بطارية «الحالة الصلبة»… تُنهي عصر البنزين

«مرسيدس» تختبرها بمساعدة باحثين صينيين- أميركيين بعد أبحاث استمرت عقداً من الزمن

المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
TT

بطارية «الحالة الصلبة»… تُنهي عصر البنزين

المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية

في يومٍ باردٍ من أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي، وبينما كانت سيو هوانغ تعمل في مكتبها بضاحية بيليريكا في مدينة بوسطن، ماساتشوستس، تلقت رسالةً نصيةً من كلمتين، كما كتب جاك إيوينغ (*).

العجلات تدور

«العجلاتٌ تدور»، هكذا قالت الرسالة التي أرفقت بمقطع فيديو قصير يُظهر سيارةً تسير على عجلات في مركز اختبار داخلي.

وبالنسبة للعين غير المُدربة، لم يكن هناك شيءٌ مُلفتٌ للنظر في الفيديو. كان من المُمكن أن تكون السيارة خاضعة لاختبار انبعاثاتها في ورشة إصلاح سيارات في مكان ما (باستثناء عدم وجود أنبوب عادم). لكن بالنسبة لهوانغ، الرئيسة التنفيذية لشركة «فاكتوريال إنرجي»، كان الفيديو علامةً فارقةً في سعيٍ استغرق عقداً من حياتها.

بطارية الحالة الصلبة الجديدة

بطاريات الحالة الصلبة

كانت هوانغ وزوجها أليكس يو وموظفوهما في شركة «فاكتوريال» يعملون على نوع جديد من بطاريات السيارات الكهربائية، يُعرف باسم بطاريات الحالة الصلبة solid state، الذي قد يُحدث نقلة نوعية في صناعة السيارات خلال بضع سنوات، إذا ما تم التغلب على عدد هائل من التحديات التقنية.

بالنسبة لهوانغ وشركتها، كان لهذه البطارية القدرة على تغيير نظرة المستهلكين للسيارات الكهربائية، ومنح الولايات المتحدة وأوروبا ميزة تنافسية على الصين، والمساهمة في إنقاذ كوكب الأرض.

وكانت «فاكتوريال» واحدة من عشرات الشركات التي تسعى إلى ابتكار بطاريات تُشحن أسرع، وتقطع مسافات أطول، وتجعل السيارات الكهربائية أرخص وأكثر راحة من السيارات التي تعمل بالبنزين. ويُعدّ النقل أكبر مصدر لغازات الاحتباس الحراري من صنع الإنسان، ويمكن أن تكون السيارات الكهربائية سلاحاً فعالاً في مواجهة تغير المناخ وتلوث الهواء في المناطق الحضرية.

خلايا البطارية تختبر داخل مختبرات مرسيدس

نجاح الاختبارات

كان الفيديو الذي وصل إلى هاتف هوانغ من أوي كيلر، رئيس قسم تطوير البطاريات في شركة «مرسيدس-بنز»، التي كانت تدعم أبحاث فاكتوريال بالمال والخبرة.

أشار مقطع قصير لسيارة مرسيدس سيدان في مختبر أبحاث بالقرب من شتوتغارت، ألمانيا، إلى أن الشركة قد ركّبت بطارية فاكتوريال في سيارة، وأنها قادرة بالفعل على تحريك العجلات.

كان الاختبار خطوة مهمة إلى الأمام في رحلة بدأت بينما كان الزوجان هوانغ ويو لا يزالان طالبي دراسات عليا في جامعة كورنيل. حتى ذلك الحين، كان كل عملهما في المختبرات. وكانت هوانغ متحمسًة لانطلاق اختراعهما إلى العالم.

لكن الطريق لا يزال طويلاً. لم تكن سيارة مرسيدس المزودة ببطارية فاكتوريال قد وضعت على الطرق بعد، أي في الميدان الوحيد الذي تُعدّ فيه هذه التكنولوجيا ذات أهمية حقيقية.

