بطارية «الحالة الصلبة»… تُنهي عصر البنزين

«مرسيدس» تختبرها بمساعدة باحثين صينيين- أميركيين بعد أبحاث استمرت عقداً من الزمن

المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
TT

بطارية «الحالة الصلبة»… تُنهي عصر البنزين

المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية
المهندس كيلر قرب سيارة مرسيدس سيدان التي اختبرت فيها البطارية

في يومٍ باردٍ من أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي، وبينما كانت سيو هوانغ تعمل في مكتبها بضاحية بيليريكا في مدينة بوسطن، ماساتشوستس، تلقت رسالةً نصيةً من كلمتين، كما كتب جاك إيوينغ (*).

العجلات تدور

«العجلاتٌ تدور»، هكذا قالت الرسالة التي أرفقت بمقطع فيديو قصير يُظهر سيارةً تسير على عجلات في مركز اختبار داخلي.

وبالنسبة للعين غير المُدربة، لم يكن هناك شيءٌ مُلفتٌ للنظر في الفيديو. كان من المُمكن أن تكون السيارة خاضعة لاختبار انبعاثاتها في ورشة إصلاح سيارات في مكان ما (باستثناء عدم وجود أنبوب عادم). لكن بالنسبة لهوانغ، الرئيسة التنفيذية لشركة «فاكتوريال إنرجي»، كان الفيديو علامةً فارقةً في سعيٍ استغرق عقداً من حياتها.

بطارية الحالة الصلبة الجديدة

بطاريات الحالة الصلبة

كانت هوانغ وزوجها أليكس يو وموظفوهما في شركة «فاكتوريال» يعملون على نوع جديد من بطاريات السيارات الكهربائية، يُعرف باسم بطاريات الحالة الصلبة solid state، الذي قد يُحدث نقلة نوعية في صناعة السيارات خلال بضع سنوات، إذا ما تم التغلب على عدد هائل من التحديات التقنية.

بالنسبة لهوانغ وشركتها، كان لهذه البطارية القدرة على تغيير نظرة المستهلكين للسيارات الكهربائية، ومنح الولايات المتحدة وأوروبا ميزة تنافسية على الصين، والمساهمة في إنقاذ كوكب الأرض.

وكانت «فاكتوريال» واحدة من عشرات الشركات التي تسعى إلى ابتكار بطاريات تُشحن أسرع، وتقطع مسافات أطول، وتجعل السيارات الكهربائية أرخص وأكثر راحة من السيارات التي تعمل بالبنزين. ويُعدّ النقل أكبر مصدر لغازات الاحتباس الحراري من صنع الإنسان، ويمكن أن تكون السيارات الكهربائية سلاحاً فعالاً في مواجهة تغير المناخ وتلوث الهواء في المناطق الحضرية.

خلايا البطارية تختبر داخل مختبرات مرسيدس

نجاح الاختبارات

كان الفيديو الذي وصل إلى هاتف هوانغ من أوي كيلر، رئيس قسم تطوير البطاريات في شركة «مرسيدس-بنز»، التي كانت تدعم أبحاث فاكتوريال بالمال والخبرة.

أشار مقطع قصير لسيارة مرسيدس سيدان في مختبر أبحاث بالقرب من شتوتغارت، ألمانيا، إلى أن الشركة قد ركّبت بطارية فاكتوريال في سيارة، وأنها قادرة بالفعل على تحريك العجلات.

كان الاختبار خطوة مهمة إلى الأمام في رحلة بدأت بينما كان الزوجان هوانغ ويو لا يزالان طالبي دراسات عليا في جامعة كورنيل. حتى ذلك الحين، كان كل عملهما في المختبرات. وكانت هوانغ متحمسًة لانطلاق اختراعهما إلى العالم.

لكن الطريق لا يزال طويلاً. لم تكن سيارة مرسيدس المزودة ببطارية فاكتوريال قد وضعت على الطرق بعد، أي في الميدان الوحيد الذي تُعدّ فيه هذه التكنولوجيا ذات أهمية حقيقية.

