«التوأمة الرقمية» من «ساس»: ذكاء اصطناعي يحاكي ويتعلّم ويقرر

في «ساس إنوفيت 2025»... الحلول الذكية تتنبأ وتتفاعل

التوأم الرقمي لم يعد مجرد محاكاة بل أصبح بيئة ذكية حية تتخذ قرارات مدعومة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)
التوأم الرقمي لم يعد مجرد محاكاة بل أصبح بيئة ذكية حية تتخذ قرارات مدعومة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)
TT

«التوأمة الرقمية» من «ساس»: ذكاء اصطناعي يحاكي ويتعلّم ويقرر

التوأم الرقمي لم يعد مجرد محاكاة بل أصبح بيئة ذكية حية تتخذ قرارات مدعومة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)
التوأم الرقمي لم يعد مجرد محاكاة بل أصبح بيئة ذكية حية تتخذ قرارات مدعومة بالذكاء الاصطناعي (أدوبي)

في مؤتمر «ساس إنوفيت 2025» (SAS Innovate 2025) الذي يعقد في مدينة أورلاندو الأميركية، لم يُعرض مستقبل التوأمة الرقمية فحسب، بل أُعيد تعريفه. لم يعد مقتصراً على التصورات الثابتة، فقد أصبحت التوائم الرقمية اليوم أنظمة حية وتعليمية تدمج البيانات في الوقت الفعلي، وتتخذ القرارات المدعومة بالذكاء الاصطناعي لتحويل الصناعات. والصناعات بذاتها تسعى في جميع أنحاء العالم إلى تحقيق عمليات أكثر ذكاءً ومرونة وكفاءة، ما يجعل التوأمة الرقمية كجسر تقني يربط بين التحديات الواقعية وحلول المحاكاة الافتراضية.

لكن «SAS» لن تحقق ذلك وحدها. فمن خلال شراكة قوية مع شركة «إيبك غيمز» (Epic Games)، تدمج «ساس» تحليلاتها القوية وذكاءها الاصطناعي المتقدم مع محرك «أنريل إينجين» (Unreal Engine) لإنشاء بيئات توأمية رقمية واقعية تستند إلى البيانات. هذه البيئات تمكّن شركات مثل «جورجيا باسيفيك» (Georgia-Pacific)، وهي إحدى الشركات الرائدة عالمياً في تصنيع منتجات الورق ومواد البناء القائمة على الخشب من اختبار وتحسين وتوسيع عملياتها في الفضاء الافتراضي، ما يقلل من المخاطر ويحسن السلامة ويحقق عوائد ملموسة على الاستثمار.

براين هاريس الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «ساس» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (ساس)

ما هو التوأم الرقمي؟

التوأم الرقمي هو نسخة افتراضية ديناميكية من عملية أو نظام أو كيان حقيقي. بخلاف المحاكاة التقليدية، يرتبط التوأم الرقمي بتغذية بيانات حية، من أجهزة الاستشعار أو الكاميرات أو الأنظمة التجارية. وهذا يُمكنه من عكس الواقع والتفاعل معه في الوقت الحقيقي. ومع الذكاء الاصطناعي والتحليلات، يتطور ليتنبأ بالنتائج، ويحسّن السيناريوهات، بل يُحاكي الحالات النادرة التي يصعب أو يستحيل اختبارها في العالم الواقعي.

لكن «ساس» تذهب بهذا المفهوم إلى أبعد من ذلك. إذ تبني توائمها الرقمية، ليس من أجل الرؤية فقط، بل من أجل اتخاذ القرار عبر دمج الواقعية البصرية الغامرة مع الذكاء الاصطناعي الأخلاقي والتفاعلي، لتصميم أنظمة يمكن للفرق متعددة الوظائف استخدامها بسهولة لاتخاذ قرارات أكثر ذكاءً وثقة.

