النظارات الذكية... تطورات كبرى

تدمج الحوسبة بسلاسة أكثر في الحياة اليومية

نظارات "اوريون" الجديدة"
نظارات "اوريون" الجديدة"
TT

النظارات الذكية... تطورات كبرى

نظارات "اوريون" الجديدة"
نظارات "اوريون" الجديدة"

في حدث تقني باهر، وقف مارك زوكربيرغ على مسرح في كاليفورنيا أخيراً وهو يحمل ما بدا أنه زوج من النظارات السوداء السميكة، وأطلق إعلاناً جريئاً: هذه هي أوريون Orion، «أكثر النظارات تقدما في العالم على الإطلاق».

نظارات «أوريون»

تسمح هذه النظارات، التي لا تزال مجرد نموذج أولي في الوقت الحالي، للمستخدمين بإجراء مكالمات الفيديو ومشاهدة الأفلام ولعب الألعاب فيما يسمى بـ«الواقع المعزز»، حيث تتداخل الصور الرقمية مع العالم الحقيقي.

وأظهرت مقاطع الفيديو التوضيحية في «ميتا كونكت»، المؤتمر السنوي للشركة، أشخاصاً وهم يلعبون لعبة «بونغ» Pong على النظارات، حيث تعمل أيديهم كمجاديف. كما أظهرت كذلك استخدام النظارات لعرض شاشة تلفزيون على جدار فارغ تماماً. وقال زوكربيرغ: «كثير من الناس قالوا إن هذه هي أروع تقنية رأوها على الإطلاق».

وبرغم أنك لن تتمكن من شراء النظارات في أي وقت قريب، فإن «ميتا» تروج لمنتجات أبسط بكثير في هذه الأثناء: سماعة الرأس «كويست» الجديدة، وجولة جديدة من تحديثات البرامج لنظارات «راي بان» الذكية الخاصة بالشركة، التي تحتوي على كاميرات ومساعد صوتي بالذكاء الاصطناعي على متنها، ولكن ليس هناك شاشة في العدسات.

تطور تصاميم النظارات

يبدو أن «أوريون» هي محاولة لدمج هذين الجهازين، مما يجلب تجربة حاسوبية غامرة بالكامل إلى تقنية قد يكون الناس بالفعل مرتاحين لوضعها على وجوههم. ولن تكون، كما قد لاحظت، المنتج الوحيد للنظارات الذكية الذي ظهر في الأشهر الأخيرة. إذ تعمل «أمازون»، و«غوغل»، و«أبل»، و«سناب» جميعها رسمياً على بعض إصدارات هذه التقنية، أو يُشاع أنها تفعل ذلك.

تختلف كل شركة قليلاً من حيث التنفيذ، لكنها تشير إلى فكرة واحدة: أن المستقبل يتعلق بدمج الحوسبة بشكل أكثر سلاسة في الحياة اليومية.

لم تعد الهواتف الذكية مثيرة للاهتمام، وقد تراجع سوقها خلال السنوات القليلة الماضية. الفكرة الجديدة الرئيسية هناك هي الشاشات القابلة للطي، التي تسمح فعلياً لهاتفك بالتحول إلى جهاز لوحي - برغم أن مبيعات الأجهزة اللوحية قد تباطأت أيضاً. لم يتم اعتماد أجهزة الواقع الافتراضي التي أنفقت عليها الشركات المليارات على نطاق واسع.

تراهن هذه الشركات بشكل كبير على رغبة الناس في التحقق من الطقس من دون إخراج الهاتف الذكي - وأنهم أكثر استعداداً لارتداء زوج من نظارات «راي بان» المزودة بكاميرات بدلاً من قضاء ساعات في عالم الميتافيرس «الخيالي». وبعد سنوات من البدايات الخاطئة في مجال النظارات، فإنهم يراهنون على أن الذكاء الاصطناعي - على الرغم من بعض الإخفاقات البارزة - سيكون ما يساعدهم في النهاية على تحقيق هذه الرؤية.

سلسلة تطويرات تاريخية

عملت شركات التكنولوجيا على النظارات الذكية لعقود. بدأت أول النظارات الذكية الحقيقية للمستهلكين في الظهور في أواخر الثمانينيات والتسعينيات، لكن لم يحقق أي منها الرواج.

* نظارات «غلاس» Glass. في عام 2013، أطلقت «غوغل» نظاراتها الشهيرة التي يمكن استخدام الإطار المعدني الرقيق فيها المزود بكاميرا وشاشة صغيرة فوق إحدى العينين للتحقق من رسائل البريد الإلكتروني والتقاط الصور والحصول على الاتجاهات.

