليات تستند إلى الاستخبارات. ووفق شرحها، تراوحت هذه العمليات بين إسقاط شبكات وكلاء سكنية بالتعاون مع الفريق القانوني، وتعطيل شبكات تجسس. والمعنى هنا أن قيمة استخبارات التهديدات لم تعد تقف عند حدود الفهم والتحليل، بل باتت تشمل استخدام هذه المعرفة نفسها لتقليص قدرة الخصوم على العمل قبل أن يتحول الخطر إلى حادث واسع.

وفي الوقت نفسه، حرصت جويس على عدم المبالغة في تصوير المشهد، مشيرة إلى أن كثيراً من الاختراقات التي لا تزال الفرق تتعامل معها اليوم تعتمد على أساليب تقليدية معروفة. لكنها حذرت من أن ذلك لا ينبغي أن يبعث على الاطمئنان، لأن ما تراه فرقها هو تسارع الابتكار لدى جهات التهديد، بما يعني أن نقطة التحول تقترب. ووصفت هذا الوضع بأنه «فرصة للتحرك الآن»، لا سبباً لتأجيل الاستعداد.

وهذه ملاحظة مهمة، لأنها تعني أن التهديد لا يكمن فقط في ظهور أدوات جديدة، بل في كيفية تطوير الأساليب القائمة ورفع كفاءتها وتوسيع أثرها. لذلك، فإن الاعتماد على أن المهاجمين سيظلون يستخدمون الأدوات والأساليب نفسها سيكون رهاناً خاطئاً.

تقول «غوغل كلاود» إن هذا الهدوء النسبي لا يعني تراجع الخطر لأن جهات التهديد قد تكون تعمل بقدرات موزعة أو تنتظر ظروفاً مختلفة للتصعيد (رويترز)

اتساع رقعة الاستهداف

كشفت الجلسة أيضاً عن أثر آخر للذكاء الاصطناعي في المشهد الأمني، وهو اتساع نطاق الاستهداف جغرافياً. فعندما سُئلت ساندرا جويس عمّا إذا كانت الحواجز اللغوية التي كانت تحدّ سابقاً من استهداف بعض الأسواق قد تراجعت، أجابت بأن ذلك يحدث بالفعل، مشيرة إلى زيادة واضحة في استهداف أسواق غير ناطقة بالإنجليزية، وذكرت على وجه الخصوص ألمانيا التي شهدت ارتفاعاً ملحوظاً في الأشهر الأخيرة، ليس فقط على مستوى الشركات الكبرى، بل أيضاً في قلب ما يشكل العمود الفقري للاقتصاد الألماني. وتحمل هذه الإشارة دلالة أوسع؛ الذكاء الاصطناعي لا يوسّع فقط قدرة المهاجمين على تطوير الأدوات، بل يوسّع أيضاً نطاق الأسواق والقطاعات التي يمكن استهدافها بكفاءة أكبر.

حاولت ساندرا جويس، خلال الجلسة، ترسيخ فكرة أن المرونة لم تعد كلمة مطمئنة في عروض الشركات، بل أصبحت اختباراً يومياً يبدأ من إدارة الثغرات والتحديثات، ويمر عبر فهم التهديدات قبل انفجارها، وينتهي بقدرة المؤسسة على التمييز بين الضجيج والحقيقة، والتصرف بسرعة وثقة. وربما كانت الرسالة الأهم التي خرجت من الجلسة هي أنه في 2026، لا يكفي أن تقول المؤسسة إنها «مرنة»؛ عليها أن تثبت أنها قادرة على إغلاق الفجوات قبل أن تتحول، بسرعة الذكاء الاصطناعي نفسه، إلى نقطة انهيار.


زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
TT

زوكربيرغ يُقلّص آلاف الوظائف لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي

مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)
مارك زوكربيرغ مالك شركة «ميتا» (رويترز)

تتصاعد وتيرة التحولات داخل كبرى شركات التكنولوجيا العالمية مع احتدام المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي، ما يدفع هذه الشركات إلى إعادة هيكلة مواردها البشرية والمالية بشكل جذري. وتبرز شركة «ميتا» في مقدمة هذا التوجه، إذ تسعى إلى موازنة استثماراتها الضخمة في التقنيات المستقبلية عبر إجراءات تقشفية تشمل تقليص عدد الموظفين.

وتعمل «ميتا»، المملوكة لمارك زوكربيرغ، على خفض آلاف الوظائف بهدف «تعويض» التكاليف الباهظة لاستثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، التي بلغت مليارات الدولارات، حسب ما أوردته صحيفة «التليغراف».

وكانت الشركة، المالكة لمنصات «فيسبوك» و«واتساب» و«إنستغرام»، قد أعلنت يوم الخميس عن خطط لخفض نحو 10 في المائة من قوتها العاملة، في خطوة تهدف إلى تمويل توسعها الكبير في تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تؤدي هذه الخطوة إلى تسريح نحو 8 آلاف موظف خلال الشهر المقبل، إضافة إلى إلغاء خطط سابقة لتوظيف ما يقارب 6 آلاف موظف جديد.