نماذج أولية في طور التصميم

وقد أنتج العديد من الشركات الناشئة نماذج أولية لبطاريات الحالة الصلبة. لكن لم يُثبت أي مصنع سيارات أميركي أو أوروبي أن هذه التكنولوجيا قادرة على الصمود في وجه المطبات والاهتزازات ورطوبة الشوارع. أو إن كانت نجحت أي منها في ذلك، فقد أبقته سراً.

في أواخر عام 2023، اقترح كيلر، وهو مهندس مخضرم في «مرسيدس»، على هوانغ أن يُجرّبا وضع النماذج. وقال كيلر لاحقاً: «نحن من عشاق السيارات. نؤمن بالأشياء التي تُحدث نقلة نوعية».

مصممة البطارية سيو هوانغ

جذور صينية

تتميز هوانغ في قطاع يهيمن عليه رجال من وادي السيليكون الذين يتفاخر بعضهم بأسبوع عملهم الذي يصل إلى 100 ساعة؛ أما هوانغ فتؤمن بالنوم الهانئ. وتقول: «إن صفاء الذهن لاتخاذ القرار الصائب أهم من عدد ساعات العمل».

وهوانغ شخصية يسهل التواصل معها وتضحك بسهولة، لكنها تتميز أيضاً بالعزيمة. وقد تخرجت في جامعة كورنيل - دكتوراه في الكيمياء وماجستير في إدارة الأعمال.

وكانت الباحثة نشأت في نانجينغ، الصين، حيث التحقت ببرنامج في مدرسة ابتدائية لجمع البيانات البيئية. وغرس البرنامج فيها اهتماماً بالكيمياء ووعياً بعوادم السيارات والتلوث الصناعي الذي يُخنق هواء نانجينغ. وتذكر يو أن زوجته أدركت «أننا بحاجة إلى بناء كوكب أكثر صحة للبشر».

ويشغل يو الآن منصب الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في شركة فاكتوريال. وبهذا المعنى، تُعتبر الشركة شركة عائلية.

استثمارات «مرسيدس» للتخلص من البطاريات السائلة

في البداية، ركزت الشركة على تحسين المواد التي تسمح للبطاريات بتخزين الطاقة. تغير ذلك بعد استثمار «مرسيدس» في فاكتوريال عام 2021. كانت «مرسيدس» تتطلع إلى قفزة تكنولوجية أكبر، وشجعت فاكتوريال على السعي وراء بطاريات الحالة الصلبة.

تسمى هذه التقنية بهذا الاسم لأنها تتخلص من الخليط الكيميائي السائل، المعروف باسم «الإلكتروليت»، الذي يساعد على نقل الأيونات المحملة بالطاقة داخل البطارية. والإلكتروليتات السائلة شديدة الاشتعال، ولذا فإن استبدالها بإلكتروليت صلب أو شبيه بالجيلاتين يجعل البطاريات أكثر أماناً.

يمكن شحن البطارية التي لا ترتفع حرارتها بشكل أسرع، ربما في وقت قصير مثل ملء سيارة بالبنزين. كما أن بطاريات الحالة الصلبة تخزن طاقة أكبر في مساحة أصغر، مما يقلل الوزن ويزيد المدى.

لكن بطاريات الحالة الصلبة لها عيب كبير يفسر سبب عدم إمكانية شراء سيارة مزودة بها اليوم، فخلايا هذه البطاريات أكثر عرضة لتكوين نتوءات شائكة تسبب قصراً (دائرة قصيرة) في الدوائر الكهربائية. لذا فإن الشركات تحتاج إلى مبالغ مالية هائلة للتغلب على هذه المشكلة وتطوير بطارية متينة وآمنة وسهلة التصنيع إلى حد معقول.

داخل مختبرات شركة فاكتوريال

جحيم الإنتاج

من البديهي في صناعة البطاريات أن إنتاج نموذج أولي رائع هو الجزء السهل. يكمن التحدي في إيجاد طريقة لصنع ملايين البطاريات الصلبة بسعر معقول.

وقد واجهت شركة فاكتوريال هذه المشكلة في عام 2022، فأنشأت مصنعاً تجريبياً صغيراً في تشيونان، كوريا الجنوبية، وهي مدينة قريبة من سيول تشتهر بصناعتها التكنولوجية. وأصبح المشروع، على حد تعبير هوانغ، «جحيم الإنتاج» - وهي العبارة نفسها التي استخدمها إيلون ماسك عندما كانت شركة تسلا تكافح لإنتاج سيارة سيدان بكميات كبيرة وكادت أن تُفلس.