وكانت النظارات متقدمة على عصرها، لكن الجمهور العام شعر بالخوف من فكرة الكاميرات الموجودة على الوجه التي تراقبهم باستمرار. وفي عام 2015، تخلت «غوغل» عن الفكرة القائلة بأن نظارة «غلاس» قد تكون يوماً ما منتجاً للمستهلك، برغم أن النظارات استمرت كجهاز مؤسسي حتى العام الماضي.

* نظارات «سبكتاكلس» Spectacles. لم يردع فشل نظارة «غلاس» الشركات الأخرى من تجربة الأمر. في عام 2016، أطلقت «سناب شات» أول جيل من نظاراتها التي تسمح للمستخدمين بالتقاط الصور ومقاطع الفيديو من الكاميرات المثبتة فوق كل عين، ثم نشرها على حسابهم.

* نظارات «إيكو فريمز» Echo Frames. في عام 2019، انضمت «أمازون» إلى المضمار عندما أعلنت عن هذه النظارات الذكية - من دون كاميرا مدمجة والمزودة بمساعد «أليكسا» - والتي بيعت للجمهور في العام التالي.

* نظارات «راي بان» Ray-Ban. وأطلقت «ميتا»، التي كانت تسمى سابقاً «فيسبوك»، أول إصدار من تعاونها مع شركة «راي بان» في عام 2021، على الرغم من عدم اكتساب النظارات رواجاً. ثم هناك سماعات الواقع الافتراضي، مثل خط «كويست» من «ميتا».

* نظارة «فيجين برو» Vision Pro. في الصيف الماضي، أعلنت «أبل» عن هذه النظارات. واعتبر بعض الخبراء هذا «عصر النظارات الذكية»، برغم أن الغرض الدقيق من هذه السماعات غالية الثمن غير واضح.

تقبل ضعيف من الجمهور

يبدو أن المستهلكين يتساءلون أيضاً عن الغرض من ورائها. أفاد أحد المحللين أن مبيعات نظارة «فيجين برو» كانت ضئيلة للغاية لدرجة أن «أبل» قلصت من إنتاجها. وبحسب موقع «ذا إنفورميشن»، أوقفت الشركة العمل على النموذج التالي، بينما ألغت «ميتا» جهازها المنافس بالكامل.

من بعض النواحي، تعد لحظة النظارات هذه نوعا من التراجع: اعترافاً بأن الناس قد يكونون أقل ميلا للانغماس تماماً في الواقع الافتراضي أكثر من ارتداء زوج من النظارات الشمسية التي يمكنها تسجيل الفيديو. من المفترض أن تبدو هذه الأجهزة - والإحساس الذي تبعثه - أكثر طبيعية، مع السماح بميزات الحوسبة المحيطة، مثل القدرة على تشغيل الموسيقى في أي مكان فقط عن طريق التحدث أو بدء مكالمة هاتفية من دون الحاجة إلى وضع سماعات الرأس.

تطورات وإشكالات الذكاء الاصطناعي

* الذكاء الاصطناعي هو جزء كبير من هذه التطويرات. التطورات الجديدة في نماذج اللغات الكبيرة تجعل من روبوتات الدردشة الحديثة تبدو أكثر ذكاء وأكثر تحادثية، وهذه التقنية تجد بالفعل طريقها إلى النظارات. وتحتوي كل من نظارات «ميتا» و«أمازون» على مساعدين صوتيين مدمجين يمكنهم الإجابة على الأسئلة (كيف تتنفس الحيتان؟) ويمكنهما تشغيل الموسيقى (شغل «Teenage Dirtbag»).

يمكن لنظارات «راي بان» من «ميتا» القيام بعملية «البحث» باستخدام كاميراتها، مما يوفر وصفاً صوتياً لما هو موجود في مجال رؤيتها. ومن تجربتي، يمكن أن تكون الدقة صائبة أو خاطئة: عندما طلبت من المساعد الصوتي العثور على كتاب شعر على رف الكتب الخاص بي، قال إنه لم يكن هناك كتاب، متجاهلاً مجموعة مختارة من كلمة الشعر في العنوان، برغم أنه حدد نسختي من «ذا ووترغيت» لجوزيف رودوتا عندما طلبت منه العثور على كتاب عن المَعلم، وهو واحد من معالم واشنطن.