نماذج أولية في طور التصميم

وقد أنتج العديد من الشركات الناشئة نماذج أولية لبطاريات الحالة الصلبة. لكن لم يُثبت أي مصنع سيارات أميركي أو أوروبي أن هذه التكنولوجيا قادرة على الصمود في وجه المطبات والاهتزازات ورطوبة الشوارع. أو إن كانت نجحت أي منها في ذلك، فقد أبقته سراً.

في أواخر عام 2023، اقترح كيلر، وهو مهندس مخضرم في «مرسيدس»، على هوانغ أن يُجرّبا وضع النماذج. وقال كيلر لاحقاً: «نحن من عشاق السيارات. نؤمن بالأشياء التي تُحدث نقلة نوعية».

مصممة البطارية سيو هوانغ

جذور صينية

تتميز هوانغ في قطاع يهيمن عليه رجال من وادي السيليكون الذين يتفاخر بعضهم بأسبوع عملهم الذي يصل إلى 100 ساعة؛ أما هوانغ فتؤمن بالنوم الهانئ. وتقول: «إن صفاء الذهن لاتخاذ القرار الصائب أهم من عدد ساعات العمل».

وهوانغ شخصية يسهل التواصل معها وتضحك بسهولة، لكنها تتميز أيضاً بالعزيمة. وقد تخرجت في جامعة كورنيل - دكتوراه في الكيمياء وماجستير في إدارة الأعمال.

وكانت الباحثة نشأت في نانجينغ، الصين، حيث التحقت ببرنامج في مدرسة ابتدائية لجمع البيانات البيئية. وغرس البرنامج فيها اهتماماً بالكيمياء ووعياً بعوادم السيارات والتلوث الصناعي الذي يُخنق هواء نانجينغ. وتذكر يو أن زوجته أدركت «أننا بحاجة إلى بناء كوكب أكثر صحة للبشر».

ويشغل يو الآن منصب الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة فاكتوريال. وبهذا المعنى، تُعتبر الشركة شركة عائلية.

استثمارات «مرسيدس» للتخلص من البطاريات السائلة

في البداية، ركزت الشركة على تحسين المواد التي تسمح للبطاريات بتخزين الطاقة. تغير ذلك بعد استثمار «مرسيدس» في فاكتوريال عام 2021. كانت «مرسيدس» تتطلع إلى قفزة تكنولوجية أكبر، وشجعت فاكتوريال على السعي وراء بطاريات الحالة الصلبة.

تسمى هذه التقنية بهذا الاسم لأنها تتخلص من الخليط الكيميائي السائل، المعروف باسم «الإلكتروليت»، الذي يساعد على نقل الأيونات المحملة بالطاقة داخل البطارية. والإلكتروليتات السائلة شديدة الاشتعال، ولذا فإن استبدالها بإلكتروليت صلب أو شبيه بالجيلاتين يجعل البطاريات أكثر أماناً.

يمكن شحن البطارية التي لا ترتفع حرارتها بشكل أسرع، ربما في وقت قصير مثل ملء سيارة بالبنزين. كما أن بطاريات الحالة الصلبة تخزن طاقة أكبر في مساحة أصغر، مما يقلل الوزن ويزيد المدى.

لكن بطاريات الحالة الصلبة لها عيب كبير يفسر سبب عدم إمكانية شراء سيارة مزودة بها اليوم، فخلايا هذه البطاريات أكثر عرضة لتكوين نتوءات شائكة تسبب قصراً (دائرة قصيرة) في الدوائر الكهربائية. لذا فإن الشركات تحتاج إلى مبالغ مالية هائلة للتغلب على هذه المشكلة وتطوير بطارية متينة وآمنة وسهلة التصنيع إلى حد معقول.

داخل مختبرات شركة فاكتوريال

جحيم الإنتاج

من البديهي في صناعة البطاريات أن إنتاج نموذج أولي رائع هو الجزء السهل. يكمن التحدي في إيجاد طريقة لصنع ملايين البطاريات الصلبة بسعر معقول.