لجني الأرباح، لا يمكن لمصنع بطاريات إنتاج الكثير من الخلايا المعطوبة. ومن الناحية المثالية، يجب أن تكون نسبة الخلايا الصالحة للاستخدام 95 في المائة على الأقل. ويُعد تحقيق هذا الهدف أمراً بالغ الصعوبة، إذ يتطلب استخدام مواد كيميائية متطايرة وفواصل هشة مُركّبة ومُغلّفة في خلايا مع هامش خطأ صفري. الآلات التي تُجري كل هذا مُغلّفة بحجرات من البليكسيغلاس، ويشرف عليها عمال يرتدون معدات واقية تغطي كامل الجسم لمنع التلوث.

تنافس شركات السيارات

تسعى عشرات الشركات إلى إنتاج خلايا الحالة الصلبة بكميات كبيرة، بما في ذلك شركات صناعة سيارات كبيرة مثل «تويوتا»، وشركات أصغر مثل كوانتم سكيب، وهي شركة ناشئة في وادي السيليكون مدعومة من «فولكس فاغن». كما تعمل «مرسيدس»، في محاولة للتحوّط في رهاناتها، مع شركة برولوغيوم التايوانية.

وفي الصين تسوق شركة نيو الصينية لصناعة السيارات، سيارةً تُسوّق لها على أنها بطارية حالة صلبة. ويقول المحللون إن هذه التكنولوجيا أقل تطوراً مما تُطوّره شركة فاكتوريال، حيث تُقدّم مزايا أقل من حيث الوزن والأداء. لكن لا شك أن الشركات الصينية تستثمر بكثافة في خلايا الحالة الصلبة.

نظراً لصعوبة تصنيع بطاريات الحالة الصلبة، يشكك العديد من المسؤولين التنفيذيين في قطاع السيارات في جدوى هذه البطاريات تجارياً في المستقبل القريب. وقد انخفضت أسهم العديد من الشركات الناشئة في مجال بطاريات الحالة الصلبة، وأصبحت الاضطرابات الإدارية أمراً شائعاً.

نجاح إنتاجي

وفي البداية، كان خط تجميع النماذج الأولية لشركة فاكتوريال في كوريا الجنوبية يحقق إنتاجية بنسبة 10 في المائة فقط، مما يعني أن 90 في المائة من بطارياتها كانت معطوبة.

بحلول عام 2023، كانت شركة فاكتوريال قد أنتجت ما يكفي من الخلايا المناسبة لسيارة، لذا بدأ كيلر، الرجل الذي عمل في «مرسيدس» لمدة 25 عاماً، يفكر في تركيبها في سيارة. كانت التكلفة واحتمال الفشل مرتفعين بما يكفي لطلب موافقة رؤسائه. ومتسلحاً بعروض تقديمية من «باوربوينت»، ذهب كيلر إلى أولا كالينيوس، وهو سويدي مهيب يشغل منصب الرئيس التنفيذي لشركة مرسيدس.

وافق كالينيوس على المشروع، مُعتبراً أن الهدف الملموس سيُحفز الفريق ويُسرّع عملية التطوير. وشبه ذلك بسباقات الفورمولا 1. ويتذكر كالينيوس: «إذا كنت تُطارد القائد، وفجأة تراه، تُصبح أسرع».

اندهشت هوانغ قليلاً عندما أخبرها كيلر في أواخر عام2023 أن «مرسيدس» تُريد تركيب الخلايا في سيارة صالحة للعمل. قالت ضاحكة: «لم نكن ندرك أن الأمر سيأتي قريباً هكذا، بصراحة».

ولكن بحلول يونيو (حزيران) 2024، تمكنت شركة فاكتوريال من إنتاج ما يكفي من الخلايا عالية الجودة للإعلان عن بدء تسليمها إلى «مرسيدس». وفي نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حقق المصنع في كوريا الجنوبية إنتاجاً بنسبة 85 في المائة، وهي أفضل نتيجة حتى الآن.

