بطارية «الحالة الصلبة»… تُنهي عصر البنزين

«مرسيدس» تختبرها بمساعدة باحثين صينيين- أميركيين بعد أبحاث استمرت عقداً من الزمن

المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
TT

بطارية «الحالة الصلبة»… تُنهي عصر البنزين

المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية

في يومٍ باردٍ من أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي، وبينما كانت سيو هوانغ تعمل في مكتبها بضاحية بيليريكا في مدينة بوسطن، ماساتشوستس، تلقت رسالةً نصيةً من كلمتين، كما كتب جاك إيوينغ (*).

العجلات تدور

«العجلاتٌ تدور»، هكذا قالت الرسالة التي أرفقت بمقطع فيديو قصير يُظهر سيارةً تسير على عجلات في مركز اختبار داخلي.

وبالنسبة للعين غير المُدربة، لم يكن هناك شيءٌ مُلفتٌ للنظر في الفيديو. كان من المُمكن أن تكون السيارة خاضعة لاختبار انبعاثاتها في ورشة إصلاح سيارات في مكان ما (باستثناء عدم وجود أنبوب عادم). لكن بالنسبة لهوانغ، الرئيسة التنفيذية لشركة «فاكتوريال إنرجي»، كان الفيديو علامةً فارقةً في سعيٍ استغرق عقداً من حياتها.

بطارية الحالة الصلبة الجديدة

بطاريات الحالة الصلبة

كانت هوانغ وزوجها أليكس يو وموظفوهما في شركة «فاكتوريال» يعملون على نوع جديد من بطاريات السيارات الكهربائية، يُعرف باسم بطاريات الحالة الصلبة solid state، الذي قد يُحدث نقلة نوعية في صناعة السيارات خلال بضع سنوات، إذا ما تم التغلب على عدد هائل من التحديات التقنية.

بالنسبة لهوانغ وشركتها، كان لهذه البطارية القدرة على تغيير نظرة المستهلكين للسيارات الكهربائية، ومنح الولايات المتحدة وأوروبا ميزة تنافسية على الصين، والمساهمة في إنقاذ كوكب الأرض.

وكانت «فاكتوريال» واحدة من عشرات الشركات التي تسعى إلى ابتكار بطاريات تُشحن أسرع، وتقطع مسافات أطول، وتجعل السيارات الكهربائية أرخص وأكثر راحة من السيارات التي تعمل بالبنزين. ويُعدّ النقل أكبر مصدر لغازات الاحتباس الحراري من صنع الإنسان، ويمكن أن تكون السيارات الكهربائية سلاحاً فعالاً في مواجهة تغير المناخ وتلوث الهواء في المناطق الحضرية.

خلايا البطارية تختبر داخل مختبرات مرسيدس

نجاح الاختبارات

كان الفيديو الذي وصل إلى هاتف هوانغ من أوي كيلر، رئيس قسم تطوير البطاريات في شركة «مرسيدس-بنز»، التي كانت تدعم أبحاث فاكتوريال بالمال والخبرة.

أشار مقطع قصير لسيارة مرسيدس سيدان في مختبر أبحاث بالقرب من شتوتغارت، ألمانيا، إلى أن الشركة قد ركّبت بطارية فاكتوريال في سيارة، وأنها قادرة بالفعل على تحريك العجلات.

كان الاختبار خطوة مهمة إلى الأمام في رحلة بدأت بينما كان الزوجان هوانغ ويو لا يزالان طالبي دراسات عليا في جامعة كورنيل. حتى ذلك الحين، كان كل عملهما في المختبرات. وكانت هوانغ متحمسًة لانطلاق اختراعهما إلى العالم.

لكن الطريق لا يزال طويلاً. لم تكن سيارة مرسيدس المزودة ببطارية فاكتوريال قد وضعت على الطرق بعد، أي في الميدان الوحيد الذي تُعدّ فيه هذه التكنولوجيا ذات أهمية حقيقية.