وقد واجهت شركة فاكتوريال هذه المشكلة في عام 2022، فأنشأت مصنعاً تجريبياً صغيراً في تشيونان، كوريا الجنوبية، وهي مدينة قريبة من سيول تشتهر بصناعتها التكنولوجية. وأصبح المشروع، على حد تعبير هوانغ، «جحيم الإنتاج» - وهي العبارة نفسها التي استخدمها إيلون ماسك عندما كانت شركة تسلا تكافح لإنتاج سيارة سيدان بكميات كبيرة وكادت أن تُفلس.

لجني الأرباح، لا يمكن لمصنع بطاريات إنتاج الكثير من الخلايا المعطوبة. ومن الناحية المثالية، يجب أن تكون نسبة الخلايا الصالحة للاستخدام 95 في المائة على الأقل. ويُعد تحقيق هذا الهدف أمراً بالغ الصعوبة، إذ يتطلب استخدام مواد كيميائية متطايرة وفواصل هشة مُركّبة ومُغلّفة في خلايا مع هامش خطأ صفري. الآلات التي تُجري كل هذا مُغلّفة بحجرات من البليكسيغلاس، ويشرف عليها عمال يرتدون معدات واقية تغطي كامل الجسم لمنع التلوث.

تنافس شركات السيارات

تسعى عشرات الشركات إلى إنتاج خلايا الحالة الصلبة بكميات كبيرة، بما في ذلك شركات صناعة سيارات كبيرة مثل «تويوتا»، وشركات أصغر مثل كوانتم سكيب، وهي شركة ناشئة في وادي السيليكون مدعومة من «فولكس فاغن». كما تعمل «مرسيدس»، في محاولة للتحوّط في رهاناتها، مع شركة برولوغيوم التايوانية.

وفي الصين تسوق شركة نيو الصينية لصناعة السيارات، سيارةً تُسوّق لها على أنها بطارية حالة صلبة. ويقول المحللون إن هذه التكنولوجيا أقل تطوراً مما تُطوّره شركة فاكتوريال، حيث تُقدّم مزايا أقل من حيث الوزن والأداء. لكن لا شك أن الشركات الصينية تستثمر بكثافة في خلايا الحالة الصلبة.

نظراً لصعوبة تصنيع بطاريات الحالة الصلبة، يشكك العديد من المسؤولين التنفيذيين في قطاع السيارات في جدوى هذه البطاريات تجارياً في المستقبل القريب. وقد انخفضت أسهم العديد من الشركات الناشئة في مجال بطاريات الحالة الصلبة، وأصبحت الاضطرابات الإدارية أمراً شائعاً.

نجاح إنتاجي

وفي البداية، كان خط تجميع النماذج الأولية لشركة فاكتوريال في كوريا الجنوبية يحقق إنتاجية بنسبة 10 في المائة فقط، مما يعني أن 90 في المائة من بطارياتها كانت معطوبة.

بحلول عام 2023، كانت شركة فاكتوريال قد أنتجت ما يكفي من الخلايا المناسبة لسيارة، لذا بدأ كيلر، الرجل الذي عمل في «مرسيدس» لمدة 25 عاماً، يفكر في تركيبها في سيارة. كانت التكلفة واحتمال الفشل مرتفعين بما يكفي لطلب موافقة رؤسائه. ومتسلحاً بعروض تقديمية من «باوربوينت»، ذهب كيلر إلى أولا كالينيوس، وهو سويدي مهيب يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة مرسيدس.

وافق كالينيوس على المشروع، مُعتبراً أن الهدف الملموس سيُحفز الفريق ويُسرّع عملية التطوير. وشبه ذلك بسباقات الفورمولا 1. ويتذكر كالينيوس: «إذا كنت تُطارد القائد، وفجأة تراه، تُصبح أسرع».

اندهشت هوانغ قليلاً عندما أخبرها كيلر في أواخر عام2023 أن «مرسيدس» تُريد تركيب الخلايا في سيارة صالحة للعمل. قالت ضاحكة: «لم نكن ندرك أن الأمر سيأتي قريباً هكذا، بصراحة».