اختبار مرسيدس ببطارية جديدة

لا يزال على «مرسيدس» إيجاد طريقة لتغليف الخلايا بطريقة تحميها من اتساخ الطرق السريعة ورطوبة الجو. وكان عليها أيضاً دمج حزمة البطارية في السيارة، وربطها بأنظمة التحكم فيها.

بحلول عيد الميلاد 2024، أرسل فريق يعمل في مركز أبحاث مرسيدس الرئيسي في سيندلفينغن، خارج شتوتغارت، رسالة نصية إلى كيلر تحتوي على الكلمتين: «عجلات تدور». وبعد عدة أسابيع، أخذ مهندسو «مرسيدس» السيارة المزودة ببطارية فاكتوريال، وهي سيارة سيدان كهربائية قياسية من طراز EQS، إلى حلبة الشركة لإجراء أول اختبار قيادة لها.

قاد المهندسون السيارة ببطء في البداية، وراقبوا بعناية البيانات الفنية المعروضة على شاشة لوحة القيادة. انطلقوا بسرعة فائقة حتى وصلوا في اليوم الرابع إلى سرعة 160 كيلومتراً في الساعة على الطرق السريعة. لم تنفجر البطارية. نظرياً، يمكنها تشغيل السيارة لمسافة 600 ميل، أي أكثر مما تستطيع معظم السيارات التقليدية قطعه بخزان بنزين واحد.

وستكون الخطوة التالية هي تجهيز أسطول من سيارات مرسيدس بالبطاريات، وإتقان عملية التصنيع، وإجراء الاختبارات اللازمة لبدء بيعها. وسيستغرق ذلك على الأرجح حتى عام 2028 على الأقل. لا يتوقع العديد من الخبراء أن تكون السيارات المزودة ببطاريات الحالة الصلبة متاحة على نطاق واسع حتى عام 2030 على أقرب تقدير.

هوانغ تجرّب بطاريتها

وفي أبريل (نيسان) الماضي، وجدت هوانغ أخيراً وقتاً للسفر إلى شتوتغارت وقيادة السيارة بنفسها.

شاهدت هوانغ العديد من صور السيارة، لكنها شعرت بالإثارة عندما فُتحت أبواب المرأب. قالت: «شعرتُ وكأنني صديقٌ فقدته منذ زمن. كأنني أقول: أخيراً أراكِ!»

اصطحبها سائق مرسيدس في جولة على مسار الاختبار، حيث انطلقت بسرعةٍ على طريقٍ إسفلتيٍّ مستقيم، ثم انعطفت حول منحنى مائل، قالت هوانغ إنه أشبه برحلةٍ في قطارٍ ملاهٍ.

* خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تكنولوجيا تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

أبحاث جديدة في جامعة MIT تطور تقنيات تساعد نماذج الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراتها لتعزيز الشفافية والثقة في الأنظمة المؤتمتة.

نسيم رمضان (لندن)
خاص توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات وليس الأمن السيبراني فقط (أدوبي)

خاص هل أصبحت مرونة البرمجيات شرطاً أساسياً لحماية الاقتصاد الرقمي في السعودية؟

توسّع مفهوم المرونة الرقمية ليشمل استمرارية البرمجيات ومخاطر الموردين مع بروز الحساب الضامن أداةً لحماية الخدمات الرقمية الحيوية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية

وزارة النقل الأميركية تسهل إطلاق سيارات الأجرة الجوية

مركبات بيئية خافتة الضجيج للمسافرين والطوارئ

كريس موريس (واشنطن)
تكنولوجيا تشير الدراسة إلى أن تأثير هذه الألعاب في تطور الأطفال دون سن الخامسة لا يزال غير مفهوم بشكل كافٍ (شاترستوك)

ألعاب تتحدث وتردّ… هل يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل تجربة اللّعب لدى الأطفال؟

دراسة من جامعة أكسفورد تحذر من أن ألعاب الذكاء الاصطناعي للأطفال قد تسيء فهم المشاعر وتثير مخاوف بشأن التطور العاطفي والخصوصية.