نماذج أولية في طور التصميم

وقد أنتج العديد من الشركات الناشئة نماذج أولية لبطاريات الحالة الصلبة. لكن لم يُثبت أي مصنع سيارات أميركي أو أوروبي أن هذه التكنولوجيا قادرة على الصمود في وجه المطبات والاهتزازات ورطوبة الشوارع. أو إن كانت نجحت أي منها في ذلك، فقد أبقته سراً.

في أواخر عام 2023، اقترح كيلر، وهو مهندس مخضرم في «مرسيدس»، على هوانغ أن يُجرّبا وضع النماذج. وقال كيلر لاحقاً: «نحن من عشاق السيارات. نؤمن بالأشياء التي تُحدث نقلة نوعية».

مصممة البطارية سيو هوانغ

جذور صينية

تتميز هوانغ في قطاع يهيمن عليه رجال من وادي السيليكون الذين يتفاخر بعضهم بأسبوع عملهم الذي يصل إلى 100 ساعة؛ أما هوانغ فتؤمن بالنوم الهانئ. وتقول: «إن صفاء الذهن لاتخاذ القرار الصائب أهم من عدد ساعات العمل».

وهوانغ شخصية يسهل التواصل معها وتضحك بسهولة، لكنها تتميز أيضاً بالعزيمة. وقد تخرجت في جامعة كورنيل - دكتوراه في الكيمياء وماجستير في إدارة الأعمال.

وكانت الباحثة نشأت في نانجينغ، الصين، حيث التحقت ببرنامج في مدرسة ابتدائية لجمع البيانات البيئية. وغرس البرنامج فيها اهتماماً بالكيمياء ووعياً بعوادم السيارات والتلوث الصناعي الذي يُخنق هواء نانجينغ. وتذكر يو أن زوجته أدركت «أننا بحاجة إلى بناء كوكب أكثر صحة للبشر».

ويشغل يو الآن منصب الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة فاكتوريال. وبهذا المعنى، تُعتبر الشركة شركة عائلية.

استثمارات «مرسيدس» للتخلص من البطاريات السائلة

في البداية، ركزت الشركة على تحسين المواد التي تسمح للبطاريات بتخزين الطاقة. تغير ذلك بعد استثمار «مرسيدس» في فاكتوريال عام 2021. كانت «مرسيدس» تتطلع إلى قفزة تكنولوجية أكبر، وشجعت فاكتوريال على السعي وراء بطاريات الحالة الصلبة.

تسمى هذه التقنية بهذا الاسم لأنها تتخلص من الخليط الكيميائي السائل، المعروف باسم «الإلكتروليت»، الذي يساعد على نقل الأيونات المحملة بالطاقة داخل البطارية. والإلكتروليتات السائلة شديدة الاشتعال، ولذا فإن استبدالها بإلكتروليت صلب أو شبيه بالجيلاتين يجعل البطاريات أكثر أماناً.

يمكن شحن البطارية التي لا ترتفع حرارتها بشكل أسرع، ربما في وقت قصير مثل ملء سيارة بالبنزين. كما أن بطاريات الحالة الصلبة تخزن طاقة أكبر في مساحة أصغر، مما يقلل الوزن ويزيد المدى.

لكن بطاريات الحالة الصلبة لها عيب كبير يفسر سبب عدم إمكانية شراء سيارة مزودة بها اليوم، فخلايا هذه البطاريات أكثر عرضة لتكوين نتوءات شائكة تسبب قصراً (دائرة قصيرة) في الدوائر الكهربائية. لذا فإن الشركات تحتاج إلى مبالغ مالية هائلة للتغلب على هذه المشكلة وتطوير بطارية متينة وآمنة وسهلة التصنيع إلى حد معقول.

داخل مختبرات شركة فاكتوريال

جحيم الإنتاج

من البديهي في صناعة البطاريات أن إنتاج نموذج أولي رائع هو الجزء السهل. يكمن التحدي في إيجاد طريقة لصنع ملايين البطاريات الصلبة بسعر معقول.

وقد واجهت شركة فاكتوريال هذه المشكلة في عام 2022، فأنشأت مصنعاً تجريبياً صغيراً في تشيونان، كوريا الجنوبية، وهي مدينة قريبة من سيول تشتهر بصناعتها التكنولوجية. وأصبح المشروع، على حد تعبير هوانغ، «جحيم الإنتاج» - وهي العبارة نفسها التي استخدمها إيلون ماسك عندما كانت شركة تسلا تكافح لإنتاج سيارة سيدان بكميات كبيرة وكادت أن تُفلس.