وقال زوكربيرغ، في فعالية «كونكت»، إن الشركة تخطط لمواصلة تحسين الذكاء الاصطناعي، مع إصدارين كبيرين في الأشهر القليلة المقبلة. ستمنح هذه التحديثات النظارات القدرة على الترجمة في الوقت الفعلي، وكذلك مسح رموز «الاستجابة السريعة» وأرقام الهواتف على المنشورات أمامك. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي سيكون قادراً على «تذكر» أشياء مثل مكان ركن سيارتك.

وأظهر أحد العروض التوضيحية امرأة وهي تفتش في خزانة ملابسها وتطلب من المساعد الصوتي الذكي مساعدتها في اختيار ملابس لحفلة ذات طابع خاص.

* إشكالات الذكاء الاصطناعي واضحة. ولكن ما إذا كان مساعدو الذكاء الاصطناعي سوف يتحلون في واقع الأمر بالقدر الكافي من الذكاء لكي يدركوا أن كل هذا لا يزال يشكل سؤالاً مفتوحاً إلى حد ما. بشكل عام، يسعى الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى الاستشهاد بمصادره، وغالباً ما يخطئ في فهم الأمور، مما قد يحد من الفائدة الكلية للنظارات الذكية.

وعلى الرغم من أن الشركات تقول إن التكنولوجيا سوف تتحسن يوماً بعد يوم، فإن هذا ليس مؤكداً تماماً: إذ ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أنه عندما حاولت شركة «أمازون» تزويد المساعد «أليكسا» بنماذج لغة كبيرة جديدة، أصبح المساعد في الواقع أقل موثوقية في بعض المهام.

تحديات صعبة

إن منتجات مثل «أوريون» - التي لا تعد فقط بميزات الذكاء الاصطناعي وإنما أيضاً باندماج كامل وسلس للعالم الرقمي في الواقع المادي - تواجه تحديات أكثر صعوبة. من الصعب حقاً أن تدمج الكثير من القدرات في نظارات تبدو شبه طبيعية. إذ تحتاج إلى أن تكون قادراً على تركيب بطارية وكاميرا ومكبرات صوت وشرائح معالجة كل ذلك في جهاز واحد. في الوقت الحالي، حتى بعض من أكثر النظارات الحديثة تتطلب منك أن تكون مرتبطاً بأجهزة إضافية لاستخدامها.

ووفقاً لأليكس هيث من موقع «ذا فيرج»، تتطلب نظارات «أوريون» «قرص الحوسبة» اللاسلكي الذي لا يمكن أن يكون أكثر من نحو 12 قدماً بعيداً عنها - وهو أمر لم يذكره زوكربيرغ بالتأكيد على المسرح.

ولا تتطلب أحدث نظارات «سناب»، التي تم الإعلان عنها في وقت سابق من هذا الشهر، أي أجهزة إضافية - ولكن عمر البطارية لديها يستمر 45 دقيقة فقط، ولا تزال تبدو كبيرة وغير عملية. أصبحت مشكلة الأجهزة مصدر إزعاج لأجيال من النظارات الذكية، ولا يوجد في الأفق حل أنيق.

ولكن ربما يكون التحدي الأكبر الذي يواجه هذا الجيل من النظارات الذكية ليس الأجهزة أو البرامج. إنه تحدٍ فلسفي. فقد يشعر الناس الآن بالضغوط من الطريقة التي تسللت بها التكنولوجيا بصورة شاملة إلى تفاعلاتنا اليومية. إنهم يشعرون بالإدمان على هواتفهم.

* «ذي أتلانتيك»، خدمات «تريبيون ميديا».


مقالات ذات صلة

«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

الولايات المتحدة​ عناصر من إدارة حماية الحدود الأميركية في مدينة منيابوليس بولاية مينيسوتا (رويترز) play-circle

«البنتاغون» يستعد لنشر 1500 جندي في ولاية مينيسوتا

ذكرت صحيفة «واشنطن بوست»، ​الأحد، نقلاً عن مسؤولين، أن وزارة الحرب الأميركية أمرت نحو 1500 جندي في الخدمة بالاستعداد لنشر ‌محتمل في ولاية ‌مينيسوتا.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب) play-circle

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي قوات من الجيش السوري تدخل مسكنة بريف حلب الشرقي أمس (أ.ف.ب)

واشنطن تدعو القوات السورية لوقف «أي أعمال هجومية» بين حلب والطبقة

 حضّ قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، القوات الحكومية السورية على وقف «أي أعمال هجومية».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز) play-circle

ترمب يتعهّد بفرض رسوم جمركية على 8 دول أوروبية بسبب غرينلاند

تعهّد ​الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، بتطبيق موجة من الرسوم الجمركية المتزايدة على الحلفاء ‌الأوروبيين ‌حتى ‌يُسمح ⁠لواشنطن ​بشراء غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري ترمب خلال استقباله السيسي في واشنطن عام 2019 (الرئاسة المصرية)

تحليل إخباري ترمب يعرض على السيسي وساطة بشأن «سد النهضة»

أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطاباً رسمياً إلى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، يعرض فيه استعداد واشنطن لاستئناف مفاوضات «سد النهضة» الإثيوبي.