التوائم الرقمية كأدوات قرار

يقول براين هاريس، الرئيس التنفيذي للتكنولوجيا في «ساس»، خلال حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»، التي كانت الجهة الإعلامية الوحيدة من الشرق الأوسط، التي تلقت دعوة لحضور الحدث: «إن الأمر يتعلق ببناء بيئات محاكاة تمكن الأنظمة المعقدة من أن ترى وتفهم وتُحسّن». ويضيف أنه قد حان الوقت لأن تبدو التوائم الرقمية كالعوالم التي تحاكيها. وعلى عكس المحاكاة التقليدية التي غالباً ما تكون ساكنة ومحدودة ببيانات مسبقة، تتميز التوائم الرقمية التي تطورها «ساس» بقدرتها على الاستجابة اللحظية والتعلّم المستمر. فهي تدمج بيانات أجهزة الاستشعار في الوقت الحقيقي، ما يتيح لها التفاعل الفوري مع الأحداث والتغيرات في البيئة. وتعمل هذه التوائم الذكية مدعومة بوكلاء الذكاء الاصطناعي، الذين يتولّون تحسين العمليات ذاتياً بناءً على تحليلات فورية.

التوائم الرقمية من «ساس» تدمج بيانات أجهزة الاستشعار الحية لتوفير استجابات لحظية وتوقعات دقيقة (شاترستوك)

وفي قلب التجربة، تندمج هذه النماذج مع بيئات ثلاثية الأبعاد واقعية تم تطويرها باستخدام محرك «Unreal Engine» ما يمنح المستخدمين تجربة بصرية غامرة تتجاوز الجداول البيانية والنماذج التقليدية. كل ذلك يسمح بمحاكاة سيناريوهات عالية الخطورة، مثل الحوادث الصناعية أو الأعطال اللوجستية دون المخاطرة بعواقبها على الأرض. ويشرح أودو سجلافو، نائب رئيس الذكاء الاصطناعي التطبيقي والنمذجة في «ساس»، خلال حديثه مع «الشرق الأوسط»، أن «للتوائم الرقمية ووكلاء الذكاء الاصطناعي علاقة تكافلية». ويشير إلى أن «الوكلاء هم العقل المدبر للتوأم الرقمي، ويطبقون بحوث العمليات والخوارزميات لمحاكاة القرارات المثلى داخل البيئة الافتراضية».

المصنع الذكي لـ«Georgia-Pacific»

في مصنع «سافانا ريفر هيل» (Savannah River Mill) التابع لـ«جورجيا باسيفيك» (Georgia-Pacific)، يعمل التوأم الرقمي من «ساس» على تحسين المركبات الآلية في بيئة افتراضية خالية من المخاطر.

تخيل مشاهدة المركبات الآلية، وهي تتنقل في أرضية المصنع المزدحمة، وتتفاعل مع تنبيهات القرب، والعوائق، والأحداث النادرة في الوقت الفعلي. يقول روشان شاه، نائب رئيس الذكاء الاصطناعي والمنتجات في «جورجيا باسيفيك»، إن التحليلات القوية والمحاكاة الواقعية التي توفرها توائم «ساس» الرقمية المحسنة تمكن من اتخاذ القرارات وزيادة الإنتاج. وباستخدام تقنية «رياليتي سكان» (RealityScan) من «إيبك غيمز»، قامت «ساس» برقمنة أرضية المصنع بالكامل، ما سمح لمحرك التحسين في «فايا» (Viya) باختبار استراتيجيات التوجيه وضبط سير العمل، والتنبؤ بالاختناقات، كل ذلك دون إيقاف خطّ الإنتاج.

العقل المدبر للتوأم الرقمي

تعمل التوائم الرقمية التي تطورها «ساس» بواسطة وكلاء ذكاء اصطناعي قادرين على أتمتة اتخاذ القرارات داخل البيئة الافتراضية بشكل ديناميكي. وتنقسم هذه الوكلاء إلى 3 أنواع رئيسية، تبدأ بالوكلاء المضمنين داخل منصة «Viya» والمصممين مسبقاً للتعامل مع المهام الصناعية الشائعة. أما النوع الثاني فهم الوكلاء المصممون حسب الطلب، الذين يُطورون خصيصاً لتناسب احتياجات سير عمل محددة ومعقّدة. والنوع الثالث هو الوكلاء المستقلون، الذين يمكنهم العمل خارج بيئات «SAS» عبر منصات متعددة البائعين.