وفي مذكرة داخلية وُزّعت على موظفي الشركة واطلعت عليها وكالة «بلومبيرغ»، أوضح مسؤولون تنفيذيون أن هذه الإجراءات تأتي «في إطار الجهود المستمرة لإدارة الشركة بكفاءة أعلى، وتعويض تكاليف الاستثمارات الأخرى التي نقوم بها».

وفي الوقت ذاته، حذّرت «ميتا» مستثمريها من أن إنفاقها قد يصل إلى 169 مليار دولار (125 مليار جنيه استرليني) خلال العام الجاري، في إطار سعيها للحاق بمنافسيها، مثل «أوبن إيه آي» و«غوغل»، ضمن سباق محتدم في مجال الذكاء الاصطناعي داخل وادي السيليكون.

وتنفق الشركة مبالغ ضخمة على تطوير مراكز البيانات وتعزيز البنية التحتية اللازمة لتقنيات الذكاء الاصطناعي، كما عرض زوكربيرغ حوافز مالية كبيرة لاستقطاب الكفاءات، شملت مكافآت توقيع تصل إلى 100 مليون دولار، إلى جانب عقود متعددة السنوات قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.

وتأتي هذه الخطط بعد سلسلة من عمليات التسريح الجزئية التي نفذتها «ميتا» خلال الأشهر الماضية، شملت قطاعات مختلفة، من بينها قسم مختبرات الواقع الافتراضي، حيث تم الاستغناء عن نحو 10 في المائة من الموظفين، أي ما يعادل نحو 700 عامل. ويُنظر إلى هذه الخطوات على أنها انعكاس لتراجع الرهان السابق لزوكربيرغ على «الميتافيرس» بوصفه مستقبل الشركة.

ويرى محللون أن موجة التسريحات قد لا تتوقف عند هذا الحد، إذ قد تلجأ «ميتا» إلى تقليص المزيد من الوظائف لاحقاً خلال العام، في ظل التوسع في استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لأتمتة العديد من المهام التي يؤديها الموظفون حالياً.


أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أميركا تتهم الصين بسرقة تكنولوجيا ذكاء اصطناعي

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

اتهم البيت الأبيض الصين، اليوم الخميس، بالضلوع في سرقة الملكية الفكرية لمختبرات ذكاء اصطناعي أميركية على نطاق صناعي، وذلك في مذكرة تهدد بتوتر العلاقات قبل قمة مرتقبة بين الزعيمين الأميركي والصيني الشهر المقبل.

وكتب مايكل كراتسيوس، مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض، في مذكرة جرى تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان لصحيفة «فاينانشال تايمز» ‌السبق في ‌نشرها: «لدى الحكومة الأميركية معلومات تشير إلى ‌أن جهات أجنبية، تتمركز أساساً في الصين، منخرطة في حملات متعمدة وعلى نطاق صناعي لاستخلاص قدرات أنظمة الذكاء الاصطناعي الأميركية المتقدمة».

وأضاف: «من خلال الاستفادة من عشرات الآلاف من الحسابات الوكيلة لتفادي الرصد، واستخدام تقنيات كسر الحماية لكشف معلومات مملوكة، تقوم هذه الحملات المنسقة باستخراج القدرات بشكل منهجي من نماذج الذكاء الاصطناعي ‌الأميركية، مستغلة الخبرة ‌والابتكار الأميركيين».

وقالت السفارة الصينية في واشنطن، وفقاً لوكالة «رويترز»، إنها تعارض «الادعاءات ‌التي لا أساس لها»، مضيفة أن بكين «تولي أهمية ‌كبيرة لحماية حقوق الملكية الفكرية».

والمذكرة، التي صدرت قبل أسابيع فقط من الزيارة المرتقبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الرئيس الصيني شي جينبينغ في بكين، تنذر ‌بزيادة التوتر في حرب تكنولوجية ممتدة بين القوتين العظميين المتنافستين، التي هدأت حدتها بفعل انفراجة تحققت أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وتثير المذكرة تساؤلات أيضاً بشأن ما إذا كانت واشنطن ستسمح بشحن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة التابعة لشركة «إنفيديا» إلى الصين. وأعطت إدارة ترمب الضوء الأخضر لهذه المبيعات في يناير (كانون الثاني)، مع فرض شروط. لكن وزير التجارة الأميركي هوارد لوتنيك أشار، أمس الأربعاء، إلى أنه لم تجرِ أي شحنات حتى الآن.

وتقول المذكرة، الموجهة إلى الوكالات الحكومية، إن الإدارة «ستبحث مجموعة من الإجراءات لمساءلة الجهات الأجنبية» التي تقف وراء هذه الحملات.