لجني الأرباح، لا يمكن لمصنع بطاريات إنتاج الكثير من الخلايا المعطوبة. ومن الناحية المثالية، يجب أن تكون نسبة الخلايا الصالحة للاستخدام 95 في المائة على الأقل. ويُعد تحقيق هذا الهدف أمراً بالغ الصعوبة، إذ يتطلب استخدام مواد كيميائية متطايرة وفواصل هشة مُركّبة ومُغلّفة في خلايا مع هامش خطأ صفري. الآلات التي تُجري كل هذا مُغلّفة بحجرات من البليكسيغلاس، ويشرف عليها عمال يرتدون معدات واقية تغطي كامل الجسم لمنع التلوث.

تنافس شركات السيارات

تسعى عشرات الشركات إلى إنتاج خلايا الحالة الصلبة بكميات كبيرة، بما في ذلك شركات صناعة سيارات كبيرة مثل «تويوتا»، وشركات أصغر مثل كوانتم سكيب، وهي شركة ناشئة في وادي السيليكون مدعومة من «فولكس فاغن». كما تعمل «مرسيدس»، في محاولة للتحوّط في رهاناتها، مع شركة برولوغيوم التايوانية.

وفي الصين تسوق شركة نيو الصينية لصناعة السيارات، سيارةً تُسوّق لها على أنها بطارية حالة صلبة. ويقول المحللون إن هذه التكنولوجيا أقل تطوراً مما تُطوّره شركة فاكتوريال، حيث تُقدّم مزايا أقل من حيث الوزن والأداء. لكن لا شك أن الشركات الصينية تستثمر بكثافة في خلايا الحالة الصلبة.

نظراً لصعوبة تصنيع بطاريات الحالة الصلبة، يشكك العديد من المسؤولين التنفيذيين في قطاع السيارات في جدوى هذه البطاريات تجارياً في المستقبل القريب. وقد انخفضت أسهم العديد من الشركات الناشئة في مجال بطاريات الحالة الصلبة، وأصبحت الاضطرابات الإدارية أمراً شائعاً.

نجاح إنتاجي

وفي البداية، كان خط تجميع النماذج الأولية لشركة فاكتوريال في كوريا الجنوبية يحقق إنتاجية بنسبة 10 في المائة فقط، مما يعني أن 90 في المائة من بطارياتها كانت معطوبة.

بحلول عام 2023، كانت شركة فاكتوريال قد أنتجت ما يكفي من الخلايا المناسبة لسيارة، لذا بدأ كيلر، الرجل الذي عمل في «مرسيدس» لمدة 25 عاماً، يفكر في تركيبها في سيارة. كانت التكلفة واحتمال الفشل مرتفعين بما يكفي لطلب موافقة رؤسائه. ومتسلحاً بعروض تقديمية من «باوربوينت»، ذهب كيلر إلى أولا كالينيوس، وهو سويدي مهيب يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة مرسيدس.

وافق كالينيوس على المشروع، مُعتبراً أن الهدف الملموس سيُحفز الفريق ويُسرّع عملية التطوير. وشبه ذلك بسباقات الفورمولا 1. ويتذكر كالينيوس: «إذا كنت تُطارد القائد، وفجأة تراه، تُصبح أسرع».

اندهشت هوانغ قليلاً عندما أخبرها كيلر في أواخر عام2023 أن «مرسيدس» تُريد تركيب الخلايا في سيارة صالحة للعمل. قالت ضاحكة: «لم نكن ندرك أن الأمر سيأتي قريباً هكذا، بصراحة».

ولكن بحلول يونيو (حزيران) 2024، تمكنت شركة فاكتوريال من إنتاج ما يكفي من الخلايا عالية الجودة للإعلان عن بدء تسليمها إلى «مرسيدس». وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حقق المصنع في كوريا الجنوبية إنتاجاً بنسبة 85 في المائة، وهي أفضل نتيجة حتى الآن.