وتتواصل هذه الوكلاء عبر بروتوكولات مفتوحة مثل «A2A» و«MCP»، ما يمنحها قابلية تشغيل عالية وقدرة على التفاعل عبر أنظمة متنوعة ومترابطة. ويوضح أودو سجلافو أن «ساس» لا تحاكي البيئات فحسب، بل تحاكي الذكاء. ويضيف أنه يمكن لوكيل أن يحسب العدد الأمثل للمركبات الآلية في المنشأة، بينما يراقب آخر مخاطر السلامة باستخدام الرؤية الحاسوبية. والنتيجة ليست مجرد رؤية، بل استباق ذكي للأحداث.

أودو سجلافو نائب رئيس الذكاء الاصطناعي التطبيقي والنمذجة في «ساس» متحدثاً إلى «الشرق الأوسط» (ساس)

من التوأم الرقمي إلى المختبر الرقمي

توائم «ساس» الرقمية ليست مجرد نماذج، بل هي مختبرات تجارب حية. يؤكد ويليام كوليس، رئيس تحليلات الألعاب والمحاكاة في «ساس» أن شركته تحوّل التوأم الرقمي إلى مختبر رقمي. ويضيف سجلافو أن بيانات القياس عن بُعد تتدفق من «Unreal» إلى نماذج «ساس»، ثم تعود إلى المحاكاة، ما يغير البيئة ثلاثية الأبعاد ديناميكياً بناءً على الرؤى. ويرى أن هذا «التحسين الحلقي المغلق» يسمح للشركات باختبار بروتوكولات سلامة جديدة قبل التنفيذ ومحاكاة اضطرابات سلسلة التوريد والتكيف استباقياً. كذلك التنبؤ بأعطال المعدات وجدولة الصيانة وتجربة السلامة التي عرضناها قيد التشغيل بالفعل. على سبيل المثال، تعمل نماذج الرؤية الحاسوبية على كاميرات أرضية المصنع في الوقت الفعلي... فإذا كان العامل لا يرتدي خوذة، يحدد النظام ذلك فوراً.

شارك في مؤتمر «ساس إنوفيت 2025» أكثر من 3000 شخص في مدينة أورلاندو الأميركية (ساس)

عوالم التوأم الرقمي

بعد أن كانت صناعات مثل التصنيع هي الرائدة في تبني التوائم الرقمية، بدأت هذه التقنية بالانتشار بسرعة عبر قطاعات متعددة، لتفتح آفاقاً جديدة من الإمكانات والابتكار.

في قطاع الرعاية الصحية، تُستخدم التوائم الرقمية لمحاكاة تدفق المرضى داخل المستشفيات، ما يساعد في تقليل أوقات الانتظار في أقسام الطوارئ. كما تتيح هذه المحاكاة توقّع الطلب على أسرّة العناية المركزة خلال فترات الأوبئة أو الأزمات، إلى جانب استخدامها في تدريب الجراحين من خلال بيئات افتراضية تحاكي غرف العمليات الواقعية.

أما في المدن الذكية، فتُسهم التوائم الرقمية في نمذجة حركة المرور لفهم الأنماط وتخفيف الازدحام، كما تتيح اختبار قدرة البنية التحتية على الصمود في وجه أحداث مناخية قاسية، وتساعد في تحسين مسارات الاستجابة السريعة لحالات الطوارئ، مثل الحرائق أو الكوارث الطبيعية.

وفي الخدمات المالية، تُستخدم التوائم الرقمية لاختبار محافظ الاستثمار في سيناريوهات صدمة اقتصادية، كما تتيح محاكاة هجمات الاحتيال الإلكتروني لاختبار الدفاعات وتعزيزها، وتساعد في دراسة تأثير السياسات مثل التعريفات الجمركية على سلاسل التوريد العالمية. ويؤكد بيل كليفورد، من «إيبك غيمز»، أن الاحتمالات لا حصر لها. من الفضاء الجوي إلى صناعة السيارات، يتيح التوأم الرقمي للشركات الاستعداد لما هو قادم، وليس الردّ على ما يحدث الآن فقط.