نسيم رمضان (لندن)
في العمق تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

تطويرات تقنية لزيادة كفاءة الجنود في ظروف الحرارة الشديدة

ستُغيِّر مستقبل العمل العسكري

باتريك تاكر (واشنطن)

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
TT

ميزات جديدة في «خرائط غوغل» تحول التطبيق إلى مساعد ذكي للتنقل

الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»
الذكاء الاصطناعي يحلل التقييمات والصور لاقتراح أماكن «مدونة غوغل»

تشهد خدمات الخرائط الرقمية تحولاً متسارعاً مع دخول تقنيات الذكاء الاصطناعي إلى صلب تجربة المستخدم، في خطوة تسعى من خلالها الشركات التقنية إلى إعادة تعريف مفهوم الملاحة التقليدية.

وفي هذا السياق، أعلنت «غوغل» عن مجموعة من المزايا الجديدة ضمن تطبيق «خرائط غوغل»، تهدف إلى جعل التخطيط للرحلات والتنقل داخل المدن أكثر تفاعلاً وذكاءً.

تتمثل أبرز هذه الإضافات في ميزة جديدة تحمل اسم «Ask Maps»، وهي أداة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتمكين المستخدمين من طرح أسئلة طبيعية ومباشرة داخل التطبيق، بدلاً من الاكتفاء بعمليات البحث التقليدية.

وبفضل هذه الميزة، يمكن للمستخدم الاستفسار عن أفضل الأماكن المناسبة لنشاط معين، مثل المقاهي الهادئة للعمل أو المطاعم المناسبة للقاءات العائلية، ليقوم النظام بتحليل كمّ كبير من البيانات المتاحة، بما في ذلك تقييمات المستخدمين والصور والمراجعات، ومن ثم تقديم اقتراحات دقيقة ومفصلة.

تعتمد هذه التقنية على نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة التي طورتها «غوغل»، ما يسمح بتحويل تطبيق الخرائط من مجرد أداة لتحديد المواقع إلى مساعد رقمي قادر على فهم السياق وتقديم توصيات مخصصة لكل مستخدم.

إلى جانب ذلك، كشفت الشركة عن تطويرات جديدة في ميزة «الملاحة الغامرة» (Immersive Navigation)، التي تُقدم تجربة عرض ثلاثية الأبعاد أكثر واقعية لمسارات التنقل.

وتتيح هذه الميزة للمستخدم استعراض الطريق بشكل تفصيلي قبل بدء الرحلة، مع عرض المباني والطرق والمعالم المحيطة بدقة بصرية عالية، فضلاً عن توضيح المسارات والانعطافات ومداخل الوجهات المختلفة، بما يُسهم في تقليل الأخطاء أثناء القيادة أو الوصول إلى المواقع المزدحمة.

وحسب ما أعلنته الشركة، فقد بدأت هذه المزايا الوصول تدريجياً إلى المستخدمين؛ حيث تم إطلاقها أولاً في الولايات المتحدة، مع بدء توفرها كذلك في الهند على الهواتف الذكية العاملة بنظامي «آندرويد» و«آي أو إس».

ومن المتوقع أن تتوسع هذه الخصائص لاحقاً إلى أسواق إضافية حول العالم خلال الفترة المقبلة، ضمن خطة تدريجية لتعميمها على نطاق أوسع.


دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
TT

دراسة صادمة: 8 من كل 10 روبوتات ذكاء اصطناعي قد تساعد بالتخطيط لهجمات عنيفة

شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)
شعار تطبيق «شات جي بي تي» يظهر على شاشة (أ.ف.ب)

مع الانتشار المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت روبوتات الدردشة جزءاً من الحياة اليومية لملايين الأشخاص حول العالم. فهذه الأنظمة تُستخدم للحصول على المعلومات، وطلب النصائح، والإجابة عن الأسئلة المعقدة، بل وحتى لتقديم نوع من الدعم الاجتماعي أو الرفقة. ويعتمد عليها المستخدمون من مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك الأطفال والمراهقون.

لكن تقريراً جديداً حذّر من مخاطر محتملة مرتبطة بهذه التقنيات، مشيراً إلى أن بعض روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تقدم معلومات تساعد المستخدمين على التخطيط لأعمال عنف خطيرة، بما في ذلك حوادث إطلاق النار في المدارس، وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت».

وحسب التقرير الصادر عن مركز مكافحة الكراهية الرقمية، فإن ثمانية من كل عشرة روبوتات دردشة تعمل بالذكاء الاصطناعي قد تساعد المستخدمين الشباب في التخطيط لهجمات عنيفة.