اختبار مرسيدس ببطارية جديدة

لا يزال على «مرسيدس» إيجاد طريقة لتغليف الخلايا بطريقة تحميها من اتساخ الطرق السريعة ورطوبة الجو. وكان عليها أيضاً دمج حزمة البطارية في السيارة، وربطها بأنظمة التحكم فيها.

بحلول عيد الميلاد 2024، أرسل فريق يعمل في مركز أبحاث مرسيدس الرئيسي في سيندلفينغن، خارج شتوتغارت، رسالة نصية إلى كيلر تحتوي على الكلمتين: «عجلات تدور». وبعد عدة أسابيع، أخذ مهندسو «مرسيدس» السيارة المزودة ببطارية فاكتوريال، وهي سيارة سيدان كهربائية قياسية من طراز EQS، إلى حلبة الشركة لإجراء أول اختبار قيادة لها.

قاد المهندسون السيارة ببطء في البداية، وراقبوا بعناية البيانات الفنية المعروضة على شاشة لوحة القيادة. انطلقوا بسرعة فائقة حتى وصلوا في اليوم الرابع إلى سرعة 160 كيلومتراً في الساعة على الطرق السريعة. لم تنفجر البطارية. نظرياً، يمكنها تشغيل السيارة لمسافة 600 ميل، أي أكثر مما تستطيع معظم السيارات التقليدية قطعه بخزان بنزين واحد.

وستكون الخطوة التالية هي تجهيز أسطول من سيارات مرسيدس بالبطاريات، وإتقان عملية التصنيع، وإجراء الاختبارات اللازمة لبدء بيعها. وسيستغرق ذلك على الأرجح حتى عام 2028 على الأقل. لا يتوقع العديد من الخبراء أن تكون السيارات المزودة ببطاريات الحالة الصلبة متاحة على نطاق واسع حتى عام 2030 على أقرب تقدير.

هوانغ تجرّب بطاريتها

وفي أبريل (نيسان) الماضي، وجدت هوانغ أخيراً وقتاً للسفر إلى شتوتغارت وقيادة السيارة بنفسها.

شاهدت هوانغ العديد من صور السيارة، لكنها شعرت بالإثارة عندما فُتحت أبواب المرأب. قالت: «شعرتُ وكأنني صديقٌ فقدته منذ زمن. كأنني أقول: أخيراً أراكِ!»

اصطحبها سائق مرسيدس في جولة على مسار الاختبار، حيث انطلقت بسرعةٍ على طريقٍ إسفلتيٍّ مستقيم، ثم انعطفت حول منحنى مائل، قالت هوانغ إنه أشبه برحلةٍ في قطارٍ ملاهٍ.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية

وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية

مركبات بيئية خافتة الضجيج للمسافرين والطوارئ

كريس موريس (واشنطن)
تكنولوجيا تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)

ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

دراسة من جامعة أكسفورد تحذر من أن ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال قد تسيء فهم المشاعر وتثير مخاوف بشأن التطور العاطفي والخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)
في العمق تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

ستُغيِّر مستقبل العمل العسكري

باتريك تاكر (واشنطن)

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
TT

«إكس» تتقدم بمقترح قبل ساعات من استحقاق غرامة أوروبية كبيرة على المنصة

حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)
حساب إيلون ماسك على منصة «إكس» (رويترز)

بعد ساعات من انتهاء المهلة المحددة لسداد غرامة بالملايين فرضها الاتحاد الأوروبي، قدّمت منصة «إكس»، المملوكة للملياردير إيلون ماسك، إلى المفوضية الأوروبية تصوراً لتعديلات جوهرية على المنصة.

وأكد مسؤول إعلامي باسم الهيئة المنظمة، ومقرها بروكسل، الجمعة، أن المقترحات المقدمة من المنصة تركز بالأساس على تطوير آليات توثيق الحسابات عبر علامات التحقق (الشارات الزرقاء)، بهدف تعزيز الشفافية ومكافحة التضليل.