ولكن بحلول يونيو (حزيران) 2024، تمكنت شركة فاكتوريال من إنتاج ما يكفي من الخلايا عالية الجودة للإعلان عن بدء تسليمها إلى «مرسيدس». وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حقق المصنع في كوريا الجنوبية إنتاجاً بنسبة 85 في المائة، وهي أفضل نتيجة حتى الآن.

اختبار مرسيدس ببطارية جديدة

لا يزال على «مرسيدس» إيجاد طريقة لتغليف الخلايا بطريقة تحميها من اتساخ الطرق السريعة ورطوبة الجو. وكان عليها أيضاً دمج حزمة البطارية في السيارة، وربطها بأنظمة التحكم فيها.

بحلول عيد الميلاد 2024، أرسل فريق يعمل في مركز أبحاث مرسيدس الرئيسي في سيندلفينغن، خارج شتوتغارت، رسالة نصية إلى كيلر تحتوي على الكلمتين: «عجلات تدور». وبعد عدة أسابيع، أخذ مهندسو «مرسيدس» السيارة المزودة ببطارية فاكتوريال، وهي سيارة سيدان كهربائية قياسية من طراز EQS، إلى حلبة الشركة لإجراء أول اختبار قيادة لها.

قاد المهندسون السيارة ببطء في البداية، وراقبوا بعناية البيانات الفنية المعروضة على شاشة لوحة القيادة. انطلقوا بسرعة فائقة حتى وصلوا في اليوم الرابع إلى سرعة 160 كيلومتراً في الساعة على الطرق السريعة. لم تنفجر البطارية. نظرياً، يمكنها تشغيل السيارة لمسافة 600 ميل، أي أكثر مما تستطيع معظم السيارات التقليدية قطعه بخزان بنزين واحد.

وستكون الخطوة التالية هي تجهيز أسطول من سيارات مرسيدس بالبطاريات، وإتقان عملية التصنيع، وإجراء الاختبارات اللازمة لبدء بيعها. وسيستغرق ذلك على الأرجح حتى عام 2028 على الأقل. لا يتوقع العديد من الخبراء أن تكون السيارات المزودة ببطاريات الحالة الصلبة متاحة على نطاق واسع حتى عام 2030 على أقرب تقدير.

هوانغ تجرّب بطاريتها

وفي أبريل (نيسان) الماضي، وجدت هوانغ أخيراً وقتاً للسفر إلى شتوتغارت وقيادة السيارة بنفسها.

شاهدت هوانغ العديد من صور السيارة، لكنها شعرت بالإثارة عندما فُتحت أبواب المرأب. قالت: «شعرتُ وكأنني صديقٌ فقدته منذ زمن. كأنني أقول: أخيراً أراكِ!»

اصطحبها سائق مرسيدس في جولة على مسار الاختبار، حيث انطلقت بسرعةٍ على طريقٍ إسفلتيٍّ مستقيم، ثم انعطفت حول منحنى مائل، قالت هوانغ إنه أشبه برحلةٍ في قطارٍ ملاهٍ.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تكنولوجيا تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

غوغل تطلق «الذكاء الشخصي» لربط بيانات المستخدم عبر خدماتها بهدف تقديم إجابات مخصصة مع الحفاظ على الخصوصية والتحكم الكامل للمستخدم.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

روبوت دراجة يحقق توازناً ديناميكياً ويتجاوز العقبات بسرعة مستفيداً من تصميم بسيط وتحكم متكيف يحاكي مهارات الإنسان في بيئات معقدة.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات معززا الكفاءة والابتكار، لكن تحديات البيانات والتكلفة تعيق التوسع رغم زيادة الاستثمارات الكبيرة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص مع وفرة الذكاء والتحليل عبر الآلة تنتقل القيمة من المعرفة إلى إنتاج المعنى والعمق الإنساني

خاص كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل قدرات الإنسان الذهنية؟

يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف الذكاء وينقل القيمة للمعنى مهدداً الهوية والتفكير النقدي فارضاً إعادة تصور التعليم والاقتصاد ودور الإنسان مستقبلاً

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا منصة ذكاء اصطناعي تقدم حلول تسويق مؤتمتة متعددة الوكلاء (أوكارا)

مدير تسويق متعدد الوكلاء يعمل بالذكاء الاصطناعي بشكل كامل

يحاول الابتكار إعادة تشكيل مفهوم التسويق الرقمي وإدارة النمو للشركات الناشئة، والمؤسسات التقنية.

عبد العزيز الرشيد (الرياض)

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.


روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
TT

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

لطالما سعى المهندسون في مجال الروبوتات إلى محاكاة ركوب الدراجة واحدة من أبسط القدرات البشرية ظاهرياً. لكن ما يبدو سهلاً للإنسان هو في الواقع عملية توازن معقدة تتطلب تعديلات مستمرة واتخاذ قرارات سريعة وتنسيقاً دقيقاً بين الحركة والثبات. واليوم يقترب الباحثون من تمكين الآلات من إتقان هذه المهارة، بل وتجاوزها.

يُظهر نظام روبوتي جديد أن الآلة القائمة على الدراجة لا تقتصر على الحفاظ على توازنها، بل يمكنها التحرك بسرعات عالية، والحفاظ على توازن ديناميكي، وتجاوز العقبات بطرق تحاكي مهارات متقدمة لدى راكبي الدراجات.

تصميم عالي الكفاءة

يرتكز هذا المشروع على سؤال أساسي في علم الروبوتات: إلى أي مدى يمكن تحقيق الأداء بحد أدنى من التعقيد الميكانيكي؟

بدلاً من الاعتماد على عدد كبير من المحركات والمكونات، صمّم الفريق نظاماً بعدد محدود من الحركات المتحكم بها. ورغم ذلك، يتمكن الروبوت من تحقيق حركة مستقرة وسريعة ومناورات مرنة.

تكمن أهمية هذا النهج في أنه يخالف الأساليب التقليدية التي تعتمد على أنظمة معقدة لتحقيق التوازن. فالدراجة بطبيعتها غير مستقرة، وتتطلب تصحيحات مستمرة للبقاء في وضعية مستقيمة. ومحاكاة هذا السلوك في روبوت، خاصة عند السرعات العالية، تتطلب تحكماً دقيقاً واستجابة فورية من الحساسات.

بيئات واقعية متغيرة

ما يميز هذا النظام قدرته على التعامل ليس فقط مع الحركة السلسة، بل أيضاً مع التغيرات المفاجئة في البيئة. يستطيع الروبوت اكتشاف العقبات والتفاعل معها بشكل ديناميكي، مع الحفاظ على توازنه أثناء التنقل. وهذا ينقله من بيئة المختبرات إلى سيناريوهات أقرب للواقع وأكثر تعقيداً.

استُلهم التصميم من راكبي الدراجات المحترفين، خصوصاً في رياضات مثل ركوب الدراجات الجبلية أو الاستعراضية. يعتمد هؤلاء على الزخم والتوازن والتوقيت لتجاوز العقبات والتكيف الفوري مع البيئة. نقل هذه القدرات إلى نظام روبوتي يمثل خطوة نحو آلات قادرة على العمل في بيئات مشابهة.

أنظمة تحكم متكيفة

يعتمد أداء الروبوت على نظام تحكم يجمع بين تخطيط الحركة والتعديل اللحظي. فبدلاً من اتباع مسار ثابت، يقوم النظام بتقييم موقعه وتوازنه بشكل مستمر، ويجري تصحيحات سريعة عند الحاجة. هذا النهج يتيح له الحفاظ على السرعة دون فقدان الاستقرار. كما أن السرعة تضيف تحدياً إضافياً، إذ تقلل من زمن الاستجابة المتاح. لذلك، يتطلب الحفاظ على التوازن دقة في الاستشعار وسرعة في المعالجة، وهو ما يعكس تطوراً في كل من تصميم العتاد والخوارزميات.