ميزة القرار

مع اقتراب شركة «ساس» من ذكرى تأسيسها الخمسين، تمثل التوائم الرقمية أكثر من مجرد تكنولوجيا. إنها نموذج جديد لاتخاذ القرارات. يشدد براين هاريس على أن «ساس» لا تقدم إجابات فحسب، «بل ثقة في تلك الإجابات، وهذا ما تبدو عليه ميزة القرار الحقيقية». وكما يبدو أنه من أرضيات المصانع إلى الأسواق المالية، المستقبل مُحاكى ومُحسن ومُؤمن بتوأم رقمي واحد في كل مرة. الرسالة من مؤتمر «SAS Innovate 2025» واضحة: «التوأم الرقمي ليس المستقبل. إنه الحاضر». والسؤال لم يعد عما إذا كانت المؤسسات ستعتمد هذه التكنولوجيا، بل بأي سرعة يمكنها تسخير إمكاناتها الكاملة؟


مقالات ذات صلة

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

تكنولوجيا يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

«بيربليكسيتي» توسع طموحها من البحث إلى الحوسبة الشخصية، ساعية إلى دور أكبر للذكاء الاصطناعي في الاستخدام اليومي للحاسوب.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

دراسة جديدة تطور إطاراً يتيح للروبوتات نقل المهارات بأمان بين منصات مختلفة بما قد يقلل تكلفة الأتمتة والتحديث الصناعي.

نسيم رمضان (لندن)
خاص تقرير «سيسكو» يظهر أن الشبكات اللاسلكية في السعودية لم تعد مجرد بنية اتصال بل أصبحت عنصراً مؤثراً في نمو الأعمال 2030 (شاترستوك)

خاص «سيسكو» لـ«الشرق الأوسط»: الذكاء الاصطناعي يعزز قيمة الشبكات اللاسلكية في السعودية رغم التعقيد

التقرير يرصد تحول الشبكات اللاسلكية في السعودية إلى أداة للنمو وسط تصاعد التعقيد والمخاطر الأمنية وفجوة المهارات.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الميزة لا تعني إزالة «شورتس» نهائياً من المنصة بل تقليص ظهوره والتحكم في استهلاكه (أدوبي)

هل تسعى «يوتيوب» إلى تقليص حضور «شورتس»؟

«يوتيوب» يضيف خيار «صفر دقيقة» لتقليص تصفح «شورتس» في خطوة تمنح المستخدم تحكماً أكبر دون إزالة الخدمة نهائياً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا الدراسة ترى أن تقدم الذكاء الاصطناعي في العمل يحدث تدريجياً عبر نطاق واسع من المهام لا عبر صدمات مفاجئة (رويترز)

دراسة من «MIT»: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل المهام لا الوظائف فقط

تظهر دراسة «MIT» أن الذكاء الاصطناعي يتقدم تدريجياً في إنجاز المهام مع تفاوت قطاعي وفجوة مستمرة في الاعتمادية.

نسيم رمضان (لندن)

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
TT

«بيربليكسيتي» تطرح رؤية أوسع لدور الذكاء الاصطناعي في الحواسيب الشخصية

يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»
يعكس هذا التوجه سباقاً أوسع بين شركات التقنية للسيطرة على واجهة الاستخدام في عصر الذكاء الاصطناعي «بيربليكسيتي»

توسّع «بيربليكسيتي» طموحاتها إلى ما هو أبعد من البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي؛ إذ ترى أن المرحلة المقبلة من الحوسبة الشخصية ستقوم على مساعد أكثر وعياً بسياق المستخدم، وقادر على الاقتراب من نشاطه الرقمي اليومي.

وفي منشور جديد عبر موقعها الإلكتروني بعنوان «The Personal Computer Is Here»، تعرض الشركة هذه الرؤية باعتبارها جزءاً من توجه أوسع لجعل الذكاء الاصطناعي طبقة أكثر حضوراً في التصفح والبحث وتنفيذ المهام، بدلاً من بقائه أداة تُستخدم للإجابة عن الأسئلة المنفصلة فقط. ويتقاطع هذا الطرح مع الاهتمام المتزايد باستراتيجية «بيربليكسيتي» في مجال المتصفح، ومع مساعيها للانتقال من منتج بحث إلى واجهة أوسع للذكاء الاصطناعي الشخصي.