ولم يكشف المسؤول عن أي تفاصيل، لكنه أشار إلى أنها خطوة في الاتجاه الصحيح، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي: «لا يسعنا إلا أن نثمن أنه بعد حوار بناء مع الشركة، أخذت التزاماتها القانونية على محمل الجد وقدمت لنا مقترحات عملية».

يذكر أن المفوضية الأوروبية كانت قد فرضت على المنصة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، غرامة قدرها 120 مليون يورو (137.7 مليون دولار) استناداً إلى قانون الخدمات الرقمية، وذلك على خلفية ما وصفته بـ«الافتقار إلى الشفافية» في طريقة توثيق الحسابات باستخدام علامة بيضاء على خلفية زرقاء، والتي عدّتها مضللة.

وجاء إجراء الاتحاد الأوروبي ضد «إكس» عقب تحقيق استمر نحو عامين بموجب قانون الخدمات الرقمية للاتحاد الأوروبي، الذي يُلزم المنصات الإلكترونية ببذل مزيد من الجهود لمكافحة المحتوى غير القانوني والضار.

وفي يوليو (تموز) 2024، اتهمت المفوضية الأوروبية «إكس» بتضليل المستخدمين، مشيرة إلى أن علامة التوثيق الزرقاء لا تتوافق مع الممارسات المتبعة في هذا المجال، وأن أي شخص يستطيع الدفع للحصول على حالة «موثق».


إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
TT

إشادة دولية بالدور العالمي لـ«منظمة التعاون الرقمي» في سد الفجوات

أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)
أمين عام منظمة التعاون الرقمي ديمة اليحيى خلال مشاركتها في «قمة مونتغمري 2026» عبر الاتصال المرئي (واس)

أشادت «قمة مونتغمري 2026» العالمية بجهود منظمة التعاون الرقمي، التي باتت منصة دولية ذات مصداقية تهدف إلى سدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية لخدمة الإنسان.

وتجمع القمة نخبة من رواد الأعمال والمستثمرين وصنّاع السياسات وقادة القطاع التقني من مختلف أنحاء العالم لمناقشة التوجهات الناشئة التي تسهم في تشكيل مستقبل الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأكدت ديمة اليحيى، الأمين العام للمنظمة، خلال مشاركته في القمة عبر الاتصال المرئي، أن «التعاون الرقمي ليس شعارات بل إنجازات على أرض الواقع»، منوهة بأن «أفضل ما في الدبلوماسية التقنية لم يأتِ بعد، والمزيد من دول العالم تختار هذا المسار يوماً بعد يوم لتحقيق طموحات شعوبها باقتصاد رقمي مزدهر يشمل الجميع».

وأضافت اليحيى أن «المنظمة أصبحت تضم اليوم 16 دولة و800 مليون إنسان، ومجتمعاً متنامياً؛ بفضل رؤية الدول الأعضاء، والتزامها وتفاني الأمانة العامة، وثقة شركائها في القطاع الخاص والأوساط الأكاديمية والمجتمع المدني».

إلى ذلك، تُوِّجت الأمين العام للمنظمة، خلال حفل أقيم ضمن أعمال القمة، بـ«جائزة الدبلوماسية التقنية»، التي تُمنح لتكريم القادة العالميين الذين يسهمون في تعزيز التعاون الدولي بمجال التقنية والابتكار الرقمي، بوصفها أول شخصية عربية وسعودية تحصدها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء السعودية».

من جهته، أفاد جيمس مونتغمري، مؤسس القمة، بأن اليحيى «أثبتت أن التعاون المتعدد الأطراف في القضايا الرقمية ليس ممكناً فحسب، بل هو ضرورة لا غنى عنها»، مشيراً إلى أنها «أرست نموذجاً جديداً لكيفية تعاون الدول في مجال السياسات التقنية».

بدوره، اعتبر مارتن راوخباور، مؤسس «شبكة الدبلوماسية التقنية»، أن المنظمة «باتت منصة عالمية ذات مصداقية تجمع الحكومات والقطاع الخاص لسدّ الفجوات الرقمية، وتوسيع المهارات الرقمية، وضمان أن يخدم التقدّم التقني الإنسان بدلاً من أن يتركه خلفه».