ورغم أن هذه الروبوتات يُفترض أن تعمل مصادر للمعلومات أو أدوات تعليمية ووسائل مساعدة يومية، فإن التقرير يشير إلى أن الواقع قد يكون أكثر تعقيداً وخطورة مما يُعتقد.

فقد وجد الباحثون أن ثمانية من أصل عشرة من برامج الدردشة الآلية الرائدة الموجهة للمستهلكين قدمت نوعاً من المساعدة للمستخدمين الذين طلبوا معلومات تتعلق بتنفيذ هجمات عنيفة. وشمل ذلك منصات معروفة مثل «شات جي بي تي» و«ديب سيك».

وجاء في التقرير: «قدمت معظم برامج الدردشة الآلية معلومات عملية للمستخدمين الذين يعبرون عن آيديولوجيات متطرفة، قبل أن تطلب منهم تحديد المواقع والأسلحة التي سيستخدمونها في الهجوم، وذلك في أغلب الردود».

وأشار التقرير إلى أن برنامج «ديب سيك» ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ أفاد الباحثون بأنه تمنى للمهاجم المحتمل «إطلاق نار سعيداً وآمناً».

شعار تطبيق «ديب سيك» (رويترز)

وفقاً للمركز، فإن برنامج «كلود إيه آي» التابع لشركة «آنثروبيك» كان المنصة الوحيدة التي «أثبتت» قدرتها على تثبيط المستخدم عن التخطيط للهجمات العنيفة، ما يشير إلى وجود ضوابط أمان فعالة نسبياً، وإن كانت هذه الضوابط - حسب التقرير - لا تُطبّق بشكل مثالي في معظم المنصات الأخرى.

وأضافت المنظمة غير الربحية في تقريرها أن بعض الأنظمة أبدت استعداداً مرتفعاً للغاية للاستجابة لمثل هذه الطلبات.

فعلى سبيل المثال، أظهرت النتائج أن منصتي «Perplexity» و«Meta AI» قدمتا المساعدة للمهاجمين المحتملين في 100 في المائة و97 في المائة من الحالات على التوالي.

يأتي نشر هذا التقرير في أعقاب حادثة إطلاق نار في مدرسة «تومبلر ريدغ» في مقاطعة كولومبيا البريطانية بكندا. وقد أُفيد لاحقاً بأن أحد موظفي شركة «أوبن إيه آي» رصد داخلياً أن المشتبه به في الحادثة استخدم برنامج «شات جي بي تي» بطرق اعتُبرت متوافقة مع التخطيط لأعمال عنف.

وفي تعليقه على النتائج، قال عمران أحمد، رئيس مركز مكافحة الكراهية الرقمية: «قد تساعد برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والمندمجة الآن في حياتنا اليومية، مطلق النار التالي في مدرسة على التخطيط لهجومه، أو متطرفاً سياسياً على تنسيق عملية اغتيال».

وأضاف: «عندما تُصمم نظاماً يهدف إلى الامتثال لكل طلب، وتحقيق أقصى قدر من التفاعل، وتجنب رفض أي استفسار، فإنه في نهاية المطاف قد يمتثل للأشخاص الخطأ».

وختم بالقول: «ما نشهده هنا ليس مجرد فشل تكنولوجي، بل فشل في تحمل المسؤولية».


أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
TT

أبحاث جديدة لفهم تفكير الذكاء الاصطناعي وفتح «صندوقه الأسود»

تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)
تعتمد الطريقة الجديدة على استخراج المفاهيم من داخل النموذج نفسه بدلاً من فرض مفاهيم محددة مسبقاً من قبل الخبراء (أدوبي)

أصبحت أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر تطوراً كالتعرف إلى الصور وتشخيص الأمراض والمساعدة في اتخاذ قرارات معقدة. لكن رغم هذا التقدم الكبير، لا يزال كثير من نماذج التعلم الآلي المتقدمة يعمل بطريقة توصف غالباً بأنها «صندوق أسود». فهي تقدم تنبؤات دقيقة، لكن الأسباب التي تقود إلى هذه التنبؤات تبقى غير واضحة، حتى بالنسبة للمهندسين الذين طوروا هذه الأنظمة.