ولا تتمثل أهمية التطور هنا في أن الشركة نشرت بياناً جديداً عن منتجها فحسب، بل في أنها باتت تعرض تقنيتها بوصفها جزءاً من تحول أكبر في طريقة تفاعل المستخدمين مع الحواسيب. فبدلاً من تقديم الذكاء الاصطناعي كإضافة إلى سير العمل القائم، تضعه «بيربليكسيتي» في موقع الطبقة التي يمكن أن يمر عبرها هذا السير نفسه. وهذا يضع الشركة في منافسة أكثر مباشرة ليس فقط مع منافسي البحث بالذكاء الاصطناعي، بل أيضاً مع مطوري المتصفحات والشركات التي تحاول رسم واجهة الاستخدام المقبلة في عصر الذكاء الاصطناعي.

التحول الجديد يشير إلى أن «بيربليكسيتي» تريد أن تؤثر في طريقة استخدام الحاسوب لا في البحث فقط «بيربليكسيتي»

«توسيع دور بيربليكسيتي»

يكتسب هذا التحول أهمية خاصة؛ لأن «بيربليكسيتي» بنت حضورها الأول بوصفها منصة تعتمد على الإجابات المدعومة بالذكاء الاصطناعي والبحث على الويب. أما الآن، فتشير اللغة الجديدة التي تستخدمها الشركة إلى أنها تريد أن تُعرَف بدرجة أقل كوجهة لطرح الأسئلة، وبدرجة أكبر كنظام يفهم سياق المستخدم ويساعده في إدارة أنشطته الرقمية الأوسع. وعملياً، يعني ذلك الاقتراب أكثر من طريقة تصفح الأفراد، ومقارنتهم للمعلومات، واتخاذهم القرارات، وتنفيذهم المهام. وهو ادعاء أكبر بكثير من مجرد تقديم نتائج بحث أفضل.

كما يساعد السياق الصناعي الأوسع في تفسير هذا التوجه؛ فشركات الذكاء الاصطناعي تحاول بشكل متزايد تجاوز واجهات الدردشة المستقلة إلى بيئات برمجية تلتقط قدراً أكبر من النشاط اليومي للمستخدم. وأصبحت المتصفحات ساحة مهمة لهذا التنافس؛ لأنها تحتل بالفعل موقعاً مركزياً في كيفية عمل كثير من الناس على الإنترنت. ومن خلال ربط رسالتها بالحوسبة الشخصية لا بالبحث فقط، تبدو «بيربليكسيتي»، وكأنها تقول إن المتصفح والمساعد الذكي يبدآن في الاندماج.

الانتقال إلى طبقة أكثر التصاقاً بالمستخدم يفرض تحديات تتعلق بالسياق والخصوصية والموثوقية «بيربليكسيتي»

الخصوصية والموثوقية أولاً

لا يعني هذا الانتقال أن الطريق سهل؛ فوجود طبقة ذكاء اصطناعي أكثر التصاقاً بالمستخدم يتطلب الوصول إلى السياق، والاستمرارية عبر المهام، وقدراً كافياً من الثقة حتى يسمح الأفراد للبرمجيات بالاقتراب أكثر من عادات عملهم. وهذه متطلبات أكثر تعقيداً بكثير من مجرد الإجابة عن سؤال أو تلخيص صفحة. كما أنها ترفع سقف التحديات المرتبطة بتصميم المنتج، وتوقعات الخصوصية، والموثوقية. وتوحي الرسائل الأخيرة للشركة بأنها ترى أن هذا التحدي يستحق المخاطرة؛ لأن الميزة التنافسية المقبلة في الذكاء الاصطناعي قد لا تأتي فقط من جودة الإجابة، بل من التغلغل في سير العمل اليومي للمستخدم.