ولفت راوخباور إلى أن «التعاون التقني الدولي الفعّال ممكنٌ وملحّ في آن واحد، وهذا المزيج بين الرؤية والتنفيذ والحسّ الدبلوماسي هو تحديداً ما أُنشئت جائزة الدبلوماسية التقنية للاحتفاء به».

وحقّقت منظمة التعاون الرقمي، التي تتخذ من الرياض مقراً لها، تقدّماً كبيراً منذ تأسيسها في عام 2020، لتكون أول منظمة دولية متعددة الأطراف مكرّسة لتمكين اقتصادات رقمية شاملة ومستدامة وموثوقة من خلال التعاون الدولي.

وتضم المنظمة اليوم 16 دولة تمثل أكثر من 800 مليون نسمة وناتجاً محلياً إجمالياً يتجاوز 3.5 تريليون دولار، تعمل معاً لفتح آفاق جديدة في الاقتصاد الرقمي. وشهدت نمواً ملحوظاً وحضوراً دولياً متزايداً، حيث تضاعفت عضويتها 3 مرات منذ تأسيسها من 5 دول مؤسسة، ووسّعت فئة المراقبين والشركاء لديها لتتجاوز 60 مراقباً وشريكاً.

كما حصلت على اعتراف رسمي ضمن منظومة الأمم المتحدة، ما يُعزِّز دورها منصة عالمية لتعزيز التعاون الرقمي، علاوةً على مبادراتها وشراكاتها في هذا الصدد، وجمع الوزراء وصنّاع السياسات ورواد الأعمال والمنظمات الدولية لتعزيز الحوار والتعاون العالمي حول الاقتصاد الرقمي.


الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
TT

الصور والفيديوهات المفبركة في زمن الحروب… كيف نميّز الحقيقة من التزييف؟

تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)
تنتشر المعلومات المضللة بسرعة كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأزمات والصراعات (شاترستوك)

مع التصعيد المتسارع على عدة جبهات في الشرق الأوسط، تتدفق المعلومات بسرعة تكاد توازي سرعة الأحداث نفسها. وغالباً ما تكون منصات التواصل الاجتماعي أول مكان تظهر فيه الصور ومقاطع الفيديو والتقارير عن هجمات مزعومة أو تطورات عسكرية. لكن بالتوازي مع المعلومات الحقيقية، بدأت أيضاً موجة من المحتوى المضلل أو المفبرك تنتشر على الإنترنت، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أكثر صعوبة.

تحدٍّ رقمي متزايد

في هذا السياق، يحذر خبراء الأمن السيبراني من أن الانتشار السريع للمعلومات المضللة، لا سيما عبر مقاطع الفيديو المعدلة وتقنيات التزييف العميق (Deepfakes)، أصبح تحدياً رقمياً متزايداً خلال فترات عدم الاستقرار الجيوسياسي.

ويؤكد ماهر يمّوت الباحث الرئيسي في الأمن لدى شركة «كاسبرسكي» خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط»، أن التمييز بين المعلومات الموثوقة والروايات الزائفة يصبح أكثر أهمية خلال حالات الطوارئ، حين ترتفع حدة المشاعر ويميل الناس إلى مشاركة المحتوى بسرعة من دون التحقق منه.

ويردف: «مع تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط، حذّرت جهات حكومية في دول مجلس التعاون الخليجي من نشر أو تداول أي معلومات من مصادر غير معروفة». ويضيف أن «الأخبار الزائفة، أي المعلومات المضللة أو غير الدقيقة التي تُقدَّم على أنها أخبار حقيقية، تصبح أكثر خطورة خلال حالات الطوارئ».

ماهر يموت باحث أمني رئيسي في «كاسبرسكي» (كاسبرسكي)

المعلومات المضللة

ليست الأخبار الزائفة ظاهرة جديدة، لكنّ حجم انتشارها وسرعتها تغيّر بشكل كبير مع صعود وسائل التواصل الاجتماعي وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي، يمكن أن تنتشر تقارير غير مؤكدة أو مقاطع فيديو معدّلة على نطاق واسع خلال دقائق، وقد تصل إلى ملايين المستخدمين قبل أن تتمكن جهات التحقق من الحقائق من مراجعتها.