ويعمل باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) حالياً على معالجة هذه المشكلة من خلال تطوير طرق تساعد أنظمة الذكاء الاصطناعي على شرح قراراتها. ويهدف هذا العمل إلى جعل نماذج التعلم الآلي ليست دقيقة فحسب، بل أكثر شفافية أيضاً، حيث يتمكن البشر من فهم المنطق الذي يقف وراء التنبؤات التي تقدمها هذه الأنظمة.

تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي

تزداد أهمية قدرة الذكاء الاصطناعي على تفسير قراراته مع توسع استخدام هذه التقنيات في مجالات حساسة، مثل الرعاية الصحية والنقل والبحث العلمي. ففي هذه المجالات، يحتاج المستخدمون غالباً إلى فهم العوامل التي أدّت إلى نتيجة معينة، قبل أن يتمكنوا من الوثوق بها أو الاعتماد عليها.

فعلى سبيل المثال، قد يرغب طبيب يراجع تشخيصاً طبياً قدّمه نظام ذكاء اصطناعي في معرفة الخصائص التي دفعت النموذج إلى الاشتباه بوجود مرض معين. وبالمثل، يحتاج المهندسون الذين يعملون على تطوير السيارات ذاتية القيادة إلى فهم الإشارات أو الأنماط التي جعلت النظام يحدد وجود مشاة أو يفسر موقفاً مرورياً معيناً.

غير أن كثيراً من نماذج التعلم العميق تعتمد على علاقات رياضية معقدة تشمل آلافاً حتى ملايين من المتغيرات. ورغم أن هذه الأنظمة قادرة على اكتشاف أنماط دقيقة داخل البيانات، فإن الطريقة التي تصل بها إلى قراراتها قد تكون صعبة الفهم بالنسبة للبشر. وقد أصبح هذا النقص في الشفافية أحد أبرز التحديات في مجال الذكاء الاصطناعي الحديث.

ولهذا ظهر مجال بحثي يعرف باسم «الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير»، ويهدف إلى تطوير تقنيات تساعد البشر على فهم كيفية وصول الأنظمة الذكية إلى نتائجها، بما يسمح بتقييم موثوقيتها واكتشاف الأخطاء المحتملة وتعزيز الثقة في الأنظمة المؤتمتة.

تهدف هذه الأبحاث إلى بناء أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر موثوقية ومساءلة من خلال تحقيق توازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها (أدوبي)

نهج قائم على المفاهيم

ركّز الباحثون في «MIT » على تحسين تقنية تعرف باسم «نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي». ويهدف هذا النهج إلى جعل طريقة تفكير أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً للبشر.

في هذا النموذج، لا ينتقل النظام مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة النهائية. بدلاً من ذلك، يحدد أولاً مجموعة من المفاهيم أو الخصائص التي يمكن للبشر فهمها، ثم يستخدم هذه المفاهيم كأساس لاتخاذ القرار.

فإذا كان النظام، على سبيل المثال، مدرباً على التعرف إلى أنواع الطيور من الصور، فقد يحدد أولاً خصائص بصرية مثل «أجنحة زرقاء» أو «أرجل صفراء». وبعد التعرف إلى هذه السمات، يمكن للنظام أن يصنف الطائر ضمن نوع معين.

وفي مجال التصوير الطبي، قد تشمل هذه المفاهيم مؤشرات بصرية، مثل أنماط معينة في الأنسجة أو أشكال محددة تساعد في اكتشاف الأمراض. ومن خلال ربط التنبؤات بهذه المفاهيم الواضحة، يصبح من الأسهل على المستخدمين فهم الطريقة التي توصل بها النظام إلى نتيجته.

حدود المفاهيم المحددة مسبقاً

ورغم أن استخدام المفاهيم يمكن أن يجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر شفافية، فإن النسخ السابقة من هذا النهج كانت تعتمد إلى حد كبير على مفاهيم يحددها الخبراء مسبقاً. لكن في الواقع، قد لا تعكس هذه المفاهيم دائماً التعقيد الكامل للمهمة التي يؤديها النظام. فقد تكون عامة للغاية أو غير مكتملة أو غير مرتبطة مباشرة بالأنماط التي يستخدمها النموذج فعلياً أثناء اتخاذ القرار. وفي بعض الحالات، قد يؤدي ذلك إلى تقليل دقة النموذج أو تقديم تفسير لا يعكس الطريقة الحقيقية التي يعمل بها.