«بيربليكسيتي» توسع موقعها

ما يبرز أكثر من غيره هو اللغة التي باتت «بيربليكسيتي» تستخدمها في تعريف نفسها؛ فالشركة تبدو وكأنها تحاول تثبيت موطئ قدم في فئة تتجاوز البحث، بل حتى تتجاوز الدردشة. إنها تصف مستقبلاً لا يُستشار فيه الذكاء الاصطناعي من حين إلى آخر فحسب، بل يصبح طبقة تشغيل يومية في الحوسبة الشخصية. وهذا إطار استراتيجي أوسع بكثير من ذاك الذي عُرفت به حين ظهرت بدايةً بوصفها شركة ناشئة في البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

وبالنسبة إلى «بيربليكسيتي»، فإن دلالة هذا التحول واضحة؛ فالشركة لا تسعى فقط إلى تحسين الطريقة التي يعثر بها المستخدمون على المعلومات، بل تريد أيضاً أن تؤثر في الطريقة التي يتحركون بها داخل العمل الرقمي كله. وما إذا كانت قادرة على تنفيذ هذا الوعد يبقى سؤالاً مفتوحاً، لكن الاتجاه بات واضحاً: «بيربليكسيتي» تريد أن يكون لها دور ليس فقط فيما يسأله الناس للذكاء الاصطناعي، بل أيضاً في كيفية استخدامهم الحاسوب من الأساس.


دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
TT

دراسة سويسرية: الروبوتات قد تتعلم المهارة نفسها دون إعادة برمجة كاملة

الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)
الدراسة تقدم إطاراً جديداً يتيح للروبوتات نقل المهارات بين منصات مختلفة رغم اختلاف بنيتها الميكانيكية (EPFL)

طوّر باحثون من مختبر «كرييت» (CREATE) في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في لوزان (EPFL) في سويسرا إطاراً جديداً يهدف إلى معالجة واحدة من أكثر المشكلات إرباكاً في الروبوتات الصناعية تتعلق بكيفية تعليم مهارة واحدة لروبوتات مختلفة البنية من دون إعادة البرمجة من الصفر في كل مرة.

الدراسة المنشورة في دورية «Science Robotics» تقدم ما يسميه الباحثون «الذكاء الحركي»، وهو نهج يحوّل المهمة التي يعرضها الإنسان إلى استراتيجية حركة عامة، ثم يكيّفها تلقائياً مع التصميم الميكانيكي لكل روبوت على حدة.

تكمن المشكلة في أن الروبوتات، حتى عندما تُستخدم في أعمال متشابهة، لا تتحرك بالطريقة نفسها. اختلاف ترتيب المفاصل وحدود الحركة ومتطلبات الاتزان يجعل المهارة التي يتعلمها روبوت ما غير قابلة للنقل مباشرة إلى روبوت آخر. ولهذا؛ فإن تحديث أسطول الروبوتات في المصانع غالباً لا يعني استبدال العتاد فقط، بل يشمل أيضاً إعادة تعريف المهام، وضبط حدود الأمان، وإعادة التحقق من السلوك الحركي لكل منصة جديدة. الدراسة الجديدة تحاول فصل «فكرة المهارة» عن خصائص الروبوت الفردي، بحيث يصبح بالإمكان نقلها بين منصات مختلفة بتكلفة أقل وزمن أقصر.

الباحثون حوّلوا المهام التي يعرضها الإنسان استراتيجيات حركة عامة يمكن تكييفها مع كل روبوت على حدة (EPFL)

نقل المهارة بأمان

ولبناء هذا الإطار؛ بدأ الباحثون من مهام تلاعب بالأجسام عرضها إنسان، مثل الوضع والدفع والرمي. استخدم الفريق تقنيات التقاط الحركة لتسجيل هذه المهام، ثم حوّلها رياضياً استراتيجيات حركة عامة لا ترتبط بروبوت واحد بعينه. بعد ذلك، وضعوا تصنيفاً منظماً للقيود الفيزيائية الخاصة بكل تصميم روبوتي، مثل مدى حركة المفاصل والمواضع التي يجب تجنبها للحفاظ على الاستقرار. وبهذا، لم يعد الروبوت ينسخ حركة بشرية أو حركة روبوت آخر كما هي، بل «يفسر» المهارة ضمن حدوده الميكانيكية الخاصة.