تفاعل مع العقبات

ميزة أخرى لافتة هي قدرة الروبوت على التعامل مع العقبات بدلاً من مجرد تجنبها. يمكنه تجاوز بعض العوائق أو التفاعل معها مباشرة، ما يعكس مستوى أعلى من الحركة الذكية. هذا يتماشى مع توجهات أوسع لتطوير روبوتات قادرة على العمل في بيئات مصممة للبشر.

تتجاوز أهمية هذا الابتكار النظام نفسه. فالروبوت القائم على الدراجة يمثل نموذجاً فعالاً للحركة، خاصة في البيئات الضيقة أو المتغيرة. مقارنة بالأنظمة الأكبر، قد يوفر هذا التصميم كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة وسهولة في المناورة. كما يسهم هذا العمل في إعادة التفكير في كيفية تحقيق الرشاقة الحركية دون تعقيد ميكانيكي مفرط، ما قد يؤثر على تصميم الجيل القادم من الروبوتات.

يعتمد النظام على تصميم بسيط بعدد محدود من الحركات دون تعقيد ميكانيكي كبير (Bokser, et al)

نحو التطبيق العملي

قد يفتح هذا النهج المجال لتطبيقات مستقبلية في مجالات تتطلب السرعة والمرونة، مثل التنقل الحضري أو مهام الاستكشاف. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة بين التجارب المخبرية والتطبيقات الواقعية، حيث تفرض البيئة الحقيقية تحديات إضافية مثل الأسطح غير المستوية والعوامل الجوية. مع ذلك، فإن التقدم واضح. ما كان يُعد تحدياً كبيراً. فالحفاظ على التوازن على عجلتين أصبح اليوم نقطة انطلاق نحو قدرات أكثر تعقيداً تشمل السرعة والتفاعل مع البيئة. ومع تطور هذا المجال، لم يعد الهدف مجرد منع الروبوت من السقوط، بل تمكينه من التحرك بثقة ومرونة في العالم الحقيقي، على غرار الإنسان.


تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
TT

تقرير بالأرقام: الذكاء الاصطناعي يحقق عوائد ملموسة للشركات

الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)
الذكاء الاصطناعي التوليدي انتقل من مرحلة التجارب إلى تحقيق عوائد مالية وتشغيلية ملموسة داخل الشركات (غيتي)

في المراحل الأولى من ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، كان الحديث يدور في معظمه حول الإمكانات المستقبلية أكثر من النتائج الفعلية، إلا أن هذه المرحلة بدأت تتلاشى تدريجياً. فبيانات الشركات اليوم تشير بوضوح إلى أن هذه التقنية لم تعد مجرد تجربة، بل أصبحت محركاً حقيقياً للعوائد المالية وتحسين الكفاءة التشغيلية وتعزيز القدرة التنافسية.

تقرير عالمي أعدته شركة «سنوفليك»، استند إلى آراء نحو 1900 من قادة الأعمال وتقنية المعلومات في تسع دول، يقدم صورة واضحة عن كيفية قياس المؤسسات لأثر استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. وتشير النتائج إلى نمط متكرر، حيث إن المؤسسات التي تبنّت التقنية مبكراً قد بدأت بالفعل في تحقيق عوائد ملموسة، وفي بعض الحالات عوائد كبيرة.

الاستثمارات بدأت تؤتي ثمارها

أبرز ما يكشفه التقرير هو حجم النجاح في تبني التقنية. إذ أفادت 92 في المائة من المؤسسات بأن استثماراتها في الذكاء الاصطناعي تحقق عائداً على الاستثمار.

هذا الرقم لافت، خاصة أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي في بيئات العمل ما زال حديثاً نسبياً. وهو مؤشر على انتقال التقنية من مرحلة التجارب إلى مرحلة التأثير الفعلي في الأعمال.