هشام المياني (القاهرة)

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
TT

صاروخ إعادة البشر إلى القمر يُنقل لمنصة الإطلاق بفلوريدا

مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)
مركبة «أرتميس 2» الفضائية موجودة في الحجرة رقم 3 بمبنى تجميع المركبات بمركز كينيدي للفضاء في كيب كانافيرال (أ.ف.ب)

نقلت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) صاروخها العملاق «إس إل إس»، الذي من المفترض أن يحمل روّاد فضاء إلى مدار القمر في أوّل مهمّة منذ أكثر من 50 سنة، إلى منصّة إطلاق لإجراء تجارب تمهيداً لرحلة «أرتيميس 2».

واستغرقت العمليّة، أمس (السبت)، نحو 12 ساعة، وتعدّ من الخطوات الأخيرة المتبقّية قبل إقلاع المهمّة المرتقب بين مطلع فبراير (شباط) وأواخر أبريل (نيسان).

ونقل الصاروخ الضخم الأبيض والبرتقالي فجراً من مبنى تركيب القطع في اتجاه مجمّع إطلاق الصواريخ «39 بي» في مركز كيندي الفضائي في فلوريدا حيث وصل عصراً، ومن المرتقب أن يخضع لسلسلة من الفحوص.

إن كانت النتائج مرضية، فسيكون في وسع الصاروخ الإقلاع بدءاً من السادس من فبراير، حسب التقديرات الأوّلية لـ«ناسا»، في مهمّة هي الأولى منذ «أبولو» في 1972 تحمل أربعة روّاد، ثلاثة أميركيين وكندي، إلى مدار القمر.

وقال جون هانيكات المشرف على برنامج الصاروخ خلال مؤتمر صحافي، الجمعة: «نحن بصدد كتابة التاريخ»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

صاروخ «ناسا» العملاق أرتميس «إس إل إس» في مركز كيندي الفضائي (أ.ف.ب)

«جعل المستحيل ممكناً»

حضر الروّاد الأربعة، وهم ريد وايزمن وكريستينا هاموك كوك وفيكتور غلوفر وجيريمي هانسن، عمليّة نقل الصاروخ، السبت.

ومع كبسولة «أوريون» التي سيتمركز فيها الروّاد، يبلغ طول الصاروخ 98 متراً، أي أنّه أعلى من تمثال الحرّية، لكنه أقصر بقليل من صاروخ «ساتورن 5» الذي نقل مهمّات «أبولو» المأهولة إلى القمر والممتدّ على 110 أمتار.

وقال الرائد الكندي جيريمي هانسن في تصريحات للإعلام: «أنا متحمّس جدّاً. وفي خلال أسابيع قليلة، ستشهدون على تحليق أربعة أشخاص في مدار القمر. وإن كنّا قادرين على أمر مماثل اليوم، فتخيّلوا ما سيكون في وسعنا فعله غداً». وصرّح زميله فيكتور غلوفر: «نبذل ما في وسعنا لجعل المستحيل ممكناً».

ومن المفترض أن تمتدّ هذه المهمّة نحو عشرة أيّام يدور خلالها الطاقم حول القمر، تمهيداً للرحلة المقبلة التي ستشكّل العودة المنتظرة للبشر إلى سطح القمر بهدف إقامة وجود دائم هذه المرّة.

صاروخ أرتميس العملاق «إس إل إس» التابع لشركة «ناسا» في مركز كيندي الفضائي (أ.ف.ب)

لكن هذه المهمّة تشكّل في ذاتها سابقة على مستويات عدّة. فهي أوّل رحلة إلى مدار القمر تشارك فيها امرأة ورائد غير أبيض وآخر غير أميركي.

«سباق ثان إلى الفضاء»

وقبل الانطلاق، يتحقّق مهندسو «ناسا» من أمن الصاروخ ومتانته. ومن المفترض إجراء سلسلة من الفحوص قبل تدريب عام على عملية محاكاة.

وأطلقت مهمّة «أرتيميس 1» غير المأهولة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 بعد عدّة تأجيلات ومحاولتين سابقتين غير ناجحتين.