في التجربة الأساسية، عرض إنسان مهمة مركبة على خط تجميع كدفع كتلة خشبية من سير ناقل إلى منصة عمل، ثم وضعها على طاولة، ثم رميها في سلة. ووفق التقرير، تمكنت ثلاثة روبوتات تجارية مختلفة تماماً من إعادة تنفيذ التسلسل نفسه بأمان وموثوقية باستخدام إطار الذكاء الحركي. والأهم أن النظام ظل يعمل حتى عند تغيير توزيع الخطوات بين الروبوتات؛ ما يشير إلى أن الإطار لا يحفظ مساراً واحداً فحسب، بل ينقل منطق المهمة نفسه إلى أجسام مختلفة.

أهمية النظام لا تقتصر على إنجاز المهمة بل تشمل الحفاظ على السلوك الآمن والمتوقع داخل حدود كل روبوت (أ.ف.ب)

أتمتة أسرع وأبسط

يقول الباحثون إن القيمة الرئيسية هنا لا تتعلق فقط بإتمام المهمة، بل بضمان أن كل روبوت ينفذها ضمن حدوده الآمنة. رئيسة المختبر أود بيلار وصفت ذلك بأنه معالجة لتحدٍ قديم في الروبوتات متعلق بنقل المهارة المتعلمة بين روبوتات ذات هياكل ميكانيكية مختلفة مع الحفاظ على سلوك آمن ومتوقع. أما أحد الباحثين المشاركين، فأوضح أن كل روبوت «يفسر المهارة نفسها بطريقته، ولكن دائماً ضمن حدود آمنة وقابلة للتنفيذ». هذه النقطة أساسية لأن كثيراً من أنظمة التعلم الروبوتي تُظهر أداءً جيداً في المختبر، لكنها تصبح أقل موثوقية عندما تنتقل إلى منصات أخرى أو إلى بيئات تشغيلية فعلية.

أهمية هذا النهج تظهر بوضوح في التصنيع، حيث يمكن أن يؤدي تبديل الروبوتات أو تحديثها إلى تعطيل طويل ومكلف. فإذا أمكن نقل المهارات بين الروبوتات المختلفة من خلال تمثيل عام للمهمة بدلاً من إعادة البرمجة التفصيلية، فقد يصبح نشر الروبوتات الجديدة أسرع وأكثر استدامة. التقرير يشير أيضاً إلى أن هذا يمكن أن يقلل حجم الخبرة الفنية المطلوبة لتشغيل الأنظمة في البيئات الواقعية، وهي نقطة قد تكون مهمة للشركات التي تريد توسيع الأتمتة من دون الاعتماد الكامل على فرق برمجة متخصصة لكل منصة.

لا يقف طموح الباحثين عند خطوط الإنتاج. فهم يرون أن الإطار قد يمتد إلى التعاون بين الإنسان والروبوت، أو إلى التفاعل المعتمد على اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدم أن يوجه الروبوت بأوامر بسيطة من دون الخوض في برمجة تقنية معقدة. كما يبدو النهج مناسباً للمنصات الروبوتية الناشئة، حيث تتطور العتاد بسرعة وقد تُستبدل النماذج الحالية بأخرى أحدث خلال فترة قصيرة. في هذه البيئات، لا تكون المشكلة في تعليم الروبوت مهمة واحدة فحسب، بل في الحفاظ على تلك المهارة قابلة للنقل مع كل جيل جديد من الآلات.


فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
TT

فيديو: روبوت يرتدي «رولكس» يطارد الخنازير البرية... ويخطف أضواء وارسو

روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)
روبوت بشري يرقص خلال عرض في بوغوتا (أ.ف.ب)

في مشهدٍ بدا أقرب إلى لقطاتٍ من فيلمٍ خيالي، تحوّل روبوتٌ بشري إلى حديث الشارع في وارسو، بعدما ظهر في مقطعٍ مصوّر وهو يطارد خنازير برية بين أحيائها، في ظاهرةٍ جمعت بين الدهشة والطرافة، وأثارت نقاشاً واسعاً حول مستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة.