أما على صعيد المستقبل، فتبدو الصورة أكثر وضوحاً، حيث إن 98 في المائة من المشاركين يخططون لزيادة استثماراتهم في الذكاء الاصطناعي. هذا الجمع بين العوائد الحالية المرتفعة والرغبة شبه الجماعية في زيادة الاستثمار يعكس تحولاً هيكلياً، وليس مجرد موجة مؤقتة.

يمتد أثر الذكاء الاصطناعي إلى تحسين الكفاءة وتجربة العملاء وتسريع الابتكار وليس فقط خفض التكاليف (غيتي)

من التجربة إلى العائد القابل للقياس

لم يعد الحديث عن الذكاء الاصطناعي مجرد وعود، بل بدأت الشركات في قياس أثره بدقة.

فنحو ثلثي المؤسسات باتت تقيس العائد على الاستثمار من مشاريع الذكاء الاصطناعي التوليدي. وتشير البيانات إلى أن متوسط العائد يبلغ 1.41 دولار مقابل كل دولار يتم إنفاقه، أي ما يعادل عائداً بنسبة 41 في المائة.

عملياً، يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على خفض التكاليف، بل يسهم أيضاً في خلق مصادر دخل جديدة. وتأتي هذه العوائد من تحسين الكفاءة وتسريع العمليات وتعزيز القدرة على استخراج الرؤى من البيانات، كما يظهر التقرير أن 88 في المائة من المؤسسات سجلت تحسناً في الكفاءة في حين لاحظت 84 في المائة تحسناً في تجربة العملاء. كما أن 84 في المائة أيضا شهدت تسارعاً في الابتكار. ويشير ذلك إلى أن أثر الذكاء الاصطناعي لم يعد محصوراً في حالات استخدام محدودة، بل أصبح يمتد إلى وظائف الأعمال الأساسية.

تفاوت بين القطاعات

رغم أن متوسط العائد يقارب 41 في المائة، فإن الأداء يختلف بين القطاعات. فبعض الصناعات تحقق نتائج أسرع من غيرها. على سبيل المثال، سجلت شركات الإعلام والإعلان عوائد تصل إلى 69 في المائة، مقارنة بمتوسط عام يبلغ نحو 49 في المائة في بعض القياسات الأحدث. يعكس هذا التفاوت طبيعة الاستخدام. فالقطاعات التي توظف الذكاء الاصطناعي مباشرة في التفاعل مع العملاء، مثل التسويق وصناعة المحتوى، تحقق عوائد أسرع وأكثر وضوحاً.

ومع ذلك، يبقى الاتجاه العام ثابتاً، فعبر مختلف القطاعات، يحقق الذكاء الاصطناعي قيمة قابلة للقياس حتى في المراحل المبكرة من اعتماده.

البيانات... العامل الحاسم

رغم هذه النتائج الإيجابية، يسلط التقرير الضوء على تحدي جاهزية البيانات. فنجاح الذكاء الاصطناعي يعتمد بشكل كبير على جودة البيانات وتنظيمها. وتشير الأرقام إلى أن 80 في المائة من الشركات تقوم بالفعل بتخصيص نماذج الذكاء الاصطناعي باستخدام بياناتها الخاصة.

لكن التحديات لا تزال كبيرة، إذ تواجه 64 في المائة صعوبة في دمج البيانات عبر الأنظمة المختلفة.

وتعاني 59 في المائة من تحديات في حوكمة البيانات ومراقبة جودتها، إضافة إلى ذلك تجد 58 في المائة صعوبة في جعل البيانات جاهزة للاستخدام في الذكاء الاصطناعي، كما تشير التقديرات إلى أن ما بين 80 في المائة إلى 90 في المائة من بيانات المؤسسات غير مهيكلة، بينما لا يُستخدم سوى جزء محدود منها فعلياً في تدريب النماذج. تعني هذه النتائج أن هناك فجوة واضحة بين قدرات النماذج المتقدمة والبنية التحتية للبيانات.