ولهذا سعى فريق «MIT» إلى تطوير طريقة جديدة تستخرج المفاهيم مباشرة من داخل النموذج نفسه. فبدلاً من فرض أفكار محددة عليه مسبقاً، تحاول هذه التقنية تحديد الأنماط والتمثيلات التي تعلمها النموذج خلال مرحلة التدريب. بعد ذلك، يتم تحويل هذه الأنماط الداخلية إلى مفاهيم يمكن للبشر فهمها واستخدامها لتفسير قرارات النظام.

تزداد أهمية تفسير قرارات الذكاء الاصطناعي مع استخدامه في مجالات حساسة مثل الطب والنقل والبحث العلمي (أدوبي)

ترجمة تفكير الآلة إلى لغة مفهومة

لتحقيق ذلك، جمع الباحثون بين مكونين مختلفين من تقنيات التعلم الآلي. يقوم الأول بتحليل البنية الداخلية للنموذج المدرب لتحديد الخصائص الأكثر أهمية التي يعتمد عليها عند اتخاذ التنبؤات. أما الثاني فيحوّل هذه الخصائص إلى مفاهيم يمكن للبشر تفسيرها. وبمجرد تحديد هذه المفاهيم، يصبح النظام ملزماً بالاعتماد عليها عند إصدار توقعاته. وبهذا تتشكل سلسلة واضحة منطقياً تربط بين البيانات المدخلة والنتيجة النهائية.

ويشبه الباحث الرئيسي أنطونيو دي سانتيس هذا الهدف بمحاولة فهم طريقة تفكير الإنسان. ويقول: «بمعنى ما، نريد أن نكون قادرين على قراءة عقول نماذج الرؤية الحاسوبية هذه. نموذج عنق الزجاجة المفاهيمي هو إحدى الطرق التي تسمح للمستخدمين بفهم ما الذي يفكر فيه النموذج ولماذا اتخذ قراراً معيناً». ويرى الباحثون أن استخدام مفاهيم مستخرجة من المعرفة الداخلية للنموذج يمكن أن ينتج تفسيرات أكثر وضوحاً ودقة مقارنة بالطرق السابقة.

تحقيق التوازن بين الدقة والشفافية

يُعد تحقيق التوازن بين دقة النماذج وإمكانية تفسيرها أحد التحديات الرئيسية في مجال الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير. فالنماذج الأكثر تعقيداً غالباً ما تحقق أفضل النتائج من حيث الدقة، لكنها تكون أيضاً الأصعب في الفهم. يحاول النهج الجديد الذي طوّره باحثو «MIT» معالجة هذه المشكلة من خلال اختيار عدد محدود من المفاهيم الأكثر أهمية لشرح كل تنبؤ. وبهذه الطريقة يركز النظام على الإشارات الأكثر صلة بالقرار بدلاً من الاعتماد على علاقات خفية داخل النموذج. كما يساعد ذلك على تقليل ما يعرف بـ«تسرب المعلومات»، وهي الحالة التي يعتمد فيها النموذج على أنماط في البيانات لا تظهر في التفسير الذي يقدمه.

نحو أنظمة ذكاء اصطناعي أكثر مساءلة

مع ازدياد اعتماد المؤسسات على أنظمة الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات، من المرجح أن تصبح القدرة على فهم طريقة عمل هذه الأنظمة أكثر أهمية. فالنماذج الأكثر شفافية يمكن أن تساعد الباحثين على اكتشاف التحيزات المحتملة وتحسين موثوقية الأنظمة والتأكد من أنها تعمل كما هو متوقع. ويمثل البحث الذي أجراه فريق «MIT» خطوة في هذا الاتجاه. فمن خلال تمكين نماذج التعلم الآلي من تفسير قراراتها بطريقة أكثر وضوحاً ومعنى، قد يسهم هذا النهج في تقليص الفجوة بين الخوارزميات المعقدة والفهم البشري.