ويصنف الخبراء الأخبار الزائفة عادة ضمن فئتين رئيسيتين؛ الأولى تتعلق بمحتوى مفبرك بالكامل يهدف إلى التأثير في الرأي العام أو جذب زيارات إلى مواقع إلكترونية معينة. أما الثانية فتتضمن معلومات تحتوي على جزء من الحقيقة، لكنها تُعرض بشكل غير دقيق لأن الكاتب لم يتحقق من جميع الوقائع، أو بالغ في بعض التفاصيل.

وفي الحالتين، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إرباك المتابعين خلال الأزمات، خصوصاً عندما يعتمد المستخدمون على منصات التواصل الاجتماعي، بدلاً من المصادر الإخبارية الموثوقة للحصول على التحديثات.

كما بدأت السلطات في عدة دول، التحذير من أن نشر معلومات خاطئة حتى من دون قصد، قد يعرّض المستخدمين للمساءلة القانونية، ما دفع الحكومات وخبراء الأمن الرقمي إلى التشديد على أهمية الوعي الرقمي والمسؤولية عند مشاركة المعلومات في أوقات حساسة.

الخداع المدعوم بالذكاء الاصطناعي

أدخل الذكاء الاصطناعي بعداً جديداً إلى مشكلة المعلومات المضللة، من خلال ما يُعرف بتقنيات «التزييف العميق»، وهي مقاطع فيديو مفبركة تُنشأ باستخدام تقنيات التعلم الآلي؛ مثل تبديل الوجوه أو توليد محتوى بصري اصطناعي. وفي بعض الحالات يمكن تعديل مقاطع حقيقية لتبدو كأنها توثق أحداثاً لم تقع أصلاً.

ويصرح يمّوت بأن أهمية التحقق من الأخبار الزائفة باتت أكبر من أي وقت مضى مع انتشار التزييف العميق. ويزيد: «الذكاء الاصطناعي يتيح دمج مقاطع فيديو مختلفة لإنتاج مشاهد جديدة تظهر أحداثاً أو أفعالاً لم تحدث في الواقع، وغالباً بنتائج واقعية للغاية».

وتجعل هذه التقنيات مقاطع الفيديو المعدلة تبدو حقيقية إلى حد كبير، ما قد يؤدي إلى تضليل المستخدمين، خصوصاً عندما يتم تداولها في سياقات مشحونة عاطفياً؛ فعلى سبيل المثال، قد تظهر مقاطع معدلة كأنها توثق هجمات أو تحركات عسكرية أو تصريحات سياسية لم تحدث. وحتى إذا تم كشف زيف هذه المقاطع لاحقاً، فإن انتشارها الأولي قد يسبب حالة من القلق أو الارتباك لدى الجمهور.

قد تؤدي الأخبار الزائفة إلى إرباك الجمهور ونشر الشائعات خصوصاً عند تداولها دون تحقق (شاترستوك)

كيفية التحقق من المعلومات

يشدد خبراء الأمن السيبراني على أن المستخدمين أنفسهم يلعبون دوراً أساسياً في الحد من انتشار المعلومات المضللة؛ فبينما تطور المنصات والجهات التنظيمية أدوات لرصد المحتوى المزيف، يمكن للأفراد اتخاذ خطوات بسيطة للتحقق من صحة المعلومات قبل مشاركتها.

أولى هذه الخطوات هي التحقق من مصدر الخبر؛ فبعض المواقع التي تنشر أخباراً مزيفة قد تحتوي على أخطاء إملائية في عنوان الموقع الإلكتروني أو تستخدم نطاقات غير مألوفة، تحاكي مواقع إعلامية معروفة.

وينصح يمّوت بالتحقق من عنوان الموقع بعناية، والاطلاع على قسم «من نحن» في المواقع غير المعروفة. ومن الأفضل الاعتماد على مصادر رسمية ومعتمدة؛ مثل المواقع الحكومية أو المؤسسات الإعلامية الموثوقة.