الروبوت، الذي يحمل اسم «إدوارد وارتشوكي» ويُعرف اختصاراً بـ«إيدِك»، ليس مجرد تجربة تقنية عابرة، بل مشروعٌ طموحٌ وُلد من تعاونٍ بين تقنياتٍ صينية وبرمجياتٍ طُوّرت محلياً. وقد اشتراه رائدا أعمالٍ بولنديان مقابل نحو 25 ألف دولار، قبل أن يعملا على تطوير نظامه ليصبح وفق توصيفهما أول «مؤثر روبوتي» في بولندا. وفقاً لصحيفة «فاينانشال تايمز».

وخلال أسابيع قليلة، خرج «إيدِك» من إطار التجربة المحدودة إلى فضاء الشهرة الواسعة، إذ حقّقت مقاطعه على وسائل التواصل أكثر من 1.5 مليار مشاهدة خلال 45 يوماً، ما جعله ظاهرةً رقميةً لافتةً، تتجاوز حدود الترفيه إلى التأثير الاجتماعي.

لا يقتصر حضور الروبوت على الشاشات؛ فقد بات جزءاً من الحياة اليومية في المدينة، يتنقّل بين الحافلات والمتاجر، ويشارك في فعالياتٍ عامة، بل ويتحوّل أحياناً إلى أداةٍ تسويقية تستعين بها شركاتٌ محلية في حملاتها. ويضيف إلى صورته اللافتة ارتداؤه ساعة «رولكس» مرصّعة بالألماس، في إطار اتفاقية رعاية، ما يعكس تداخلاً غير مألوف بين التكنولوجيا وعالم العلامات الفاخرة.

وبحسب مطوّريه، فإن «إيدِك» يتميّز بقدرةٍ متقدمة على التفاعل الإنساني، إذ جرى تزويده بنموذجٍ لغويٍّ متطور يمكّنه من التحدّث والاستماع بشكلٍ مستقل، فضلاً عن نظام تحديد مواقع (GPS) وقاعدة بيانات تُنشئ ما يشبه «ذاكرةً» رقمية، تمنحه إدراكاً للزمان والمكان.

ويقول أحد القائمين على المشروع إن سلوك الروبوت لم يعد قابلاً للتوقّع دائماً، مضيفاً: «لا نعرف بدقةٍ ما الذي سيقوله، وهذا ما يفاجئنا. كما أنه يتفاعل مع مشاعر من يحدّثهم؛ فإذا واجه شخصاً غاضباً أو محبطاً، يتأثر بذلك ويستجيب بطريقةٍ أقرب إلى التعاطف».

الحضور اللافت للروبوت امتدّ أيضاً إلى المجال العام، حيث التقى بمسؤولين حكوميين، وعقد مؤتمراً صحافياً داخل البرلمان، بل وشارك في نقاشاتٍ مع نواب حول قضايا اجتماعية، في مشهدٍ يعكس تحوّلاً غير مسبوقٍ في دور التكنولوجيا داخل الحياة السياسية.

وفي إحدى المباريات الجماهيرية التي حضرها نحو 20 ألف مشجّع، سرق «إيدِك» الأضواء عند ظهوره على الشاشة الكبيرة، إذ توقّف كثيرون عن متابعة اللقاء، وارتفعت هتافات الأطفال باسمه، في لحظةٍ بدت أقرب إلى احتفاءٍ بنجمٍ رياضي.

ورغم الطابع الترفيهي الذي يحيط بالمشروع، يؤكد مطوّروه أن الهدف يتجاوز ذلك، ليشمل تعريف المجتمع بعالم الروبوتات، والدفع نحو تشريعاتٍ تستقطب الاستثمارات في هذا القطاع سريع النمو، خصوصاً في ظل المنافسة العالمية المتصاعدة، حيث تتقدّم الشركات الصينية، إلى جانب شركاتٍ أميركية مثل «تسلا».

في المحصلة، لا يبدو «إيدِك» مجرد روبوتٍ يرتدي ساعةً فاخرة أو يطارد خنازير برية، بل تجربة إنسانية مفتوحة على أسئلة المستقبل: كيف سيتعايش البشر مع هذه الكيانات الذكية؟ وهل تصبح جزءاً مألوفاً من تفاصيل الحياة اليومية خلال سنواتٍ قليلة؟ الإجابة، كما يبدو، بدأت تتشكّل... خطوةً بعد أخرى.