تمثل جودة البيانات وتكاملها التحدي الأكبر مع فجوة واضحة بين قدرات النماذج والبنية التحتية للبيانات (شاترستوك)

تكاليف أعلى وتحديات في التوسع

رغم العوائد الإيجابية، لا يخلو المشهد من التحديات، خاصة فيما يتعلق بالكلفة والتوسع، إذ تشير البيانات إلى أن 96 في المائة من المؤسسات تجاوزت توقعاتها من حيث التكلفة في جانب واحد على الأقل من مشاريع الذكاء الاصطناعي، كما تفيد 78 في المائة منها بأن نصف حالات الاستخدام أو أكثر كانت أعلى تكلفة من المتوقع. يُفهم من هذا الواقع أن تحقيق نتائج أولية ممكن، لكن توسيع نطاق الاستخدام عبر المؤسسة يفرض تحديات تقنية ومالية إضافية، كما أن متطلبات البنية التحتية، خصوصاً في مجالات التخزين والمعالجة، تتزايد مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي.

انتقال نحو تبنٍ مؤسسي شامل

أحد أبرز التحولات هو اتساع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إذ لم يعد مقتصراً على فرق محددة أو مشاريع تجريبية، بل أصبح يُستخدم في مجالات متعددة مثل عمليات تقنية المعلومات وخدمة العملاء وتطوير البرمجيات والتسويق، كما تستثمر المؤسسات في عدة محاور متوازية، 83 في المائة منها في البرمجيات الداعمة و82 في المائة في البنية التحتية و81 في المائة في البيانات و78 في المائة في النماذج اللغوية الكبيرة و76 في المائة في الكفاءات البشرية.

يؤكد هذا أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بالأدوات فقط، بل يتطلب منظومة متكاملة تشمل البيانات والتقنيات والمهارات.

نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي

تشير هذه الأرقام مجتمعة إلى أن الذكاء الاصطناعي التوليدي بلغ مرحلة مفصلية، فبعد سنوات من الاستثمارات في التحول الرقمي دون عوائد فورية في بعض الأحيان، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يقدم قيمة ملموسة منذ المراحل الأولى. ويتضح ذلك من خلال معدلات عائد تتجاوز 40 في المائة وأن أكثر من 90 في المائة من المؤسسات تحقق نتائج إيجابية.

إضافة إلى التزام شبه كامل بزيادة الاستثمارات ما يعني أن الذكاء الاصطناعي لم يعد ميزة تنافسية فقط، بل أصبح معياراً أساسياً في بيئة الأعمال.

92 في المائة من المؤسسات تحقق عائداً على الاستثمار مع متوسط عائد يقارب 41 في المائة لكل دولار يُنفق (شاترستوك)

المرحلة المقبلة: التوسع والاستدامة

رغم هذه النتائج، لا تزال المؤسسات في مراحل مبكرة نسبياً من التبني. تشير البيانات إلى أن 71 في المائة من الشركات لديها حالات استخدام للذكاء الاصطناعي أكثر مما يمكنها تنفيذه حالياً، ما يعكس ضغطاً متزايداً لتحديد الأولويات، كما ستركز المرحلة المقبلة على توسيع نطاق الاستخدامات الناجحة، مع معالجة تحديات الكلفة والبيانات والتكامل.

من الإمكانات إلى الأداء الفعلي

يمثل الانتقال من الوعود النظرية إلى العوائد الفعلية نقطة تحول في مسار الذكاء الاصطناعي. فالتقنية لم تعد تُقاس بما يمكن أن تفعله، بل بما تحققه بالفعل. الشركات اليوم ترى نتائج مالية وتشغيلية واضحة. ومع ذلك، تبقى الرحلة في بدايتها. فالتحديات المرتبطة بالبيانات والتكلفة والتوسع لا تزال قائمة. لكن ما أصبح مؤكداً هو أن الذكاء الاصطناعي لم يعد خياراً. بل أصبح جزءاً أساسياً من طريقة عمل المؤسسات وتنافسها ونموها.