كما ينبغي التحقق من هوية الكاتب أو الجهة التي نشرت الخبر. فإذا لم يكن المؤلف معروفاً أو لا يمتلك خبرة واضحة في الموضوع، فقد يكون من الحكمة التعامل مع المعلومات بحذر.

وتعد مقارنة الخبر مع مصادر موثوقة أخرى خطوة مهمة أيضاً؛ فالمؤسسات الإعلامية المهنية تعتمد إرشادات تحريرية وإجراءات تحقق من المعلومات، ما يعني أن الأحداث الكبرى عادة ما تُغطى من قبل أكثر من جهة إعلامية موثوقة.

ويشير يمّوت أيضاً إلى أهمية التحقق من التواريخ والتسلسل الزمني للأخبار، إذ إن بعض المعلومات المضللة يعتمد على إعادة نشر أحداث قديمة أو عرضها، كما لو أنها وقعت حديثاً. كما يلفت إلى أن خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي قد تخلق ما يُعرف بـ«غرف الصدى»، حيث تُعرض للمستخدمين محتويات تتوافق مع آرائهم واهتماماتهم السابقة، وهو ما يجعل من الضروري الاطلاع على مصادر متنوعة وموثوقة قبل تكوين أي استنتاجات.

التلاعب بالمشاعر

يعتمد كثير من الأخبار الزائفة على إثارة المشاعر؛ فالعناوين المثيرة أو المقاطع الدرامية غالباً ما تُصاغ بطريقة تستفز مشاعر الخوف أو الغضب أو الصدمة، وهي مشاعر تزيد من احتمال مشاركة المحتوى بسرعة.

ويقول يمّوت: «كثير من الأخبار الزائفة يُكتب بطريقة ذكية لاستثارة ردود فعل عاطفية قوية». ويضيف أن «الحفاظ على التفكير النقدي وطرح سؤال بسيط مثل: لماذا كُتب هذا الخبر؟ قد يساعد المستخدمين في تجنب نشر معلومات مضللة». وتزداد أهمية هذا الأمر على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تميل الخوارزميات إلى إبراز المحتوى الذي يحقق تفاعلاً كبيراً، وبالتالي قد تنتشر المنشورات المثيرة للمشاعر أسرع من التقارير المتوازنة.

يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات التزييف العميق في إنتاج فيديوهات وصور تبدو واقعية لكنها مفبركة (شاترستوك)

مؤشرات بصرية على التلاعب

يمكن للصور ومقاطع الفيديو نفسها أن تقدم مؤشرات على احتمال تعرضها للتعديل؛ فبعض الصور المعدلة قد تظهر خطوطاً خلفية مشوهة أو ظلالاً غير طبيعية، أو ألوان بشرة تبدو غير واقعية. أما في مقاطع الفيديو المزيفة فقد تظهر مشكلات في الإضاءة أو حركة العينين أو ملامح الوجه. ورغم أن اكتشاف هذه المؤشرات ليس دائماً سهلاً، خصوصاً عند مشاهدة المحتوى عبر الهاتف الجوال، فإنها قد تساعد المستخدمين على الشك في مصداقية بعض المقاطع المتداولة.

مسؤولية رقمية مشتركة

يرى الخبراء أن الحد من انتشار المعلومات المضللة خلال الأزمات، يتطلب تعاوناً بين الحكومات وشركات التكنولوجيا والمؤسسات الإعلامية والمستخدمين أنفسهم. ويلفت يمّوت إلى أن أبسط قاعدة قد تكون الأكثر فاعلية: «إذا كنت غير متأكد من صحة المحتوى، فلا تشاركه». ويضيف أن المشاركة المسؤولة تساعد في الحد من انتشار المعلومات المضللة وتحمي المجتمعات الرقمية.

ومع استمرار المنصات الرقمية في تشكيل طريقة انتقال المعلومات عبر الحدود، تصبح القدرة على تقييم المحتوى على الإنترنت مهارة أساسية؛ ففي أوقات التوتر الجيوسياسي والحروب، حين تختلط الشائعات بالوقائع، لا يتعلق التحدي بالأمن السيبراني فقط؛ بل أيضاً بحماية مصداقية المعلومات نفسها.