ويهدف برنامج «أرتيميس» الذي كشف عنه النقاب خلال الولاية الأولى لدونالد ترمب إلى إقامة وجود بشري دائم على القمر في نهاية المطاف، والتمهيد لرحلات مقبلة نحو المريخ، لكنه تعرض لتأخيرات كثيرة في السنوات الأخيرة، غير أن «ناسا» أحدثت مفاجأة في أواخر 2025 مع إعلانها عن احتمال إطلاق «أرتيميس 2» في «مطلع فبراير» بدلاً من أبريل.

وقد يعزى تقريب الموعد إلى ضغوط من إدارة ترمب الطامعة بكسب «سباق ثان إلى الفضاء» ضدّ بكين بعد ذاك الذي تواجهت فيه الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفياتي إبّان الحرب الباردة.

وبات محور المنافسة اليوم إرسال البشر إلى القمر بحلول 2030 وإقامة قاعدة على سطحه. ومن المرتقب أن يتمّ تأجيل مهمّة «أرتيميس 3» المحدّد موعدها راهناً في منتصف 2027. ويشير خبراء الملاحة الفضائية إلى أن جهاز الهبوط على القمر الذي طوّرته شركة «سبايس إكس»، التابعة لإيلون ماسك، غير جاهز بعد، ما يؤشّر إلى أن الصين قد تسحب البساط من تحت قدمي الولايات المتحدة.


«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين، وذلك استناداً إلى طبيعة محادثاتهم مع المنصة.

وأعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، أنها ستختبر هذه الإعلانات في النسخة المجانية من تطبيق «تشات جي بي تي» للمستخدمين البالغين المسجلين في الولايات المتحدة. كما كشفت عن إطلاق باقة اشتراك جديدة تحمل اسم «Go» بسعر 8 دولارات شهرياً، تتضمن بعض الميزات المحسّنة، مثل ذاكرة أكبر وإمكانات أوسع لإنشاء الصور، وبسعر أقل من باقتي «Plus» (20 دولاراً شهرياً) و«Pro» (200 دولار شهرياً).

وبحسب شبكة «سي إن إن»، سيشاهد مشتركو باقة «Go» أيضاً إعلانات داخل الخدمة، في حين لن تُعرض أي إعلانات لمشتركي باقتي «Plus» و«Pro»، ولا لعملاء «أوبن إيه آي» من الشركات.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد أعرب في وقت سابق، عن تحفظاته إزاء إدخال الإعلانات إلى «تشات جي بي تي». غير أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي الشركة الحثيث إلى إيجاد مصادر جديدة لزيادة الإيرادات من قاعدة مستخدميها التي تُقدَّر بنحو 800 مليون مستخدم شهرياً، وذلك للمساعدة في تغطية تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تعتزم الشركة استثمار نحو 1.4 تريليون دولار فيها على مدى السنوات الثماني المقبلة.

وفي هذا السياق، قال ألتمان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن «أوبن إيه آي» تتوقع إنهاء عام 2025 بإيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار.

وكانت الشركة قد أطلقت العام الماضي، أداة تُعرف باسم «الدفع الفوري»، تتيح للمستخدمين شراء المنتجات مباشرةً من متاجر تجزئة مثل «وول مارت» و«إتسي» عبر «تشات جي بي تي». كما قدّمت أدوات في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، في إطار مساعيها لجعل «تشات جي بي تي» جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمستخدمين، وربما تحفيزهم على الترقية إلى اشتراكات مدفوعة.

وقد تُثبت الإعلانات أنها استراتيجية مربحة لشركة «أوبن إيه آي»، إذ يمكن استغلال المعلومات المستخلصة من محادثات المستخدمين مع «تشات جي بي تي» لإنشاء إعلانات عالية الاستهداف. فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين المساعدة في التخطيط لرحلة، فقد تظهر له إعلانات متعلقة بفنادق أو أنشطة ترفيهية في الوجهة المقصودة.

وكجزء من هذا الاختبار، ستظهر الإعلانات أسفل إجابات «تشات جي بي تي» على استفسارات المستخدمين، مع تصنيفها بوضوح على أنها «إعلانات ممولة». وأكدت «أوبن إيه آي» أن هذه الإعلانات لن تؤثر في محتوى إجابات «تشات جي بي تي»، مشددة على أن المستخدمين «يجب أن يثقوا بأن الإجابات تستند إلى ما هو مفيد موضوعياً».

كما أوضحت الشركة أنها لن تبيع بيانات المستخدمين أو محادثاتهم للمعلنين، مؤكدةً أن بإمكان المستخدمين تعطيل تخصيص الإعلانات المبنية على محادثاتهم في أي وقت.


دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.